حضور تركيا في سوريا وتغيير موازين القوى الإقليمية
تاريخ النشر: 3rd, January 2025 GMT
ما إن سقط النظام السوري حتى أدركت إسرائيل أن فرصة ذهبية توفرت لها لإعادة تشكيل محيطها، خصوصا أن هذا السقوط عنى أيضا انهيارا لـ"محور الشر" ولنظرية "طوق النار" الإيراني.
ولكن ما لم تكن مستعدة له هو احتمالات أن تحل مكان هذا المحور قوة جديدة تملك مطامح وأهدافا لا تقل خطورة عما كان وربما أكبر. والأمر يتعلق بتركيا القوية الطامحة إلى إعادة تشكيل الشرق العربي بشكل يضمن لها فيه موقع ريادة حتى في مواجهة إسرائيل.
وسرعان ما بدأت التحليلات في إسرائيل تتطرق إلى ما بات ينظر إليه كخطر جديد يتمثل في كون تركيا أو نفوذها صار على خط الحدود.
وزاد في الطين بلة من وجهة نظر إسرائيل التقارب الجاري -وبقوة- بين تركيا وكل من المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية خصوصا بعد اتفاق السعودية شراء 100 طائرة تركية حديثة من طراز قآن.
وتخشى إسرائيل أكثر من أي شيء تبلور محور "سني" يحل بديلا عن المحور الشيعي، ويقف في مواجهتها.
الاستثمار بسورياوكانت "معاريف" نشرت أن "سقوط نظام بشار الأسد في سوريا يوشك على تغيير خريطة موازين القوى في الشرق الأوسط – في ظل دخول متجدد لتركيا كقوة عظمى إقليمية، الأمر الذي من شأنه أن يؤدي إلى مواجهة مباشرة مع إسرائيل".
إعلانولاحظت الصحيفة أن تركيا استثمرت منذ عام 2011 في سوريا موارد عسكرية واقتصادية كبيرة ليس فقط لضرب المشروع الكردي وإنما أيضا ضمن تطلعات لاستعادة مكانة عثمانية.
ولاحظ الدكتور حاي إيتان ينروجيك، الخبير في الشؤون التركية في مركز موشي ديان في جامعة تل أبيب، أن الأتراك "بعد أن نجحوا، بخطوة سريعة في دحر إيران وروسيا من سوريا، يسعون لأن يملؤوا الفراغ الناشئ".
وفي نظره لا يقتصر السعي على الشمال السوري وإنما يتجه أيضا نحو الجنوب، ومن مراقبة المواقف التركية ترى إسرائيل مخططات أنقرة لإعادة شق خط الحديد الحجازي، إسطنبول دمشق، وشق طريق سريع بين تركيا وسوريا.
فضلا عن إقامة مطارات وموانئ تركية في سوريا. كما تخشى إسرائيل كذلك ضم أجزاء من سوريا مما يقلص المياه الاقتصادية القبرصية، ويمنع تمديد أنابيب الغاز التي تربط إسرائيل – قبرص – اليونان.
وقبل نشر الأنباء عن تطورات العلاقة بين تركيا وكل من السعودية ودولة الإمارات كانت إسرائيل، كما يقول ينروجيك، تتخيل نشوء تحالفين مركزيين في المنطقة: التحالف الإسرائيلي، ويتشكل من قبرص واليونان وإلى جانبهما الأردن، ودولة الامارات وفي الخلفية العربية السعودية.
وفي المقابل تحالف تركيا، مع سوريا، لبنان وليبيا". وفي هذا السياق لا يمكن تجاهل التحسن الكبير في العلاقات التركية المصرية والتي تفتح الباب واسعا أمام تبلور قوة إقليمية مهمة في مواجهة إسرائيل.
تركيا والسعوديةوجاءت أنباء الاتفاق التركي السعودي على صفقة شراء 100 طائرة شبح تركية مشابهة لـ"إف35″ الأميركية والتي تبلغ قيمتها مليارات الدولارات لتهز المفاهيم الإسرائيلية عن شدة التنافر بين الدولتين.
ورغم أن الصفقة في أحد معانيها تعني نية السعودية تقليص اعتمادها على أميركا، فإنها بمعانيها الأخرى توفر دعما قويا ليس فقط للاقتصاد التركي وإنما أيضا لمكانة تركيا الإقليمية.
إعلانومن الجائز أن هذه الصفقة تنبئ عن تحالف تركي سعودي لتوجيه مستقبل سوريا بما يعزز مكانتهما ويبعدهما عن دائرة الصدام. وليس مستبعدا أن يقود الأمر إلى توسيع هذا التحالف للتأثير أيضا في مستقبل كلٍّ من العراق ولبنان.
