يا عم يا صاحب الجَمَال.. السلطان أحمد عدوية أيقونة الفن الشعبى
تاريخ النشر: 11th, January 2025 GMT
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
أسطي الأسطوات وعصير تراب الشعب المصري
عدوية وعادل إمام.. ثنائي كتبت السبعينيات نجاحهما واحتميا خلف الجماهير
الأب الروحي لأجيال عديدة.. ووريثه الحقيقي لم يظهر بعد
الجدار الفاصل بين الأغنية الشعبية قبل وبعد ظهوره
وكأنه شيد جدارًا عازلًا بين الأغنية الشعبية قبل وبعد ظهوره، فمن قبله كانت الأغنية الشعبية ترتدي الملابس الرسمية، لها قوالبها وكلماتها وألحانها وأسلوبها الذي تميزت به على ألسنة كبار النجوم مثل محمد عبد المطلب وكارم محمود وعبدالعزيز محمود ومحمد رشدي وغيرهم، حتى شاءت الأقدار أن تأتي بهذا الصوت من صعيد مصر ليبعث في الأغنية الشعبية روحًا جديدة تتغنى بكلمات تبدو وكأنها مصنوعة من قماش خاص، وألحانًا تتقبلها أوتار قلوب الطبقة الشعبية بكل يسر وسهولة، وصوتًا قويًا ذا نبرة خاصة، جعلت منه رمزًا للغناء الشعبي مع بدايات السبعينيات من القرن الماضي حتى وقتنا الحالي.
المتأمل في مشوار أحمد عدوية الذي يحمل رقم "13" بين أشقائه الـ 14، يجده قدريًا للغاية، فقد كان ابن مرحلة الانفتاح، ونجاح صوته وتفوقه في فترة السبعينيات من القرن الماضي صادفه أيضًا نجاح جيل النجم الكبير عادل إمام وشلة مدرسة المشاغبين، ليبدو لصناع الفن أن هناك مرحلة فنية جديدة سوف تفرض سطوتها بفضل الجمهور، فانتشرت أغاني "عدوية" بسرعة البرق، وحجز الزعيم ورفاقه الصفوف الأولى في السينما والمسرح.
علاقة إنسانية وطيدة تجمعه بالزعيم عادل إمام
البداية الناجحة لـ"عدوية" و"عادل إمام" كان لها تأثيرها القوي على علاقتهما، وخلقت لديهما مساحة من الوعي المشترك غير المعلن، مفاده أنهما بدون أن يتفقا صار الاثنان في درب واحد، كل منهما يأخذ بيد الآخر، نجاح أحدهما يمنح الآخر قوة، وكأن عدوى النجاح أصابهما، هذا الأمر انتشر في مشاعرهما، وامتزج بدمهما، وبدون ترتيب مسبق أو تصريحات معلنة، وبعفوية شديدة كان عادل إمام متقدمًا مشهد الاحتفال بشفاء عدوية بعد تعرضه للحادث الشهير الذي أبعده عن الغناء طيلة عشر سنوات.
تلك الليلة التي ضمت عشرات الفنانين قال عادل امام واصفًا عدوية وهو يقدم تلك الاحتفالية: "هو مطرب وفنان قادم من الحارة المصرية ومن عصير تراب الشعب المصري، عدوية صاحب السح دح إمبو، وأم عبده فين، صاحب الأغاني الجميلة اللي أثرت في وجدان الشعب المصري والعربي، الشعب المصري اللي بعض مثقفينا يتهمه بقلة الذوق إنه وقف مع هذا الرجل وكان عايش معاه محنته والأزمة اللي عدى بيها الأستاذ الكبير أحمد عدوية. المطرب المصري الأصيل وصاحب الصوت الجميل والبحة المصرية الصميمة، أحمد عدوية اللي كتير من الأقلام هاجمته وهو صامد لأنه فنان حقيقي، أنا بقدم الأستاذ أحمد عدوية، المطرب الكبير العظيم، وبتمنى له إكمال مشواره من أجل إسعاد الشعب المصري".
خرجت كلمات الزعيم عن عدوية من قلبه، فدخلت قلوب الجميع، وأثبتت أن نجاح كليهما لم يأتي اعتباطًا، بل اعتمد على الشعبية الكاسحة التي حصلا عليها الثنائي من الشارع المصري، فأصبح كل منهما "أسطى مجاله"، يحتمي بجمهور عريض، هذا الجمهور كانت له الكلمة العليا التي فاقت أصوات النخبة والمثقفين وقتها.
