كشفت منظمة صحفيات بلاقيود في تقرير حديث لها بعنوان "مجازر صامتة.. سجناء العراق بين جدران الموت والإعدامات الطائفية".. قدمت فيه نظرة شاملة حول الانتهاكات المستمرة بحق الحياة والسلامة الجسدية للمحتجزين العراقيين. ويسلط الضوء على الظروف المأساوية التي يعيشها المعتقلون بموجب قانون "مكافحة الإرهاب". مقدماً الإعدامات السرية في سجن الناصرية المركزي خلال 2024 أنموذجاً لواقع حقوق الإنسان في تلك السجون.

اعتمد التقرير في منهجيته على شهادات سجناء سابقين، ومحامين، وعائلات معتقلين ما يزالون في السجون، وعاملين في منشآت عقابية أو في الطب العدلي. إلى جانب الشهادات المنشورة في المصادر المفتوحة بما في ذلك تقارير الأمم المتحدة.

ويستعرض الجزء الأول من التقرير الإطار القانوني الدولي والوطني المتعلق بحق الحياة والسلامة الجسدية للمحتجزين العراقية. حيث تستمر انتهاكات حقوق الإنسان في السجون العراقية رغم وعود حكومة محمد شياع السوداني بإصلاح الوضع، وتنفيذ القوانين المحلية والمعاهدات الدولية التي وقعتها بغداد. حيث تعاني السجون من الاكتظاظ وسوء المعاملة والتعذيب. 

وأضاف التقرير ان السجون تخصع لدائرة الإصلاح التابعة لوزارة العدل، وتدير وزارات مختلفة 24 منشأة احتجاز. يُقدّر عدد المعتقلين بنحو 76 ألف شخص، مع وجود تقارير عن تعذيب المدنيين الأبرياء في السجون الرسمية وسجون رسمية تابعة لميليشيات شيعية، خاصة في مناطق "العرب السنة".

تشير المعلومات إلى أن 80% من السجون غير صالحة للحياة والمعيشة الأدمية، وتعمل بطاقة استيعابية 300%، وتفتقر إلى الرعاية الصحية. يُمارس التعذيب بشكل ممنهج، ويُحتجز العديد من الأفراد دون مبرر قانوني، مع وجود آلاف المخفيين قسراً. كما تعاني السجون من نقص الغذاء والرعاية الطبية، مما يؤدي إلى تفشي الأمراض والأوبئة. 130 حالة وفاة عام 2023 داخل السجون

تُحظر المحاكمات العلنية العادلة، ويواجه المتهمون تأخيرات غير مبررة في الوصول إلى المحاكمة؛ ويتعرضون للإدانة بسبب الوشاية أو الاعترافات التي انتزعت تحت التعذيب دون وجود قرينة قانونية. وفيما تنفي الحكومة تنفي وجود سجناء سياسيين، بينما تستخدم السلطات التهم الجنائية خاصة قانون مكافحة الإرهاب كذريعة للاعتقال بسبب الأنشطة السياسية.

بين هؤلاء 20000 ألف شخص أدينوا بارتكاب جرائم إرهابية بموجب قانون مكافحة الإرهاب (2005)، وهو تشريع فضفاض يوسع الأفعال الإرهابية دون تحيد موضوعي وقانوني (المادة 2 والمادة 3)، ولا يتضمن القواعد التشريعية المتعارف عليها في تشريعات مكافحة الإرهاب, ويحدد عقوبتين الإعدام أو السجن المؤبد".

 

 ومعظم هؤلاء أدينوا بتهم غير جنائية، ولأسباب بسيطة بينها وجود اسمهم ضمن أوراق أو قوائم التنظيمات الإرهابية، أو استمر بالعمل في مناطق تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، أو تم القبض عليهم من خلال معلومات المخبر السري دون وجود قرينة قانونية تثبت عملهم الإرهابي.

