طارق بشري (شبين)

منذ أرسطو، بدا أنه من المستحيل الكتابة عن المجتمع دون الكتابة أيضًا عن الكتابة عن المجتمع. و هذا يستدعي المنهج للكتابة حول قضايا الشعب و حول ما كتب حول ما كتب وفي كلا الحالين تحضر السياسة
، ذلك أن الجدل حول المنهج هو أيضًا الجدل حول النظرية و حول المجتمع المتخيل و بمعنى آخر في سياقنا التاريخي راهنا نود أن نستدعي بعض من الكتابات( نموذجا لها (بيانات و دورات) اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوداني
حول الانعطافات الثورية التاريخية و التي انتقل بها عبرها الشعب من سلطة الجنرال و الحزب الواحد -كنظام سياسي استبدادي - إلى سلطة انتقال ديمقراطي مدني عبر ثورة أو انتفاضة (حتى لو لم تكتمل مراميها الاستراتيجية في هزيمة الحكم العسكري).

أي نستدعي بيانات الحزب و دوراته المركزية و التي كتبت حول ذلك المنعطف التاريخي الثوري لكي نكتب عبر هذا المقال عنها و هذا بالضرورة يستدعي المنهج التاريخي الملموس و المحدد.افترضنا هنا هل كانت تلك الكتابات (البيانات و الدورات المركزية للحزب والتي ما هي سوى نموذج تاريخي للممارسة النظرية لنظرية التحليل الملموس للواقع الملموس أي المنهج الماركسي)كان بامكانها ان تقرا الثورة او الانتفاضة الشعبية و التي حدثت ( ثورة اكتوبر ١٩٦٤ وانتفاضة مارس ابريل ١٩٨٥ و انتفاضة سبتمبر ٢٠١٣ وثورة ١٩ ديسمبر ٢٠١٨) .تاريخيا هل كان عبر تلك البيانات و الدورات للحزب و التي صدرت قبيل الثورة المحددة بعام أو أقل للمنهج الماركسي القدرة على تحليل الواقع الملموس ذاك و التنبؤ بالتحول نحو منعطف ثوري (ثورة أو انتفاضة).
ابتدينا في هذا المقال من المنعطفات الثورية(وفق المحدد لها أعلاه) الأحدث أي من ثورة ١٩ ديسمبر٢٠١٨ الى الأقدم أكتوبر ١٩٦٤ ووفق مما توصلنا اليه عبر النت من وثائق و التي بعضها تعذر الحصول عليها.

