كيف يصمد الأوروبيون أمام عاصفة ترامب؟
تاريخ النشر: 4th, February 2025 GMT
في عام 1864 هبط خمسة بحارة من السفينة المحطَّمة «جرافتون» إلى اليابسة في أرخبيل أوكلاند وهو سلسلة من الجزر التي تبعد عن نيوزيلندا بحوالي 400 كيلومتر الى الجنوب. كانوا لوحدهم في أرض موحشة وطعامهم لا يكفي سوى لأسابيع قليلة. رغم ذلك تمكنوا من البقاء لمدة 20 شهرا قبل إنقاذهم.
إنجاز البحارة الفريد هذا لم يكن بسبب الحظ ولكنه يعود إلى قدرتهم على تجنب ثلاثة أخطاء هي الذعر والانقسام والتركيز على أهداف قصيرة الأجل على حساب البقاء في الأجل الطويل.
الحكومات الأوروبية مثلها مثل بحارة جرافتون لديها معرفة محدودة بالكيفية التي ستبدو عليها الأمور ونوع العواصف التي ستَهبُّ في السنوات الأربعة القادمة لرئاسة ترامب. على أية حال توحي فترته الرئاسية الأولى بأنها ستكون فوضوية وأن الأيام الأولى للرئيس الذي تجدد انتخابه مؤخرا ستؤكد ذلك دون شك.
لكي يصمد الأوروبيون أمام العاصفة القادمة يمكنهم استلهام تجربة بحارة جرافتون. وستعتمد فرص عدم تضررهم من رئاسة ترامب الثانية على قدرتهم الاحتفاظ برباطة الجأش والوحدة واستمرار التركيز على أولويات أوروبا في الأجل الطويل.
يواجه الأوروبيون الآن وضعا شبيها بوضع أولئك البحارة. فالذعر قد يدفعهم إلى تبني خيارات سيئة في تعاملاتهم مع ترامب. المثال النموذجي لهذه الطريقة العجلى في اتخاذ القرارات يمكن أن يتجسد في الآمال الأوروبية بأن الوعود بشراء المزيد من الغاز الطبيعي المسال من الولايات المتحدة ستساعد القارة على تجنب الرسوم الجمركية الأمريكية. قد ترضي هذه السياسة ترامب في الأجل القصير. غير أن الطريقة الوحيدة التي يمكن أن يجبر بها الاتحاد الأوروبي شركات الطاقة الأوروبية على استيراد المزيد من الغاز الطبيعي المسال ستكون حظر واردات الغاز المسال من روسيا. وقد لا يخدم شراء المزيد من الطاقة الأمريكية مصلحةَ الاتحاد الأوروبي في الأجل الطويل. فالشركات الأمريكية تزود الاتحاد الأوروبي بأكثر من نصف وارداته من الغاز المسال مما يجعل الأوروبيين عرضة للتهديدات الترامبية المحتملة بالحد من شحنات الغاز.
الخطر الثاني الذي تمكن بحارة جرافتون من تجنبه كان الانقسام. قرار البحارة بإنقاذ زميلهم البحار المريض «رينال» كشف عن إدراكهم المبكر لحاجتهم إلى التضامن لمواجهة القادم. إتباعا لهذا المنطق أعد البحارة عند وصولهم إلى اليابسة دستورا أسس قواعد لاتخاذ القرارات الصعبة واتضح أن هذا النظام كان حاسما في أهميته. فهو قد ضمن بقاء هذه الجماعة موحدة بصرف النظر عن التحديات التي واجهتها في نهاية المطاف.
يمكن للأوروبيين استلهام بعض العبر من حكاية هؤلاء البحارة مثلا في الرد على الرسوم الجمركية التي من المحتمل أن يفرضها ترامب على الواردات الأمريكية من الكتلة الأوروبية (أعلن ترامب في مؤتمر صحفي يوم الجمعة 31 يناير أنه حتما سيفرض رسوما على الاتحاد الأوروبي– المترجم)
من اليسير أن نرى كيف يمكن أن تدخل البلدان الأعضاء بالاتحاد في نزاعات شرسة حول ضرورة وكيفية الرد على رسوم الولايات المتحدة. فمن جهة قد تتردد البلدان الصناعية القوية والمهمة كألمانيا أو إيطاليا في الرد الانتقامي خوفا من اندلاع حرب تجارية شاملة عبر الأطلسي لا يمكن التنبؤ بمآلاتها. ولن يكون مثل هذا التردد مفاجئا. فإذا نشبت الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ستضرر منها هذه الاقتصادات بشدَّة. إنها تشحن حصة كبيرة من صادراتها إلى الولايات المتحدة. وما هو أكثر من ذلك، البلدان العديدة في الاتحاد التي تعتمد على الولايات المتحدة كمصدر رئيسي للواردات كإيرلندا وبلجيكا وهولندا ولوكسمبورج وليتوانيا ربما تشعر بالقلق من أن تقود الرسوم على الواردات الأمريكية إلى تغذية التضخم المحلي.
