بين عامي 1926 و1927، أوفدت صحيفة "اليغيثروس لوغوس" اليونانية الكاتب والروائي اليوناني نيكوس كازانتزاكيس إلى فلسطين لتغطية احتفالات عيد الفِصْح عام 1926. نشر كازانتزاكيس مشاهداته هذه في الصحف اليونانية خلال نفس العام.

وفي عام 1927، صدرت الطبعة الأولى من كتابه "ترحال"، الذي تضمن ملاحظاته عن فلسطين، مصر، إيطاليا، وقبرص.

نظرًا لحساسية ما كتبه عن فلسطين في تلك الفترة، تُرجم الكتاب إلى العربية عام 1989 على يد منية سمارة، ومحمد الظاهر، ونشرته مؤسسة خلدون في عمّان. يقع الكتاب في 85 صفحة من الحجم المتوسط، ويتناول الكتاب عدة عناوين أبرزها ما يلي:

نحو أرض الميعاد

افتتح كازانتزاكيس رحلته بتساؤل فلسفي عميق: "إلى أي مدى تطور الإنسان المعاصر بعد تسعة عشر قرنًا من السعي والإنجازات؟ وما الذي يدفعه لترك بيته والشروع في رحلة شاقة ومكلفة إلى الشرق، حيث يعيش العرب، فقط لأداء العبادة في معبد مسيحي ما زال معناه غامضًا بالنسبة إليه؟".

ترافق هذا التساؤل مع شعور عميق ورؤية رومانسية تجاه الأرض التي كان على وشْك الوصول إليها. عبّر عن انبهاره بفلسطين التي وصفها بأنها أرض "توهج منها ذات يوم، ذلك النور الذي انبثق من بيت صغير، وضيع في الناصرة ليضيء، ويبعث الحياة، والنشاط في قلب البشر".

إعلان

عندما اقتربت السفينة من شواطئ فلسطين، وصف كازانتزاكيس المشهد بروح شاعرية حية: "ظهرت الأرض كشريط فوق البحر، ثم تجلت الجبال المنخفضة في يهودا، بلون رمادي تحول إلى أزرق شفاف. وأخيرًا غرقت في نور النهار الشديد. بدت حيفا مظلمة بجانب الرمال البيضاء، بينما ظهرت المدينة اليهودية الجديدة، تل أبيب، على يسارها".

هذا الوصف لم يكن مجرد مشهد بصري؛ بل كان انعكاسًا لتوقعات كازانتزاكيس ورؤيته للأرض التي ارتبطت بالإيمان المسيحي، لكنه لم يُخفِ تفاؤله الذي يحمل بُعدًا رومانسيًا عن طبيعة هذه الأرض، وما يمكن أن تمثله للبشرية.

مشاهد من كنيسة القيامة

بدأت رحلة نيكوس كازانتزاكيس في القدس صباح السبت المقدس، حين وقف عند مدخل القبر المقدس، ليصف المشهد داخل كنيسة القيامة بحيوية تنقل القارئ إلى قلب الحدث: "كانت الكنيسة تطن كأنها خلية نحل عظيمة، حيث اجتمع المسيحيون العرب الغائمو العيون والمنفعلون، يرتدون الطرابيش والجلابيب الملونة، يصعدون إلى السطوح القرميدية.

المكان كان مكتظًا بالمؤمنين الذين قضوا ليلتهم هناك، يفترشون الأرض على حصر من القش والسجاجيد، منتظرين تلك اللحظة الحاسمة التي ينبعث فيها "النور الرباني" من القبر المقدس.

كانت أباريق المياه الرمادية، بزخارفها العربية البرتغالية، والمشروبات الروحية والشربات، وعصير الليمون، تنتقل من يد إلى أخرى، خلال هذا الجمع الذاهل الذي يخيم أمام الكنيسة.

كانت أباريق القهوة تغلي على المواقد المتنقلة تحت الأيقونات العظيمة، والأمهات يكشفن عن صدورهن، أمام هذه الجموع الغفيرة، ليقمن بإرضاع أطفالهن، وكانت رائحة العرق البشرية النتنة تملأ الجو. وكانت رائحة الشمع المحترق، والزيوت، ورائحة شعور النساء، كلها تصدر رائحة كرائحة المواشي، وتبعث على الغثيان".