وفق البيان الأول للحزب- ٢ يوليو١٩٨٩ و الذي حدد فيه موقفه الاستراتيجي تجاه انقلاب الجبهة الاسلامية القومية في ٣٠ يونيو ١٩٨٩ والذي أشار فيه ضمن ما أشار في فقرته الاخيرة- في تحليل تاريخي ملموس عن ماذا اسهمت الديمقراطية في تأسيس مصالح الوطن و السيادة و مصالح الأغلبية مع نقد لبعض ممارستها و تقول الفقرة: "إن النضال من أجل استعادة الديمقراطية والحقوق، كما أكدت التجارب، لا ينفصل مطلقاً عن النضال من أجل السلام وتحسين حالة المواطنين المعيشية، فليكن برنامج الجماهير في عملها اليومي، رص الصفوف للنضال من أجل الديمقراطية والسلام والخبز".
و عبر تراكمات ( كمية) نضالات متعددة المشارب خاضتها قوى مدنية و سياسية و أحيانا (عسكرية) في سبيل استعادة الديمقراطية و في سيمفونية جدلية النضال في الداخل بكونه الأساسي والجوهري و مع نضالات السودانيين في الاغتراب والمهجر بكونها عامل ثانوي و عبر ثلاث عقود من الزمان هي عمر انقلاب ٣٠ يونيو هي ذاتها عمر النضال ضده.و في مرحلة محددة من هذا التاريخ وتحديدا في يونيو ٢٠١٣ أصدر الحزب بيانا(للناس) يشير في جوهره أن النضال الوطني والديمقراطي في طريقه ان يقفز الى مرحلة نوعية بتغيير النظام (نظام الانقاذ) بعد أن تراكمت النضالات الكمية و في منتصف يونيو يذهب المتحدث باسم الحزب آنذاك يوسف حسين في ندوة بالجريف إلى القول: (" إن هناك احتجاجات شعبية قادمة وإن احتجاجات العام الماضي هي عبارة عن بروفة لها، وتوقع ذهاب النظام بهذه الثورة الشعبية").
ففي هذا السياق الاجتماعي الطبقي السياسي تتبدا بكون ان استراتيجية و تكتيك الحزب في النضال هي تتراي بكونها تهدف إلى تجاوز نظام (الانقاذ)نظام الحزب الواحد إلى نظام ديمقراطي متعدد وهو ذاته تجاوز لسياسات النيوليبرالية و منتوجاتها من تعميق التبعية و الافقار و التنمية الرثة و الاقتصاد الاستخراجي…الخ و هذا هو طريق التحرر صوب الحرية والسلام والعدالة.و بهذا يفهم التحليل الملموس للواقع الملموس و الذي يسم الخطاب السياسي للحزب في تلك المنعطفات الثورية. بنوع النضال لتجاوز نظام الانقاذ يتحدد طبيعة النظام الاجتماعي والطبقي الذي يليه في الانتقال الديمقراطي و في هذا يمكن قراءة تشديد الحزب بالنضال الجماهيري القاعدي بدل التفاوض بهذا الشكل او ذاك مع نظام الحزب الواحد و مصالحه الاجتماعية والطبقية.فالثورة أو التغيير الجذري هو -مفاهيمياعند هذا الخطاب للحزب- الكلي بما تتمثله اكبر قاعدة جماهيرية و بهذه القاعدة الجماهيرية و لصالح اغلبيها و بما هي نفي لنقيض مصالحها أي نفي النظام لا التفاوض معه بما هو الجزئي بما يعني تلك الهندسة السياسية التي يميلها(المجتمع الدولي على سبيل تبسيط المصطلح)مع جزء من النظام الحاكم والمعارضة.
وهنا بتبدي لنا أن دورة اللجنة المركزية في يونيو ٢٠١٣ بكونها العقل الجمعي للحزب (الدورة حصيلة نقاش موسع ضم قيادة الحزب المركزية اضافة الى قيادات من فروع المدن و الريف كانت لها القدرة في التنبؤ( بما قد يأتي بعد ٣ أشهر من قولها) بانفجار شعبي يتم عبره المحاولة النوعية لتغيير النظام الاستبدادي بقيادة المؤتمر الوطني و بالفعل تاريخيا تفجرت ثورة سبتمبر ٢٠١٣ و التي لم تنجح في تحقيق القفزة النوعية للنضال الكمي المتراكم منذ ما قدره ٢٤ عاما(١٩٨٩٢٠١٣) و الا انها كانت لها مساهمتها و التي لا تقاس في تحقيق المحاولة الثانية في ١٩ ديسمبر٢٠١٨ و التي نجحت في تغيير رأس النظام الاستبدادي و التحول نحو الانتقال الديمقراطي.
دورة اللجنة المركزية الصادرة في أكتوبر ٢٠١٧ و اغسطس ٢٠١٨ و و مبادرة الحزب بمظاهرة ١٦ يناير ٢٠١٨في وسط الخرطوم - بكونها تمثل العقل الجمعي للحزب و قراءته لمنعطف ثوري آخر قادم كانت هي الاقرب للواقع الملموس حيث بالفعل التاريخي -من المهم وفق التنظير الماركسي لا تفسير و تحليل الواقع الملموس(فيما يسميها الراحل محمد ابراهيم نقد الماركسية و قدرتها في القراءة الباطنية للواقع السوداني) بل العمل على التغيير
