أوقاف صنعاء.. أرقام صادمة وحقائق تُكشف لأول مرة أكثر من 200 شخصية نافذة صدرت بحقهم أحكام قضائية بسبب التعدي على الأوقاف  6 مليارات ريال مديونيات موثقة على المنتفعين. والمبالغ الفعلية قد تصل إلى عشرات المليارات! رفع القيمة الإيجارية ستتم وفقاً للقيمة العقارية الحقيقية.. وهناك خطة تقسيط لتخفيف الأعباء عن المنتفعين.

 

الثورة : ماجد حميد الكحلاني

تشهد محافظة صنعاء تحولات جذرية في ملف الأوقاف، مع جهود مكثفة لاستعادة الممتلكات الوقفية المهدورة وحمايتها من الإهمال والتعديات التي استمرت لعقود. الأرقام التي يكشفها العلامة عبدالله ناصر عامر، مدير مكتب الهيئة العامة للأوقاف بالمحافظة، تضع صورة واضحة لحجم الاختلالات التي تراكمت على مدى السنوات الماضية، والتحديات التي تواجه إصلاح هذا القطاع وإدارته وفق معايير حديثة تضمن استدامته.

في صنعاء وحدها، 7 آلاف مسجد، لكن العائدات المسجلة لا تصل إلا إلى 100 مسجد فقط، بينما تتجاوز مديونيات الأوقاف المسجلة 6 مليارات ريال، مع توقعات بارتفاعها إلى عشرات المليارات بعد استكمال مشروع الحصر الشامل. المشروع الذي وثّق حتى الآن أكثر من 30 ألف منتفع وألف و200 موقع وقفي في أربع مديريات فقط، يكشف عمق الخلل الإداري السابق، وأهمية الإصلاحات التي تُنفذ لاستعادة هذه الموارد.

لكن السؤال الأهم: أين كانت تذهب هذه العائدات؟ وما مصير الأوقاف المهملة؟ وكيف سيتم استرداد الأموال المهدورة؟ وما الإجراءات المتخذة ضد الجهات التي تستغل الأراضي الوقفية دون وجه حق؟

كل هذه التساؤلات وأكثر، نناقشها في هذا الحوار الخاص لـ”الثورة”، حيث نكشف تفاصيل ذلك والتحولات النوعية التي يشهدها قطاع الأوقاف في صنعاء، ومستقبله كرافد تنموي يعزز استدامة الوقف، ويوجه عائداته لخدمة المجتمع وفق رؤية حديثة ومنظمة.. فإلى الخلاصة:

*بداية، حدثونا عن أبرز الإنجازات التي تحققت خلال الفترة الماضية؟

-بفضل الله تعالى، تمكنّا خلال الفترة الماضية من تحقيق قفزات نوعية في استكمال البناء المؤسسي لمكتب الهيئة في المحافظة، حيث تم الانتقال إلى مبنى أكثر اتساعًا ومناسبًا من الناحية الإدارية والموقع الجغرافي. كما تم استكمال الهيكلة المؤسسية للمكتب على مستوى الفروع في المديريات، وهو ما عزز من كفاءة العمل وسرّع من وتيرة الإنجازات.

عند تولينا مهام إدارة المكتب، كانت معظم الفروع في حالة شلل شبه تام، باستثناء بعض المديريات القريبة من العاصمة صنعاء، فعملنا على إعادة تفعيلها بالكامل، بل وتطويرها من خلال تعميم النظام الإداري الموحد الذي أعدته الهيئة، خاصة فيما يتعلق بإجراءات العقود والتأجير، ما جعل المعاملات أكثر تنظيماً وسلاسة.

اليوم، يستطيع المواطن متابعة معاملته من المديرية نفسها دون الحاجة للذهاب إلى الإدارة العامة، وذلك في إطار توجه الهيئة لتحويل العمل من النظام المركزي إلى نظام لامركزي، حيث أصبح الفرع في المديرية هو الممثل الرئيسي للهيئة في جميع أعمالها، من إدارة الأوقاف إلى تحصيل الإيرادات وحمايتها.

200 شخصية نافذة متورطة

شهدت محافظة صنعاء تعديات واسعة على الأوقاف، فما حجم هذه المشكلة، وكيف يتم التعامل معها؟

التعدي على الأوقاف من أخطر التحديات التي واجهناها، وكانت صنعاء من أكثر المحافظات تضرراً، حيث استُغلت الأعيان الوقفية بطرق غير قانونية عبر التزوير والنفوذ والتسويات المشبوهة. في أقل من عام، صدرت أحكام قضائية ضد أكثر من 200 شخصية نافذة متورطة، لكن هذا لا يمثل سوى جزء من المتورطين، إذ أن القضية أكبر وتشمل شبكات منظمة من السماسرة والمزورين وأصحاب المصالح الذين استغلوا ثغرات الماضي للاستيلاء على مساحات وقفية شاسعة.

