هل يرث دواعش البراء بن مالك السودان؟
تاريخ النشر: 21st, January 2025 GMT
كل ما يجري في السودان اليوم هو من صنيع قادة الحركة الإسلامية الذين تقع عليهم مسؤولية كبرى في تحمل الانتهاكات المنسوبة لطرفي القتال. أي تحليل خلاف هذا لا يحقق توصيفاً دقيقاً للأزمة السودانية التي تفاقمت منذ عام 1989. البلد الآن تدفع الثمن الباهظ لمغامرات الإسلاميين البراغماتية للاستيلاء على السلطة منذ استهلال تنظيمهم العمل السياسي في الخمسينات.
تلك الفتنة هي التي ضيعت إمكانية نهوض السودان، وأفرزت تفاصيل سياسية استهلكت طاقة النخبة السياسية من بداية الاستقلال حتى يوم الناس هذا. ومن الناحية الثانية عمقت التشظي في نسيج المجتمع فانتهينا إلى أمة يصبح فيها ذبح الإنسان مدخلاً لعودة الإسلاميين للحكم مرة أخرى.
إن الحرب الحالية لم تكن وليدة اللحظة، فقد سبقتها
أسباب عديدة قبل حكم الحركة الإسلاموية عبر ما سمته الإنقاذ الوطني. ولكن بظهورها في المشهد السياسي عمقت الصراعات السياسية، وأوصلتها إلى قمة تعقيداتها البالغة في السوء. وبرغم سقوط حكم الإنقاذ إلا أن سدنته استداروا على الواقع السياسي بمكر كبير، ووظفوا وجودهم داخل القوات النظامية، والخدمة المدنية ليحاصروا المسعي الثوري الذي ترافق مع ثورة ديسمبر.
غالب النخبة المناوئة للإسلام السياسي لم يحسنوا الموقف ضد خطورة الإسلاميين أثناء حكمهم، وفي واقع ما بعد الثورة. ذلك بوصف أن الإسلام السياسي يعد مهدداً أساسياً لوحدة السودان، ولا وجود له متى ما سيطر مرة ثانية على الحكم. فتارة كانت تستجيب هذه النخبة للترهيب الذي بلغ مداه أثناء سيطرة الإسلاميين على مقاليد الحكم لثلاثة عقود، وتارة أخرى تستجيب للترغيب عبر عطايا سلطوية. وحتى بعد نجاح ثورة ديسمبر تساهلت حكومة الفترة الانتقالية في التعامل الجاد مع التركة المثقلة التي خلفتها تجربة المشروع الحضاري في إفساد الأوضاع السياسية. فهي كانت قبل مجيء الإسلاميين تتمحور حول قضايا محدودة ليس من بينها أي نوايا مؤسسة لانفصال الجنوب الذي مورس ضده الجهاد. كما ان الأوضاع السائدة انذاك لم تشهد حروب مناطق النزاع، ووجود مليشيات موازية للقوات المسلحة، وافتقاد البلاد للملايين من الكوادر المؤهلة في هجرتها للخارج، وتسييس الخدمة الوطنية المدنية والعسكرية، وتصاعد معدلات الفساد، وارتكاب جرائم إبادة جماعية ضد المواطنين، والعزلة عن المجتمع الدولي، وتصعب فرص الإصلاح الحكومي.
الآن خلق الإسلاميون هذه الحرب لتعيد سيطرتهم على الدولة، والقضاء على أحلام ثورة ديسمبر، والانتقام ضد الشعب السوداني الذي أزاحهم عن السلطة. وما استثمار الإسلامويين للغش السياسي، وتوظيف مال الدولة المسروق غير المحدود، في هذا الحرب، سوى المفاضلة بين نهاية تامة لحقبتهم السياسية في أرض السودان وبين مقاومة أي مسعى ثوري لإعادة الأمور إلى نصابها، ومن ثم يمكن البناء على زخم الحلم التاريخي للسودانيين ببناء دولة مدنية تتأسس على الديمقراطية، والعدالة، والسلام.
وقد أدرك الإسلاميون أن الخطوات المبذولة إبان الفترة الانتقالية ستجردهم من الكسب غير المشروع الذي حققوه في دولتهم الاستبدادية، ولذلك فضلوا استثمار طاقاتهم الشريرة لقطع الطريق أمام ذلك الحلم السوداني حتى لو قضت الحرب التي اشعلوها على وحدة البلاد.