من جهة أخرى إذا ألقينا نظرة سريعة على إحصائيات تجارة الاتحاد الأوروبي سنجد أن عدة اقتصادات كبيرة أخرى في الاتحاد (مثل فرنسا وبولندا وأسبانيا) يمكن أن تكون أكثر ميلا لتأييد اتخاذه إجراءات انتقامية. فالولايات المتحدة تستورد حصة صغيرة من صادرات هذه البلدان مما يوحي بأن ما تخسره في حرب تجارية عبر أطلسية أقل من خسارة العديد من جيرانها. نفس الشيء ينطبق على عدد من الاقتصادات الصغيرة التي لها روابط تجارية محدودة مع الولايات المتحدة مثل قبرص وسلوفينيا ولاتفيا ومالطا.
لدى الأوروبيين مثلهم مثل بحارة جرافتون الكثير الذي يخسرونه إذا فشلوا في البقاء موحدين. فالنزاعات حول التجارة ستكون في صالح ترامب بمنعها تشكيل رد أوروبي موحد ضد الرسوم الجمركية الأمريكية. وبدون وحدة 15 دولة عضو تمثل على الأقل 60% من سكان الاتحاد لن يكون بمقدور المفوضية الأوروبية فرض إجراءات انتقامية على الولايات المتحدة.
التجارة ليست المجال الوحيد الذي يمكن أن تتباين فيه مواقف البلدان الأعضاء في الاتحاد. فالعديد من التدابير المتعلقة بالصين في «حزمة ترحيب» المفوضية بالنسبة لترامب مثيرة للجدل في العواصم الأوروبية. فغالبا ما ستعارض ألمانيا وهولندا والمجر وسلوفاكيا مقترحات المفوضية بالتشدد ضد الصين. وهذه مشكلة كبيرة. فالمقترحات التي تفتقر لتأييد واسع لن تخلف انطباعا حميدا لدى ترامب. (حزمة الترحيب سياسة اقتصادية أعلنتها أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية في أوائل 2021 وتتعلق بالتدابير اللازمة لتعزيز الأمن الاقتصادي لأوروبا وتنافسيتها واستقلالها الذاتي الاستراتيجي – المترجم.)
التحدي الثالث لبحارة السفينة «جرافتون» كان عدم وجود فكرة لديهم عن المدة التي ستستمر فيها محنتهم. والخطورة في مثل هذا الوضع هي الانشغال بالأمور اليومية العادية على حساب البقاء في الأجل الطويل. تجنب البحارة هذه المشكلة ببراعة. فبدلا من الجدال حول كيفية اقتسام إمدادات الغذاء الشحيحة ابتدعوا طرائق للاستفادة القصوى من موارد الجزيرة (لحم أسود البحر وثمار التوت) وعلى الرغم من هبوطهم إلى الجزيرة في الصيف تمكنوا أيضا من تسخير طاقاتهم لتشييد مسكن متين (بمدفأة ومدخنة من الأصداف) واتضح أن ذلك القرار كان بالغ الأهمية. فقد ضمن صمودَ البحارة خلال شتاءين عاصفين قضوهما في درجة حرارة تحت الصفر.
على نحو شبيه بذلك على الأوروبيين حشد طاقاتهم على الفور لتشييد ملاجئ تقيهم عواصف ترامب القادمة. ولكي يفعلوا ذلك عليهم الامتناع عن إنفاق وقت أكثر مما يلزم في القلق من تصريحات ترامب الأكثر غرابة. فمثلما لا يمكن للبحارة تجنب عصف العواصف لن يكون بمقدور الأوروبيين منع ترامب من أن يكون «ترامب» وكما ذكر وزير الخارجية الأمريكي السابق انتوني بلينكن لجمع من الناس في باريس بعد تصريح ترامب بأنه حريص على شراء جزيرة جرينلاند «هذا لن يحدث. لذلك لا معنى للحديث عنه».