الجزء الثاني من التقرير يتطرق إلى الأوضاع في سجن الناصرية المركزي، المعروف بـ"الحوت"، الذي يُعد نموذجًا لانتهاكات القانونين المحلي والدولي الإنساني في العراق. 

 

ويضم السجن حوالي 12 ألف معتقل، معظمهم من الطائفة السنية، بينهم 8000 معتقل ينتظرون تنفيذ أحكام الإعدام بتهم إرهاب تستند إلى اعترافات مأخوذة تحت التعذيب أو إفادات مخبرين سريين.

 

 وكشف التقرير ان السجناء يعانون من الاكتظاظ المفرط، سوء الرعاية الصحية، التعذيب الجسدي والنفسي، وقيود تعسفية على حقوقهم الأساسية، مع تسجيل وفيات غامضة تحت التعذيب أو بسبب الإهمال.

ويقتصر العمل في سجن الناصرية على العراقيين المنتمين للطائفة الشيعية، فيما غالبية السجناء من الطائفة السنية. ولأجل ذلك يعانون من انتقام طائفي ومنع من ممارسة معتقداتهم الدينية. ويتعرضون للضرب بآلات حديدية وشتم بألفاظ مخزية.

 

 كما يتعمد أمراء السجن والسجانين الأخرين على سب معتقدات السجناء لإثارة غضبهم.

وتنفذ أحكام الإعدام بشكل جماعي وسريع. ودون إخطار مسبق لأسر المحكوم عليهم أو محاميهم، مما يحرمهم من حقهم في العفو وتخفيف العقوبة. 

ولا تنشر الحكومة العراقية إحصاءات رسمية عن الإعدامات، وترفض تقديمها عند المطالبة بها. ومنذ ديسمبر/كانون الأول2023 سرّعت السلطات العراقية عملية الإعدامات السرية للمعتقلين في السجن سيء السمعة، إذ كانت آخر عملية إعدام جماعي في نوفمبر/تشرين الثاني2020م بإعدام 21 رجلاً؛ وحسب إحصاءات صحفيات بلا قيود فقد جرى إعدام 145 عراقياً على الأقل بين ديسمبر/كانون الأول 2023 وسبتمبر/أيلول 2024.

يبقى المحكوم عليهم في ظروف سجن سيئة للغاية، دون معرفة متى موعد الإعدام. ويظل أمراء السجن في تهديدهم بشكل مستمر بالإعدام "والاستعداد" لتنفيذ الأحكام، ما يجعل المعتقلين في وضع نفسي سيء ومتوتر؛ خاصة وأن عديد من رفاقهم تم أخذهم خارج الزنازين دون أن يعودوا. كما يتعرضون لانتهاكات بما في ذلك أعمال التعذيب وسوء المعاملة والافتقار إلى الرعاية الطبية للأمراض الخطيرة والمعدية، مما أدى إلى وفاة العشرات مبكراً أثناء الاحتجاز. 

 

ولا يوجد تواجد دائم للخدمات الطبية في قسم المحكومين بالإعدام.

 كما يتعرض أهالي السجناء للابتزاز المالي وسوء المعاملة أثناء الزيارات النادرة، مع منعهم من إقامة جنازات أو الحديث عن الانتهاكات.

وقالت منظمة صحفيات بلا قيود ان هذه الانتهاكات تتطلب تحقيقًا شفافًا ومحاسبة المتورطين، مع السماح للمنظمات الحقوقية الدولية بزيارة السجن وضمان تطبيق المعايير الإنسانية.

واضاف التقرير :يُثبت تاريخ العراق، أن أحكام الإعدام الجائرة والجرائم ضد الإنسانية -بما فيها التعذيب وسوء المعاملة في السجون - لن تضع حداً للإرهاب. وأن الانتهاكات التي تمارس بنفس طائفي وعنصري من قِبل الميليشيات الشيعية والسلطات الداعمة لها عائق أمام استعادة اللحمة الاجتماعية والمصالحة؛ وتؤجج مشاعر الانتقام لدى الكثير من المواطنين العراقيين.