وثّق الكاتب التنافس بين الطوائف المسيحية حول السيطرة على الأماكن المقدسة. ذكر كيف كان أحد الرهبان الأرثوذكس يرمق الطوائف الأخرى بنظرات حقد، ويؤكد أن الأماكن المقدسة تخص الأرثوذكس وحدهم، مشيرًا إلى تسييج المناطق المتنازع عليها بالعوارض المعدنية، كي لا يُسمح لأي إنسان أن يدخلها.

إعلان

وصف كازانتزاكيس لكنيسة القيامة يُعد شهادة حيّة على الروحانية والتناقضات التي تتجسد في هذا المكان المقدس. بين الإيمان العميق والتنافس الدنيوي، يقدم الكاتب صورة معقدة وعميقة عن واقع الأماكن المسيحية في القدس في تلك الفترة.

مشاهد الطقوس في كنيسة القيامة وجبل آثوس

في مشاهد تحمل طابعًا تأمليًا وواقعيًا، قدم الكاتب نيكوس كازانتزاكيس وصفًا لطقوس العبادة التي عاينها في كنيسة الانبعاث. في عيد الفِصح، أثناء جولته في الكنيسة، لاحظ المشهد الآتي: "كانت الكنيسة تتوهج بالأضواء، بينما ملأت زهور الليمون المبعثرة المسحوقة الجو برائحة حمضية نفاذة تمتزج بالنفَس البشري". ورغم الأجواء الروحانية المحيطة، أقر الكاتب بشعور عميق بالاغتراب الداخلي: "أحسست، وبشكل مطلق، بعدم وجود أية إشارات لأي انبعاث داخلي".

بعد تأمله في كنيسة القيامة، سافر كازانتزاكيس إلى جبل آثوس، المعروف بقداسته، حيث ارتسمت أمامه صورة للأديرة البيزنطية التي تميز المكان: "وظهرت الأديرة البيزنطية أمامي، مرتفعة فوق الأمواج، متألقة وباردة كالصخور التي تظهر فجأة من الماء، وتظل تقطر على شاطئ البحر".

انتقل الكاتب بين الأديرة المختلفة، حتى تم تخصيص دير برودروموس له. وصف هذا الدير بتفاصيل دقيقة تُبرز عزلته وجلال طبيعته: "إنه معبد منعزل يطل على البحر، مقام على جرف مهجور. لا ماء فيه ولا أشجار، ويتصل بشاطئ البحر عبر ممر مشاة منحدر. بعد مسيرة ساعة كاملة كنت أقف على بابه".

خُصص لكازانتزاكيس في الدير صومعتان، بالإضافة إلى أطلال مصلى مغطى بالجِص. وانكب في الأيام الأولى على التأمل والتخطيط لنمط حياة تقشفي: "لقد قضيت الأيام الأولى لي، وأنا منكب على عتبة الدير، أخطط لحياة الزهد والتقشف، متنقلًا بين التصورات، والحسابات المنطقية، والفروض الهندسية الحمقاء".

زيارة جامع عمر

لم تتضمن رحلة كازانتزاكيس زيارة المسجد الأقصى أو قبة الصخرة، لكنه عندما اقترب من جامع عمر، كان قلبه مليئًا بالابتهاج، حيث يقول: "طفت حول مسجد عمر، وقلبي ينبض بابتهاج". تجول كازانتزاكيس في الساحة المطلة على القدس القديمة، وسار بخطى واسعة وسريعة، وكأن الجامع قد أسر روحه بجماله: "طفت حول هذا المسجد المهيب الرائع لعدة ساعات".

إعلان

وصف كازانتزاكيس الأماكن اليهودية "المُتخيلة" في القدس بـ "البالوعة الدموية لإسرائيل" (ص 55)، في مقابل تقديمه وصفًا معماريًا فريدًا للجامع، مقارنًا إياه بنافورة منحوتة: "يسمو أمامي تحت أشعة الشمس، مثل نافورة منحوتة من الحجارة النادرة، ترقى إلى السماء، وتفور مياهها قليلًا في الهواء، ثم تدور على أعقابها متراجعة، وتعود ثانية إلى الأرض"، وعند دخوله المسجد، عبّر الكاتب عن انبهاره بالزخارف والنقوش العربية التي تتدلى كأنّها جزء من الطبيعة: "دلفت إلى الداخل، وأنا مفتون مسحور. كانت الأحرف العربية مجدولة كالأزهار، حروف تكرّس الحكم والمواعظ القرآنية، تلتف حول الأعمدة، كأشجار العنب المتسلقة، ثم تزهر ثانية وهي تحيط بالقبة".

