إعادة بناء الاقتصاد ..تحدي العهد الجديد
تاريخ النشر: 22nd, January 2025 GMT
بمجرد انتخاب الرئيس العماد جوزاف عون وتكليف القاضي نواف سلام تشكيل الحكومة حتى بدأت التساؤلات عن التحديات الاقتصادية التي تنتظر العهد الجديد لا سيما وأن الرئيس عون أكد في خطاب القسم أنه سيعمل مع الحكومة على إقرار مشروع قانون جديد لاستقلالية القضاء، وهيكلة الإدارة العامة، والمداورة في وظائف الفئة الأولى.
يضاف إليها إعادة إعمار ما هدمه العدوان الإسرائيلي، إلى جانب إقامة أفضل العلاقات مع الدول العربية الشقيقة، والانفتاح على الشرق والغرب وتفعيل العلاقات الخارجية. كما تعهد بالحفاظ على الاقتصاد الحر والملكية الفردية، وعدم التهاون في حماية أموال المودعين وتعزيز شبكات الأمان الاجتماعي، وبناء اقتصاد منتج، في حين أن الرئيس المكلف تعهد ببناء "دولة عادلة لجميع اللبنانيين"، وشدد على ضرورة وضع برنامج متكامل لإعادة بناء الاقتصاد اللبناني.
وبحسب وكالة "بلومبيرغ"، سيواجه الرئيس سلام المهمة الشاقة المتمثلة في تشكيل حكومة تنفذ إصلاحات طالب بها صندوق النقد الدولي، لإطلاق حزمة بقيمة ثلاثة مليارات دولار. ومن شأن هذه الحزمة أن تسهم في وصول المساعدات الدولية. وقال مارك بوهلوند، كبير محللي أبحاث الائتمان في REDD Intelligence لبلومبرغ، إن "ردة فعل السوق على تعيين سلام ستكون أكثر ملاءمة، لأنه شخص يتناسب جيداً مع سيناريو الاستثمار الشعبي، بأن لبنان يبتعد عن هيمنة حزب الله، وبالتالي إيران، مشيراً إلى أن الرئيس المُكلّف سيكون في وضع أفضل لجمع الدعم المالي الخارجي". وكان البنك الدولي وصف الشهر الماضي الإصلاحات الشاملة والاستثمارات الموجهة بالحاجة الملحة للبنان، داعيًا إلى اعتماد برنامج استقرار اقتصادي وتعزيز الحوكمة، لجذب التمويل لوضع البلاد على مسار التعافي.
أستاذ الاقتصاد السياسي الدكتور محمد موسى يقول لـ"لبنان 24" إن جملة تحديات كبرى تواجه العهد الجديد و عنوانها الاول والأخير كسب ثقة اللبنانيين و المجتمعين العربي والدولي والتي تأتي من خلال:
-خطة اقتصادية واضحة المعالم والأهداف تعيد لبنان الى دائرة الاهتمام الدولي والعربي.
-إعادة هيكلة الإدارة العامة وترشيقها والابقاء على الاقتصاد المفتوح.
-تحديث شامل عبر ورشة قانونية تعيد الهيبة إلى القوانين الضريبية وتأخذ حقوق الدولة من كل من يتهرب منها.
-تفعيل العمل بنظام المناطق الحرة واستحداثها في المرافق العامة.
- تثبيت سعر الصرف لفترة معينة لكي يتلاءم مع أسعار السوق ولو لفترة محدودة.
-إلغاء كل القوانين التي تشمل السرية المصرفية وإعادة التدقيق الشامل الكامل بكل موازنات الدولة ومصرف لبنان وموجودات المصارف.
-إتمام التعيينات لاسيما حاكم المركزي ومجلسه وهيئة الرقابة على المصارف والتي ستكون تحت المجهر الدولي أسوة بالتعيينات القضائية والامنية والعسكرية
-خلق آليات جديدة لجذب الاستثمارات وعنوان ذلك يبدأ بالاستقرار المالي.
- إنهاء التخلف عن سداد الديون والمباشرة بالمفاوضات مع حملة اليوروبوند .
-إعادة الثقة لقطاع الطاقة لأن الطاقة كانت مفتاح الهدر وخطة الطاقة لابد أن تكون واضحة المعالم خلال عام واحد.
