بيان مشترك بشأن إحياء الذكرى السنوية العشرين لاتفاقية السلام الشامل في جنوب السودان
تاريخ النشر: 10th, January 2025 GMT
لقد صادف التاسع من كانون الثاني/يناير الذكرى السنوية العشرين لاتفاقية السلام الشامل. وقد رحبت حكوماتنا بهذا الاتفاق التاريخي، بما في ذلك النص المتعلق بوجوب إجراء استفتاء يحدد فيه شعب ما يُعرف اليوم بجنوب السودان مستقبله. وقد تم توقيع اتفاقية السلام الشامل وسط أمل كبير في أن يتمكن
مذكرة إعلامية
مكتب المتحدث الرسمي
10 كانون الثاني/يناير 2025
فيما يلي نص البيان المشترك الصادر عن حكومات النرويج والمملكة المتحدة وألمانيا وكندا وهولندا والولايات المتحدة.
بداية النص:
لقد صادف التاسع من كانون الثاني/يناير الذكرى السنوية العشرين لاتفاقية السلام الشامل. وقد رحبت حكوماتنا بهذا الاتفاق التاريخي، بما في ذلك النص المتعلق بوجوب إجراء استفتاء يحدد فيه شعب ما يُعرف اليوم بجنوب السودان مستقبله. وقد تم توقيع اتفاقية السلام الشامل وسط أمل كبير في أن يتمكن شعب جنوب السودان من التمتع بالسلام وحقوق الإنسان وحكومة تلبي احتياجاته.
لكن من المؤسف أن هذا الأمل لم يتحقق. فعلى الرغم من الموارد الطبيعية الهائلة التي يتمتع بها جنوب السودان، فإن ثروة البلاد ما زالت لا تفيد سوى نخبة صغيرة. وعلى مدى سنوات، فشلت الحكومة الانتقالية في استخدام الإيرادات العامة بشفافية لدفع رواتب موظفي القطاع العام، أو ضمان الوصول إلى الخدمات الصحية والتعليمية الأساسية، أو خلق بيئة مواتية للتنمية المستدامة. إن الفساد وسوء إدارة الموارد الطبيعية متفشيان على نطاق واسع.
ولم تتخذ الحكومة الانتقالية الخطوات اللازمة لتهيئة الظروف لإجراء انتخابات سلمية وموثوقة، بما في ذلك تعزيز المساحة المدنية والسياسية اللازمة لإعطاء شعب جنوب السودان صوتًا في مستقبل بلدهم. نحن نجدد دعوتنا للحكومة الانتقالية للتحرك على وجه السرعة للوفاء بالتزاماتها التي طال انتظارها حتى يتمكن جنوب السودان أخيرًا من تحقيق الوعد الذي بشر به اتفاق السلام الشامل بتحقيق السلام والازدهار لجميع مواطنيه.
المصدر
المصدر: سودانايل
كلمات دلالية: السلام الشامل جنوب السودان
إقرأ أيضاً:
تعايش وسلام اجتماعيين: رؤية سيوسولوجية.. (10)
تعايش وسلام اجتماعيين: رؤية سيوسولوجية.. (10)
دعبدالناصر علي الفكي
أستاذ جامعي ومدير مركز تنمية التعايش الاجتماعي
تقدّم الرؤية السوسيولوجية النقدية لفهم أزمة التعايش الاجتماعي ومعوقات السلام في السودان مقاربة تتجاوز القراءات السياسية الضيقة واتفاقيات المصالحات السطحية، لتتشعب في تحليل البنى الاجتماعية والثقافية المستترة والظاهرة التي تنتج وتعيد إنتاج الصراع، من خلال مقاربة مفهوم الخوف بتمظهراته المتعددة بوصفه العائق الأكبر أمام تحقيق السلام المجتمعي المستدام. فـ”سوسيولوجيا الخوف” ليست مجرد انفعال تلقائي ولحظي، بل هي أداة ممنهجة سياسياً واجتماعياً يتم توظيفها بوعي لصناعة الكراهية وتعزيز الانقسامات، إذ عبر استغلال مخاوف الجماعات المختلفة – سواء كانت مخاوف وجودية مرتبطة بالبقاء، أو اقتصادية تتعلق بالكسب، أو هوياتية تتصل بالعرق والثقافة – يتم إعادة تشكيل وعي الأفراد والجماعات بشكل يحول دون قدرتهم على رؤية الآخر المختلف كشريك حقيقي في بناء الوطن والسلام.