وأشار إلى الأجواء الروحية العميقة داخل المسجد، حيث قال: "لقد كان مسجد عمر ينبض بالإيمان، والروائح الزكية".

بكاء العبريين

أثناء جولته في القدس، نقل الكاتب اليوناني نيكوس كازانتزاكيس وصفًا دقيقًا ومليئًا بالمشاعر لمشاهداته عن اليهود عند الحائط الغربي، المعروف أيضًا باسم حائط البراق، مبرزًا التناقض بين ثقافات المدينة وسلوك سكانها.

بدأ كازانتزاكيس بمقارنة بين ملامح اليهود والمسلمين الذين صادفهم في شوارع القدس. حيث رأى في نظرات اليهود التوتر والتهكم والقلق، مصورًا ذلك بقوله: "كان وميض عيون العبريين يومئ بالتهكم، والقلق، والتشهي، والحسد".

في المقابل، وصف المسلمين بالهدوء والإيمان العميق، قائلًا: "أما المسلمون فقد كانوا هادئين، مؤمنين بعمق وقناعة برعاية الله، وهم يرمقونك بنظرات لا مبالية محايدة، وأنت تمر بالقرب منهم".

وعندما وصل الكاتب إلى الحائط الغربي، الذي أطلق عليه خطأً "حائط معبد سليمان"، وصفه بأنه:"حائط عادي جدًا، ذو حجارة ضخمة مرصوفة فوق بعضها بعضًا دون حشوات إسمنتية بينها. الحجارة العالية مغطاة بالطحالب، التي تتدلى على الحجارة الواقعة أسفل منها". وأشار إلى الأثر البشري الملموس على الحجارة "التي تقع في متناول أيدي الناس، والتي تصل إليها أيديهم، فقد نظفت نتيجة للمسات، وقبلات، وعناق اليهود".

إعلان

رصد كازانتزاكيس تفاصيل دقيقة عن الطقوس التي يؤديها اليهود عند الحائط، بالقول: "حوالي خمسين متعبدًا، كانوا يحملون العهد القديم في أيديهم، ويستندون إلى الجدار، وهم ينوحون ويعولون". كما أشار إلى الفصل بين الرجال والنساء أثناء العبادة: "أما النسوة فقد كن يقفن في زاوية في الجهة اليسرى".

تأملات في فلسطين

في وصفه لفلسطين، يقدم الكاتب اليوناني نيكوس كازانتزاكيس صورة تجمع بين جمال الطبيعة الصارخ، والواقع القاسي، والتطلعات الدينية والسياسية. مزج في سرده بين ملاحظاته عن التضاريس والمناظر الطبيعية، وبين انعكاساته الفلسفية على العلاقة بين الإنسان والأرض.

يبدأ كازانتزاكيس بوصف مشاهداته في صحراء يهودا الممتدة من القدس إلى نهر الأردن والبحر الميت، التي اتسمت بالخشونة والقسوة: "لم أرَ زهرة واحدة تنمو، ولا قطرة ماء تتصاعد من تلك الأرض الجافة".

ويصف الجبال المحيطة بأنها: "موحشة صارمة، وصعبة المنال، كانت نموذجًا رائعًا للفنان الذي يعشق الجمال المتقشف التراجيدي". وتُظهر كلماته تقديرًا لجمال الطبيعة القاسي الذي يلهم الأنبياء والمبدعين، لكنه يقر بأن هذا المشهد الجاف: "لا يحتمل أبدًا للناس البسطاء العاديين، الذين يريدون أن يبنوا بيوتًا، ويزرعوا أشجارًا، وينجبوا أطفالًا".

على النقيض من قساوة الصحراء، انتقل كازانتزاكيس إلى وصف الواحات والمدن التي تنبض بالحياة، أريحا، "ترى أريحا تبتسم لك، كواحة معزولة، وتجد نفسك أمام بساتين الرمان المزهرة، وأشجار الموز، والتين، والتوت… محاطة بسياج من أشجار النخيل الطويلة الرشيقة.فترتاح عيناك، ويشعر جسمك بالراحة والتجدد".

وحيفا، "نفس المنظر البهيج يقابلك في حيفا، فترى بساتين الرمان المزهرة والمتجددة، وبساتين أشجار البرتقال والليمون". والخليل، "في الجنوب، في مدينة الخليل، تحس بألفة وطمأنينة الأرض، وهي تستقبل محراث الإنسان". أما السامرة والجليل، "تبدو الجبال أكثر ودًا وألفة، حيث ترى الطيور، والمياه، والأشجار، تعطي للطبيعة أنسها وألفتها"، ولكنّه يلفت إلى أن أمراض الحمى كانت تقتل الناس في تلك المناطق.