ولم تقدم السلطات أي معلومات متعلقة بالتحقيقات والملاحقات القضائية لانتهاكات وتجاوزات حقوق الإنسان التي ارتكبتها قوات الأمن العراقية والميليشيات التابعة لها في سياق النزاع المسلح مع داعش وتدابير مكافحة الإرهاب اللاحقة.

في الجزء الثالث من التقرير يقدم توصيات للحكومة العراقية وأصحاب المصلحة الدوليين من بينها: توصية حكومة العراق بتحسين وضع السجون، والنزلاء فيه، ومراقبتها، ومعالجة الإصلاحيات، وتجفيف وجود السجناء الأبرياء فيها، وليكن تعديل قانون العفو العام بأسرع ما يمكن وصفة في طريق علاج تاريخ من الانتهاكات بحق المواطنين منذ سقوط نظام صدام حسين (2003).

ومطالبة السلطات العراقية على الفور، بتحقيق سليم وشامل ومستقل وشفاف في التقارير، بمشاركة أصحاب المصلحة الرئيسيين، بما في ذلك الاعترافات التي وقعت تحت التعذيب، ويجب منح إعادة محاكمة تلتزم بالقانون الإنساني الدولي والمعاهدات التي وقعتها العراق. ودون ذلك فإن عقوب الإعدام هي عقوبة تعسفية تنتهك الحق في الحياة. وتنتهك التزام حكومة العراق بموجب المواد 1 و2 و15 و16 من اتفاقية مناهضة التعذيب والمواد 6 و7 و9 و10 و14، من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

كما يجب على السلطات العراقية وقف جميع عمليات الإعدام فوراً، وضمان إعادة محاكمة السجناء المحكوم عليهم بالإعدام؛ كما يجب عليها على الحكومة اصدار قرار يسري مفعوله على الفور لوقف العقوبة، وتوجيه جميع القضاة بالتوقف عن الحكم على الأشخاص بالإعدام في قضايا الإرهاب. وفي غضون ذلك، ينبغي تعديل قانون العقوبات وقانون مكافحة الإرهاب، لمنع فرض عقوبة الإعدام على أي جريمة لا تتضمن القتل العمد من قبل المتهم.

كما توصي باتخاذ إجراءات تضمن استقلال القضاة والمدعين العامين استقلالاً تاماً وحفاظاً على نزاهتهم وسلامتهم، قانوناً وعملياً، مع حمايتهم من أي ضغوط سياسية غير مبررة، أو عنف أو تهديد أو فساد قد يؤثر على قراراتهم من السلطة التنفيذية أو الميليشيات الطائفية. كما نوصي بالامتثال لإجراءات اختيار وتعيين القضاة والمدعين العامين لأحكام العهد الدولي لحقوق الانسان والمعايير الدولية ذات الصلة

 

المصدر

المصدر: مأرب برس

إقرأ أيضاً:

مصطلح رعاية الإرهاب.. عصا الدول الكبرى وجزرتها

مصطلح إشكالي يشير إلى تقديم دعم منظم ومقصود من قبل دول أو جهات فاعلة لأعمالٍ تصنف بأنها إرهابية، بغرض تحقيق أهداف سياسية أو استراتيجية. ويشمل ذلك التمويل وتوفير الملاذ الآمن والتسليح والتدريب، وصولا إلى الدعم اللوجستي والسياسي الذي يضمن بقاء التنظيمات المسلحة واستمرار نشاطها.