جموع الفنانين في مواجهة نخبة المثقفين
هذه الاحتفالية التي ضمت عددا كبيرا من النجوم كانت بمثابة وقفة احتجاجية بطريقة غير مباشرة ضد نخبة مثقفة هاجمت عدوية وأعماله ووصفتها بأنها تفسد الذوق العام، فكيف لأجيال كانت تستمع وتتذوق قصائد أم كلثوم وألحان محمد عبدالوهاب وعذوبة صوت عبد الحليم حافظ، يأتي عليها اليوم لتستمع لأغاني "السح ادح امبو" و"سلامتها أم حسن" و"قرقشجني دبح كبشه"، بل وتسيطر هذه الأغاني على الساحة الغنائية، وتصبح بمرور الوقت النموذج الأنجح شعبيًا والذي تحول ليكون القاطرة التي يهرول خلفها الآخرون ولا يلحقون بها.
صراع لم يحسم حتى بعد الرحيل
بالعودة الي بدايات عدوية، نجد أن هناك صراعًا من نوع خاص بين شخصيتين أكد كل منهما أنه من اكتشف عدوية، منتج الكاسيت عاطف منتصر، وعازف الكمان عبده داغر، وحتى رحيل الاثنين "منتصر وداغر" لم يتم حسم هذا الصراع، فالمنتج عاطف منتصر أكد أن عدوية كان يغني المواويل القديمة في محل بشارع الهرم، ورآه بالصدفة في هذا المحل وهو يدندن بأغنية "السح ادح امبو"، وعرض عليه أن يترك غناء المواويل ويبدأ بأداء هذه الأغنية.
أما العازف عبده داغر فقد أكد أن عدوية كان يعمل "شيال" يحمل آلات الفنانين والفرق الموسيقية، وكان يحلم بأن يكون مطربًا، وألح عليه كثيرًا، ليقدمه داغر عندًا في محمد رشدي الذي تنكر له أرجع نجاحه الى بليغ حمدي، فما كان من داغر إلا أن يقدم عدوية من خلال أغنية "السح ادح امبو" التي ذاع صيتها في أرجاء مصر، وعن هذه الأغنية قال داغر إنه تلقف المطلع من بائع "عصافير مقلية" في شارع "كلوت بك"، وأعطاه لـ"الريس بيرة" مؤلف الأغاني الشعبية ليكمل الكلمات، مقابل 50 قرشًا، ثم دفع بالكلمات إلى الشيخ طه عازف الأكورديون ليلحنها لتعلن عن ميلاد صوت شعبي جديد، فيما تقول روايات أخرى أن أغنية "السح ادح امبو" لم يتم التأكيد على هوية مؤلفها وملحنها، كما أنها تواجدت من قبل وقدمها محمود شكوكو.
الأب الروحي لأجيال عديدة
توالت أعمال عدوية حتى أصبحت الأقلام المسنونة ضده لا تفيد رؤى اصحابها، بل جعلتهم في موقف لا يحسدون عليه، فها هو الشارع يقف خلف عدوية، وها هم يقاومون بتعالي شديد، ولا يعلمون أنه لا فائدة من الوقوف ضد رأي الجمهور، إلى أن جاء الاعتراف به عن طريق جمهوره الكبير والأصوات الشعبية التي جاءت من بعده مثل حسن الأسمر ورمضان البرنس وطارق الشيخ وعبد الباسط حمودة وحكيم وسعد الصغير وشعبان عبدالرحيم وغيرهم، والذين اعتبروا عدوية الأب الروحي لهم.
رغم أن شهرة عدوية بدأت مع النصف الأول من سبعينيات القرن الماضي، واستمرار نجاحه وشهرته طيلة أكثر من نصف قرن حتى الآن، إلا أن مشوار عدوية الفني لايتجاوز 15 عاما، من بداية السبعينيات وحتى عام 1989 حتى تعرض لحادثة شهيرة أبعدته عن الغناء والجمهور 10 سنوات، وخلال فترة غيابه لم ينجح أحد في ملء هذا الفراغ.