نقل كازانتزاكيس حديثًا لحاخام يهودي، قدم فيه فلسفة تحرير الأرض وربطها بمهمة الإنسان: "كل إنسان يحمل على عاتقه مهمة حقيقية تتعلق بالأشياء التي يجب عليه أن يحررها: عليه أن يحرر حيواناته، أرضه، أدوات تجارته، جسده، وعقله. إن عليه واجب تحرير كل هذه الأشياء. لكن كيف؟ عن طريق استعمالها، وتهذيبها، وتطويرها" (ص 78). الحاخام يرى أن حرية الشعب اليهودي تكمن في امتلاكه فلسطين: "إذا أرادت أن تتحرر، فيجب أن يمتلك الشعب اليهودي فلسطين".

إعلان نبوءة كازانتزاكيس: رؤية استشرافية للصراع في فلسطين

في حوار عميق مع فتاة يهودية تُدعى جوديت، قدّم الكاتب اليوناني نيكوس كازانتزاكيس رؤيته المستقبلية حول مشروع الصهيونية في فلسطين، منبّهًا إلى التحديات والمآسي التي قد تنجم عن هذا المشروع. جاءت كلماته محملة بنبرة فلسفية، تحمل في طياتها نقدًا للمشروع الصهيوني، وتحذيرًا من نتائجه الوخيمة.

صرّح كازانتزاكيس بوضوح أن الصهيونية "منافية ومناقضة للمصالح العليا للجنس اليهودي". يرى في الحركة الصهيونية قناعًا يخدع اليهود إلى ما لا نهاية، ووسيلة لتضليلهم عن حقيقتهم ومصيرهم.

وقد أشار إلى نقطة مركزية في نقده للصهيونية إذ أكد للفتاة جوديت: "لن تجدوا السعادة، والأمن هنا في فلسطين". بالنسبة له، فإن السعي لتحقيق وطن قومي لليهود في فلسطين يتناقض مع الواقع الجيوسياسي، خاصة مع وجود: "جموع من العرب السمر الأشداء المتحمسين". استند كازانتزاكيس إلى عامل العدد لاستبعاد إمكانية نجاح المشروع الصهيوني: "كيف يستطيع خمسة عشر مليونًا من اليهود أن يحشروا أنفسهم هنا؟".

اختتم كازانتزاكيس حديثه بتنبؤ يحمل نبرة حادة وصريحة: "آمل- لأنني أحب اليهود – أن يتمكن العرب، عاجلًا أم آجلًا من طردكم من هنا، وأن يعيدوا تشتيتكم في هذا العالم".

في هذا التصريح، عبّر عن قناعته بأن مشروع الصهيونية ليس فقط غير قابل للتحقق، بل يحمل بذور صراعات ستجر الكوارث على اليهود أنفسهم قبل غيرهم.

كتب كازانتزاكيس هذه الرؤية قبل إعلان قيام دولة إسرائيل بعقود، وقبل أن يتبلور الصراع العربي- الإسرائيلي بالصورة التي نعرفها اليوم. لذلك، يمكن اعتبار كلماته نبوءة استشرافية استندت إلى قراءة دقيقة للصراع بين المشروع الصهيوني وواقع فلسطين.

يُعد كتاب "ترحال" شهادة ذات أهمية تاريخية، كتبها أحد أبرز مفكري القرن العشرين. فيه أدان كازانتزاكيس الصهيونية من منظور فلسفي وإنساني، قبل أن يُدرك العالم حجم الكوارث التي ستنتج عن هذا المشروع.

إعلان

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

aj-logo

aj-logo

aj-logo إعلان من نحناعرض المزيدمن نحنالأحكام والشروطسياسة الخصوصيةسياسة ملفات تعريف الارتباطتفضيلات ملفات تعريف الارتباطخريطة الموقعتواصل معنااعرض المزيدتواصل معنااحصل على المساعدةأعلن معناالنشرات البريديةرابط بديلترددات البثبيانات صحفيةشبكتنااعرض المزيدمركز الجزيرة للدراساتمعهد الجزيرة للإعلامتعلم العربيةمركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسانقنواتنااعرض المزيدالجزيرة الإخباريةالجزيرة الإنجليزيالجزيرة مباشرالجزيرة الوثائقيةالجزيرة البلقانعربي AJ+

