عام جديد، عام يبعث على التساؤلات والتفكر فـي الماضي والحاضر والمستقبل. ماذا أنجزت؟ ما الذي أريد أن أنجزه؟ أين أنا اليوم؟ وأين سأكون غدا؟ كلها سؤالات تدور فـي ذهننا مع بدايات كل شيء تقريبا. فـي يوم ميلادنا، فـي بداية السنة الميلادية الجديدة، فـي بداية السنة الهجرية الجديدة، فـي بداية الوظيفة الجديدة؛ إنها تصوراتنا التي نبسطها أمامنا كما لو كانت حياتنا خريطة كنز نجونا فـيها من مخاطر، حزنا فـيها بعض الجوائز الصغيرة أو الكبيرة، ونتطلع للهدف الأكبر، للكنز الكبير، الذي نوجه نحوه بوصلة أهدافنا.
يتوق المرء إلى البدايات توقه إلى الخواتيم، ولكنه فـي مسيره بين المبدأ والمنتهى؛ يشحذ همته تارة، ويقاسي آلامه وأكداره ومنغصاته فـي أخرى، وهو لا يفتأ يعمل ويكدح أملا فـي الوصول وبلوغ الغاية ومنتهى طلبه. ولأنه إنسان، فقد فلسف هذه الرحلة التي هي فـي حقيقتها من العدم إلى العدم، والعدم المقصود هنا هو ضد الوجود لا العدم الفلسفـي، فهو من عدم الرحم إلى عدم الوفاة فـي كد متواصل لا يهدأ أو يستكين. وترتفع آمال المرء وتنخفض بقدر مداركه واستعداداته النفسية ومكوناته الأصلية فـي طبيعته التي تصقلها التجربة فـيما بعد. فمِن راغب فـي الخلاص من وضع، إلى راغب فـي الترقي، ومِن متفكر مدبر، إلى عابث لا يدري أين تحمله الحياة وتنوء به الأقدار، أينما شاءت وابتغت. وليس هذا موضع الحديث عن أصل التفاوت بين الناس الذي أفرد له الفـيلسوف السويسري-الفرنسي جان جاك روسو كتابا بأكمله يحمل نفس العنوان، ولكنه كما قال المتنبي:
وَإِذا كانَتِ النُفوسُ كِبارا
تَعِبَت فـي مُرادِها الأَجسامُ
إن المرء فـي كده الدؤوب يبتغي أن يكون فـي مكان غير المكان الذي هو فـيه، فهو غير راض عن حاله وغير راكن إلى وضعه ومكانه، يبتغي مكانا وحالا أفضل وأحسن مما هو عليه وفـيه. فهو أبدا توَّاق إلى التنقل، فالجائع منتقل من جوعه إلى حالة الشبع، والفقير منتقل من فقره إلى حالة الغنى، والضعيف المقهور منتقل إلى التحرر والقوة، وهكذا دواليك. ولهذا يأتي دور التخطيط والتدبير فـي المقام الأول، والمكان الأرفع لمن ابتغى أن يكون بحال غير التي هو فـيها اليوم. يبدأ المرء حياته وهو مليء بالحماسة والرغبة فـي التغيير، فـيرقى بنظره إلى السماوات الممتدة الشاسعة ولسان حاله «هذا الكون لي، وبيدي تغييره». ثم ما تلبث أن تهب عليه رياح الأقدار تعبث بسفـينته، فـيتجهم ويسقط فـي يديه، ثم يؤوب بعد سنوات مدركا لجذر المشكل ومبدئه، وهو نفسه وذاته. إن التغيير ما لم ينبع من الذات، لم يكن له أثر ولا له جدوى، ومن يطلب حياة خالية من المنغصات والأكدار فكأنما هو ينسى أو يتناسى أنها جِبلَّة الحياة وطبيعتها كما يقول التهامي فـي رائيته العذبة الفـيّاضة:
طُبِعَتْ على كَدَرٍ وأنت تريدها
صفواً من الأقذاءِ والأكدارِ!
نعيش اليوم حياة ثرية لم يحلم بها الإنسان من قبل، حياة مليئة بالسهولة والبساطة واليسر مقارنة بما مضى. ولكن عذاباتها الأولى، وأساس المشكل فـيها هو ذهني محض. فلم يعد الإنسان يستعبد أخاه الإنسان برسن ثقيل فـي يديه أو قدميه، بل بات الاستعباد عقليا ذهنيا. فمن يرضى بجرعة الدوبامين الصغيرة، ويبحث عنها فـي الأمور الصغيرة، فلا فارق بينه وبين تجربة عالم النفس الأمريكي بورهوس فريدريك سكينر، يعبثت به أعداؤه وحاسدوه بشيء ظاهره فـيه الرحمة، وباطنه من قبله العذاب. والدوبامين أو هرمون السعادة كما يُعرَّفُ عادة، يرتبط بفعلنا لأشياء بعينها، واستجابتنا لتلك الأفعال، وخطورته تكمن فـي ارتباطه ببعض الأشياء الضارة التي نختارها بمحض إرادتنا ثم تغدو متحكمة بنا لا طاقة لنا بها. فالمدمن على استعمال مواقع التواصل الاجتماعي، أو المدمن على المواد المخدرة، يجد ضالته من جرعة الدوبامين فـيما يفعله، وهنا مكمن الخطورة. بينما الذي يدرك الكيفـية التي يتعامل معها بها مع نفسه، فهو يستعمل الدوبامين ويتحكم به فـي صالحه ومنافعه التي تقرّبه من تحقيق أهدافه، أو تساعده فـي تحقيقها، فهو الممسك بقياد نفسه ولجامها، لا كما فـي حالة المدمن اليائس. ولذلك نجد بعض المتصوفة يقولون فـيما معناه «المتعة فـي الرحلة، لا فـي الوصول فحسب»، فتغدو الأعمال الاعتيادية، والرحلة اليومية هي السعادة، لا نهايات تلك الأعمال فحسب.
