المحللون يجيبون.. هل ستتوقف الحرب بالسودان في عام 2025؟
تاريخ النشر: 2nd, January 2025 GMT
مع مطلع عام 2025، تكون الأزمة في السودان أكملت نحو 20 شهرا من الحرب المشتعلة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع التي راح ضحيتها ملايين الأشخاص بين قتيل ومصاب ونازح ولاجئ، بالإضافة إلى خسائر اقتصادية لم يقدر حجمها بعد.
واشتعلت شرارة هذه الحرب في 15 أبريل/نيسان 2025، نتيجة خلاف سياسي -كما أُعلن وقتها- إذ كان رئيس مجلس السيادة الانتقالي عبد الفتاح البرهان يرى أن مدة عامين كافية لدمج قوات الدعم السريع في القوات المسلحة السودانية، لكن قائد هذه القوات محمد حمدان دقلو (حميدتي) رفض هذه المدة، وطالب بـ10 سنوات حتى إتمام عملية الدمج.
لكن العديد من المحللين والخبراء يرون أن هناك أسبابا عديدة تقف وراء اشتعال الحرب بين قوات الجيش وفصيل عسكري كان لوقت قريب جزءا من هذه القوات، ومع استقبال السودان عاما جديدا وهو يعايش الآثار المدمرة لهذه الحرب، استشرف عدد من المحللين والخبراء -في مقابلات مع الجزيرة نت- آفاق الصراع في السودان خلال عام 2025، ويمكن إجمالها في ما يلي:
الحرب الحالية امتداد لصراع تاريخي يدور منذ الخمسينيات بين الإسلاميين وما يسمون أنفسهم التقدميين. الحرب الحالية بين القوات المسلحة للدولة وجماعة أخرى ليست من الدولة في شيء حتى وإن جاءت بها الدولة لتحقيق أغراضها. إنهاء هذه الحرب لا يتم إلا بمعالجة الأسباب الحقيقية والتاريخية لهذا الصراع. يجب إيقاف الحرب أولا ثم تكون هناك بيئة مستقرة تمكّن الشعب والحكومة من مزاولة الحياة. إيقاف الحرب هو الحل وليس مجرد الوصول إلى تفاهمات سياسية ثم تندلع الحرب بعد فترة وجيزة من جديد. قبيل نهاية عام 2024 سيطر الجيش على المزيد من الأراضي وانتصر في معارك عديدة وتغيرت خريطة السيطرة العسكرية على الأرض. قريبا جدا سيعلن الجيش سيطرته على الخرطوم ومحيطها. هناك أسباب عديدة تقف وراء التقدم الذي يحرزه الجيش حاليا وانكسار قوات الدعم السريع في العديد من الجبهات. الأحزاب السودانية لم تتعلم من دروس فشلها في إدارة الصراع السياسي واستقوت بالجيش والدعم السريع ولم تتخذ موقفا موحدا من الحرب. فشل العمل السياسي هو السبب الأول في اندلاع الحرب، والأحزاب دخلت مرحلة من الضعف والتدهور. الفعل الحزبي والمدني ضعيف ولن يكون قادرا على تقديم مبادرات توقف الحرب أو تسهم في حلول سياسية. السياسيون في السودان هم المسؤولون عن هذه الحرب إلى جانب العسكريين. إعلان
القوى السياسية المؤيدة للدعم السريع يجب أن تكفر عن خطيئتها بدفاعها عن جرائمه في حق الشعب السوداني. التدخل الخارجي هدفه إعادة هندسة المنطقة والسيطرة على السودان وموقعه الإستراتيجي بثرواته المختلفة. حجم الدعم الخارجي الذي تتلقاه قوات الدعم السريع أصبح معلوما للجميع وكذلك مصادره. التدخل الخارجي هو السبب الرئيسي لهذه الحرب وسيظل إحدى المشكلات التي يعاني منها السودان. التدخل الخارجي كان مصمما على الإيحاء بأن الدعم السريع يسيطر على الخرطوم وأجزاء واسعة من السودان. ننظر إلى العام القادم بمزيد من الأمل في عودة اللاجئين والنازحين إلى ديارهم وممتلكاتهم. تقدم الجيش في العديد من المناطق قد يمثل ضغطا على قوات الدعم السريع وقد يقبلون وقفا للحرب. هناك العديد من المبادرات الطموحة والمبشرة لكنها لا تقدم حلولا جذرية لأسباب الصراع. الموقف الإقليمي الأفريقي من هذه الحرب عقيم ويعد سلبيا من الحكومة السودانية الحالية. إسهامات المؤسسات الأممية خجولة في محاولة إيقاف الحرب في السودان. كثير من المبادرات التي حاولت إيقاف الحرب لم تكن محايدة وساندت قوات الدعم السريع.