ويحذر الخبير الإسرائيلي ينروجيك، من واقع "أن اللاعب التركي لاعب عدائي تمامًا تجاهنا. في الوقت الحالي، لا أعتقد أن لديهم القدرة على التأثير على عملية صنع القرار في المملكة العربية السعودية. ورغم ذلك يمكن القول إنه اتجاه غير سعيد لدولة إسرائيل، ففي نهاية المطاف نرى السعودية كلاعب أكثر اعتدالًا، فيما نرى تركيا تسير فعليًا في الاتجاه المعاكس".
ويرى أن "تركيا حاليا تتبنى سياسة خارجية عدوانية للغاية هنا فيما يتعلق بمبيعات الأسلحة. فهم يمتلكون صناعة عسكرية راقية توفر لهم مصدر دخل، وهم يعرفون كيفية تقديم خدمة هنا، تتم مقارنتها بمنتجات الولايات المتحدة أو مقدمي خدمات آخرين بينهم إسرائيل، على سبيل المثال، فتبدو أرخص بكثير".
"أردوغانستان"ومن جهة أخرى، يرى العميد احتياط عميت ياغور في مقالة نشرها أيضا في "معاريف" بعنوان "الخطر الذي لا يتحدثون عنه: أردوغان يقرب حدوده من إسرئيل"، أن على إسرائيل أن تعلم أن "أردوغانستان" تنشأ في سوريا بدعم تركي قطري وأن تركيا تنشئ نظاما جديدا في الشرق الأوسط.
وكتب أنه "بصمت نسبي في قنوات الأخبار في إسرائيل ينشأ هذه الأيام سياق إستراتيجي بالغ الأهمية – تركيا (وقطر) تسيطر على سوريا، وقد شرعت ببلورة النظام الإقليمي الجديد. معنى ذلك – أمام أنظارنا نموذج الإمبريالية العثمانية على نمط أردوغانستان -أي- منطقة حركة ونفوذ لمحور الإخوان المسلمين السني المتطرف".
وأضاف أن هذا المحور "يحل عمليا مكان محور المقاومة الشيعي الذي انهار بإخراج سوريا من المعادلة". وفي نظره "في النهاية، كل فراغ مصيره أن يملأ، وفعلا بدأ أردوغان بملئه بسلسلة خطوات سريعة. ووسيلته هي سوريا الجديدة".
وتطرق ياغور إلى سلسلة تصريحات أطلقها مسؤولون أتراك، بينهم أردوغان نفسه، تتحدث عن سوريا وكأنها ولاية في تركيا الكبرى وإلى اهتمام تركيا بالقضايا الداخلية السورية خصوصا المسألة الكردية.
إعلانوأشار على وجه الخصوص إلى تصريح وزير المواصلات التركي بشأن البدء بمفاوضات مع سوريا حول ترسيم الحدود البحرية "ما يسمح للبلدين بزيادة مناطقهما الاقتصادية البحرية للتفتيش عن مصادر الطاقة"، وكذلك حديثه عن التعاون في مجال توسيع البنى التحتية للموانئ على البحر المتوسط.
وربط هذه التصريحات بالاتفاق التركي الليبي عام 2019 لرسم الحدود البحرية بين البلدين عبر تجاهل اليونان وما تبعه من إرسال تركيا سفن تنقيب عن الغاز مصحوبة بسفن حربية. وأشار إلى أن تركيا حاولت أيضا الحصول على موطئ قدم بحري في لبنان لهذه الغاية.
هيمنة إقليميةومن الملاحظ أن صراعا سافرا أحيانا ومستترا أحيانا أخرى قائمٌ بين إسرائيل وتركيا على أرضية تنافس بينهما على هيمنة إقليمية. ويجد هذا الصراع أحد تجلياته في العلاقة الإسرائيلية اليونانية في مقابل العلاقات التركية العربية.
ويدور جزء من هذا الصراع أساسا حول البحر والتنقيب عن النفط والغاز فيه وأحيانا حول مشاريع مد خطوط غاز أو كهرباء في البحر. وطبعا توجد قبرص والموقف منها في قلب هذا الصراع.
وقد طوّرت إسرائيل من علاقاتها العسكرية والتعاون في مجالات الطاقة (الغاز) مع اليونان وقبرص اليونانية حيث باعت اليونان منظومات دفاع جوي وزادت من تدريباتها الجوية معها. وبالتعاون مع إسرائيل قررت اليونان إنشاء منظومة دفاع جوي ضد المسيّرات والصواريخ فضلا عن مشروع كامل لتحديث قواتها البرية.