وفق بيان الحزب(الخرطوم) الصادر في ٢٢يناير٢٠١٨ حيث يقول :"في ١٦ يناير ٢٠١٨ والذي سيخلده التاريخ كيوم مجيد من أيام الثورة السودانية الخالدة، حيث تدافع فيه الآلاف من المناضلين/ ات من كل أنحاء العاصمة في موكب سلمي مهيب، ومحدد المعالم، بعد إتخاذنا لكافة الإجراءات القانونية التي حددها الدستور والقانون لتنظيم المواكب والمسيرات السلمية بواسطة الأحزاب والقوى السياسية المسجلة، وجاءت الخطوة على أعتاب منعطف تاريخي بالغ الخطورة على حياة الملايين من الفقراء ومحدودي الدخل …"(https://shorturl.at/MmsZv الحوار المتمدن عدد ٥٧٨٦). هذه كانت مبادرة من الحزب بالعاصمة وفق تحليل ملموس و محدد لطبيعة الازمة او المنعطف الثوري و تاريخيا كانت لها ما بعدها في اقل من ١١ شهرا ببدء المظاهرات المتعددة الجنينية لتفجير ثورة١٩ ديسمبر ٢٠١٨ و نجاحها في إسقاط رأس النظام في ١١ أبريل ٢٠١٩. بيان المكتب السياسي للحزب في ٢٢ ديسمبر ٢٠١٨ يذهب وفق تحليله إلى القول أكثر:"إننا في الحزب الشيوعي وحلفائنا في قوى الإجماع قراءتنا لهذا النظام وطبيعته الطبقية نرى أن لا مخرج من هذه الازمة الشاملة الا باسقاط النظام وتفكيكه وتصفيته وفتح الطريق لفترة انتقالية وعقد مؤتمر دستوري بنهاية الفترة الانتقالية ولهذا ندعو جماهير شعبنا وعلى رأسها القوى صاحبة المصلحة في التغيير الجذري الى مواصلة الخروج للشارع والتعبير عن رفضهم لهذه السياسات وصولا الى الاضراب السياسي والعصيان المدني حتى اسقاط النظام.ندعو جميع القوى السياسية والديمقراطية الحادبة على مصلحة الوطن لتكوين أوسع جبهة لمناهضة النظام والاصطفاف لانجاح الانتفاضة والعصيان المدني للاطاحة بالنظام" (الحوار المتمدن-العدد: ٦٠٩١).
من تاريخ الحزب الشيوعي السوداني : الصراع الفكري ١٩٦٣ ١٩٦٦. تاج السر عثمان : الراكوبة ٥ أكتوبر ٢٠١٥ على الرابط (https://shorturl.at/Jo38J)يشير تاج السر الي :" من أهم دروس ثورة أكتوبر: تجربة الإضراب السياسي العام، وكان أول من طرح فكرته الحزب الشيوعي السوداني، في بيان المكتب السياسي للحزب ” حول الإضراب السياسي العام” في أغسطس ١٩٦١، و الذي نشر في العدد ( ١٠٩) من مجلة الشيوعي ١٩٦١م.والجدير بالذكر أن الحزب الشيوعي طرح فكرة الإضراب السياسي لأحزاب المعارضة، ولكنها لم تتجاوب معها، وبعدها انسحب الحزب من جبهة أحزاب المعارضة، وطيلة الثلاث سنوات ظل الحزب الشيوعي يعمل بصبر مع الحركة الجماهيرية إلى مستوى تنفيذ الاضراب السياسي ، إلى نقطة الانفجار الشامل".
إذن هنا يتبدي لنا أن فكرة التكتيك السياسي(الاضراب السياسي) و التي طرحها الحزب و التي فيما بعد تم ممارستها من قبل القوى السياسية و المدنية لتغيير الأنظمة العسكرية الثلاثة (عبود(من ١٩٥٧١٩٦٤) و نميري(من ١٩٦٩١٩٨٥) و البشير(١٩٨٩٢٠١٩)كانت جزء من القراءة الباطنية وفق المنهج الماركسي و التي أصبحت حقيقة تاريخية في جدلية بين ثلاثي السلطة و الحكم العسكري و الانتقال الديمقراطي و يلاحظ ايضا ان القوى السياسية في المبتدأ تبدي شكوكا (معرفية و في ذات الوقت لا تنفصل عن القراءة الأيديولوجية لتلك الأحزاب)و الا انها في تاريخ لاحق تتبني الفكرة المطروحة من الحزب.و في اقل من شهرين من طرح فكرة الاضراب السياسي و بالتحديد المعرفي الذي كتب حولها( و فكرته الجوهرية هي- نتيجة لملامسة الواقع لا عبر النقل المفاهيمي الأقرب لممارسة العقل السلفي- توصل الحزب انذاك الى شعار الإضراب السياسي العام، الذي يجمع بين العصيان العام الذي طرحه الزعيم الهندي غاندي، والإضراب العام الذي طرحه لينين، ل يطبقه وفق السياق الاجتماعي السياسي سودانية بشكل إبداعي ولف بين العصيان والإضراب والتظاهر). انفجرت ثورة أكتوبر ١٩٦٤ متبنية ذات التكتيك السياسي لهزيمة النظام العسكري وتأسيس حكومة الانتقال الديمقراطي.
ذهبت دورة اللجنة المركزية في قراءتها لأزمة نظام المؤتمر الوطني وبخاصة بعد انفصال الجنوب إلى تحليل الاشتراطات و الحالة السياسية والاقتصادية و ملامح تمظهر الأزمة في البنية الداخلية والاجتماعية للنظام والحزب الحاكم وهي تلامس معاناة النظام من داخله" والصراعات التي بدأت تنخر كالسوس في عظامه . صراعات امتدت إلى قمة معظم الولايات ، بل دخلت أهم مؤسسات حمايته مثل الجيش والأمن واتهمت مجموعة قائده متنفذة فيها بالقيام بانقلاب عسكري ضد النظام. وقامت مجموعة في قمة قيادته بما سمته المعركة من أجل الإصلاح بقيادة ٣١ عضواً . بينهم أعضاء في اﻟﻤﺠلس الوطني وعلى رأسهم رئيس كتلة نواب المؤتمر الوطني وغيرهم برفع مذكرة احتجاج على سياسات النظام. وهذا عامل هام من عوامل نضوج الأزمة".