إننا نخشى، في ظل بروز التيارات الداعشية المساندة للجيش في حربه ضد الدعم السريع، أن ينتهي السودان إلى بؤرة جديدة لنسخ متطرفة من الإسلام السياسي. وقد شاهدنا أثناء هذه الحرب كيف أن تنظيم البراء بن مالك قد أعادنا إلى تذكر سنوات قليلة كانت فيها داعش قد أقلقت إقليم الشرق الأوسط، وهددت مستقبل الدول التي ازدهرت فيها حتى تم دحرها.
لا اعتقد أن هناك فرقاً جوهرياً بين الممارسة الداعشية للإسلام السياسي أثناء سيطرة المؤتمر الوطني على الدولة وممارسات البراء بن مالك طوال زمن هذه الحرب. ففي فترة حكم الترابي والبشير كان قتل المعارضين، وتعذيبهم، واغتصاب الرجال والنساء، وجلدهم، وقمع الحريات، عوامل مفتاحية استندوا عليها لتجذير الاستبداد الإسلاموي. والآن يبني البراءوون على ذلك التطرف الدموي كخطوة لترهيب السودانيين حتى يتسنى لهم الخضوع لشروطهم في إقامة دولة دينية جديدة أكثر بطشاً من السابقة إذا ما انتصروا في هذه الحرب.
النخبة السودانية المستنيرة الآن أمام تحدٍ حقيقي لبقاء السودان حراً، وموحداً، أو أن تسهم الحركة الإسلامية بأجنحتها الداعشية للسيطرة عليه، وذبح كل من قال "تسقط بس". وتلك خطوة مؤجلة لا تستثني هؤلاء الذين يدعمون استمرار الحرب بتلك الافتراضات الموهومة. ولذلك فإن وحدة المدنيين الديمقراطيين لتشكيل رأي عام صلب لإيقاف الحرب تمثل الهزيمة المؤكدة لتحول السودان إلى مرتع خصب للدواعش، ومتطرفي الإسلام السياسي.
suanajok@gmail.com
المصدر
المصدر: سودانايل
كلمات دلالية: الإسلام السیاسی هذه الحرب
إقرأ أيضاً:
الزراعة أساسًا للإعمار بعد الحرب: رؤية للاستثمار الزراعي وإعادة الإعمار (9-10) .. إطار الاستثمار الزراعي المتكامل لإعادة الإعمار بعد الحرب في السودان (1-2)
الزراعة أساسًا للإعمار بعد الحرب: رؤية للاستثمار الزراعي وإعادة الإعمار (9-10)
إطار الاستثمار الزراعي المتكامل لإعادة الإعمار بعد الحرب في السودان (1-2)
من الرؤية إلى التطبيق: نحو نموذج جديد للاستثمار الزراعي
“لا تُبنى الدول الخارجة من الحروب بإعادة ما كان قائمًا قبل النزاع، وإنما ببناء منظومات أكثر قدرة على تحقيق الاستقرار والتنمية ومنع تكرار أسباب الصراع.”
اختُتم المقال السابق بسؤال جوهري: إذا كانت النماذج التقليدية للتخطيط والاستثمار الزراعي قد عجزت عن مواكبة تعقيدات ما بعد الحرب في السودان، فما البديل؟ وكيف يمكن صياغة نموذج يربط بين الاستثمار، والأسواق، وسلاسل القيمة، والتفكير النظمي، والاقتصاد السياسي، لتصبح الزراعة قاطرة حقيقية لإعادة الإعمار والتنمية المستدامة؟
تأتي هذه السطور للإجابة عن هذا التساؤل عبر طرح “إطار متكامل للاستثمار الزراعي في السودان ما بعد الحرب”؛ وهو نموذج يدمج في منظومة واحدة ما دأبت السياسات والبرامج التنموية على معالجته بشكل مجزأ. فبدلاً من اختزال الاستثمار الزراعي في كونه تمويلاً لمشروعات إنتاجية، يقدم هذا الإطار رؤية استراتيجية لإعادة بناء المنظومة الزراعية برمتها، بما تشمله من مؤسسات، وأسواق، وسلاسل قيمة، وبنية تحتية، ورأس مال بشري، وآليات للحوكمة وإدارة المخاطر.