بدلا عن إضاعة الوقت في التفكير في أشياء لا معنى لها أفضل سبيل للأوروبيين الاستعداد لعاصفة ترامب بتركيز طاقاتهم لتقوية نقاط ضعفهم. يمكن لترامب التنمُّر على أوروبا بالضبط لأنها منقسمة وسيئة الاستعداد للتعامل مع العديد من أولويات اليوم.
لمواجهة هذه المسائل يحتاج الأوروبيين إلى التفكير مليَّا بدلا من الإسراع للرد على كل تصريح من ترامب وابتداع وسائل لمعالجة نقاط ضعف أوروبا بسياسات تساعد على تعزيز تمويل الابتكار وزيادة الإنفاق الدفاعي وعقد اتفاقيات تجارية مع بلدان الاقتصادات النامية.
بعد شهرين من تحطم السفينة جرافتون هبط 25 بحارا من السفينة «انفيركولد» بعد تحطمها في جزء آخر من أرخبيل أوكلاند. أصاب البحارة الذعر واختلفوا ولم يتمكنوا من التركيز على الأولويات التي تضمن لهم البقاء في الأجل الطويل ومات 16 منهم خلال سنة.
في الفترة الرئاسية الثانية لترامب يواجه قادة الاتحاد الأوروبي خيار اتباع خطى بحارة جرافتون أو السفينة انفيركولد. إذا اختار الأوروبيون التأسِّي ببحارة جرافتون عليهم أن يلزموا الهدوء والحفاظ على وحدتهم وتحويل طاقاتهم إلى مشروعات ستفيد القارة في الأجل الطويل وبعد فترة مديدة من نهاية الرئاسة الثانية لدونالد ترامب.
أغات ديماري زميلة أولى «سياسات» بالمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: الولایات المتحدة الاتحاد الأوروبی فی الأجل الطویل یمکن أن
إقرأ أيضاً:
تعزيز التعاون الصناعي بين مصر والاتحاد الأوروبي ودعم المشروعات الصغيرة والتحول الأخضر
بحث المهندس خالد هاشم، وزير الصناعة، مع أنجلينا أيخهورست، رئيسة بعثة الاتحاد الأوروبي لدى مصر، والوفد المرافق لها، سبل تعزيز التعاون بين مصر والاتحاد الأوروبي في عدد من الملفات ذات الاهتمام المشترك، وذلك بحضور الدكتور أحمد مغاوري، مساعد الوزير للتعاون الدولي، والدكتورة نيرمين أبو العطا، مستشارة وزير الصناعة للتنمية المستدامة، والمهندس محمد حسن، المدير التنفيذي للمجلس الوطني للاعتماد.
وتناول اللقاء جهود وزارة الصناعة لدعم المشروعات الصناعية المتوسطة والصغيرة، ومستجدات ملف صناعة السيارات، والتعاون في تدريب وتأهيل الكوادر البشرية، إلى جانب مناقشة آلية تعديل الحدود الكربونية الأوروبية (CBAM)، والاتفاقيات التجارية المبرمة بين مصر والاتحاد الأوروبي، والمبادرات التي تنفذها الوزارة لتعزيز تنافسية القطاع الصناعي.
وأكد وزير الصناعة أن الاتحاد الأوروبي يعد الشريك الاقتصادي والتجاري الرئيسي لمصر، مشيراً إلى أهمية ترجمة الشراكة الاستراتيجية والشاملة بين الجانبين إلى تكامل اقتصادي ومشروعات صناعية ملموسة تسهم في تعميق التصنيع المحلي وزيادة الاستثمارات.
وأوضح أن المشروعات الصناعية المتوسطة والصغيرة تمثل أحد المحاور الرئيسية في استراتيجية الوزارة المحدثة، باعتبارها القاعدة الأساسية لنمو الصناعة، لافتاً إلى أن الوزارة تعمل على ربط هذه المشروعات بسلاسل الإمداد المحلية والدولية من خلال مركز تحديث الصناعة، الذي يقدم الدعم الفني ورفع الكفاءة والتأهيل للتصدير، إلى جانب التركيز على الصناعات المغذية باعتبارها ركيزة لتوفير مستلزمات الإنتاج وتعزيز الصادرات.
وكشف الوزير عن قرب الإعلان عن حزمة جديدة من أنظمة تخصيص الأراضي الصناعية، تتضمن نظاماً ميسراً للمشروعات الصغيرة، بما يسهم في تخفيف الأعباء عن المستثمرين، إلى جانب طرح وحدات صناعية جاهزة للتشغيل بالمجمعات الصناعية، والعمل على توجيه مبادرات التمويل الحالية نحو الصناعات المغذية، فضلاً عن استحداث صناديق استثمارية لتمويل المشروعات الصناعية بمشاركة المواطنين، سيدخل أولها الخدمة قريباً.