يقول أستاذ الإعلام بجامعة قطر عبد المطلب صديق إن التدخل الخارجي هو السبب الرئيسي لهذه الحرب في الأساس، وما زال إحدى المشكلات التي سيعاني منها السودان بسبب المصالح الاقتصادية والسياسية الكبيرة للدول الأخرى وللموقع الجغرافي المتميز للسودان.
قوات الدعم السريع نفسها كانت وليدة التدخل الخارجي، وتحققت قوتها الضاربة بعد أن أصبحت شريكة للاتحاد الأوروبي في محاربة الهجرة غير النظامية، وحصولها على أموال طائلة من هذا الباب، بالإضافة إلى القفزة الكبيرة التي حققتها بالمشاركة في مواجهة الحوثيين باليمن.
هذا التدخل أوجد انتهاكات شديدة ضد المدنيين السودانيين في البشر والممتلكات عامة والخاصة والاقتصاد وغيرها من الجرائم الكثيرة التي ارتكبتها قوات الدعم السريع.
إعلانمع دخول عام 2025، تصبح الحرب أكثر تعقيدا، وتكون قراءة المستقبل أكثر صعوبة في ظل التدهور الكبير الذي لحق بالبنية التحتية في السودان؛ فالقطاع الصحي يوشك أن يخرج عن الخدمة، والقطاع التعليمي أوشك أن يتوقف بالكامل الآن، وبالكاد أجريت امتحانات الشهادة الثانوية في ظل تحديات كبيرة جدا.
يبقى الأمل قائما في أن تتوقف آلة الحرب حتى نبدأ في صناعة بيئة مستقرة نسبيا تمكّن الحكومة والشعب من مزاولة الحياة الطبيعية، فالمجتمع أصبح بكامله خارج دائرة العمل والإنتاج، وبالتالي خارج دائرة النمو، ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه في عام 2025 هو: كيف يعود المورد البشري نفسه إلى دائرة الإنتاج في ظل هذه التحديات؟
الحل العسكري لا يمثل حلا حقيقيا للأزمة، بدليل أنه في بداية الحرب كان وضع الدعم السريع الأقوى والأكثر سيطرة على كامل المواقع الحيوية، لكن الأمر انتهى به -بعد 12 شهرا- إلى ما يقارب لا شيء. كما أن إيقاف الحرب هو الحل وليس التوصل إلى تفاهمات سياسية فقط ثم سرعان ما تندلع الحرب بعد فترة وجيزة.
الحكومة السودانية أمام تحد حقيقي؛ فالمجتمع قد يتعرض لانهيار داخلي نتيجة نقص الخدمات الصحية والاجتماعية والاقتصادية والتعليمية والأجور، وكل هذه المتطلبات تحتاج إلى استقرار نسبي وسلطة وقانون وتشريع.
عودة الأمن والاستقرار إلى الخرطوم يعني عودة المزيد من السكان إلى بيوتهم وممتلكاتهم، كما يوفر للحكومة القدرة على تقديم المزيد من الخدمات في مناطق جغرافية قريبة، ويجعل المواطن يشعر بدور الحكومة في رفع المعاناة وعودة النازحين واللاجئين وممارسة الأنشطة التجارية والزراعية.
فشل العمل السياسي يقف وراء اندلاع هذه الحرب، لأن قبول النظام السياسي الديمقراطي الحر التعددي في السودان كان محل أزمة منذ الاستقلال، وبالتالي لم تجد الأحزاب فرصة للتعبير عن نفسها، وعندما وجدت لم تقدم الحلول المرجوة منها نتيجة الحروب أو المواجهات أو الضغوط من النظم العسكرية القائمة، وأحيانا من داخل هذه الأحزاب نفسها.