من هو وريث عدوية ؟
فترة غياب عدوية لم يأت الصوت الذي يزيحه من القمة، حتى بعد عودته للساحة والتي جاءت على استحياء بسبب حالته الصحية، ولكن هذا لم يمنع من ظهور أجيال عديدة كان لجميعها مذاقها، فمنهم من أكمل مشواره وصنع اسمه مثل حكيم الذي قدم نفسه بلون خاص يعتمد على الصوت القوي وإضفاء البهجة على مشاهديه بأدائه المبهج في الحفلات، وأيضًا عبد الباسط حمودة وسعد الصغير ومحمود الليثي وأحمد شيبة ورضا البحراوي وشعبان عبدالرحيم وسمسم شهاب ورمضان البرنس وطارق الشيخ، ومنهم من توارى بعد نجاح أغنية أو أغنيتين مثل حمدي باتشان بأغنية "ايه الاساتوك دا"، ومنهم من رحل صغيرًا مثل حسن الأسمر والذي انشغل أيضًا بعد نجاحه الكبير بالمشاركة في العديد من أفلام المقاولات، ليبقى صوت عدوية متفردًا على قمة الغناء الشعبي.
قالوا عنه
نجيب محفوظ:
"واهب السعادة إن مكاناش يفيد ما يضرش وبيسر مجموعة من البشر، وإنك تسر مجموعة من البشر ده شيء مش قليل... ولما تيجي لعدوية، في وقت كان المسموع الأول، طب هو الشعب بينافقه؟ ده راجل من الشعب بيستعمل أساليب شعبية وألفاظ شعبية وصوت خشن شعبي لا يخلو من حلاوة ".
عمر الشريف:
ذكر عدوية، أنه كان يغني في الشانزليزيه بفرنسا، في حضور الفنان عمر الشريف، الذي قال له: "غني يا ابن مصر، وفكرني بريحة مصر".
محمد عدوية:
"والدي كان راجلا عصاميا، وأننا أولاد أحمد عدوية دا شرف مالوش نهاية.. دا بالنسبة لي كان ميزة وعيب، أنك تكون ابن فنان كبير متعود على الشهرة والمجد والنجومية، وطوال الوقت أنت داخل الوسط الفني، بس في ذات الوقت الأبواب ليست ممهدة أمامي، إلى أن قال لي: يابني أنت لو موهوب هتوصل بس اسعى واتعب، ورديت عليه وقلت له أنت بتتكلم صح، لازم الشخص يتعب ويسعى ولا يعتمد على والده سواء إذا كان مليونيرًا أو فنانًا كبيرًا، لأن القبول والكاريزما من عند ربنا، وأنا تعبت كثيرًا إلى أن اتفقت مع الأستاذ ياسر حسنين وأسسنا الشركة التي أنتمي لها وعملنا معًا".
حكيم:
الله يرحمك ويغفر لك ياللي كنت السبب فى حبي للغنى، اتربيت على سماع أغانيك وجمال صوتك وحلاوة وبساطة أدائك، مع السلامة يا عم أحمد عدوية عمي وعم الشغلانة كلها، البقاء لله ادعوا له بالرحمة".
عبد الباسط حمودة:
أحمد عدوية مش واحد عادي، وكان أبويا وأخويا وعشرة عمرى، كان كله طيبة وكرم وحنية، رحمه الله، فقدنا إنسانا قلبه أبيض وفنان كبير".
رامي عياش:
"فقدنا المطرب أحمد عدوية صوتًا عظيمًا وأسطورة من أساطير الفن.. شرف لي أنني كنت جزءًا من عودته الكبرى بعد غياب طويل، وأننا قدمنا معًا (الناس الرايقة) واحدة من أبرز أغاني الديو في الشرق الأوسط".