وقد أصبح هذا المفهوم محورا مركزيا في النقاشات المتعلقة بالأمن الدولي، إذ إن هذا النوع من الدعم يضاعف القدرات الذاتية للجماعات المسلحة، ويجعل مكافحتها بالوسائل التقليدية أمرا بالغ الصعوبة. كما أن المفهوم تحول إلى أداة رئيسية في هندسة العقوبات الدبلوماسية والاقتصادية، وبات معيارا حاسما في تقييم الشرعية السياسية للأنظمة وتبرير التدخلات ضدها، وأداة من أدوات الصراع على النفوذ وتصفية الحسابات السياسية.

تاريخيا، برز المفهوم خلال الحرب الباردة لوصف استخدام القوى العظمى جماعات مسلحة لتصفية الحسابات وتوسيع النفوذ، ثم اكتسب مركزية جديدة في سياق الحرب على الإرهاب، حيث استُخدم لتجريم دول بأكملها بوصفها حواضن للإرهاب، وصولاً إلى المنطقة العربية حيث تداخل مع جدل حاد حول التمييز بين رعاية الإرهاب ودعم حركات التحرر الوطني.

الرئيس الأمريكي دونالد ترمب (يمين) يصافح كيم جونغ أون رئيس كوريا الشمالية التي تصنفها الولايات المتحدة دولة راعية للإرهاب (الجزيرة)الإرهاب ورعايته ودعمه.. ما المقصود بكل ذلك؟

يعرّف الإرهاب (Terrorism) في أوسع صوره بأنه استخدام العنف أو التهديد به بغرض تحقيق أهداف سياسية، وقد يُلحق بهذا التعريف شروط أخرى مثل استهداف المدنيين أو ارتكاب أفعال تجرّمها القوانين.

ويمكن تمييز الإرهاب عن العنف السياسي والكفاح المسلح من خلال طبيعة الأهداف والضحايا، حيث يرتكز الإرهاب على الاستهداف المتعمد للمدنيين ولغير المقاتلين بغرض إيصال رسالة سياسية.

وفي المقابل، تشير رعاية الإرهاب إلى تقديم دعم مقصودٍ من دول أو جهات غير حكومية لجماعات مسلحة غير حكومية؛ من أجل تنفيذ تلك الأفعال نيابة عن الدولة، بغية تحقيق مصالحها مع الحفاظ على قدر من الإنكار. ويتجلى ذلك في صور مثل تقديم التمويل والملاذ والتدريب لتنظيمات أخرى، خدمةً لأهداف مشتركة.

إعلان

ويلحق بهذه التعريفات إشكالية وصف فعل محدد بأنه فعل إرهابي، والتمييز بينه وبين الكفاح المسلح أو المقاومة، خاصة إذا كان هذا الفعل موجها ضد الاحتلال. إذ لا توجد جهة دولية عليا متفق عليها تحدد ما ينطبق وما لا ينطبق عليه هذا الوصف، بل تظل المسألة خاضعة للتوازنات السياسية وحسابات الدول القوية وتأثيرها بحسب مصالحها الاستراتيجية.

أما مصطلح "الدولة الراعية للإرهاب"، فهو مصطلح في القانون الأمريكي والأنظمة القانونية المماثلة، ويعدّ تصنيفا رسميا يطلق على الدول التي يقرر وزير الخارجية -من منظور حكومته- أنها قدمت دعما متكررا لأعمال الإرهاب الدولي، سواء من حيث التمويل أو التدريب والتسليح أو تقديم ملاذ آمن أو غير ذلك، مما يترتب عليه فرض عقوبات اقتصادية صارمة وقيود على التصدير والمساعدات ورفع الحصانة السيادية أمام المحاكم.

وقد فرضت واشنطن -تاريخيا- عقوبات على دول مختلفة بحجة أنها راعية للإرهاب، مثل العراق وإيران والسودان وكوريا الشمالية وكوبا وسوريا وليبيا واليمن الجنوبي. وقد تغيّر وضع بعض هذه الدول في فترات لاحقة بناء على تطور العلاقات السياسية والتسويات الدبلوماسية، حيث أزيل العراق في فترات معينة لغايات الدعم العسكري ثم أعيد، كما سحبت كل من ليبيا والسودان وكوبا من القائمة إثر تفاهمات سياسية محددة.