إعلان
ليس من السهل تقديم فكرة تصلح للخروج من هذا النفق وإيقاف هذه الحرب، لكن هناك جملة حلول تبدأ بإيقاف الحرب، ثم عدالة انتقالية تعيد إلى الضحايا حقوقهم ومكاسبهم وممتلكاتهم، ثم تهيئة البنية التحتية لاستقبال المواطنين في مدنهم وقراهم ومزارعهم حتى تعود الحياة، ثم عقد اجتماعي جديد يؤسس إلى حل سياسي مجتمعي يضع حلولا للنزاعات العرقية ويمهد إلى دستور دائم ينزع فتيل الحرب القبلية التي طالما تأججت منذ استقلال السودان.
ويقول اللواء ركن متقاعد أسامة عبد السلام الخبير الأمني والعسكري إن تحالفات القوى السياسية في السودان هي المسؤولة عن هذه الحرب، وعليها أن تكفر عن خطاياها وتعترف للشعب السوداني بذلك، ثم تأتى مسؤولية القوى العسكرية لأنها كانت أشبه بمن يربي أسدا إلى أن قام هذا الأسد بمحاولة التهام الدولة السودانية.
بعض الدول المجاورة للسودان ولغت في دماء السودانيين، وأسهمت بقدر كبير جدا في إمداد قوات الدعم السريع بالموارد البشرية والتسليح.
الحسم العسكري ليس بعيدا، وكل التحليلات والوقائع تشير إلى ذلك من خلال محاولة كفكفة أذى هذا التمرد وتجفيف منابعه والقضاء عليه وربما بنسبة 90%، ثم تأتي بعد ذلك مرحلة الحوار مع من تبقى مع هذه المليشيا، فالحوار يكون في النهاية بعد أن تصل القوات المسلحة إلى أهدافها الإستراتيجية.
الجيش السوداني امتص الصدمات الأولى لقوات الدعم السريع، ثم يتحول الآن إلى التقدم نتيجة إسهام القوات الجوية في إفشال الهجوم المضاد ومراقبة جميع التحركات، والصناعات الدفاعية التي يصنعها السودان داخليا، والتفاف الشعب السوداني حول الجيش مع إجماع وطني باعتباره مؤسسة وطنية؛ مما أسهم في أن يخرج الجيش من حالة الدفاع عن مقراته إلى الهجوم والمبادرة.
بعض المبادرات التي قدمت ليست محايدة، لأن الوسطاء القائمين عليها لهم مواقف متناقضة من الدولة السودانية، ويتبنون أجندة قوات الدعم السريع وروايتها عن الانتهاكات التي تحدث ضد المدنيين ومؤسسات الدولة.
إعلانمن الوارد أن يعلن الجيش السوداني قريبا السيطرة على الخرطوم، لكن انتقال الحكومة إليها من بورسودان يحتاج بعض الترتيبات وتهيئة البنية التحتية الخاصة بتقديم الخدمات ومعالجة مسألة الجثث في الشوارع والقذائف غير المتفجرة واستعادة المدينة عافيتها حتى تكون قادرة على استقبال المواطنين والحكومة.
يقول أستاذ التاريخ الأفريقي في جامعة ميزوري الأميركية عبد الله إبراهيم إننا في السودان ورثنا وضعا سياسيا فيه انقسام حاد بين مجموعتين: تتمثل الأولى في جماعة التقدم، والجماعة الثانية ما نسميها الفلول أو "الكيزان"، والمقصود بهم جماعة الإخوان المسلمين، وما بينهما من صراع تاريخي يعود إلى الخمسينيات وسط حركة الطلبة.
يجب على الجميع الابتعاد عن الثأرية التاريخية وإدراك أن البلاد واقعة في حرب بين قوات مسلحة وجماعة أخرى -مهما قلت عنها- هي جماعة ليست من الدولة في شيء، وإنما جاءت بها الدولة في يوم من الأيام لتحقيق بعض أغراضها.
الموقف الإقليمي والأفريقي من الحرب في السودان عقيم، ورأينا شكوى الحكومة من الإيغاد وتوقفها عن المشاركة في أعمالها، كما صدرت عن القادة الأفارقة ملاحظات عن القادة السودانيين في غاية السلبية.
لم يمنع وجود الحكومة السودانية في مدينة بورسودان من أداء واجباتها في حدود أن هناك حربا مشتعلة، فقد انتهت الامتحانات في مدن وأماكن سودانية وفي أنحاء متفرقة من العالم، لكن ذلك دفع بعض المعارضة إلى اتهام الحكومة بأنها تعمل على تكريس الانقسام.