من كل تلك الملامسة والدراسة للواقع السياسي توصلت الدورة إلى أن الحل يكمن في إسقاط النظام بالعمل الدؤوب والمثابر لتكوين أوسع جبهة ممكنة ضد النظام. مهمة الحزب الشيوعي تكمن أساساً في إنضاج العامل الذاتي للانتقال من مرحلة السخط الجماهيري إلى تصعيده والتحرك به ومعه إلى الأمام بالعمل المثابر مع الجماهير في النضال اليومي عبر قضاياها اﻟﻤﺨتلفة.و تذهب و تقول ايضا في اصدارية دورة لاحقة في ذات العام :"لم تكن اللجنة المركزية لحزبنا ترجم بالغيب عندما توصلت في دورتها المنعقدة في يونيو ٢٠١٣ والاجتماعات الموسعة التي عقدت مع مسؤولي المناطق والمكاتب المركزية والمدن ومع المدن والقطاعات والطلبة لمقاومة الزيادات أن الهبة الشعبية أصبحت ماثلة .بل كان ذلك استقراء صحيحاً ومبكراً للواقع….."
بيان سكرتارية اللجنة المركزية٣٠ مارس ١٩٨٥يقول:"لقد استعادت جماهير العاصمة بسرعة فائقة قدراتها النضالية بعد حالة الانحسار التي أعقبت نهوضها عام ١٩٧٨ وتجاوزت كل الخسائر والضربات ومختلف أشكال الإرهاب وها هي تستعيد اليوم دورها القيادي الطليعي الذي تتطلع إليه جماهير الأقاليم وهي تنظم وتقود مظاهرات الاحتجاج في عطبرة وكوستي وسنار والقضارف ومدني وسنجة ومدن الغرب وتتطلع الجماهير في العاصمة والأقاليم إلى توحيد إرادتها وتكوين منبر لقيادة وتوجيه نضالها. وهذا يفرض على طلائع العمال والمهنيين والموظفين والمعلمين والفنيين في العاصمة، المبادرة بتعبئة القاعدة النقابية لدخول المعركة وتخطي القيادات الانتهازية عملية السلطة، وممارسة كافة أشكال التنسيق والتضامن النقابي دفاعاً عن حقوق ومطالب العاملين وعن الحريات النقابية والديمقراطية والإسهام في انتفاضة الشعب. ويفرض على جماهير الأحياء السكنية بعث تقاليدها وتجاربها في حشد قواها للمظاهرات والمواكب وحماية المتظاهرين وكشف عناصر الأمن والمندسين، ولشباب العاصمة أساليبه الشجاعة في الإثارة والخطابة وتوحيد شعارات وهتافات المظاهرات كيما تتخذ طابعها السياسي الشعبي السليم… قد دشنت انتفاضة مارس فترة جديدة في مسار الحركة الشعبية ودفعت حركة المعارضة السياسية خطوات إلى الأمام وشقت طريقها في الشمال لتلتقي مع حركة تحرير شعب السودان وذراعها العسكري في الجنوب في التوجه الحازم خطوة أثر خطوة نحو الإضراب السياسي والانتفاضة للإطاحة بحكم الفرد وتصفية مؤسساته واستعادة الحرية السياسية والسيادة الوطنية. وفي هذه الوجهة يفرض الواجب الوطني على أبناء الوطن في الجيش والبوليس والقوات النظامية ان ينضموا بسلاحهم. مازالت المعركة في بداية أطوارها ولن يستسلم السفاح نميري والقوى الاجتماعية المنتفعة بحكمه بسهولة، ومازالت تحت يده أجهزة قمع وإرهاب ومازال يعتمد على مساندة أمريكا التي لن تكف عن التآمر لتخريب انتفاضة الشعب وإجهاضها من الداخل أو قطع الطريق على انتصارها بانقلابات القصر المشبوهة" (https://shorturl.at/w0YS0)
و المفهوم الاسمنت والذي يربط الخطاب التاريخي للحزب - بما مررنا عليه من بيانات و دورات مركزية للحزب في هذه المقالة - و قراءته للمنعطف الثوري المحدد هو نقد ايديولوجيا السلطة الاستبدادية الحاكمة( عبود, نميري, البشير) - بما هي تشكيلة اجتماعية و طبقية محددة- لا من مواقعها هي بل من موقع
التموضع الأيديولوجي النقيض لها و الذي يعني استعادة الديمقراطية و السلام و العدالة و الذي يعني استعادة في القلب منها قوي العمل لحقوقها في الوجود القانوني و في التنظيم.و في هذا كان نقد مفاهيم الحلول الجزئية بما فيها التسوية والتصالح مع السلطة الاستبدادية و بما فيها اتفاقيات السلام المحددة (الجزئية) و من مواقع النقد الثوري النقيض كانت القدرة على قراءات التناقضات الاجتماعية و الطبقية الجوهرية والثانوية و بالتالي القدرة المحددة في التنبؤ بما قد يأتي من ثورة او انتفاضة شعبية محددة كما رأينا خلال المقال.