تابع الجزيرة نت على:

facebooktwitteryoutubeinstagram-colored-outlinersswhatsapptelegramtiktok-colored-outlineجميع الحقوق محفوظة © 2025 شبكة الجزيرة الاعلامية

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: حريات کنیسة القیامة فی فلسطین فی القدس أشجار ا

إقرأ أيضاً:

هاجم العرب وطلاب الشريعة وصادق إسرائيل.. الرحلة المثيرة لجنرال بوركينا فاسو

لا يخرج الحاكم العسكري لبوركينا فاسو الجنرال إبراهيم تراوري من جدل إلا عاد إليه، فمنذ أن قاد هذا الشاب ذو الندبة الغائرة في الخد الأيسر انقلابا عسكريا أطاح بالرئيس الانتقالي الكولونيل بول هنري سانداوغوداميبا -الذي كان هو الآخر قد وصل إلى السلطة عبر انقلاب على سلفهما- ظل هذا الجنرال شخصية مثيرة للانقسام ومحط أنظار الداخل والخارج.

ينحدر إبراهيم تراوري من عائلة مسلمة تنتمي إلى قبائل ديولا العريقة في غرب أفريقيا. التحق بالسلك العسكري عام 2010، وحقق صعودا سريعا داخل المؤسسة العسكرية، قبل أن يقود في 30 سبتمبر/أيلول 2022 انقلابا أطاح بشركيه في الحكم، ليتولى قيادة بوركينا فاسو بعد 12 عاما فقط من دخوله الجيش، في واحدة من أسرع الرحلات صعودا من صفوف المؤسسة العسكرية إلى قمة الحكم في القارة.

بيد أن تراوري لم يدخل القصر الرئاسي في واغادوغو حاملا مفاتيح سلطة مستقرة، بل ورث بلدا حبيسا غارقا في أزمات متشابكة. ومنذ ذلك الحين، انخرط الجنرال الشاب في حروب ومواجهات متشابكة، لم تتوقف عند جبهة واحدة، بل ظلت تتسع بإضافة ملفات جديدة إلى قائمة الصراعات المفتوحة، بعضها مرتبط بالهوية والتاريخ والأعراق، قبل أن تفرض القضايا الأخيرة نفسها كأكثر محطاته إثارة للجدل.

الحرب الرابعة.. العرب وطلاب الشريعة

وفيما تتعدد الأزمات وتنقطع الطرق أمام الضابط الشاب، يبدو أن العرب ودارسي الشريعة الإسلامية هما هدف الحرب المقبلة للرجل الذي يخوض معارك على أكثر من جبهة دون أن يحرز حتى الآن الاختراق والنصر اللذين بشر بهما في ملفات بلاده الأكثر إلحاحا.

ففي أحدث تصريحاته التي أثارت موجة واسعة من الجدل، فتح تراوري ملفات بالغة الحساسية والتعقيد، تصدرها تاريخ العبودية في الذاكرة الأفريقية، إلى جانب واقع التعليم الديني في بوركينا فاسو، ما أعاد طرح تساؤلات حول توجهاته وأولويات المرحلة المقبلة.

إعلان

وفيما وصفه كثيرون بمغالطة تاريخية كبرى، قال تراوري في 19 يوليو/تموز الجاري، إن الأفارقة تعرضوا لأكثر من ألف عام من الاستعباد على يد العرب، مؤكدا أن "آخر سوق للعبيد لم يُغلق إلا عام 1962″، في تصريحات أعادت إلى الواجهة نقاشا تاريخيا وسياسيا محتدما بشأن تاريخ القارة مع العسف الأوربي.

ولم تقتصر تصريحات تراوري على إعادة قراءة الماضي، بل امتدت إلى إعادة رسم سياسة بلاده تجاه التعليم الديني؛ إذ أعلن عزمه وقف ابتعاث الطلبة البوركينابيين لدراسة العلوم الشرعية في الخارج، والشروع في إعادة نحو 800 طالب يواصلون حاليا دراساتهم الإسلامية في عدد من الدول العربية.

ولوّح بإجراءات غير مسبوقة بحق من يرفضون العودة، محذرا من أن الإصرار على استكمال الدراسة في الخارج قد يعرّضهم لفقدان الجنسية البوركينابية.

وبرر هذه الخطوة -غير المألوفة في البلاد- بقوله إن دارسي الشريعة العائدين من الخارج يحملون معهم، بحسب وصفه، رؤى متشددة وأفكارا مؤدلجة تسعى إلى فرض أجنداتها داخل المجتمع، في حين يفتقرون إلى المهارات المهنية التي يحتاجها سوق العمل، في بلد يرزح تحت وطأة أزمات اقتصادية وأمنية متفاقمة.