وهذا يعكس عادة المعارضة في اختراع مخاوف التقسيم، كما أن تهويل الأمور لا يساعد في تأمين الناس وطمأنتهم، ووجود في الحكومة في بورسودان أو الخرطوم رمزي، ولا يكون سببا للتباكي أو التخاذل، فالحكومة تستمر في أداء مهامها، والقوات المسلحة تحرر بيتا بعد بيت، واللاجئون يعودون من مناطق لجوئهم إلى المدن التي تم تأمينها.
إعلانإنهاء الحرب لا يكون بالفصل بين القوات المتقاتلة، بل بعد أن تستتب للسودانيين دولة مدنية حديثة، دولة خالية من الدعم السريع، ويمكن تحقيق ذلك عبر الحرب أو التفاوض أو بأي صورة من الصور.
السياسة السودانية والطاقات فيها يجب أن تتعدد وتسلك طرقا متنوعة ولا تُخضع نفسها لقوالب السياسة التاريخية.
وقال أستاذ الدراسات الإستراتيجية والأمنية أسامة عيدروس إن الحرب في السودان حدثت لفشل السياسة السودانية في تجاوز الصراع الصفري بين مختلف الجماعات والأحزاب السياسية حول السلطة، وكانت تستعين بالجيش والدعم السريع في تكرار للدائرة التي تدور في السودان؛ وهي انتخابات تفضي لحكم ديمقراطي ثم انقلابات عسكرية ثم ثورة ثم فترة حكم انتقالي، لكن أحزاب السودان يبدو أنها لم تتعلم الدرس وفشلت في إدارة صراعها السياسي، ثم فشلت في أن يكون لها موقف موحد تجاه الحرب الحالية.
الحرب كانت مفاجئة حتى للذين خططوا لها، فقد أرادوا عملية انقلاب سريع يتم فيه الاستيلاء على السلطة في الخرطوم، خاصة بعد التموضع الإستراتيجي الذي قامت به قوات الدعم السريع في الخرطوم ومحيطها.
المخطط الخارجي أيضا كان يسير بنفس الخطوات التي سارت بها عملية الانقلاب، حيث لاحظنا أن أزمة السودان دخلت إلى مجلس الأمن بعد أسبوع واحد فقط من اندلاع الحرب داخل الخرطوم، وكأن الأمر كان معدا له، وكان هناك حديث عن فصل أو بند سابع للتدخل في السودان.
التدخل الخارجي في السودان يهدف إلى إعادة هندسة المنطقة من أجل السيطرة على موقعها الإستراتيجي وثرواتها، وزاد من ذلك أن الخرطوم نفسها كانت ضعيفة، فمنذ 4 سنوات لم تشهد استقرارا، وبالتالي لم تكن هناك إدارة مدنية خلال هذه الحرب، وهذا سيضاعف من معاناة السودانيين في العام القادم.
أكثر المراقبين تشاؤما يقولون إن الجيش يستطيع في القريب العاجل أن يسيطر على كامل مدينة بحري وكامل مدينة أم درمان ويبدأ في حصار الجيوب داخل مدينة الخرطوم بما فيها القيادة العامة والمطار والقصر الجمهوري.
إعلانوإذا تحررت الخرطوم في مطلع العام الحالي وتأمن مطار الخرطوم والقيادة العامة والقصر الجمهوري، يمكن تأسيس حكومة أكثر قدرة على إدارة شؤون الناس في فترة الحرب، لأن الحرب ليست أعمالا عسكرية فقط، فهي تحتاج إلى إدارة مدنية واسعة.
كلما سيطر الجيش السوداني على منطقة وأصبحت تحت حمايته، يعود إليها أهلها بكثافة، وهذا يزيد العبء في العام القادم على الحكومة، لأن هؤلاء جاؤوا إلى مناطق ليس فيها خدمات ومنهوبة بالكامل، ويحملون معهم كل الذكريات الأليمة من جراحات الحرب وويلاتها.