tarig.b.elamin@gmail.com  

المصدر

المصدر: سودانايل

كلمات دلالية: الانتقال الدیمقراطی الشیوعی السودانی الاضراب السیاسی الإضراب السیاسی اللجنة المرکزیة القوى السیاسیة الحزب الشیوعی من أجل فی هذا

إقرأ أيضاً:

العراق: الأوهام والسياق السياسي!

في أيلول/ سبتمبر 2004 زار رئيس الوزراء العراقي الأسبق أياد علاوي واشنطن، وألقى كلمة أمام الكونغرس الأمريكي، شكرهم فيها «بالنيابة عن الشعب العراقي» على احتلالهم العراق، ثم ختم كلمته بالقول: «لا توجد تعابير تصف امتنان الأجيال المقبلة من العراقيين تجاه الأمريكيين»! وفي تموز 2006، زار رئيس مجلس الوزراء الأسبق نوري المالكي واشنطن أيضا، وألقى كلمته أمام جلسة مشتركة بين مجلسي الشيوخ والنواب، عبر فيها عن شكره وامتنانه لجهود الإدارة الأمريكية في العراق، قال فيها «إن مصير بلادنا وبلادكم مترابط»!

وبعيدا عن خطابات الشكر والامتنان، كانت الأخبار تتوالى عن اتفاقيات ومذكرات تفاهم تُوقع بين العراق وشركات أمريكية، بينها اتفاقية الإطار الاستراتيجي الموقعة بين البلدين في 2008 التي نصت على علاقة «صداقة وتعاون طويلة الأمد» بين البلدين، وكانت الفقرة المتعلقة بـ «التعاون في مجالي الاقتصاد والطاقة» هي الفقرة الأطول في الاتفاقية، وتحدثت عن «تسهيل انسياب الاستثمار المباشر إلى العراق»!