-ضبط المرافق ووضع حد نهائي لمسألة التهريب لاسيما عند الحدود المفتوحة فبعض الدراسات تحدثت عما يفوق المليار دولار قد تجنيها الدولة إذا ضُبطت هذه المرافق.
-الذهاب نحو مسارات التكنولوجيا الجديدة والحكومة الإلكترونية وقد يحتاج ذلك إلى بعض الوقت، لكن لابد من خطوة أولى في هذا الاتجاه، من خلال تضمين البيان الوزاري توجهاً واضحا نحو الحكومة الإلكترونية التامة وإن كان ذلك قد يحتاج إلى قرابة عامين أو ثلاثة لينجز، لكن هذا التوجه سيمنع الفساد ويقطع الطريق على الهدر وسيفعل كل مؤسسات الدول، ولذلك فإن الحكومة مدعوة إلى خلق فرص في هذا الاتجاه من خلال إنشاء مدن ذكية معنية بالتكنولوجيا والأدوات الرقمية خاصة وأن هذه الخطوة المرتقبة ستواكب الثورة العالمية ونحن في زمن الجيل الخامس وما بعده تقنياً و هذا يحتاج الى تفعيل شبكة علاقات دولية واقليمية لمواكبة هذا التحول الرقمي.
أما بالنسبة إلى التعاطي مع صندوق النقد، فقد أصبح الاتفاق معه، بحسب موسى، ضرورة ملحة بعدما أبدى مرونة ورغبة في اتفاق جديد مع لبنان بعد الانتخابات الرئاسية، وبالتالي لابد من استغلال الفرصة، والمسألة ليست محصورة فقط بثلاثة أو خمسة مليارات التي سيمنحها الصندوق إنما في التعاطي مع مؤسسة دولية كبرى، فالبرنامج سيكون مدخلاً لعودة الثقة مع المجتمع الدولي.
ولأن القطاع الزراعي يعد ركيزة أساسية لشريحة كبيرة من اللبنانيين في القرى فلا بد من العمل من أجل إعادة إحياء القطاع الذي تضرر بفعل العدوان الإسرائيلي، فخسائر هذا القطاع الزراعي قدرت بنحو 1.2 مليار دولار، وهنا يقول موسى "لابد من التوقف مليا عند تفعيل مسألة القطاع الزراعي برمته لاسيما في عكار والجنوب و زيادة الإنتاج وتفعيل النوعية وزيادة الجودة عبر مؤسسات ك "إيدال"، ولابد أيضاً من العودة إلى دراسة ماكينزي التي تحدثت عن تشريع زراعة القنب الهندي للأغراض الطبية والتي قد تدخل مليارات إلى الخزينة".
المصدر
المصدر: لبنان ٢٤
إقرأ أيضاً:
الزراعة أساسًا للإعمار بعد الحرب: رؤية للاستثمار الزراعي وإعادة الإعمار (9-10) .. إطار الاستثمار الزراعي المتكامل لإعادة الإعمار بعد الحرب في السودان (1-2)
الزراعة أساسًا للإعمار بعد الحرب: رؤية للاستثمار الزراعي وإعادة الإعمار (9-10)
إطار الاستثمار الزراعي المتكامل لإعادة الإعمار بعد الحرب في السودان (1-2)
من الرؤية إلى التطبيق: نحو نموذج جديد للاستثمار الزراعي
“لا تُبنى الدول الخارجة من الحروب بإعادة ما كان قائمًا قبل النزاع، وإنما ببناء منظومات أكثر قدرة على تحقيق الاستقرار والتنمية ومنع تكرار أسباب الصراع.”
اختُتم المقال السابق بسؤال جوهري: إذا كانت النماذج التقليدية للتخطيط والاستثمار الزراعي قد عجزت عن مواكبة تعقيدات ما بعد الحرب في السودان، فما البديل؟ وكيف يمكن صياغة نموذج يربط بين الاستثمار، والأسواق، وسلاسل القيمة، والتفكير النظمي، والاقتصاد السياسي، لتصبح الزراعة قاطرة حقيقية لإعادة الإعمار والتنمية المستدامة؟
تأتي هذه السطور للإجابة عن هذا التساؤل عبر طرح “إطار متكامل للاستثمار الزراعي في السودان ما بعد الحرب”؛ وهو نموذج يدمج في منظومة واحدة ما دأبت السياسات والبرامج التنموية على معالجته بشكل مجزأ. فبدلاً من اختزال الاستثمار الزراعي في كونه تمويلاً لمشروعات إنتاجية، يقدم هذا الإطار رؤية استراتيجية لإعادة بناء المنظومة الزراعية برمتها، بما تشمله من مؤسسات، وأسواق، وسلاسل قيمة، وبنية تحتية، ورأس مال بشري، وآليات للحوكمة وإدارة المخاطر.