يقترح المقال الانتقال من “التخطيط القائم على المشروعات” إلى “التخطيط القائم على المنظومات”، حيث تُصمم الاستثمارات بناءً على فهم دقيق للعلاقات المتداخلة بين الفاعلين، والأسواق، والموارد، والمؤسسات، بعيداً عن التدخلات المنعزلة أو الاستجابات الآنية. ويستند هذا النهج إلى الدروس المستفادة من تجارب دول خارجة من نزاعات مشابهة، مع تطويعها لتلائم الخصوصية السودانية وتنوع أقاليمها وتفاوت احتياجاتها.
من الرؤية إلى الإطار
إن بناء رؤية استراتيجية للتعافي ليس سوى الخطوة الأولى في رحلة إعادة الإعمار، فالتحدي الحقيقي يكمن في تحويل هذه الرؤية إلى إطار عملي يوجّه القرارات الاستثمارية، ويرتب الأولويات، ويحشد الموارد، ويحقق التنسيق بين مختلف الفاعلين. فالرؤى -مهما بلغت جودتها- تظل محدودة الأثر ما لم تُترجم إلى أدوات تنفيذية واضحة، تستند إلى فهم عميق للواقع، وتحدد بدقة كيف وأين ومتى ولماذا تُوجَّه الاستثمارات.
لسنوات طويلة، انصبَّ الاهتمام في التخطيط الزراعي على إعداد الخطط القطاعية أو قوائم المشروعات، مع افتراض أن توفير التمويل كفيل بتحقيق التنمية. غير أن التجربة السودانية، وتجارب العديد من الدول الخارجة من النزاعات، أثبتت أن المعضلة لا تكمن في نقص المشروعات، بل في غياب إطار يربط هذه المشروعات ضمن رؤية متكاملة تضمن تناغمها مع السياسات العامة، واحتياجات الأسواق، وقدرات المؤسسات، وأولويات المجتمعات المحلية.
لقد أدى هذا النهج المجزأ إلى تنفيذ تدخلات متفرقة حققت بعض النجاحات المحدودة، لكنها عجزت عن إحداث التحول الهيكلي المطلوب في القطاع الزراعي. فمشروع لإعادة تأهيل الري، أو برنامج لتوفير المدخلات، أو مبادرة لدعم المنتجين، قد يحقق نتائج آنية في نطاقه، لكنه يظل قاصراً عن إحداث أثر مستدام إذا ظل معزولاً عن بقية عناصر المنظومة الزراعية.
وتزداد هذه الإشكالية تعقيداً في مرحلة ما بعد الحرب، حيث لا تقتصر إعادة الإعمار على إصلاح ما تضرر، بل تمتد لتشمل إعادة بناء العلاقات الاقتصادية والمؤسسية والاجتماعية التي يقوم عليها النشاط الزراعي. فالمزارع لا يحتاج فقط إلى الأرض والبذور، بل يحتاج إلى سوقٍ فعال، وتمويلٍ مناسب، وخدماتٍ إرشادية، وبنيةٍ تحتية، ومؤسسات قادرة على تنظيم العلاقات بين مختلف الأطراف. كما يحتاج المستثمر إلى بيئة مستقرة، وإطار تنظيمي شفاف، وآليات عادلة لإدارة المخاطر..
بناءً على ذلك، لا ينبغي إدارة عملية إعادة الإعمار الزراعي بمنطق المشروعات المنفصلة، بل بمنطق المنظومات المتكاملة؛ إذ يُعدُّ القطاع الزراعي شبكة مترابطة تجمع الموارد الطبيعية، والمنتجين، والأسواق، والخدمات، والمؤسسات، والسياسات، وأي خلل في أيٍّ من هذه المكونات سيؤثر بالضرورة على أداء المنظومة بأكملها.
ما هو الإطار المتكامل للاستثمار الزراعي؟
يُقصد بالإطار المتكامل للاستثمار الزراعي في مرحلة ما بعد النزاعات منهجيةً استراتيجيةً لتخطيط وتوجيه وتنفيذ الاستثمارات الزراعية؛ انطلاقاً من تحليل واقع ما بعد الحرب، وبهدف إعادة بناء المنظومة الزراعية تدريجياً وبشكل مترابط بما يضمن التعافي الاقتصادي، واستعادة سبل العيش، وتعزيز الأمن الغذائي، وترسيخ السلام.
