تحدّث إمام وخطيب المسجد النبوي الشيخ الدكتور صلاح بن محمد البدير عن فضل الصبر على البلايا والمحن، واليقين والرضا بقدر الله عند حصول الفواجع والأحزان، مبينًا أن الدنيا دار ابتلاء، لايجزع فيها العبد المؤمن، ولا يقنط من فرج ربّه ورحمته.

وأوضح الشيخ الدكتور صلاح البدير في خطبة الجمعة من المسجد النبوي اليوم، أن الدنيا دار نكدٍ وكدر، فجائعها تملأ الوجود، وأحزانها كلما تمضي تعود، وكل يَوْم نرى راحلًا مشيعًا، وشملًا مصدَّعًا، وقريبًا مودَّعًا، وحبيبًا مفجَّعًا، فمن رام في الدنيا حياةً خالية من الهموم والأكدار، فقد رام محالًا.

وأضاف مذكرًا أن من آمن بالقضاء والقدر هانت عليه المصائب، فلا يكون شيء في الكون إلا بعلم الله وإرادته، ولا يخرج شيء في العالم إلا عن مشيئته، ولا يصدر أمر إلا عن تدبيره وتقديره، ولله فِي خلقه أقدار ماضية، لا تُردُّ حكامها، ولا تصدّ عن الأغراض سهامها، وليس أحد تصيبه عثرة قدم ولا اختلاج عرق ولا خدش عود إلا، وهو في القدر المقدور والقضاء المطور.

وحضّ العباد على عدم استعجال حوادث الأيام إذا نزلت، أو الجزع من البلايا إذا أعضلت، أو استطالة زمن البلاء وأن لا يقنطوا من فرج الله ولا يقطعوا الرجاء من الرحمن الرحيم، فكل بلاء وإن جلّ زائل، وكلّ همّ وإن ثقل حائل، وإن بعد العسر يسرًا، وبعد الهزيمة نصرًا! وبعد الكدر صفوًا، وبعد المطر صحوًا، وعِنْد تناهي الشدَّة تنزل الرحمة، وعند تضايق البلاء يكون الرخَاء، فلا يكونوا ضحايا القلق وجلساء الكآبة، وسجناء التشاؤم وأسارى الهموم، فسموم الهموم تشتّت الأفكار، وتقصر الأعمار.

وأوضح إمام وخطيب المسجد النبوي أن الكمد على الشئ الفائت والتلهف عليه، وشدة الندامة والاغتمام له، وفرطُ التحسّر وكثرة التأسف والاستسلام للأحزان يقتل النفس، ويذيب القلب، ويهدم البدن، محذرًا من الإفراط في الأحزان وتهييج ما سكن من الآلام والغرق في الغموم والهموم، والإسراف في تذكّر المصائب والأوجاع، داعيًا إلى الاسترجاع بذكر الله والإيمان بقضائه وقدره، إذ جعل الله الاسترجاع ملجأ لذوي المصائب، وعصمة للممتحنين، ووعد الصابرين المسترجعين بمغفرته ورحمته جزاء اصطبارهم على محنه وتسليمهم لقضائه، مستشهدًا بما روي عن أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها أَنَّهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: "مَا مِنْ مُسْلِمٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ فَيَقُولُ مَا أَمَرَهُ اللهُ: إِنَّا لِلهِ وإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، اللَّهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي، وأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا أَخْلَفَ اللهُ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا" أخرجه مسلم.

وتابع الخطبة، مذكرًا أن الصبر جنّة المؤمن، وحصن المتوكل، داعيًا إلى لزوم الصبر على حلو القضاء ومره، وعلى غمرات البلاء وصدماته، على نكبات الدهر ومصيباته، ففي الصبر مسلاة للأحزان، فما صفا لامرئ عيش ولا دامت لحيّ لذة، فمن وطّن نفسه على الصبر لم يجد للأذى مسًا، ومن صبر على تجرّع الغُصص واحتمال البلايا وأقدار الله المؤلمة صبّ عليه الأجر صبًّا، فالمؤمن يكون صبره بحسن اليقين الذي يزيد الآمال انفساحًا، والصدور انشراحًا، والنفوس ارتياحًا.