زوجته ونيسة أحمد عاطف قبل رحيلها:
تزوجته في بدايته الفنية كنت طالعة من المدرسة وهو ماشي بالعربية وكان يعرف والدي رحمة الله عليه وقعد يشاورلي وقلي تعالي أوصلك قلتله لا ماينفعش، ولما رفضت قلي أنا أعرف باباكي هوصلك لحد أول الشارع قلتله لا أول الشارع ولا آخره أخد بعضه ومشي، بالليل لقيته عندنا بيتقدم رسميًا لوالدي وقال له إنه عايزني وعاوز يرتبط بيا فأخبره والدي إني صغيرة في السن وما زلت في المرحلة الإعدادية، قال لأبويا ليك عليا إنها تكمل دراستها ومش همنعها من التعليم بس عاوز نكمل مشوارنا مع بعض فطلب منه والدي منحه مهلة للتفكير وشاورلي والدي قال لي أحمد عدوية قلتله إللى إنت شايفه وكنت صغيرة وماكنش ليا رأي، عدوية غنى لى يا اختى اسمالتين من ألحان بليغ حمدى في حفل الخطوبة بتاعنا، كما أهدانى يا بنت الحتة والدور الأولانى وأغنية أخرى.
محمد عبدالوهاب:
قال عدوية في تصريحات سابقة أنه كان في استديو 46 بالتليفزيون وصادفت الموسيقار الكبير محمد عبد الوهاب قال لي:"صوتك حلو وحافظ عليه".
محمود الليثي:
أحمد عدوية بالنسبة لي أيقونة الفن الشعبي، فقد تربيت على أغانيه، كان لدي تسجيل قلاب لـ عدوية يشتغل 24 ساعة، فهو سبب لكل مطرب في العالم أنه ياكل عيش بأغانيه، من لا يحب ويعشق أغنية بنت السلطان، وزحمة.
علاقته بالعندليب عبدالحليم حافظ:
أكد عدوية في تصريحات تليفزيونية أن العندليب كان يطالبه باصطحاب 4 موسيقيين إلى منزله، حيث كان يزوره بشكل دوري مرة أو مرتين في الشهر الواحد، وذلك من أجل التدرب على أغاني عدوية وغنائها في المنزل، وعلق العندليب على كلمات أغاني عدوية وبالتحديد جملة "كركشنجي دبح كبشه"، قائلا "صعبة دي يا أحمد"، وفي عام 1972 شهد حفل زفاف بأحد الفنادق الشهيرة مشاركة عبد الحليم حافظ لعدوية في غناء أغنية "السح الدح امبو"، فيما قدم عدوية أغنية "خسارة خسارة" للعندليب.
المصدر
المصدر: البوابة نيوز
كلمات دلالية: أحمد عدوية المطرب أحمد عدوية عدوية وفاة أحمد عدوية عادل إمام الأغنیة الشعبیة الشعب المصری أحمد عدویة عادل إمام محمد عبد
إقرأ أيضاً:
الجيش الأوكراني يحصل على قائد جديد.. من هو الجنرال الذي يراهن عليه زيلينسكي؟
منذ أكثر من 10 سنوات، عندما اندفعت عربة مدرعة أوكرانية لتحطم حاجزا نصبه "الانفصاليون" الموالون لـ روسيا في مدينة ماريوبول، تحول الضابط الشاب ميخايلو دراباتي إلى أحد رموز المقاومة الأوكرانية.
واليوم يعود الرجل نفسه إلى الواجهة، لكن في ظرف أكثر تعقيدا، بعدما اختاره الرئيس فولوديمير زيلينسكي قائدا أعلى للقوات المسلحة خلفا للجنرال أوليكسندر سيرسكي، في خطوة لا تعكس مجرد تغيير للأشخاص بقدر ما تمثل تحولا في فلسفة إدارة الحرب التي تخوضها أوكرانيا ضد روسيا.
اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2عزلة القوة.. "الفراغ الأمريكي" يفاقم أزمة الشرعية الإسرائيليةlist 2 of 2الحرب التجارية تتجدد.. كيف تستعد الصين لجولة جديدة مع واشنطن؟end of listويرى تقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز ، وأعده الكاتب مارك سانتورا أن تعيين دراباتي يأتي في لحظة توصف بأنها من أكثر مراحل الحرب حساسية، إذ تتزامن مع انتقال عسكري وسياسي معقد، في وقت تواجه فيه أوكرانيا حرب استنزاف طويلة أصبحت التكنولوجيا، ولا سيما الطائرات المسيرة، العامل الأكثر حسما فيها.
ويشير سانتورا إلى أن القائد الجديد البالغ من العمر 43 عاما، ينتمي إلى جيل جديد من الضباط الأوكرانيين الذين نشأوا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، ويؤمنون بأن مستقبل الحرب يعتمد على الابتكار والمرونة أكثر من اعتماده على أساليب القتال التقليدية.