السودان يحتاج إلى النظر في القضايا التي تنقله من حالة الحرب إلى السلام، وتنقل أحزابنا جميعا من حالة الصراع السياسي إلى التوافق، وأن نجد نظاما يتم فيه التداول السلمي للسلطة بصورة تضمن للجميع فرصا متكافئة من أجل الوصول للسلطة، وأن تصبح السلطة بيد الشعب وليست بيد السياسيين الذين يتقاسمون الحصص والامتيازات والمصالح فيما بينهم.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: حريات قوات الدعم السریع الدعم السریع فی القوات المسلحة الجیش السودانی التدخل الخارجی إیقاف الحرب فی السودان هذه الحرب العدید من الحرب فی عام 2025
إقرأ أيضاً:
مشروعا قانون في الكونغرس لتجفيف تمويل الحرب وتعزيز حماية المدنيين
يتجه التعاطي الأميركي مع الحرب في السودان نحو مرحلة جديدة، مع تقدم مشروعي قانون داخل الكونغرس يهدفان إلى تشديد الضغوط على أطراف النزاع وداعميهم، عبر توسيع العقوبات، وتجفيف مصادر التمويل والتسليح، وتعزيز حماية المدنيين، وإعادة تنشيط الدور الأميركي في جهود إنهاء الحرب.
التغيير ــ وكالات
وينظر مجلس الشيوخ في مشروع قانون منع العدوان الخارجي وتصعيد النزاع في السودان لعام 2026، المعروف باسم قانون سلام السودان (PEACE in Sudan)، فيما يبحث مجلس النواب قانون الانخراط الأميركي في السلام السوداني، الذي يطرح رؤية أوسع تشمل العقوبات، والمساعدات الإنسانية، وحماية المدنيين، ودعم العملية السياسية.
ورغم اختلاف نطاق كل مشروع، فإنهما يعكسان توافقاً متزايداً بين الجمهوريين والديمقراطيين على تحويل السياسة الأميركية تجاه السودان من إجراءات تنفيذية متفرقة إلى إطار تشريعي دائم، يركز على محاسبة أطراف الحرب، والجهات التي تمولها أو تزودها بالسلاح، إضافة إلى المسؤولين عن الانتهاكات وعرقلة وصول المساعدات الإنسانية.
ولا يزال المشروعان في مراحلهما التشريعية، إذ يحتاج كل منهما إلى إجازة المجلس الذي ينتمي إليه، قبل التوصل إلى صيغة موحدة يعتمدها مجلسا الكونغرس، ثم تُحال إلى الرئيس الأميركي للتوقيع عليها لتصبح قانوناً نافذاً.
مشروع مجلس الشيوخ
قدم رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ، السيناتور الجمهوري جيم ريش، إلى جانب السيناتور الديمقراطي كريس كونز، مشروع قانون سلام السودان بدعم من الحزبين، وأقرت اللجنة المختصة المشروع في يونيو الماضي تمهيداً لطرحه أمام المجلس.
ويمنح المشروع الإدارة الأميركية صلاحيات أوسع لفرض عقوبات على قادة القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، إلى جانب الأفراد والجهات التي تقدم التمويل أو السلاح للطرفين، كما يوسع نطاق العقوبات الحالية.
ويلزم المشروع الإدارة الأميركية بتقديم تقارير دورية إلى الكونغرس حول التدخلات الخارجية وشبكات التمويل والتسليح المرتبطة بالحرب، فضلاً عن تحديث التحذيرات الخاصة بالاستثمار والتعاملات التجارية مع السودان.
كما يقترح تمديد ولاية المبعوث الأميركي الخاص إلى السودان من عامين إلى خمسة أعوام، مع تعزيز الرقابة البرلمانية على تطورات النزاع، ومنع توجيه أي دعم مستقبلي قد يسهم في إعادة تمويل المؤسسات العسكرية أو الأمنية المتهمة بتقويض مسار الانتقال المدني.
مشروع مجلس النواب
في المقابل، يتبنى مشروع قانون الانخراط الأميركي في السلام السوداني رؤية أشمل للسياسة الأميركية تجاه السودان، إذ يدعو إلى دعم وقف إطلاق النار، وحماية المدنيين، واستئناف العملية السياسية وصولاً إلى حكم مدني ديمقراطي.
ويلزم المشروع الإدارة الأميركية بوضع استراتيجية متكاملة للتعامل مع الأزمة، تشمل حماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، ودعم جهود السلام، إلى جانب استخدام النفوذ الأميركي لتوسيع حظر الأسلحة ليشمل جميع أنحاء السودان.