الرئيس الفنزويلي المعتقل نيكولاس مادورو أثناء اقتياده إلى محكمة أمريكية بتهمة الإرهاب المرتبط بتجارة المخدرات (رويترز)تطوّر مفهوم رعاية الإرهاب

برز مصطلح رعاية الإرهاب في الأدبيات السياسية والأمنية الغربية خلال سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، لوصف ظاهرة لجوء بعض الحكومات إلى استخدام جماعات مسلحة غير حكومية وكلاء لتحقيق أهدافها. وارتبط هذا المفهوم بديناميكيات الحرب الباردة، حيث نظرت القوى الكبرى -ولا سيما الاتحاد السوفياتي ودول أوروبا الشرقية- إلى هذه التنظيمات بوصفها أداة غير مكلفة لخوض حروب بالوكالة ضد الخصوم، وتوسيع النفوذ في مناطق النزاع دون التورط في مواجهة عسكرية مباشرة.

ومن أبرز الأمثلة المبكرة على هذه الرعاية الدولية، ما أثير بشأن تقديم دول مثل ليبيا الأسلحة والدعم المالي لتنظيمات مثل الجيش الجمهوري الإيرلندي، والدعم السوفياتي لجماعات يسارية في أوروبا، إلى جانب رعاية دول شرق أوسطية لفصائل فلسطينية مسلحة لتصفية خصومات إقليمية.

وانعكس هذا الواقع العملي على نقاشات القانون الدولي، من خلال دفع الفقهاء والمؤسسات الدولية للبحث في كيفية تحميل الدول المسؤولية القانونية عن أفعال فاعلين غير حكوميين، مما أدى إلى تطوير نظريات قانونية معقدة مثل معيار السيطرة الفعالة؛ من أجل ربط الجرائم التي ترتكبها هذه الجماعات بالدول التي تمولها وتوجهها.

وعلى الرغم من عدم وجود تعريف متفق عليه لمفهوم رعاية الإرهاب لأسباب عدة منها إصرار بعض الدول على التمييز بين ما تراه إرهابا وبين ما تراه حركات تحرر وطني، فقد تعاملت اتفاقيات مكافحة تمويل الإرهاب -وعلى رأسها الاتفاقية الدولية لقمع تمويل الإرهاب لعام 1999- مع مسألة مسؤولية الدول بوضوح، عبر إلزامها باتخاذ تدابير لمنع تمويل الأعمال الإجرامية، وتجريم توفير أو جمع الأموال لصالح جهات إرهابية، وتجميد الأصول التابعة لها، مما جعل توفير التمويل شكلا من أشكال رعاية الإرهاب المحظورة.

إعلان

وتقع رعاية الإرهاب ضمن التصنيفات القائمة لانتهاكات القانون الإنساني الدولي وحقوق الإنسان، باعتبارها مشاركة في جرائم محظورة، حيث تحظر اتفاقيات جنيف والبروتوكولات الإضافية الملحقة بها استهداف المدنيين ونشر الرعب بينهم، وتعد الدولة الداعمة شريكة في هذه الانتهاكات متى ما ثبت توجيهها للفاعلين.

وتوجد ثغرات متعددة في المسار القانوني لمحاسبة الدول على دعم الإرهاب، منها صعوبة إثبات الارتباط السببي ومعيار السيطرة الفعالة بين الدولة والجماعة المنفذة، بسبب الطبيعة السرية لهذه العلاقات، إلى جانب التسييس واستخدام حق النقض في مجلس الأمن الذي يحول دون فرض عقوبات موحدة على الدول الراعية التي تحظى بحماية قوى كبرى.

وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو يتحدث خلال اجتماع وزاري بشأن الإرهاب السياسي في واشنطن (رويترز-2026)عصا دعم الإرهاب

تستند البنية القانونية لتصنيف دولة ما بوصفها راعية للإرهاب إلى قوانين تشريعية محددة. فيعتمد النظام الأمريكي مثلا على ثلاثة قوانين رئيسية، هي: القسم 1754(ج) من قانون تفويض الدفاع الوطني (قانون الرقابة على الصادرات)، والقسم 40 من قانون مراقبة تصدير الأسلحة، والقسم 620 (أ) من قانون المساعدات الخارجية لعام 1961.

وتتمثل النتائج القانونية المباشرة المترتبة على هذا التصنيف في أربع فئات رئيسية، تشمل:

فرض قيود على المساعدات الخارجية الأمريكية. حظر الصادرات والمبيعات الدفاعية والأسلحة. فرض ضوابط على صادرات المواد ذات الاستخدام المزدوج. فرض قيود مالية أخرى تمنع قروض المؤسسات الدولية كالبنك الدولي وتسمح لضحايا الإرهاب برفع دعاوى قضائية للحصول على تعويضات مالية.

وتصنف الولايات المتحدة الأمريكية أربع دول باعتبارها دولا راعية للإرهاب، أقدمها سوريا (1979) قبل أن يعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عزمه على رفعها من هذه القائمة، ثم إيران (1984)، وكوريا الشمالية (2017)، وكوبا (2021).

وعلى صعيد العلاقات الدولية، يجتذب وصم الدولة الراعية للإرهاب انتباها سلبيا عالميا، يثبط الاستثمار الأجنبي والمساعدات الدولية. كما يعقد هذا التصنيف العلاقات الدبلوماسية ويقيد مرونة السلطة التنفيذية في التفاوض أو تحسين العلاقات الثنائية بسبب الطبيعة الشاملة للعقوبات. ولا يرتبط هذا التصنيف دائما بأدلة قاطعة وواضحة على دعم الإرهاب في الوقت الحاضر، بل يخضع بشكل كبير لاعتبارات جيوسياسية وتوجّهات السياسة الخارجية.

ولضمان التزام المجتمع الدولي، تستخدم العقوبات الثانوية للضغط على دول وشركات أخرى للامتثال لهذا التصنيف الأحادي، حيث تفعّل قوانين تعاقب الأفراد والكيانات والدول الثالثة التي تمارس أعمالا تجارية أو مالية مع الدولة المصنَّفة، مما يجبر المؤسسات المالية الدولية والشركات الأجنبية على مقاطعة تلك الدول حتى تتجنب التعرض للغرامات أو الحرمان من الوصول إلى الأسواق.

جدارية في العاصمة هافانا تضم زعماء في كوبا التي تصنفها الولايات المتحدة دولة راعية للإرهاب (أسوشيتد برس)النقد الأكاديمي والفكري

يمثل غياب تعريف دولي شامل ومتفق عليه لمفهوم الإرهاب ورعايته مشكلة قانونية. وفي هذا السياق، تجادل دراسة الباحث آري ويل (Ari Weil) المعنونة "تحديات تعريف الإرهاب في القانون الدولي" بأن هذا الغياب يترك فراغا قانونيا، ويجعل المفهوم خاضعا للأهواء، مؤكدا أن هذا الفراغ يسمح للدول بتوظيف المصطلح سياسيا لخدمة مصالحها وتجريم خصومها.

ويبرز نقد آخر يتعلق بالتداخل المعقد بين مفهوم رعاية الإرهاب ومفاهيم المقاومة والكفاح المسلح. وتوضح أطروحة الباحث عبد الجبار مكاوي حول "المسؤولية الجنائية الدولية عن جرائم الإرهاب الدولي" أن دولا عديدة تصر على التفريق بين الأعمال الإجرامية وبين حق الشعوب في مقاومة الاحتلال والسيطرة الاستعمارية. وقد خلق هذا التداخل جدلا عميقا حول مسألة الشرعية، وهو ذات الخلاف الدبلوماسي الذي أدى إلى شلل مفاوضات الاتفاقية الشاملة للإرهاب في الأمم المتحدة، حيث تتباين المواقف إزاء ما إذا كان دعم حركات التحرر يعتبر واجبا مشروعا أم رعاية للإرهاب.