ويوضح التقرير أن دراباتي يعد أحد أبرز مهندسي إستراتيجية "خط الطائرات المسيرة" التي تقوم على إنشاء نطاق قتالي متواصل خلف خطوط المواجهة يعتمد على الطائرات المسيرة الهجومية والاستطلاعية والأبراج الآلية، بدلا من الاكتفاء بخنادق ثابتة تتعرض باستمرار للهجمات الروسية.
وقد ساعد هذا الأسلوب -حسب الصحيفة- في إبطاء التقدم الروسي، ومنح القوات الأوكرانية فرصة لاستعادة زمام المبادرة في بعض الجبهات للمرة الأولى منذ سنوات.
غير أن التغيير العسكري لم يكن منفصلا عن أزمة سياسية داخلية، إذ يلفت سانتورا إلى أن قرار زيلينسكي بإقالة وزير الدفاع الإصلاحي ميخايلو فيدوروف، الذي كان يقود عملية تحديث الجيش وتوسيع استخدام الطائرات المسيرة والأنظمة الآلية، فجر احتجاجات في كييف ومدن أخرى، بعدما اعتبر كثير من العسكريين أن الرئيس انحاز في البداية إلى سيرسكي في خلافه مع الوزير حول مستقبل الحرب.
إعلانلكن اتساع الاحتجاجات، التي تحولت من المطالبة بإعادة فيدوروف إلى الدعوة لإقالة سيرسكي، دفع زيلينسكي في النهاية إلى تغيير القيادة العسكرية وتعيين دراباتي، المعروف بتأييده لرؤية فيدوروف القائمة على التكنولوجيا واللامركزية في اتخاذ القرار.
وترى صحيفة تايمز البريطانية -في تقرير لمراسلها مارك بينيتس- أن دراباتي لم يكتسب شهرته من مكتبه، وإنما من ساحات القتال.
ويستعيد بينيتس واقعة ماريوبول عام 2014، حين أمر دراباتي سائق المدرعة باقتحام الحاجز قائلا "انطلق بأقصى سرعة".
المهمة الجديدة للجنرال دراباتي تبدو أكثر تعقيدا بكثير من إنجازاته السابقة، إذ يتسلم منصبه وسط مجموعة من الأزمات المتشابكة، تبدأ من مشكلات التجنيد ونقص الأفراد، ولا تنتهي عند احتمال إطلاق روسيا موجة تعبئة جديدة
بواسطة مارك سانتورا
قائد جريءوتحول تسجيل تلك العملية إلى رمز متداول على وسائل التواصل الاجتماعي بعد إعلان تعيينه قائدا للجيش، باعتباره يجسد صورة القائد الجريء الذي يفضل المبادرة والمخاطرة على التردد.
وتضيف الصحيفة أن دراباتي واصل بناء سمعته خلال الحرب الحالية، إذ شارك في وقف التقدم الروسي نحو مدينة كريفي ريه، مسقط رأس زيلينسكي، وأسهم في تحرير خيرسون، قبل أن يتولى "قيادة القوات البرية" عام 2024، حين أعلن مباشرة عزمه على تنفيذ إصلاحات واسعة لمحاربة الفساد داخل المؤسسة العسكرية.
ورغم استقالة دراباتي بعد أشهر قليلة إثر مقتل عشرات الجنود في مراكز تدريب نتيجة ضربات روسية، معلنا أن القادة يجب أن يتحملوا مسؤولية إخفاقاتهم، فقد أعاده زيلينسكي بعد يومين فقط لقيادة القوات المشتركة، في خطوة عكست استمرار الثقة في قدراته العسكرية.
مهمات جديدة معقدةغير أن المهمة الجديدة تبدو أكثر تعقيدا بكثير من إنجازاته السابقة، إذ يقول تقرير نيويورك تايمز، إن دراباتي يتسلم منصبه وسط مجموعة من الأزمات المتشابكة، تبدأ من مشكلات التجنيد ونقص الأفراد، ولا تنتهي عند احتمال إطلاق روسيا موجة تعبئة جديدة، إضافة إلى حماية شبكة الطاقة الأوكرانية من الهجمات الشتوية، في وقت تتراجع فيه مخزونات الذخائر الخاصة بأنظمة الدفاع الجوي، فضلا عن ضرورة وقف التقدم الروسي البطيء في إقليم دونباس.