وزادت إسرائيل مؤخرا من مساعيها لتكثيف التعاون مع اليونان في مجال الطاقة ومنشآت الغاز على أمل أن تغدو مصدرا أساسيا للغاز إلى أوروبا عبر اليونان وقبرص.
وفي هذا السياق أعلن وزير الطاقة الإسرائيلي، إيلي كوهين، أن "الطاقة الإسرائيلية باتت مصدر قوة سياسية. وقد وصلت لليونان لتعزيز العلاقات بين الدولتين في مجالات الطاقة عموما، والغاز خصوصا، الذي يعتبر ذخرا إستراتيجيا لدولة إسرائيل".
إعلانوأكد كوهين أن "هذه العلاقات تعزز مكانتنا كقوة طاقة عظمى إقليمية، ما يخدم الاقتصاد الإسرائيلي ويعزز الاستقرار والازدهار في الشرق الأوسط".
مثير للاستفزازولكن ما يثير استفزاز تركيا من إسرائيل أكثر من أي شيء آخر على الصعيد اليوناني هو ما عبر عنه أيضا وزير الطاقة الإسرائيلي عندما قال: "إن اتفاق توسيع التعاون مع اليونان يمتلك أهمية إستراتيجية للدولتين. فقد اتفقنا على تسريع إنشاء الكابل الكهربائي التحت مائي الذي سيربط آسيا بأوروبا عن طريق دول الخليج، إسرائيل واليونان".
ورأى كوهين أن "مثل هذا التعاون سينوع مصادر الطاقة في أوروبا، وسيسهم في استقرار وازدهار الشرق الأوسط، وسيزيد أمن الطاقة عندنا، ويحول إسرائيل إلى جسر بين الشرق والغرب ويعزز مكانتنا كقوة عظمى إقليمية في مجال الطاقة".
فالدور الذي تتطلع له إسرائيل على هذا الصعيد ينظر إليه في تركيا على أنه سرقة للدور وللمكانة التركية. فتركيا هي الدولة الوحيدة القائمة على أرض كل من آسيا وأوروبا وهي الأقرب بريا إلى مصادر الطاقة العربية ويمكنها من دون جهد كبير أن تكون الجسر المتين والأوفر بين آسيا وأوروبا.
ولذلك فإن تركيا، وبعد تعاظم نفوذها في سوريا وإصلاح علاقاتها مع السعودية ودول الخليج العربية الأخرى، ترى أن هذا الدور من حقها الحصري وهي لن تتخلى عنه لإسرائيل.
وهنا ثمة أهمية للعودة مباشرة إلى الأنباء الأخرى حول الدور التركي في مواجهة إسرائيل في سوريا. فعدا عن الإدانة التركية لاعتداءات واحتلالات إسرائيل لمناطق ومواقع سورية ومطالبة الأمم المتحدة بالعمل على إخراج إسرائيل وإلزامها باحترام السيادة السورية، طلبت منها إشعارها بأي هجمات قد تخلق صداما مع قواتها.
ويذكّر هذا بالطلب الروسي من إسرائيل حين أنشأت روسيا قواعد عسكرية في سوريا عام 2015 وتدخلت قواتها لدعم النظام.
إعلانويشير هذا الطلب إلى أن تركيا تحل مكان روسيا كلاعب فائق الأهمية في الحلبة السورية وإلى رغبتها في نيل الاعتراف بذلك، كما يعكس التغييرات في توازن القوى الإقليمي.
تسهيلات تركيةعلى كل الأحوال فالمؤسسة العسكرية الإسرائيلية تتابع التطورات في سوريا بقلق وهي لا تثق بإدارة الجولاني للحكم هناك وتعتقد أن تركيا بعلاقاتها الدولية سهّلت لهذه الإدارة تسلم مقاليد الحكم.
ويقول رجال المؤسسة العسكرية بإسرائيل إن تركيا دولة ذات تطلعات إقليمية، وإنها باتت "تعنينا جدا في هذه اللحظة". ويضيفون: "هذه دولة مع سكان يبلغ عددهم 84 مليون نسمة، الاقتصاد رقم 17 في العالم، مع قوة إنتاج ناجعة على نحو خاص".
كما يؤكدون أن لدى تركيا "قوة بحرية عسكرية كبيرة ومهمة، سلاح جوها مثل سلاحنا (إسرائيل) في العدد، وإن لم يكن مثله في النوعية، ولديهم أيضا قوة برية مهمة وقوية".