لم تمر تصريحات الجنرال تراوري مرور الكرام على مسامع المستعربين الأفارقة، خصوصا ما يتعلق منها باعتبارهم -ضمنا- مشاريع إرهاب، وأن دراستهم في الجامعات العربية لا تفيد بوركينا فاسو.

وقد مثّلت تصريحات تراوري الأخيرة افتتاحا لجبهة رابعة في سلسلة المعارك التي يخوضها منذ وصوله إلى السلطة. وبينما التزمت العواصم العربية الصمت إزاء مزاعمه بشأن تاريخ العرب في أفريقيا، اشتعلت منصات التواصل الاجتماعي بموجة واسعة من الانتقادات، إذ عدّها كثيرون مغالطةً تاريخية، تُحمّل العرب وزر حقبة العبودية، فيما تُغفل مسؤولية القوى الغربية عن قرون من تجارة الرقيق والاستعمار في أفريقيا.

ولم يكن الجدل أقل حدة في الأوساط الأكاديمية والفكرية الأفريقية، ولا سيما بين المستعربين وخريجي الجامعات العربية، الذين رأوا في حديثه عن دارسي العلوم الشرعية والثقافة العربية والإسلامية تشكيكا ضمنيا في مساراتهم العلمية، وتصويرا لهم بوصفهم حواضن محتملة للتطرف، واختزالا لسنوات تحصيلهم في الخارج في أفكار متشددة، مع إنكار ما يمكن أن تقدمه من إسهامات علمية ومعرفية لبلادهم.

وكانت المفارقة أن "الثائر البوركينابي" اختار لغة مستعمره السابق وعدوه الحالي ليتحدث بها عن تاريخ استعباد وهمي، متناسيا تاريخا قريبا من تجارة الرقيق الأفريقي وشحنه عبر السفن الأوروبية إلى منافي الجريمة والألم.

وفيما تتفاقم آثار تصريحات تراوري، سواء فيما يتعلق بضعف مصداقيتها التاريخية، فإنها أيضا متفاقمة في اتجاه الإجراءات التصعيدية التي اتخذها ضد المؤسسات والرموز الإسلامية في بلاده، وشملت حتى الآن:

سن قانون الحريات الدينية، الذي يحد من النشاط الدعوي والتعليمي ويمنع بناء المساجد في المؤسسات العمومية، كما يحظر التعليم الديني في المؤسسات التعليمية العمومية، ويعمل بمختلف مواده على تقوية وتعزيز الطابع العلماني للدولة والنظام. إغلاق أكبر مساجد العاصمة، وسط حالة من القلق والتوجس بشأن مستوى التقييد الأمني والقانوني التي تواجهها المساجد في عموم البلاد في ظل الأوضاع الجديدة. اعتقال كبار علماء البلد وعدد من الشخصيات والشباب الإسلامي وإرسالهم -وفق ما تردد في مواقع التواصل الاجتماعي- إلى معسكرات الجيش حيث لاقوا هنالك كثيرا من الجلد والإهانة والضرب. تهديد الطلاب المستعربين المغتربين في الدول العربية بسحب الجنسية إذا ما عادوا إلى البلاد لأنهم يمثلون خطرا عليها ولا يحملون معارف نافعة للبلاد. وبينما كان تراوري يشدد قبضته في الداخل، كانت رسائل مختلفة تُبعث إلى إسرائيل؛ فقد استقبل رسميا في واغادوغو السفير الإسرائيلي الجديد، سيمون سروسي، لتسلّم أوراق اعتماده، بعد أشهر من الغموض أحاطت بطلب اعتماده. إعلان

فقد كشفت مجلة "أفريكا إنتلجنس" (Africa Intelligence) أن طلب الاعتماد ظل معلقا منذ صيف 2025 قبل أن يحظى بالموافقة بعيدا عن الأضواء.

ويبدو أن هذا الاستقبال العلني وضع حدا لمرحلة الحذر التي أحاط بها تراوري أي تقارب مع إسرائيل، حرصا على عدم المساس بصورته بوصفه قائدا مناهضا للغرب.

غير أن المشهد الجديد يعكس براغماتية متزايدة في إدارة العلاقات الخارجية، في وقت تسعى فيه إسرائيل لتكثيف حضورها الاستخباراتي والأمني في منطقة الساحل، مستفيدة من اهتمام دول التحالف بتقنياتها وخبراتها في مجالات الأمن ومكافحة التمرد.