وأشار هاشم إلى نجاح برنامج تطوير الموردين المحليين الذي ينفذه مركز تحديث الصناعة، من خلال ربط الموردين بالشركات الصناعية الكبرى، بما يعزز سلاسل الإمداد المحلية ويرفع نسب المكون المحلي ويزيد من تنافسية الصناعة المصرية.
وفي ملف تنمية الموارد البشرية، أعلن الوزير عن العمل على استحداث برنامج عالمي للتعليم المهني يركز على جودة الخريجين وتأهيلهم لسوق العمل المحلي والدولي، عبر تطوير المهارات الأساسية والتخصصية، وتعزيز التدريب العملي داخل المصانع، وربط الخريجين بالشركات المحلية والعالمية، مع منحهم شهادات معتمدة ذات قيمة مهنية، مؤكداً أن البرنامج سيكون تحت إشراف القطاع الخاص لضمان استدامته، مع تطلع الوزارة إلى دعم الاتحاد الأوروبي لاعتماد مكوناته من أبرز المؤسسات التعليمية الأوروبية والدولية.
وفيما يتعلق بصناعة السيارات، أوضح الوزير أن الوزارة عقدت خلال الفترة الماضية سلسلة لقاءات مع كبرى الشركات الأوروبية لاستعراض فرص الاستثمار في مصر والحوافز التي يوفرها البرنامج الوطني للنهوض بصناعة السيارات، داعياً الشركات الأوروبية إلى الإسراع في اتخاذ قرارات الاستثمار، للاستفادة من الحوافز التي ستكون الأولوية فيها للشركات التي تبدأ ضخ استثماراتها مبكراً.
كما استعرض الوزير برنامج "القرى المنتجة" الذي يجري تنفيذه بالتعاون مع وزارات التخطيط والزراعة والتنمية المحلية والتضامن الاجتماعي، ويستهدف توفير فرص عمل والحد من الهجرة غير الشرعية والنزوح إلى المدن، عبر تحديد الصناعة الأنسب لكل قرية وفقاً لمواردها، على أن يبدأ البرنامج في 10 قرى ويتوسع إلى 100 قرية خلال ثلاث سنوات، بما يسهم في رفع الإنتاجية، وتقليل الفاقد في الصناعات الغذائية، وتمكين المرأة.
وأكد هاشم أن إزالة الكربون من الصناعة، وتحسين كفاءة الطاقة، وترشيد الموارد تأتي على رأس أولويات الوزارة، في إطار رفع جاهزية المصانع المصرية للتوافق مع آلية تعديل الحدود الكربونية الأوروبية (CBAM)، مشيراً إلى التوسع في الاعتماد على الطاقة الشمسية، وترشيد استهلاك الطاقة، وتطبيق نظم إعادة استخدام المياه، إلى جانب إطلاق المنصة الرقمية للسجل البيئي الصناعي، التي تمثل خطوة مهمة لدعم التحول الأخضر وتعزيز استدامة القطاع الصناعي.
وأضاف أن الوزارة تستهدف نقل التكنولوجيا والخبرات الصناعية إلى الشركات المحلية، معرباً عن تطلعه لدعم الاتحاد الأوروبي في جذب الشركات الأوروبية، خاصة المتوسطة والصغيرة، للاستثمار في مصر، وتعزيز التعاون بين جهات الاعتماد الأوروبية والمجلس الوطني للاعتماد لتقديم الدعم الفني وتطوير منظومة الاعتماد.
من جانبها، أكدت أنجلينا أيخهورست، رئيسة بعثة الاتحاد الأوروبي لدى مصر، اهتمام الاتحاد الأوروبي بالمشروعات المتوسطة والصغيرة باعتبارها محركاً رئيسياً للنمو الاقتصادي، مشددة على أهمية تعزيز التنسيق بين بعثة الاتحاد ووزارة الصناعة بشأن المبادرات الجاري تنفيذها، بما يحقق التكامل ويعظم الاستفادة من الجهود المشتركة.
كما أشارت إلى أهمية استفادة مصر من اتفاقية تسهيل الاستثمار المستدام (SIFA)، باعتبارها إحدى الأدوات المهمة لتعزيز التنمية الاقتصادية وجذب المزيد من الاستثمارات الأوروبية، مشيدةً بالزيادة الملحوظة في نفاذ الصادرات المصرية إلى الأسواق الأوروبية، خاصة في قطاعات الحاصلات الزراعية والفواكه والأسمدة.