وحثّ إمام وخطيب المسجد النبوي على ملازمة قراءة القرآن لأن فيه مسلاة للقلوب، ومسراة للكروب، وبها تصغر نازلة الخطوبه، كما أن لقاء الأصدقاء الصلحاء النصحاء عافية للبدن، وجلاء للحزن، كما أن مما يِبردُ حرّ المصائبُ، ويخفف مرارتها أن يعلم المبتلى بما أصيب به غيره من الناس مما هو أعظم من مصيبته وبيلته، وأن يعلم أن الأنبياء والأولياء لم يخلُ أحدهم مدة عمره عن المحن الابتلاء، مذكرًا أن الأوجاع والأمراض والمصيبات تكفّر الخطايا والسيئات، كما روى أَبِي سَعِيدٍ وأَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنهما أَنَّهُمَا سَمِعَا رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: "مَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِنْ وصَبٍ، ولَا نَصَبٍ، ولَا سَقَمٍ، ولَا حَزَنٍ حَتَّى الْهَمِّ يُهِمُّهُ إِلَّا كُفِّرَ بِهِ مِنْ سَيِّئَاتِهِ" أخرجه مسلم.

وأضاف، أن من أمسك نفسه ولسانه عن التسخّط والاعتراض لم يؤاخذ على بكاء عينه وحزن قلبه، واختلاج الألم في صدره، وإنما الذم واللوم والإثم على من لطم وناح وتسخْط واعترض وجزع، مضيفًا أن تأنيس المبتلى المحزون وتسليته، وتهوين المصيبة عليه، والربط على قلبه، وتعزية نفسه المفجوعة والتخفيف عنها من الأعمال النبيلة، والقربات الجليلة.

واختتم خطبة الجمعة بالدعاء والتضرْع للمولى جل وعلا أن ينصر إخواننا في فلسطين، على الطغاة المحتلين، وأن يطهّر المسجد الأقصى من اليهود الغاصبين، وأن يحفظ أهلنا في فلسطين ويجبر كسرهم، ويعجّل نصرهم، ويقيل عثرتهم، ويكشف كربتهم، ويفك أسراهم، ويشفِ مرضاهم، ويتقبل موتاهم في الشهداء.

المصدر

المصدر: صدى البلد

كلمات دلالية: المسجد النبوي فلسطين خطبة الجمعة الأقصى الصبر اليهود المزيد المسجد النبوی

إقرأ أيضاً:

بن غفير ومئات المستوطنين يدنسون الأقصى.. والجامعة العربية تحذر من فرض وقائع جديدة

عواصم "وكالات": قاد وزير الأمن القومي الإسرائيلي اليميني المتطرف إيتمار بن غفير اليوم الخميس مئات اليهود إلى باحات المسجد الأقصى في القدس في انتهاك للوضع القائم منذ عقود في هذا الموقع.

وأظهرت مشاهد التقطها مصورو وكالة فرانس برس بن غفير في باحات المسجد الأقصى برفقة مئات اليهود، بينهم مستوطنون اصطفوا منذ ساعات الصباح الباكر للدخول إلى الموقع. وأدى العديد من اليهود طقوسا داخل باحات الحرم.

وأدان الأردن "اقتحام" بن غفير للمسجد الأقصى وما رافقه من "اعتداءات على المصلين وتصرفات استفزازية ورفع للأعلام الإسرائيلية ودعوات تحريضية من الجماعات المتطرفة".

وأكدت وزارة الخارجية الأردنية في بيان أن ذلك يشكل "انتهاكا صارخا للوضع التاريخي والقانوني القائم في الحرم القدسي الشريف وتدنيسا لحرمة المسجد (الأقصى) وتصعيدا مدانا وتصرفا همجيا واستفزازا غير مقبول".

وحذر الناطق الرسمي باسم وزارة الخارجية الأردنية فؤاد المجالي من "عواقب استمرار الاقتحامات والانتهاكات للمقدسات الإسلامية والمسيحية وللوضع التاريخي والقانوني القائم في القدس ومقدساتها".

وأكد أن "لا سيادة لإسرائيل على مدينة القدس المحتلة ومقدساتها الإسلامية والمسيحية".

من جانبه، ندد نبيل فهمي الأمين العام لجامعة الدول العربية "باقتحام أعداد ⁠من المستوطنين، ​بلغت الآلاف، المسجد الأقصى اليوم ، وذلك تحت حماية شرطة الاحتلال وبمشاركة وزراء من الحكومة الإسرائيلية".

وقال فهمي في بيان اليوم الخميس إن "وتيرة الاقتحامات قد تصاعدت بشدة في الشهور الأخيرة، بما يعكس مخططا متواصلا لتقسيم الأقصى زمانيا ومكانيا". ​وأكد أنه "لا سيادة لإسرائيل على القدس المحتلة أو على المقدسات الإسلامية ​والمسيحية فيها، وأن محاولات إسرائيل تغيير الوضع القانوني والتاريخي القائم في البلدة القديمة تمثل انتهاكا للقانون الدولي".

من جهتها، أدانت الرئاسة الفلسطينية، اليوم الخميس، اقتحام المستعمرين، يتقدمهم الوزير الإسرائيلي المتطرف إيتمار بن غفير وعضو الكنيست عميت هليفي، باحات المسجد الأقصى المبارك، وأداء طقوس تلمودية في باحاته، معتبرة ذلك "انتهاكا صارخا للوضع التاريخي والقانوني القائم".