وفيما يتوقع أغلب المراقبين أن تضيق هذه الحرب الخناق على نظام تراوري فمن المتوقع أيضا ألا تكون حربه الأخيرة كما لم تكن الأولى.

الحرب الثالثة.. ثورة على أنقاض الديمقراطية

ليس العرب وتاريخهم في القارة، والرموز الإسلامية وما ارتبط بها من هيبة ومكانة في نفوس مسلمي بوركينا فاسو الجبهة الوحيدة التي يقاتل عليها تراوري، فللديمقراطية أيضا نصيبها من نيران الحرب التي تنطلق باتجاهات متعددة في ذلك البلد الأفريقي الحبيس.

وقد أعلن تراوري بشكل صريح رفضه التام للديمقراطية، حينما خاطب شعبه في فاتح أبريل/نيسان 2025 "لسنا في ديمقراطية، بل في ثورة تقدمية شعبية وعلى الجميع فهم ذلك".

ولكي يفهم الجميع ذلك بدأت مسارات التنفيذ الفعلي لتضييق متواصل على الحريات العامة في البلاد، فبعد وصوله إلى السلطة في سبتمبر/أيلول 2022، أطلق مرحلة انتقالية ممتدة لـ5 سنوات، قبل أن يصدر في يناير/كانون الثاني 2026 مرسوما بحل الأحزاب السياسية، بدعوى أن تكاثر الأحزاب أفضى إلى انحرافات، عززت الانقسام بين المواطنين وهشّشت النسيج الاجتماعي.

وفي الشهور اللاحقة شنت الحكومة حملة شعواء على الجمعيات والمنظمات الأهلية، أسفرت عن حل وتعليق 929 منها، بشبه وتهم منها عدم تجديد الهيئات أو التجسس أو شبهات تمويل الإرهاب وفقا للمبررات الحكومية.

ولم تكن المنظمات الطلابية بمنأى عن هذه الحرب العوان، حيث تم حل الاتحاد العام لطلاب بوركينا فاسو بعد انتقاده للتضييق على الحريات في البلاد.

الحرب الثانية.. إبراهيم تراوري في مواجهة فرنسا

تمثل فرنسا إحدى الكلمات المفتاحية في خطابات "ثوار" منطقة الساحل، حيث تتوجه إليها سهام النقد والتهديد، خصوصا أن تاريخها الأفريقي كان استعماريا، نهب الثروات وأهان الشعوب.

ولم يخف تراوري منذ أيامه الأولى عداوته لباريس، غير أن مسار التوتر وصل نهايته في يونيو/حزيران 2026 حين أعلن قطع علاقات بلاده بفرنسا متهما باريس بأنها تضمر طموحات استعمارية جديدة تتجلى بوضوح في دعمها النشط للشبكات التخريبية والإرهابيين "الذين يغرقون بلادنا ومنطقة الساحل في الحداد".

ولأن فرنسا بثقافتها وتاريخها أصبحت جزءا أساسيا من الهوية الأفريقية، فقد كان المجلس العسكري في بوركينا فاسو حريصا على تحقيق مناط العلاقة المقطوعة، معتبرا في بيانه أن قرار القطع "يتعلق حصرا بالإطار المؤسسي للعلاقات بين الدولتين على المستوى الدبلوماسي، ولا يشكك بأي حال من الأحوال في الروابط التاريخية والإنسانية والثقافية والاجتماعية التي تجمع بين الشعبين".

وفيما تزداد مشاعر الكراهية لفرنسا في غرب أفريقيا ومنطقة الساحل خصوصا، وتتحول إلى ورقة يانصيب في أيدي الحكام الشباب في المنطقة، فإن ذلك العداء لم يجلب بعد للساحل الاستقرار، ولم يستطع الحليف الروسي ملء فراغ فرنسا في عالمها الأفريقي الذي صنعت أزماته، وصنعت كثيرا من قادته على أعينها.

الإرهاب الحرب الأولى.. خسائر متصاعدة وتصفيات عرقية

نالت بوركينا فاسو ربع الوفيات الناتجة عن الهجمات التي شنتها الجماعات الإسلامية المسلحة على مستوى العالم في العام الماضي، كما نالت أيضا 9 من 20 من الهجمات الأكثر دموية في العالم خلال عام 2024، وما زال كثير من سكان البلاد يعيشون بين نيران الجماعات المسلحة، ونيران المجلس العسكري.