الإجراءات المتخذة لاستعادة الأوقاف

مع تزايد التعديات، ما الإجراءات التي اتخذتموها للحد من ذلك؟ وهل القانون وحده يكفي لمعالجة هذه التجاوزات؟

لم يعد التعدي على الأوقاف ممكناً كما في السابق، فقد كثفنا جهودنا بالتنسيق مع الجهات العدلية والأمنية لاستعادة الممتلكات الوقفية ومحاسبة المخالفين. لكن القانون وحده لا يكفي، فهناك مفاهيم مغلوطة راسخة لدى البعض، حيث يعتبرون الأوقاف ملكيات شخصية يمكن التصرف بها بحرية، متجاهلين أنها أموال موقوفة لله تعالى لصالح خدمة المجتمع. لذا، نعمل على محورين أساسيين: الأول قانوني، من خلال إجراءات صارمة تضمن عدم التلاعب بالأوقاف، والثاني توعوي، من خلال برامج إرشادية تعزز الوعي بأهمية الحفاظ على الأوقاف واستثمارها في الأوجه التي خصصت لها. ونؤمن أن حماية الأوقاف ليست مسؤولية الهيئة فقط، بل مسؤولية مجتمعية تتطلب وعياً وتعاوناً من الجميع.

حصر أكثر من 30 ألف منتفع

ما مدى التقدم في تنفيذ مشروع الحصر الشامل في صنعاء؟ وهل يمثل تحولاً مقارنة بالمحاولات السابقة؟

هذا المشروع هو خطوة استراتيجية لتصحيح وضع الأوقاف وحمايتها. انطلقت المرحلة الأولى في أربع مديريات رئيسية، وخلال خمسة أشهر فقط، تم حصر أكثر من 30 ألف منتفع، لكن العمل لم ينتهِ، إذ أن المشروع الآن في مرحلة أكثر دقة تشمل التحقق الهندسي وربط البيانات بخارطة رقمية تفاعلية، مما يضمن تنظيم الأوقاف وتوثيقها بشفافية. خلافاً للمحاولات السابقة التي بقيت ورقية وغير فعالة، يعتمد هذا المشروع على نظام إلكتروني موحد يتيح تتبع الأوقاف وإدارة العقود بكفاءة عالية، مما يعزز حمايتها واستدامتها وفق الضوابط الشرعية والقانونية.

تشكيل لجان مراجعة

ما أبرز التحديات التي تواجه تنفيذ المشروع، وما مدى تعاون الجهات المختلفة في دعمه؟

التحديات كثيرة، أبرزها الكم الهائل من البيانات الوقفية، والتغيرات العمرانية التي غيرت معالم الأراضي الوقفية، حيث تحولت بعض الأراضي الزراعية إلى أحياء سكنية، مما استدعى جهوداً مضاعفة لتحديد حدود الأوقاف الأصلية وإثبات ملكيتها.

تم تشكيل لجان مراجعة على مستوى المديريات والإدارة العامة لضمان التدقيق المستمر، والاستعانة بمهندسين متخصصين وعدول محليين وخبراء في الخرائط القديمة والجوية، إلى جانب الدعم الحكومي والمجتمعي الذي سهل عمليات المسح والتوثيق.

كذلك، ساهم الإعلام، وعبر صحيفة “الثورة”، في نشر الوعي وحث المنتفعين على تحديث بياناتهم والاستفادة من الخدمات الإلكترونية، مما أتاح لهم إجراء معاملاتهم مباشرة في المديريات دون الحاجة إلى مراجعة الإدارة العامة للمكتب.

الأوقاف ليست ملكاً لأحد، بل هي لله

هل هناك أرقام دقيقة لحجم الأوقاف بمحافظة صنعاء.. وكيف يتم التعامل مع التحديات القبلية مثل ظاهرة “الحد والبلد” في المسح والتوثيق؟

التعامل مع المساحات الوقفية الواسعة ليس بالأمر السهل، لكننا نعمل وفق منظومة دقيقة تجمع بين المسودات الوقفية القديمة والحديثة، لضمان توثيقها بشكل دقيق وحمايتها من أي استغلال غير قانوني. يتم حالياً مسح آلاف “اللبن” ورقمنه البيانات بشكل مستمر، مما يسهل تتبعها وإدارتها بكفاءة.