كما يواجه القائد الجديد تحديا سياسيا لا يقل صعوبة عن التحديات العسكرية، إذ سيكون مطالبا بالحفاظ على استقلالية القرار العسكري التي يدافع عنها الإصلاحيون، وفي الوقت نفسه التعامل مع ميل زيلينسكي إلى التدخل المباشر في إدارة العمليات الميدانية.
ويرى محللون -نقل عنهم كاتب التقرير مارك سانتورا- أن نجاح دراباتي لن يقاس فقط بما يحققه على الجبهات، وإنما أيضا بقدرته على إدارة هذه العلاقة الحساسة مع الرئاسة، ومنع تحول الخلافات السياسية إلى عبء إضافي على الجيش.
نهاية مرحلةفي المقابل، تقدم كارلوتا غال في صحيفة نيويورك تايمز قراءة موازية تركز على القائد المقال أوليكسندر سيرسكي، معتبرة أن إبعاده يمثل نهاية مرحلة كاملة في تاريخ الجيش الأوكراني.
وتقول غال إن سيرسكي كان أحد أبرز القادة الذين تصدوا للهجوم الروسي منذ الأيام الأولى للغزو عام 2022، وقاد معركة الدفاع عن كييف، ثم أشرف لاحقا على توسيع استخدام الطائرات المسيرة والروبوتات في ساحة القتال.
إعلانلكن الكاتبة ترى أن إنجازاته العسكرية لم تعد كافية لحمايته من الانتقادات المتزايدة، بعدما اتهمه كثير من الضباط باتباع أسلوب قيادة شديد المركزية، والإصرار على الاحتفاظ بمواقع عسكرية أصبحت غير قابلة للدفاع، وهو ما أدى -حسب منتقديه- إلى خسائر بشرية كبيرة.
صراع بين مدرستين
وتشير غال إلى أن الخلاف بين سيرسكي ووزير الدفاع السابق ميخايلو فيدوروف لم يكن مجرد نزاع شخصي، بل كان يعكس صراعا بين مدرستين مختلفتين في إدارة الحرب، الأولى تتمسك بقيادة تقليدية تعتمد على التسلسل الهرمي الصارم، والثانية تدعو إلى منح القادة الميدانيين حرية أكبر في اتخاذ القرار، وتسريع دمج التكنولوجيا والطائرات المسيرة والأنظمة الذكية في العمليات العسكرية.
وقد أدى هذا الصراع في النهاية إلى خروج الرجلين معا من المشهد، وإن كان تعيين دراباتي يوحي بأن رؤية فيدوروف الإصلاحية ما زالت تحظى بتأييد داخل دوائر صنع القرار.
وتضيف الصحيفة أن القائد الجديد يتبنى فلسفة تقوم على منح الوحدات المقاتلة صلاحيات أوسع للاستجابة السريعة لتغيرات الميدان، مع الاعتماد بصورة أكبر على البيانات الفورية وتقنيات الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيرة.
أزمة الموارد البشريةويعتقد محللون أن هذه المقاربة قد ترفع كفاءة العمليات وتزيد من قدرة الجيش على مواجهة التفوق العددي الروسي، لكنها لن تكون كافية وحدها إذا لم تعالج أوكرانيا أزمة التجنيد المزمنة ونقص الموارد البشرية.
وتتفق صحيفة تايمز البريطانية مع هذا التقييم، لكنها تضيف بعدا سياسيا أوسع، إذ ترى أن تعيين دراباتي يمثل أيضا اختبارا للرئيس زيلينسكي نفسه، لأن الأزمة الأخيرة التي اندلعت عقب إقالة وزير الدفاع كشفت حجم التوتر داخل المؤسسة الحاكمة، وأظهرت أن الحرب لم تعد الساحة الوحيدة التي يواجه فيها الرئيس تحديات متزايدة.
وتنقل الصحيفة عن المحلل السياسي فولوديمير فيسينكو قوله إن ما جرى أبرز مرة أخرى أن السياسة الداخلية أصبحت نقطة الضعف الرئيسية في رئاسة زيلينسكي، وهو أمر قد ينعكس على مستقبله السياسي عندما تسمح الظروف بإجراء الانتخابات الرئاسية المؤجلة بسبب الحرب.