يقترح المقال الانتقال من “التخطيط القائم على المشروعات” إلى “التخطيط القائم على المنظومات”، حيث تُصمم الاستثمارات بناءً على فهم دقيق للعلاقات المتداخلة بين الفاعلين، والأسواق، والموارد، والمؤسسات، بعيداً عن التدخلات المنعزلة أو الاستجابات الآنية. ويستند هذا النهج إلى الدروس المستفادة من تجارب دول خارجة من نزاعات مشابهة، مع تطويعها لتلائم الخصوصية السودانية وتنوع أقاليمها وتفاوت احتياجاتها.
من الرؤية إلى الإطار
إن بناء رؤية استراتيجية للتعافي ليس سوى الخطوة الأولى في رحلة إعادة الإعمار، فالتحدي الحقيقي يكمن في تحويل هذه الرؤية إلى إطار عملي يوجّه القرارات الاستثمارية، ويرتب الأولويات، ويحشد الموارد، ويحقق التنسيق بين مختلف الفاعلين. فالرؤى -مهما بلغت جودتها- تظل محدودة الأثر ما لم تُترجم إلى أدوات تنفيذية واضحة، تستند إلى فهم عميق للواقع، وتحدد بدقة كيف وأين ومتى ولماذا تُوجَّه الاستثمارات.
لسنوات طويلة، انصبَّ الاهتمام في التخطيط الزراعي على إعداد الخطط القطاعية أو قوائم المشروعات، مع افتراض أن توفير التمويل كفيل بتحقيق التنمية. غير أن التجربة السودانية، وتجارب العديد من الدول الخارجة من النزاعات، أثبتت أن المعضلة لا تكمن في نقص المشروعات، بل في غياب إطار يربط هذه المشروعات ضمن رؤية متكاملة تضمن تناغمها مع السياسات العامة، واحتياجات الأسواق، وقدرات المؤسسات، وأولويات المجتمعات المحلية.
لقد أدى هذا النهج المجزأ إلى تنفيذ تدخلات متفرقة حققت بعض النجاحات المحدودة، لكنها عجزت عن إحداث التحول الهيكلي المطلوب في القطاع الزراعي. فمشروع لإعادة تأهيل الري، أو برنامج لتوفير المدخلات، أو مبادرة لدعم المنتجين، قد يحقق نتائج آنية في نطاقه، لكنه يظل قاصراً عن إحداث أثر مستدام إذا ظل معزولاً عن بقية عناصر المنظومة الزراعية.
وتزداد هذه الإشكالية تعقيداً في مرحلة ما بعد الحرب، حيث لا تقتصر إعادة الإعمار على إصلاح ما تضرر، بل تمتد لتشمل إعادة بناء العلاقات الاقتصادية والمؤسسية والاجتماعية التي يقوم عليها النشاط الزراعي. فالمزارع لا يحتاج فقط إلى الأرض والبذور، بل يحتاج إلى سوقٍ فعال، وتمويلٍ مناسب، وخدماتٍ إرشادية، وبنيةٍ تحتية، ومؤسسات قادرة على تنظيم العلاقات بين مختلف الأطراف. كما يحتاج المستثمر إلى بيئة مستقرة، وإطار تنظيمي شفاف، وآليات عادلة لإدارة المخاطر..
بناءً على ذلك، لا ينبغي إدارة عملية إعادة الإعمار الزراعي بمنطق المشروعات المنفصلة، بل بمنطق المنظومات المتكاملة؛ إذ يُعدُّ القطاع الزراعي شبكة مترابطة تجمع الموارد الطبيعية، والمنتجين، والأسواق، والخدمات، والمؤسسات، والسياسات، وأي خلل في أيٍّ من هذه المكونات سيؤثر بالضرورة على أداء المنظومة بأكملها.
ما هو الإطار المتكامل للاستثمار الزراعي؟
يُقصد بالإطار المتكامل للاستثمار الزراعي في مرحلة ما بعد النزاعات منهجيةً استراتيجيةً لتخطيط وتوجيه وتنفيذ الاستثمارات الزراعية؛ انطلاقاً من تحليل واقع ما بعد الحرب، وبهدف إعادة بناء المنظومة الزراعية تدريجياً وبشكل مترابط بما يضمن التعافي الاقتصادي، واستعادة سبل العيش، وتعزيز الأمن الغذائي، وترسيخ السلام.