وفي نيسان 2015 زار رئيس مجلس الوزراء الأسبق حيدر العبادي واشنطن والتقى مجموعة من رؤساء الشركات الأمريكية الكبرى في مختلف القطاعات المالية والمصرفية والتجارية والنفطية والتقنية، كما قال بيان صادر عن مكتبه يومها، وأبدى لهم رغبة العراق «بدخول الشركات العالمية للاستثمار في البلد»! وكان من بين رؤساء الشركات الذين التقاهم العبادي حينها، رئيسا شركتي أوكسدنتال بتروليوم واكسون موبيل الذين عبروا للعبادي عن «رغبتهم في الاستمرار في العمل في العراق». لكن الشركة الأولى انسحبت من العراق في العام نفسه وتخلت عن حصتها في حقل الزبير النفطي، فيما أتمت الشركة الثانية انسحابها الكامل من حقل غرب القرنة عام 2024!

في نيسان 2024، زار رئيس مجلس الوزراء السابق محمد شياع السوداني واشنطن، والتقى عددا من رؤساء وممثلي الشركات الأمريكية الكبرى في غرفة التجارة الأمريكية، ووقع خلالها 18 مذكرة تفاهم مع شركات أمريكية كبرى لتنفيذ مشاريع في قطاعات الكهرباء والنفط والدواء والاقتصاد، وفقا لبيان المكتب الإعلامي للسوداني.

كما حضر السوداني في شباط 2026 ، وبحضور المبعوث الأمريكي توم براك، مراسيم توقيع اتفاق مبادئ أولية مع شركة شيفرون الأمريكية بشأن حقلي غرب القرنة/ 2 وحقل الناصرية وحقل بلد في صلاح الدين!

بعد هذا يطرحُ السؤال؛ لماذا لم تتحول هذه الاتفاقيات ومذكرات التفاهم إلى واقع على الأرض؟
فمنذ 2004 والعراق يوقع دوريا على اتفاقات وعقود مثلا مع شركة جنرال أليكتريك الأمريكية بشكل رئيسي، ومع شركة سيمنز الألمانية أحيانا أخرى، لكن قطاع الكهرباء في العراق يعاني من مشكلات عميقة على مستوى الإنتاج والتجهيز!
أنابيب النفط ليست مسائل فنية وحسب، بل هي على تماس مباشر مع الجيوسياسة والجيواقتصاد، وهي أكثر حساسية من الناحية الاستراتيجية
ورغم توقيع اتفاقيات مع شركات نفطية كبرى، كانت هذه الشركات تنسحب الواحدة تلو الأخرى من العراق (انسحبت شركات واكسون موبيل وأوكسدنتال بتروليوم الأمريكية كما انسحبت شركات شيل وبريتش بتروليوم ولوك اويل، وأخيرا أعلنت شركتا، بعد توقيع اتفاقيات الزيدي مباشرة، HKN Energy و Gulf Keystone العاملتان في إقليم كردستان وقف جميع عملياتهما في العراق بسبب الوضع الأمني)!

لا يمكن التعاطي مع الاتفاقيات ومذكرات التفاهم التي وقعها رئيس الوزراء العراقي علي الزيدى في زيارته الأخيرة لواشنطن بجدية دون، تقديم إجابة على السؤال أعلاه. خاصة أن الغالبية العظمى من مذكرات التفاهم هذه مجرد إعلان نوايا، بحاجة إلى كثير من الدراسة والعمل قبل أن تتحول إلى واقع حقيقي.

وأذكر في هذا السياق، الحديث المتفائل عن مد خطوط أنابيب جديدة لنقل النفط العراقي عبر الأراضي السورية، أو عن إحياء خط كركوك بانياس القديم، وهو تفاؤل ساذج سذاجة ما طرحه توم براك، المبعوث الأمريكي إلى سوريا والعراق، حين تحدث عن «برنامج إقليمي» العراق طرف فيه، «يجعل مضيق هرمز أمرا ثانويا وغير ذي أهمية» خلال عامين، وكأن المسألة مجرد مسألة «فنية» بحت!