وكما أسلفت في بعض المناطق، هناك اعتقاد قبلي بأن الأراضي الوقفية الواقعة ضمن نطاقهم هي جزء من أراضيهم، حتى وإن كانت إدارياً تابعة لمديرية أخرى. وهذا يعقّد عملنا، خاصةً أن البعض يحاول تطبيق هذه الأعراف على الأوقاف. لكننا نؤكد أن الأوقاف ليست ملكاً لأحد، بل هي ملك لله، ولا تخضع للأعراف القبلية أو التقسيمات الإدارية المتغيرة. نواجه هذا التحدي من خلال التوثيق القانوني الدقيق، بالتوازي مع حملات التوعية والتنسيق المستمر مع الجهات العدلية والأمنية لضمان حماية الأوقاف من أي تعديات.

6 مليارات ونتوقع العشرات

ما حجم المديونيات المتراكمة لدى المستأجرين والمنتفعين، وما الخطة لاستعادتها؟

المديونيات المتراكمة ضخمة، ففي محافظة صنعاء وحدها تتجاوز 6 مليارات ريال، وفقاً للملفات الموثقة التي لا تتجاوز 3000 ملف. ومع استكمال الحصر الشامل، نتوقع أن تصل المديونية إلى عشرات المليارات. هذه الأموال ليست مجرد أرقام، بل حقوق وقفية كان يفترض أن تُستثمر لخدمة المجتمع، لذا نعمل على استعادتها عبر خطط قانونية وإلزامية، مع تقديم تسهيلات للسداد لمن يثبت إعساره، لكن دون تهاون مع المتقاعسين.

نحن أمام فرصة تاريخية، لأننا لا نصحح فقط أخطاء الماضي، بل نرسي أسساً حديثة لإدارة الأوقافـ وبمجرد اكتمال الخارطة الوقفية المعتمدة، لن يستطيع أحد تجاوزها أو التصرف في الأوقاف دون سند قانوني

تنظيم الإيجارات الوقفية

هل يمكن أن يكون تنظيم الإيجارات الوقفية مفتاحًا لاستعادة الحقوق المهدورة وتعزيز التنمية المجتمعية؟

يتم تحديد الإيجارات الوقفية وفق معايير عادلة تعتمد على موقع العقار، قيمته السوقية، وطبيعة استخدامه. العقارات الواقعة في شوارع رئيسية تختلف عن تلك الموجودة في المناطق الريفية، والهدف من هذا التقييم العادل هو تحقيق عوائد مناسبة للوقف دون إرهاق المنتفعين.

هذه العوائد لا تُعامل كإيرادات حكومية، بل يتم توجيهها لخدمة المجتمع وفق شروط الواقفين، مثل دعم المدارس، المستشفيات، وتمويل المساجد والمشاريع الخيرية، مما يعزز الدور التنموي للأوقاف.

التحديات المتراكمة لا تُحل بقرارات إدارية

كيف تلمسون تعاون قيادة المحافظة لضمان تنفيذ الإصلاحات؟

المحافظ المجاهد عبد الباسط الهادي لعب دوراً مشهوداً في دعم جهود استعادة الأوقاف، حيث أصدر تعميماً واضحاً لمدراء المديريات بالتعاون الكامل مع مكاتب الأوقاف، والتنسيق مع الجهات الأمنية لضبط المخالفين المعتدين على الأراضي الوقفية.. لكن التحديات المتراكمة لا تُحل بقرارات إدارية فقط، بل تحتاج إلى التزام مستمر لضمان تنفيذ هذه التوجيهات وعدم السماح بأي تجاوزات مستقبلية.

التجارب السابقة أثبتت أن الزخم الأولي وحده لا يكفي، بل يجب أن يكون الإصلاح عملية دائمة، لا مجرد حملة مؤقتة سرعان ما تخمد. فمن الضروري أن تتبنى قيادة المحافظة والجهات التنفيذية والعدلية نهجا طويل الأمد، يضمن حماية الأوقاف واستثمارها بالشكل الصحيح لتخدم المجتمع وفق مقاصد الواقفين.

توثيق الممتلكات الوقفية

ما دور المسح الشامل وأتمتة المسودات الوقفية في حماية الأوقاف واستثمارها وتنميتها؟

مثل مشروع المسح الميداني وأتمتة المسودات الوقفية خطوة وتوقيت لإنقاذ الأوقاف من الضياع وتعزيز حمايتها القانونية والإدارية، حيث يضمن توثيق الممتلكات الوقفية رسمياً في السجل العقاري والخارطة الوقفية، مما يحدّ من التجاوزات ويضمن إدارتها بشفافية ودقة.