ولكن ما دخل كل هذا بالعام الجديد؟ إن مراجعة النفس فـيما مضى من العمر، تتيح لنا وضع المقصل على المفصل، ووضع البلسم على الجراح، فنعرف بمراجعتنا المواطن التي فرطنا فـيها فـي جنب أنفسنا، والمواضع التي كنا فـيها فـي أوج عطائنا والنسخة الأفضل من أنفسنا، وهي الغاية من عملنا وسعينا بطبيعة الحال. تمثل الأشياء الجديدة بداية جديدة غير مرتبطة بسابقتها، والجديد كما فـي اللسان «.. وثوب جديد، وهو فـي معنى مجدود، يراد به حين جده الحائك أي: قطعه. والجدة: نقيض البلى يقال: شيء جديد، والجمع أجدة وجدد وجدد..». فمن معاني الجديد إذن هو القطع، والقطع لا يكون إلا لشيء كان متصلا بشيء آخر، فما معنى العام الجديد فـي حياتنا إذن؟ إنه يعني بلا شك أن هذا العام الذي أتى، انقطع عما سبقه، فالذي انصرم قديم مضى بخيره وشره، والآتي صفحات بيضاء بيدنا أن نملأها خيرا أم شرا وفق اختيارنا ورغبتنا وقدرتنا على تحمل ما اخترناه وأردناه وارتضيناه مسلكا ومبدأ. سمي الإنسان إنسانا لنسيه كما يقول البعض، ولأن مقالة اليوم تضمنت بعض الأضداد، فلا يضير أن نضيف ضدا آخر، وهو التذكر. قلت بأن الحياة اليوم أيسر وأغنى، فنحن اليوم نقف على الصخرة الأكثر علوا فـي تاريخ التطور البشري، والذكي الفطن من يستعمل الأدوات المتاحة له بوفرة لتكون حياته، وحياة من يحب أفضل وأجود. ومن الحماقة أن أستعمل الجمل فـي تنقلاتي اليومية إن كنت أملك سيارة، وكذلك تعاملنا فـي حق أنفسنا، فمن الحماقة أن نكرر أخطاء الماضي. وقد أثبت علماء النفس والإدارة أهمية التوثيق والتخطيط فـي تغيير المستقبل، فلماذا لا تكون بداية هذا العام رحلة التغيير الشخصية فـي حياتنا؟ ولنبدأها بأن نسجل أهدافنا، ونخطط لتحقيق تلك الأهداف، ثم نراجع تطورنا واقترابنا من أهدافنا على فترات، وهو ذات الأمر الذي تفعله المؤسسات الناجحة فـي شتى المجالات. أما عن تغيير العالم، فإن تغيير العالم يبدأ حين يحمل ثلة من الناس على عاتقهم أن يتغيروا ويغيروا من أنفسهم للأحسن، فبتغيُّرهم ذاك يتغير العالم عبرهم وحولهم، فكم ذا تغيرنا بالمشاهدة والعيان، أكثر مما تغيرنا بالقراءة والتلقين! والحياة مسرح وكتاب مفتوح، يقرأه الإنسان ليزيده بصيرة ونورا، فلنجعل من عامنا هذا عام بصيرة إذن.
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
إقرأ أيضاً:
حيلة المناشف وقميص ميسي.. تفاصيل العملية التي أطاحت بشبكة الـ 32 مليون دولار
صادرت هيئة الجمارك وحماية الحدود الأميركية أكثر من 445 ألف قطعة مقلدة مرتبطة بكأس العالم 2026، بينها قمصان كرة قدم، خلال عمليات أمنية نُفذت في أنحاء البلاد بالتزامن مع البطولة، فيما قدرت الخسائر التي تكبدتها الصناعة بسبب هذه التجارة غير المشروعة بنحو 32 مليون دولار.
وقبيل المباراة النهائية التي أقيمت على ملعب "ميتلايف" في نيوجيرسي، أطلقت السلطات الأميركية عملية حملت اسم "صافرة النهاية"، استهدفت بيع وتوزيع المنتجات المقلدة بصورة غير قانونية.
اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2الفيفا يبرئ الجزائر والنمسا في تقرير الـ 104 مبارياتlist 2 of 2لامين جمال وهالاند يتصدران قائمة أغلى لاعبي العالم بعد مونديال 2026end of listوكان قميص النجم الأرجنتيني ليونيل ميسي الأكثر حضورًا بين المضبوطات.
وقال فرانك روسو، مدير العمليات الميدانية في مكتب الجمارك وحماية الحدود الأميركي بنيويورك، في تصريحات لصحيفة "ذا أتلتيك": "إنه ميسي. لقد شاهدنا الكثير من قمصان ميسي، خصوصًا مع المستوى الرائع الذي قدمه. نضبط قمصان مختلف اللاعبين، لكن الأكثر شعبية هم الأكثر حضورًا".
وفي الأكشاك المؤقتة المنتشرة قرب المناطق السياحية المحيطة بميدان "تايمز سكوير"، كانت قمصان الأرجنتين تُباع مقابل 30 إلى 40 دولارًا، مقارنة بنحو 110 دولارات للنسخ الرسمية من شركة أديداس. ومع تجمع المشجعين الأرجنتينيين في المنطقة قبل النهائي وبعد خسارة منتخب بلادهم، كان قميص ميسي رقم 10 الأكثر رواجًا.
وأقر العديد من المشجعين، عندما سألتهم الصحيفة عن قمصانهم، بأنها نسخ مقلدة منخفضة السعر، اشتروها داخل الولايات المتحدة أو عبر الإنترنت.
وفي نيويورك وحدها، أسفرت عمليات ضبط 2000 طرد وتفتيش 1400 رحلة جوية وشحنة بضائع عن مصادرة 65 ألف قطعة.
وفي المدن الأمريكية الـ11 المستضيفة لمباريات البطولة، نفذت جهات إنفاذ قانون أخرى، بينها المركز الوطني لتنسيق حقوق الملكية الفكرية، مداهمات استهدفت الأكشاك المحيطة بالملاعب ومراكز المدن، ضمن عملية حملت اسم "اللاعب الجماعي".
إعلانوأسفرت العمليات عن ضبط كميات كبيرة، من بينها 16 ألف قطعة في ميامي و12 ألفًا في هيوستن، إضافة إلى 16 ألف قطعة أخرى في تورونتو الكندية، إحدى المدن المستضيفة للبطولة.
وقال روسو: "كما يحدث مع سوبر بول، نشهد دائمًا زيادة هائلة في عدد هذه الشحنات ليس فقط قبل المباراة النهائية، بل حتى بعد نهايتها".
حيلة "المناشف"وفي إحدى الشحنات التي أثارت انتباه المحققين، أظهرت بيانات الحمولة أن محتوياتها لا تتجاوز المناشف، لكن عملية التفتيش كشفت عن حقيقة مختلفة تمامًا، إذ عثر المحققون على أكثر من 2000 قطعة من المنتجات المقلدة، بينها قمصان كرة قدم مرتبطة بالبطولة.
وتكشف هذه الواقعة عن الأساليب التي تلجأ إليها شبكات تهريب المنتجات المقلدة لإخفاء طبيعة بضائعها وتضليل عمليات التفتيش الجمركي، من خلال تسجيل محتويات الشحنات على أنها سلع عادية لا تثير الشبهات.
وتزداد صعوبة التصدي لهذه التجارة بالنظر إلى حجم تدفق هذه المنتجات إلى السوق الأميركية، إذ تشير البيانات إلى أن ما بين 60 و70% من السلع المقلدة التي تصل إلى الولايات المتحدة عبر الشحن الجوي والبحري مصدرها الصين وهونغ كونغ، اللتان تُعدان من أبرز مراكز تصنيع قمصان كرة القدم المقلدة في العالم.
وتستغل هذه الشبكات الطلب الكبير على قمصان المنتخبات والنجوم، خصوصًا خلال البطولات الكبرى، لطرح نسخ أرخص من القمصان الرسمية، مستفيدة من فارق الأسعار لجذب المشجعين، قبل إدخال هذه المنتجات إلى الأسواق عبر شحنات قد تُسجل أحيانًا تحت أوصاف لا تعكس محتوياتها الحقيقية.
وأكدت هيئة الجمارك وحماية الحدود الأميركية أن هدفها لا يقتصر على حماية حقوق الملكية الفكرية، بل يشمل أيضًا حماية الأمن الاقتصادي ومنع وصول عائدات هذه التجارة إلى "أيدي المنظمات الإجرامية" أو الجهات المستفيدة من العمل القسري.
وأقر روسو بصعوبة إقناع المشجعين الذين يرون أن أسعار القمصان الرسمية مرتفعة، قائلاً إن السلطات بحاجة إلى بذل جهد أكبر لتوعية الجمهور بالمخاطر، ومنها إمكانية استخدام عائدات تجارة المنتجات المقلدة في تمويل أنشطة تتراوح بين الإرهاب وغسل الأموال وغيرها من الجرائم.