إعلان

ومن أوجه الانتقاد الأخرى ظاهرة التركيز الانتقائي على حالات معينة من العنف وتصنيفها إرهابا برعاية دول، مع تجاهل حالات مشابهة ترتكبها دول أخرى. ويذهب هذا النقد إلى أن التركيز يُسلّط دائما على الفاعلين من غير الدول أو الدول المارقة، بينما يتم التغاضي عن إرهاب الدولة المباشر أو العنف الذي تمارسه القوى الكبرى، مما يجعل التصنيف أداة في يد الأقوى بدلا من كونه معيارا قانونيا محايدا.

كما أن التصنيفات الأحادية -مثل القائمة الأمريكية للدول الراعية للإرهاب- كانت هي الأخرى محل نقد، فهذه القوائم أدوات للسياسة الخارجية والمناورة الجيوسياسية، وليست تقييمات موضوعية. وتطرح دراسة "القائمة السوداء كسياسة خارجية" المنشورة في مجلة ديوك القانونية مشكلة إدراج الدول وخضوعها لخلافات سياسية واستخدامها أوراق ضغط أو مساومة، مشيرة إلى غياب المعيار الموحد في عملية التصنيف.

وتتضح هذه الانتقائية بشكل جلي عند مقارنة دول متهمة رسميا ومدرجة في القوائم بدول أخرى مستبعدة رغم دعمها لجماعات مسلحة. ويشير الباحث بول بيلار إلى حالة كوبا التي اعتبر بقاؤها في القائمة مرتبطا بالسياسة الداخلية الأمريكية، وحالة العراق الذي سحب من القائمة في الثمانينيات لتسليحه ضد إيران ثم أعيد إليها لاحقا. ويقارن الباحث ذلك بدول حليفة، مثل باكستان أو السعودية، التي استبعدت من التصنيف تماما رغم تقارير توثق تقديمها دعما لوجستيا أو تمويليا لجماعات مسلحة، مما يثبت تباين المعايير.

كما يوجد في الأدبيات أيضا نقد يشكك في فعالية رعاية الإرهاب وفرض العقوبات، وأثرها الفعلي، بين الحكومات والأنظمة التي قد تجد طرقا متعددة للالتفاف على هذه العقوبات والقيود، وبين الشعوب التي تكون هي من يتجرع تداعيات هذه العقوبات، بما يؤدي إلى إطالة أمد المعاناة، وتقويض العدالة بدلا من الحد من العنف.

مقالات مشابهة

  • بلديات إسرائيلية تفتح الملاجئ تحسبا لتصعيد محتمل مع إيران
  • وكيل جهاز أمن الدولة الأسبق يروي تفاصيل الساعات الأخيرة قبل إعدام سيد قطب
  • بعد استهداف معبر الشلامجة.. هل دخلت الحدود العراقية في الصراع الأمريكي الإيراني؟
  • الموت يغيب لاعبا شابا إثر سكتة قلبية مفاجئة في الملعب
  • التجربة الماليزية العراقية بين المعوقات والنجاح
  • إسرائيل تفتح الملاجئ تحسباً لهجوم إيراني
  • السجون المصرية تواصل حصد أرواح المعتقلين مع استمرار التنكيل والإهمال الطبي
  • أسعار القبور في إسطنبول تصدم المواطنين.. حتى الموت أصبح يحتاج إلى ميزانية!
  • مصطلح رعاية الإرهاب.. عصا الدول الكبرى وجزرتها
  • نتمنى الموت.. صرخات سكان غزة تحت الركام في انتظار الإعمار