بفضل هذه التحديثات، ستتمكن المحاكم والجهات المعنية من العمل وفق بيانات دقيقة، مما يمنع أي تصرفات غير قانونية بالأوقاف. كما لن تصدر تصاريح بناء أو تراخيص إلا بموجب عقود رسمية، ولن يتم النظر في أي قضايا دون الرجوع إلى الجهة المختصة.

التقسيط الميسر للمتعثرين

كيف يتم التعامل مع الممتنعين عن السداد أو الإبلاغ عن الأعيان الوقفية المجهولة؟

نلتزم بمراعاة أوضاع المنتفعين وفق القاعدة القرآنية: “وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ”، لذا نوفر للمتعثرين إمكانية التقسيط الميسر، وفي حالات الإعسار التام، يتم تأجيل الدفع حتى تتحسن ظروفهم المالية.

لكن في المقابل، لا يمكن التساهل مع الميسورين الذين يتهربون من دفع المستحقات دون مبرر قانوني أو شرعي، خاصة إذا كانت لديهم مديونيات متراكمة. هؤلاء ملزمون بالسداد وفق الإجراءات القانونية للحفاظ على حقوق الوقف واستدامة منفعته. أما فيما يتعلق بتصحيح الأوضاع، فإننا ندعو جميع المنتفعين الذين يشغلون عقارات أو أراضي وقفية إلى تسجيل وضعهم طوعاً، حيث تتيح لهم هذه الخطوة عدة تسهيلات، منها إمكانية السداد بالتقسيط. لكن من يتهرب من التصحيح، فسيواجه إجراءات قانونية صارمة قد تصل إلى السجن لأكثر من ثلاث سنوات، خصوصاً لمن يتصرف في الأوقاف دون وجه حق أو يخفض الإيجارات دون سند قانوني.

100 مسجد من بين 7 آلاف

كيف يتم توثيق العائدات الوقفية وضمان وصولها للمساجد، وما آلية صرف مخصصات العاملين فيها؟

كان غياب نظام دقيق لتوثيق العائدات الوقفية أحد الأسباب الرئيسية لعدم وصول الموارد إلى مستحقيها، حيث لم يكن هناك تخصيص دقيق للمساجد. الفجوة واضحة؛ في محافظة صنعاء وحدها، يوجد أكثر من 7 آلاف مسجد، لكن العائدات المسجلة رسمياً لا تصل إلا إلى 100 مسجد فقط، مما أثر على الخدمات المقدمة للمساجد ويستدعي تنفيذ إصلاحات جوهرية. منها إطلاق الوحدة المتنقلة لتنظيف وغسل المساجد في المديريات القريبة، ونسعى للوصول إلى بقية المساجد في المديريات النائية الأخرى. كما تم اعتماد تحويل مستحقات سدنة المساجد والعاملين فيها عبر “كاك بنك” لضمان صرفها دون تأخير، مع خطة لزيادة التغطية تدريجياً بعد استعادة المزيد من الأوقاف الخارجة عن السيطرة.

تصحيح أوضاع الأوقاف

ما الإجراءات المتخذة لتنفيذ توجيهات تصحيح أوضاع الأوقاف، وما مدى التقدم في التنفيذ؟

الاجتماع الذي ترأسه الرئيس المشاط وافتتحه قائد الثورة كان نقطة تحول مهمة في التعامل مع الأوقاف المشغولة دون سند قانوني. بناءً على ذلك، تم تشكيل لجنة عليا برئاسة وزير التربية والتعليم والبحث العلمي حسن الصعدي، إضافة إلى لجان فرعية في المحافظات لضمان التنفيذ الميداني واستعادة الأوقاف وفق الأطر الشرعية والقانونية.

بدأنا بتنفيذ عدد من الإجراءات الحاسمة، شملت مخاطبة الجهات التي استغلت العقارات الوقفية دون سداد المستحقات أو تجديد العقود، إلى جانب رصد أراضٍ تم إدراجها ضمن المخططات العامة للدولة بشكل غير قانوني. القانون واضح في هذا الشأن؛ الأوقاف ليست خاضعة لقانون التملك للمصلحة العامة، ولا يجوز التصرف بها إلا بحكم قضائي وفقًا للضوابط الشرعية.

ورغم تحقيق تقدم في تنفيذ القرارات، لا تزال بعض الإجراءات قيد المتابعة، ونعمل على تسريع التنفيذ، خصوصا بعد صدور قرار مجلس الوزراء رقم 61 لسنة 1444هـ، الذي وضع آلية واضحة لاسترداد الأوقاف المنهوبة وضمان إدارتها بشكل منظم يمنع أي تجاوزات مستقبلية.