إعلان

وتذهب هيومن رايتس ووتش إلى أن الضحايا بنيران المجلس العسكري يفوقون ضحايا الإرهاب بأكثر من الضعف، أما المهجرون والنازحون داخل البلاد وخارجها فقد أنافوا على المليوني شخص.

وفيما تعلن الحكومة الثورية في واغادوغو من حين لآخر تمكّنها من القضاء على مئات من المسلحين، فإن اللهب ما زال يقتات بقوة من الأرض والناس في بوركينا فاسو (أرض الرجال الصادقين).

ويتداخل في "ملف الإرهاب" في منطقة الساحل العرق بالسياسة، حيث يتهم كثير من خصوم المجلس العسكري قيادته بممارسة التصفية العرقية ضد قومية الفولان، التي ينتمي إليها عدد كبير من مقاتلي جماعة نصرة الإسلام والمسلمين الذراع الأكثر عنفا ودموية تجاه الجيوش والحكومات في منطقة الساحل.

وحتى الآن لا يدعي الرئيس البوركينابي تحقيق انتصار على الإرهاب في بلاده، ورغم افتخاره أكثر من مرة بأنه استطاع تحرير محاور طرقية كانت بيد الجماعات المسلحة، فإن الهجمات ما زالت متواصلة، وما زال الجيش يفقد كل أسبوع تقريبا عددا من جنوده وهيبته، ولا تزال الحرب عوانا بين أطرافها في بوركينا فاسو.

وبين تلك الحروب الأربع يسير الثائر البوركينابي بسرعة خطابية فائقة، وبكثير من التضييق على الحريات وقليل من الانتصار في معارك متعددة الأوجه كثيرة الضحايا واللهب.

إرث سانكارا.. الحرب الأخيرة على صورة الثائر

في فترته الأولى، قدّم تراوري نفسه وقدمه أنصاره باعتباره امتدادا لإرث توماس سانكارا، الزعيم البوركينابي الذي لُقّب بـ"تشي غيفارا أفريقيا" بسبب خطابه المناهض للاستعمار ودعوته إلى الاستقلال الاقتصادي والعدالة الاجتماعية، ومواقفه الرافضة للهيمنة الفرنسية والداعمة لحركات التحرر، بما فيها القضية الفلسطينية.

غير أن إرث سانكارا بدأ يتآكل بين يدي تراوري الذي أدار الظهر للقضية الفلسطينية، وتوجه إلى الحضن الإسرائيلي، كما أنه انغمس في راديكالية علمانية متطرفة، طالما انتقدها المتنورون الأفارقة على المستعمر الغربي وخصوصا فرنسا التي يقولون إنها جعلت من محاربة الإسلام ورموزه جزءا أصيلا من سياستها الثقافية في أفريقيا طيلة عقود من الزمن.

وفيما تزداد الأمور تعقيدا أمام خطوات تراوري فإنها أيضا تكشف عن غياب مشروع نهضوي أو فكري متماسك، عكس كما كان يميز سانكارا، بل تبدو السلطوية وخطاب القوة، والسير المتعجرف بين حقول ألغام السياسة والأمن أبرز ما يميز الثائر الشاب، والعدو الأكثر صراحة للاستعراب الأفريقي حتى الآن.

مقالات مشابهة

  • ضغط سياسي بإيرلندا لإسناد إيرلندي مؤيد لفلسطين يحاكم في ألمانيا
  • كيفية استخراج شهادة براءة الذمة للمخالفات المرورية إلكترونيا
  • الرئيس عون استقبل سلام وأطلعه على نتائج زيارته الى الولايات المتحدة
  • احسب أرباح الـ 100 ألف كام؟.. شهادات الادخار 2026 في 4 بنوك بعوائد ثابتة ومتغيرة
  • محكمة أمريكية تحبط مسعى إدارة ترمب لإعادة احتجاز باحث مؤيد لفلسطين
  • رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي يعود إلى بغداد بعد اختتام زيارته إلى طهران
  • هاجم العرب وطلاب الشريعة وصادق إسرائيل.. الرحلة المثيرة لجنرال بوركينا فاسو
  • لماذا يراهن العرب على الباكستان في الأزمات؟.. تعرف على قواها الضاربة
  • الناشرين العرب : معرض مكتبة الإسكندرية يعد موسمًا ثقافيًا متكاملًا
  • عندما يملّ الكاتب من حمل كتابه