وأكدت الرئاسة، في بيان صحفي اليوم أوردته وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية (وفا)، أن "ما يجري في المسجد الأقصى يمثل تصعيدا خطيرا يندرج في إطار سياسة ممنهجة تهدف إلى فرض وقائع جديدة فيه، ومحاولات لتقسيمه زمانيا ومكانيا".

وأكدت أن "المسجد الأقصى المبارك، بكامل مساحته البالغة 144 دونما، هو مكان عبادة خالص للمسلمين، وأنه لا سيادة للاحتلال الإسرائيلي على مدينة القدس ومقدساتها". ودعت الرئاسة المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته، واتخاذ موقف حازم يلزم إسرائيل بوقف جميع انتهاكاتها وإجراءاتها الأحادية في القدس وسائر الأراضي الفلسطينية المحتلة.

وكانت محافظة القدس قالت إن أكثر من 2300 مستعمر اقتحموا باحات المسجد الأقصى المبارك ، تزامنًا مع إحياء ما يسمى "ذكرى خراب الهيكل"، مشيرة إلى أن "شرطة الاحتلال الإسرائيلي نصبت، صباح اليوم الخميس، مظلة خاصة لخدمة المستعمرين خلال اقتحامهم المسجد الأقصى المبارك، في خطوة غير مسبوقة منذ احتلال المسجد".

وأضافت محافظة القدس، في بيان صحفي اليوم ، أنها "تأتي ضمن إجراءات تهدف إلى تكريس السيطرة على أجزاء من ساحاته، لا سيما المنطقة الشرقية، والدفع باتجاه فرض وقائع جديدة وتقويض الوضع التاريخي والقانوني القائم".

وأشارت محافظة القدس إلى أنه "من بين المقتحمين للمسجد الأقصى المبارك، وزير الأمن القومي في حكومة الاحتلال الإسرائيلي المتطرف إيتمار بن غفير، وعضو الكنيست عن حزب الليكود "عميت هليفي".

ولفتت إلى أن "شرطة الاحتلال سمحت بزيادة أعداد أفراد المجموعة الواحدة خلال الاقتحامات لتصل إلى نحو 150 مستعمرا"، موضحة أن "قوات الاحتلال تواصل فرض إجراءات مشددة على أبواب المسجد الأقصى وفي محيط البلدة القديمة، وتنتشر بشكل مكثف في مختلف باحات المسجد الأقصى وتمنع المصلين من الدخول إلى المسجد".

وبينت أن "عددًا محدودًا جدًا من المصلين تمكن من الوصول إلى المسجد خلال صلاة الفجر وأداء الصلاة، قبل أن تعتدي قوات الاحتلال على عدد من المواطنين والمصلين بالضرب".

من جانب آخر، استُشهد فلسطينيّان في الضفة الغربية المحتلة بعد استهدافهم من قبل مدني إسرائيلي اليوم الخميس.

ونقلت وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية (وفا) عن مصادر في الهلال الأحمر قولها إن المواطنين الفلسطينيين (40 و43 عاما) أصيبا بالرصاص الحي في البطن ونقلا إلى المستشفى.

وتصاعد العنف في الضفة الغربية التي تحتلها إسرائيل منذ العام 1967 منذ اندلاع حرب غزة.

وبحسب حصيلة أعدتها فرانس برس تستند إلى بيانات صادرة عن وزارة الصحة الفلسطينية، فإن جنودا أو مستوطنين إسرائيليين قتلوا 1090 فلسطينيا على الأقل بينهم مدنيون منذ اندلاع حرب غزة.

مقالات مشابهة

  • هل أصلي تحية المسجد إذا دخلت والإمام يخطب الجمعة؟.. الإفتاء تجيب
  • بن غفير يواصل استفزازاته بقيادته اقتحامات المستوطنين للأقصى
  • البرلمان العربي يدين اقتحام وزير إسرائيلي للمسجد الأقصى
  • الأزهر يدين تكرار اقتحام مسؤولي الكيان المحتل للمسجد الأقصى المبارك
  • القدس : الاقتحامات الإسرائيلية برعاية رسمية من حكومة نتنياهو
  • محافظة القدس تحذّر من أخطر تصعيد شهدته باحات المسجد الأقصى منذ أشهر
  • محافظة القدس تحذر من أخطر اقتحام للأقصى لتكريس سيادة الاحتلال عليه
  • محدث: شهيد فلسطين برصاص الاحتلال قرب جنين
  • بن غفير ومئات المستوطنين يدنسون الأقصى.. والجامعة العربية تحذر من فرض وقائع جديدة
  • البرلمان العربي يدين اقتحام بن غفير للأقصى