وهنا تكمن الخطورة البالغة لهذه الآلية الخفية، فهي لا تقف عند حد التأثير النفسي العابر، بل تؤدي إلى تكريس التصنيفات المسبقة والصور النمطية المدركة ، يصبح الآخرون بأعراقهم وانتماءاتهم السياسية والثقافية والاجتماعية أهدافاً للوصم والتخوين والعداء الذي يتدرج في عنفه حتى يصل إلى درجة القتل والإبادة، وهي ممارسات تنسف في النهاية أساس المواطنة المتساوية وتهدد البناء الاجتماعي من الداخل. إن صناعة بناء الكراهية تتم بتغذية الخوف المدمر لا تستهدف فقط استبعاد الآخر، بل تعيد تشكيل وعي الجماعات بأكملها، فتجعلها تعيش في حالة استنفار وفزع وتجييش دائم تجاه كل ما هو مختلف، وتدفع نحو تبني مواقف متطرفة لا تميز بين العدو والصديق، وتهدّد عمليات التبادل الاقتصادي والثقافي والاجتماعي، ولا تعترف بحق الآخر في الوجود المشترك، مما يغذي دوامة العنف الصراعي كبديلاً عن السلام وقبول الآخر .
ترفض الرؤية النظرة الاختزالية للحرب في السودان في لحظة محددة، بأنها ليست وليدة الخامس عشر من أبريل عام 2023 ، بل نتيجة حتمية لتراكمات تاريخية وسياسية وثقافية واجتماعية للنظم المتعاقبة منذ الاستقلال عام 1956، فهي ليست حدثاً طارئاً، بل هي إضافة سيئة أخرى في البنية المعقدة التراكمية للسياق الثقافي والسياسي السوداني المأزوم. هذه النظرة التاريخية تدعو إلى عدم الاكتفاء بمعالجة الأعراض العاجلة لإيقاف إطلاق النار، بل تتطلب مقاربة جذرية تعالج الأسباب الهيكلية المتراكمة التي أنتجت هذا الواقع المأزوم، تلك الأسباب التي ظلت لعقود تغذي مخاوف الجماعات وتعمق الانقسامات بينها، وتجعل الدولة عاجزة عن تقديم نموذج حقيقي للعدالة والمواطنة المتساوية، فتتحول إلى ساحة لتنافس النخب على السلطة والثروة على حساب المشتركات الاجتماعية الهشة أصلاً.
ولعل مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، تمثل نموذجاً يكشف هذه التحولات المأساوية للوضع الراهن؛ فهي المدينة التي اشتهرت بوصفها نموذجاً رمزياً للتسامح والتعايش وقبول الآخر، بفضل تداخلها الإثني والعرقي الفريد وتصافها الاجتماعي والثقافي، تحولت في زمن الحرب إلى مرآة مصغرة تعكس مأساة الوطن بأكمله، حيث بدأت تتجه بثقافة الحرب القذرة نحو الانهيار، وهي من المدن القلائل التي ظن الكثيرون أن معادلاتها الاجتماعية الراسخة محصنة ضد التمزق بحكم عوامل الإنتاج والتداخل الاجتماعي. المؤشرات تدلل على أن ما حدث في الأبيض لم يكن نتيجة لعوامل عارضة، بل انعكاساً لتراكمات الخوف الممنهج التي طالما غذتها السياسات الإقصائية لجماعات الحرب، فتحولت المدينة من نموذج للتنوع المتناغم إلى مسرح للاقتتال والنزوح والتهتك البنيوي، وأصيبت بعلة الحرب نحو هشاشة التعايش في غياب العدالة والاعتراف الحقيقي بالآخر، وهو ما يؤكد أن أي سلام لا يعالج جذور الخوف ويهدئ مخاوف الهوية والوجود هو مجرد هدنة مؤقتة تنتظر انفجارها في أي لحظة.
إن صناعة السلام الحقيقي في السودان لن تمر عبر الاتفاقات السياسية فقط، بل تتطلب تفكيكاً واعياً بالفكر الاستراتيجي لآليات الخوف والكراهية التي طالما غذتها النخب المتعاقبة، وصولاً إلى إعادة بناء المجتمع على أسس من العدالة والاعتراف بالآخر، وهو ما يمثل تحدياً معرفياً وسياسياً وثقافياً يتطلب جهداً مضاعفاً، لأن السلام الحقيقي لا يبنى على هدنة بين الأطراف المتنازعة فقط، بل على إعادة بناء الثقة بين الجماعات، وتفكيك عناصر المخاوف المتراكمة التي تحول دون رؤية الآخر شريكاً وليس عدواً. على الجميع أن يعمل ويسترشد بالإرادة الوطنية لإنهاء هذه الحرب العبثية المدمرة، والقيام بسلطة مدنية تعبر عن الجميع، تعيد الاعتبار للمواطنة المتساوية وتؤسس لتعايش حقيقي يليق بتنوع السودان الغني وتاريخه العريق.