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: حريات الشرق الأوسط فی سوریا أن ترکیا
إقرأ أيضاً:
حضور لافت في الجمعية العمومية العادية لاتحاد نقابات المهن الطبية
شهدت قاعة دار الحكمة بشارع قصر العيني بوسط القاهرة حضورا لافتا من أعضاء الجمعية العمومية اتحاد نقابات المهن الطبية، للمشاركة في أعمال الجمعية العمومية العادية لاتحاد، والتي تشهد مناقشة عدد من البنود يتصدرها الدعوة لرفع الحراسة عن نقابة الصيادلة.
وأعلن الدكتور أسامة عبد الحي، رئيس اتحاد المهن الطبية ونقيب الأطباء، اكتمال النصاب القانوني للجمعية العمومية العادية للاتحاد، بحضور أكثر من 500 عضو من أعضاء الاتحاد، الذي يضم نقابات الأطباء البشريين، وأطباء الأسنان، والصيادلة، والأطباء البيطريين، معلنا افتتاح أعمال الجمعية العمومية.
ومن المقرر أن تناقش الجمعية العمومية عددًا من الملفات المهمة المدرجة على جدول الأعمال، والتي تشمل:
* تقرير الأمين العام.
* تقرير أمين الصندوق.
* عرض تقرير مراقب الحسابات عن ميزانيات الأعوام 2020 - 2021.
* عرض تقرير الجهاز المركزي للمحاسبات عن ميزانيات الأعوام 2020 - 2021.
* اعتماد ميزانيات الأعوام 2020 - 2021.
* اختيار مراقب الحسابات وتحديد أتعابه.
* المطالبة برفع الحراسة عن نقابة الصيادلة.
* مناقشة موقف تمويل الأندية.
* مناقشة قصر استثمارات أموال الاتحاد على الأوعية الادخارية البنكية.
* مناقشة تحصيل المديونيات المتأخرة المستحقة على النقابات الأربع.
* مناقشة مقترح زيادة قيمة المعاش.
وكان الاتحاد قد أعلن عن مجموعة من الضوابط المنظمة لحضور الأعضاء، فيما وجه نقيب أطباء مصر، دعوة إلى أعضاء الاتحاد للمشاركة في أعمال الجمعية وذلك قبل 24 ساعة من بدء الأعمال.
ويضم اتحاد نقابات المهن الطبية أربع نقابات هي: الأطباء البشريين، وأطباء الأسنان، والصيادلة، والأطباء البيطريين، فيما تعد الجمعية العمومية أعلى سلطة لاتخاذ القرارات المتعلقة بشؤون الاتحاد وصناديقه وأنشطته.
وأوضح اتحاد نقابات المهن الطبية أن تسجيل الحضور يبدأ في تمام الساعة العاشرة صباحًا، على أن يتم تسجيل أعضاء كل نقابة داخل مقر نقابتهم، بينما يتم تسجيل أعضاء نقابة أطباء الأسنان بمقر دار الحكمة.
وأكد الاتحاد أن التسجيل يتطلب سداد اشتراك عام 2025، مع ضرورة اصطحاب كارنيه النقابة وبطاقة الحضور التي يتم استلامها من النقابة عند الدخول إلى مقر الجمعية.
وأشار إلى أن النصاب القانوني لانعقاد الجمعية العمومية العادية يكتمل بحضور 300 عضو، وفي حال اكتمال النصاب تبدأ أعمال الجمعية في تمام الساعة الثانية ظهرًا.
وفي السياق ذاته، دعا نقيب أطباء مصر، الدكتور أسامة عبد الحي، أعضاء نقابة الأطباء إلى المشاركة في أعمال الجمعية العمومية، مؤكدًا أهمية الحضور والمشاركة في مناقشة الموضوعات المدرجة على جدول الأعمال، بما يعزز دور الجمعية العمومية باعتبارها السلطة العليا للاتحاد.
وتكتسب الجمعية العمومية لاتحاد المهن الطبية أهمية خاصة، باعتبارها المنصة التي يناقش خلالها أعضاء النقابات الأربع القضايا المتعلقة بإدارة الاتحاد، وأوضاع أعضائه، والملفات المالية والإدارية، إلى جانب اتخاذ القرارات والتوصيات التي تسهم في تطوير أداء الاتحاد وتحقيق مصالح أعضاء المهن الطبية.
ومن المقرر أن تستقبل دار الحكمة أعضاء الجمعية اعتبارًا من الساعة العاشرة صباحًا لإتمام إجراءات التسجيل، تمهيدًا لانعقاد الجمعية رسميًا في الثانية ظهرًا حال اكتمال النصاب القانوني المقرر بحضور 300 عضو.