لا يمثل هذا الإطار برنامجاً تنفيذياً أو قائمة مشاريع جاهزة، بل يعد مرجعية لاتخاذ القرارات الاستثمارية، ويساعد صناع القرار في الإجابة عن تساؤلات جوهرية تسبق أي استثمار، مثل:
ما طبيعة البيئة التنفيذية؟ وما القيود الهيكلية التي تعيق نجاح الاستثمار؟ ومن هم الأطراف الفاعلون وما طبيعة مصالحهم؟ وكيف تعمل نظم الأسواق؟ وأين تكمن الاختناقات في سلاسل القيمة؟ وما التدخلات ذات الأثر الاقتصادي والاجتماعي الأكبر؟ وكيف يمكن الحد من المخاطر وضمان الاستدامة؟ وبذلك، ينتقل التخطيط من السؤال التقليدي “ماذا سننفذ؟” إلى أسئلة أكثر عمقاً: “لماذا؟ وأين؟ ولمن؟ وكيف؟”، وهي التساؤلات التي تُميِّز الاستثمار الاستراتيجي عن الإنفاق المباشر.
كما يعتمد الإطار نهجاً تكاملياً يربط الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والمؤسسية والبيئية بوصفها مكوّنات متداخلة؛ فاستثمار البنية التحتية، على سبيل المثال، لا يُقاس بمقاييس كمية كعدد الكيلومترات المُعاد تأهيلها فحسب، بل بقدرته على تحسين الوصول إلى الأسواق، وخفض تكاليف النقل، ورفع دخول المنتجين، وتحفيز القطاع الخاص، وتقليل الفوارق الإقليمية.
ولتبسيط هذا النهج، أقترح نموذجاً تحليلياً أطلقت عليه “شجرة الاستثمار الزراعي”، وهي أداة تُعين على فهم العلاقات بين عناصر الاستثمار، وتحديد نقاط القوة والاختناقات، وربط المدخلات بالمخرجات والنتائج والأثر.
شجرة الاستثمار: استعارة تفسر المنهج
إن اختيار “شجرة الاستثمار” ليس مجرد أسلوب تبسيطي أو تصميم بصري جذاب، بل هو تجسيد لفلسفة هذا الإطار؛ فالشجرة كائن حي قائم على ترابط الجذور بالجذع والأغصان والثمار، ولا يمكن فهم أي جزء منها بمعزل عن الآخر. وعلى المنوال نفسه، لا يحقق الاستثمار الزراعي أهدافه إذا اقتصر على تمويل الإنتاج دون ربطه بالإصلاح المؤسسي، وتحسين بيئة الأعمال، وتطوير الأسواق، وبناء القدرات، وإدارة الموارد الطبيعية.
في هذا النموذج، تُمثّل الجذور الأساس الذي يرتكز عليه الاستثمار، ويشمل ذلك تحليل السياق، والاقتصاد السياسي، والموارد الطبيعية، ورأس المال البشري، والحوكمة، وهي العوامل المحددة لقدرة البيئة المحلية على استيعاب الاستثمارات وتحويلها إلى نتائج مستدامة.
أما الجذع، فيُعبّر عن المنظومة المؤسسية التي تنقل الموارد والرؤى إلى برامج عملية، في حين تُمثّل الأغصان المحافظ الاستثمارية، وسلاسل القيمة، ومشروعات البنية التحتية، والخدمات، والأسواق. وأخيراً، تُمثّل الثمار النتائج المرجوة من هذا الإطار، وهي: زيادة الإنتاج، وتحسين الدخل، وخلق فرص العمل، وتعزيز الأمن الغذائي، وترسيخ السلام.
يُتبع في الجزء الثاني… حيث نستعرض مكونات شجرة الاستثمار بالتفصيل، ونُبيّن كيف تُؤسس هذه العناصر لقرارات استثمارية أكثر كفاءة وعدالة، مع شرح آلية الربط في “شجرة الاستثمار” بين جذور التعافي، وجذع الحوكمة، وفروع الاستثمار، وثمار التنمية والسلام.
حسن علي سنهوري
مستشار التنمية الزراعية
[email protected]