لا يمثل هذا الإطار برنامجاً تنفيذياً أو قائمة مشاريع جاهزة، بل يعد مرجعية لاتخاذ القرارات الاستثمارية، ويساعد صناع القرار في الإجابة عن تساؤلات جوهرية تسبق أي استثمار، مثل:
ما طبيعة البيئة التنفيذية؟ وما القيود الهيكلية التي تعيق نجاح الاستثمار؟ ومن هم الأطراف الفاعلون وما طبيعة مصالحهم؟ وكيف تعمل نظم الأسواق؟ وأين تكمن الاختناقات في سلاسل القيمة؟ وما التدخلات ذات الأثر الاقتصادي والاجتماعي الأكبر؟ وكيف يمكن الحد من المخاطر وضمان الاستدامة؟ وبذلك، ينتقل التخطيط من السؤال التقليدي “ماذا سننفذ؟” إلى أسئلة أكثر عمقاً: “لماذا؟ وأين؟ ولمن؟ وكيف؟”، وهي التساؤلات التي تُميِّز الاستثمار الاستراتيجي عن الإنفاق المباشر.
كما يعتمد الإطار نهجاً تكاملياً يربط الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والمؤسسية والبيئية بوصفها مكوّنات متداخلة؛ فاستثمار البنية التحتية، على سبيل المثال، لا يُقاس بمقاييس كمية كعدد الكيلومترات المُعاد تأهيلها فحسب، بل بقدرته على تحسين الوصول إلى الأسواق، وخفض تكاليف النقل، ورفع دخول المنتجين، وتحفيز القطاع الخاص، وتقليل الفوارق الإقليمية.
ولتبسيط هذا النهج، أقترح نموذجاً تحليلياً أطلقت عليه “شجرة الاستثمار الزراعي”، وهي أداة تُعين على فهم العلاقات بين عناصر الاستثمار، وتحديد نقاط القوة والاختناقات، وربط المدخلات بالمخرجات والنتائج والأثر.
شجرة الاستثمار: استعارة تفسر المنهج
إن اختيار “شجرة الاستثمار” ليس مجرد أسلوب تبسيطي أو تصميم بصري جذاب، بل هو تجسيد لفلسفة هذا الإطار؛ فالشجرة كائن حي قائم على ترابط الجذور بالجذع والأغصان والثمار، ولا يمكن فهم أي جزء منها بمعزل عن الآخر. وعلى المنوال نفسه، لا يحقق الاستثمار الزراعي أهدافه إذا اقتصر على تمويل الإنتاج دون ربطه بالإصلاح المؤسسي، وتحسين بيئة الأعمال، وتطوير الأسواق، وبناء القدرات، وإدارة الموارد الطبيعية.
في هذا النموذج، تُمثّل الجذور الأساس الذي يرتكز عليه الاستثمار، ويشمل ذلك تحليل السياق، والاقتصاد السياسي، والموارد الطبيعية، ورأس المال البشري، والحوكمة، وهي العوامل المحددة لقدرة البيئة المحلية على استيعاب الاستثمارات وتحويلها إلى نتائج مستدامة.
أما الجذع، فيُعبّر عن المنظومة المؤسسية التي تنقل الموارد والرؤى إلى برامج عملية، في حين تُمثّل الأغصان المحافظ الاستثمارية، وسلاسل القيمة، ومشروعات البنية التحتية، والخدمات، والأسواق. وأخيراً، تُمثّل الثمار النتائج المرجوة من هذا الإطار، وهي: زيادة الإنتاج، وتحسين الدخل، وخلق فرص العمل، وتعزيز الأمن الغذائي، وترسيخ السلام.
يُتبع في الجزء الثاني… حيث نستعرض مكونات شجرة الاستثمار بالتفصيل، ونُبيّن كيف تُؤسس هذه العناصر لقرارات استثمارية أكثر كفاءة وعدالة، مع شرح آلية الربط في “شجرة الاستثمار” بين جذور التعافي، وجذع الحوكمة، وفروع الاستثمار، وثمار التنمية والسلام.
حسن علي سنهوري
مستشار التنمية الزراعية
[email protected]