لا يمكن بهذه البساطة القفز على تاريخ طويل من الصراع بين العراق وسوريا، كان سببا في إيقاف العمل بخط كركوك بانياس عام 1982 في سياق الحرب العراقية الإيرانية! وهو ما أجبر العراق على بناء خط أنابيب يصل إلى ميناء ينبع عبر المملكة العربية السعودية في العام 1986، وهذا الخط تمت مصادرته، واستخدام الأنابيب المارة في الجانب السعودي ليربط بين المنطقة الشرقية وميناء ينبع! كما لا يمكن القفز على حقيقة الخلافات العراقية التركية حول خط الأنابيب الرابط بين كركوك وميناء جيهان، وهو ما منع تصدير النفط عبره في السنوات الأخيرة!

أنابيب النفط ليست مسائل فنية وحسب، بل هي على تماس مباشر مع الجيوسياسة والجيواقتصاد، وهي أكثر حساسية من الناحية الاستراتيجية، وبالتالي من السذاجة التوهم بأن مجرد توقيع مذكرة تفاهم بهذا الشأن، يعني أن الخطة قابلة للتحقق! فلن تسمح إيران، ما دامت لم تخسر حربها ضد الولايات المتحدة الأمريكية، وما دامت محافظة على تغولها السياسي في العراق عبر الفاعلين السياسيين الشيعة الموالين لها، بأي تحرك بهذا الاتجاه، تماما كما وقفت ضد فكرة طريق التنمية وأجهضته! هذا فضلا عن موقف الفاعلين السياسيين الجماعي ضد التغيير في سوريا، فهم لا يزالون يعتقدون أن هذا التغيير يشكِل خطرا وجوديا يمكنه أن يقوِض احتكارهم للدولة العراقية، ولا يمكن أن يتغير موقفهم هذا باتجاه مزيد من الترابط مع سوريا!

لا يمكن التعويل على أية اتفاقيات أو مذكرات تفاهم توقع في واشنطن أو في بغداد، مادام العراق لم يحسم خياراته كدولة، ومادام الفاعل السياسي الشيعي مصرّ على عدم فك الارتباط مع إيران، بسبب شعوره أنها تشكل الضامن الوحيد لاحتكاره الدولة والسلطة في العراق، ومادامت الولايات المتحدة نفسها لا تزال إلى اليوم، تمارس لعبتها المزدوجة (بين خطاب رافض لأي دور إيراني في العراق وبين ممارسة براغماتية تتعامل معها كشريك في العراق)

فإيران غير مستعدة للتخلي عن غنيمتها / العراق، والأمريكان غير جادين في حسم موقفهم من العراق، والطبقة السياسية العراقية لا تملك الإرادة لتجاوز دور التابع، ما دامت ضمنت استمرارها في السلطة، وبالتالي استمرار استثماراتها في المال العام، لأجل ذلك كلّه ليس ثمة مؤشر على أن العراق سيخرج من حلقة الفشل هذه قريبا!

القدس العربي

المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.

مقالات مشابهة

  • العراق: الأوهام والسياق السياسي!
  • إيران تحيّد حزب الله الذي لم يعد مخيفاً!
  • عتب على شخصية درزية
  • شمس البارودي: عمر الوحيد من أبنائي الذي أحب مهنة والده حسن يوسف
  • الخارجية الأمريكية : الجيش السوداني استخدم الكيماوي في العام 2024
  • الجار الذي لا يخالط جيرانه
  • ثلاثة زعماء عالميين .. ثلاث قراءات بالغة السوء
  • 1.5 مليار دولار لإنقاذ الاقتصاد السوداني.. تفاصيل صفقة مرتقبة
  • وزير الدفاع السوداني: الجيش يحقق تقدماً في 3 ولايات والدعم السريع يعيش حالة تشظٍ
  • بنك الذهب أم بنك الحرب؟: قراءة نقدية في مشروع “بنك الذهب السوداني” ومقترح بديل تحت حوكمة شرعية