كما يمنح الإدارة صلاحيات واسعة لفرض عقوبات على الأفراد والكيانات المتورطة في جرائم الحرب أو عرقلة المساعدات الإنسانية، بما يشمل تجميد الأصول، وحظر التعاملات المالية، ورفض منح التأشيرات، فضلاً عن ملاحقة المتهمين بارتكاب جرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب.
حماية المدنيين وإمكانية دعم قوة دولية
ويتضمن مشروع مجلس النواب بنداً يتيح للولايات المتحدة دعم بعثة تابعة للأمم المتحدة أو الاتحاد الأفريقي، أو قوة متعددة الجنسيات، إذا تقرر نشرها في السودان لحماية المدنيين.
كما يوجه الإدارة الأميركية إلى استخدام نفوذها داخل الأمم المتحدة للدفع نحو إعداد خطط عملية لحماية المدنيين، وتوثيق جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية، والعمل على إزالة القيود التي تعرقل وصول المساعدات الإنسانية.
ولا يعني ذلك اتخاذ قرار أميركي بإرسال قوات إلى السودان، وإنما يهيئ أساساً قانونياً يسمح بدعم أي بعثة دولية أو أفريقية قد يتم الاتفاق على نشرها بتفويض دولي.
استهداف داعمي الحرب
ويشترك المشروعان في التركيز على دور الأطراف الخارجية في إطالة أمد النزاع، إذ يطالبان الإدارة الأميركية بتحديد الحكومات والجهات التي تزود طرفي الحرب بالسلاح أو التمويل أو أي شكل من أشكال الدعم، وتقييم مدى مخالفة تلك الأنشطة لحظر الأسلحة المفروض على السودان.
ويمضي مشروع مجلس النواب خطوة أبعد، إذ ينص على حظر بيع المعدات الدفاعية الأميركية الرئيسية لأي دولة يثبت دعمها العسكري لأحد طرفي النزاع، مع منح الرئيس الأميركي صلاحية استثناء محدود إذا اقتضت ذلك اعتبارات الأمن القومي.
كما ناقشت لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ مقترحات مماثلة لمنع مبيعات السلاح للدول الداعمة لأي من طرفي الحرب، وحظيت بتأييد عدد من أعضاء الحزبين، إلا أن بعضها لم يُدرج في الصيغة النهائية للمشروع.
العدالة والمساءلة
ويولي مشروع مجلس النواب اهتماماً خاصاً بمسار العدالة، إذ يدعو إلى دعم جهود توثيق الانتهاكات وجمع الأدلة وحفظها، وملاحقة المسؤولين عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية، بما في ذلك جرائم العنف الجنسي المرتبطة بالنزاع.
ويمتد نطاق المساءلة، وفق المشروع، ليشمل الانتهاكات المرتكبة منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023، إضافة إلى الجرائم المرتبطة بانقلاب 25 أكتوبر 2021 وما أعقبه من انتهاكات.
كما يدعو المشروع إلى دعم عملية سياسية لا تقتصر على الأطراف العسكرية، وإنما تشمل منظمات المجتمع المدني والنساء والشباب والمجتمعات المهمشة، ضمن مسار دستوري يقود إلى استعادة الحكم المدني.
تحول في السياسة الأميركية
ويعكس تقدم المشروعين داخل لجنتي العلاقات الخارجية في مجلسي الشيوخ والنواب اتجاهاً متنامياً داخل الكونغرس يرى أن العقوبات الفردية والبيانات الدبلوماسية لم تعد كافية للتأثير في مسار الحرب، وأن المطلوب هو إطار تشريعي أكثر صرامة يربط بين الضغط على أطراف النزاع، ومحاسبة داعميهم الخارجيين، وحماية المدنيين، ودفع عملية سياسية تقود إلى الحكم المدني.
وفي حال إقرار المشروعين بصيغة موحدة، فسيشكلان أول إطار تشريعي أميركي متكامل للتعامل مع الحرب في السودان، واضعين العقوبات والمساءلة وحماية المدنيين ومكافحة التدخلات الخارجية في صلب السياسة الأميركية تجاه الأزمة.
الوسومتجفيف تمويل الحرب تعزيز حماية المدنيين جهود إنهاء الحرب مشروعا قانون في الكونغرس