المصدر

المصدر: الثورة نت

كلمات دلالية: حمایة الأوقاف فی المدیریات محافظة صنعاء الأوقاف لیست على الأوقاف التعامل مع غیر قانونی من خلال أکثر من التی ت

إقرأ أيضاً:

عراقجي: مصادرة أصول دولة أخرى لتسوية مطالبات مستقبلية سابقة تزيد التوترات

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إن مصادرة أصول دولة أخرى بهدف استخدامها لسداد مطالبات مستقبلية لا ترتبط بها تمثل سابقة من شأنها زيادة التوترات.

الضربات الأمريكية على إيران تدخل أسبوعها الثالث وسط تصعيد متواصل مع طهران

أعلنت القيادة المركزية الأمريكية "سنتكوم" بدء جولة جديدة من العمليات العسكرية ضد أهداف داخل إيران، في استمرار للحملة الجوية التي دخلت ليلتها الثالثة عشرة على التوالي.

وقالت القيادة الأمريكية إن الضربات انطلقت مساء الخميس، واستهدفت مواقع عسكرية إيرانية، موضحة أن الهدف منها هو تقليص ما وصفته بالتهديدات التي يمثلها الحرس الثوري الإيراني لحركة الملاحة التجارية ومحاسبة طهران على تحركاتها العسكرية.

وفي المقابل، تحدثت وسائل إعلام إيرانية عن سماع أصوات انفجارات في عدد من المناطق جنوب غربي البلاد، من بينها مدينة الأهواز ومدينة العميدية بمحافظة خوزستان، إضافة إلى تقارير عن استهداف محيط قرية مسن في جزيرة قشم بصواريخ أميركية.

كما أفادت وكالة فارس بسماع انفجارات متعددة في مدينة الأهواز، فيما لم تصدر السلطات الإيرانية حتى الآن أي حصيلة رسمية بشأن طبيعة المواقع المستهدفة أو حجم الأضرار والخسائر.

وتأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه العلاقات بين واشنطن وطهران تصعيدًا عسكريًا متزايدًا، وسط استمرار العمليات الأمريكية التي تؤكد أنها تهدف إلى إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية وحماية حركة الملاحة في الخليج ومضيق هرمز.

تصاعد التوتر العسكري بين واشنطن وطهران

تأتي الضربات الجوية الأمريكية الجديدة في ظل تصاعد التوتر العسكري بين واشنطن وطهران، بعد سلسلة من الهجمات المتبادلة خلال الفترة الأخيرة. وشهدت المنطقة ارتفاعًا في مستوى التصعيد عقب استهداف قوات أمريكية في الأردن بهجمات نُسبت إلى إيران، ما أدى إلى مقتل جنديين أمريكيين وفقدان آخر، وفقًا لما أعلنته القيادة المركزية الأمريكية.

وتقول واشنطن إن تحركاتها العسكرية تهدف إلى حماية قواتها ومصالحها في المنطقة، إضافة إلى الحد من قدرات إيران على تهديد حركة الملاحة في الممرات البحرية الحيوية، وفي مقدمتها مضيق هرمز، الذي يُعد أحد أهم طرق نقل الطاقة عالميًا.

ويأتي هذا التطور وسط مخاوف من توسع دائرة المواجهة، في وقت تشهد فيه المنطقة تحركات عسكرية متزايدة وتبادلًا للضربات بين القوات الأمريكية والإيرانية وحلفائهما. كما أعلنت دول خليجية، من بينها الكويت والبحرين، التصدي لهجمات باستخدام صواريخ وطائرات مسيّرة، ما يعكس امتداد تداعيات التصعيد إلى محيط المنطقة.

وأكدت القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) أن قواتها شنت هجمات جديدة ضمن العمليات المستمرة ضد أهداف إيرانية، مشيرة إلى أن الهدف من هذه الضربات هو إضعاف القدرات العسكرية لطهران والحد من إمكاناتها العملياتية.

وفي المقابل، أفادت وسائل إعلام إيرانية بأن إحدى أبرز المناطق التي تعرضت للقصف كانت منشأة صاروخية محصنة في مدينة يزد، تعرف باسم "مدينة الصواريخ"، وهي منشأة تقع داخل منطقة جبلية وتضم تحصينات عميقة. وأشارت التقارير إلى سماع خمسة انفجارات في المدينة عقب استهداف الموقع.

كما تداولت وسائل إعلام إيرانية مقاطع مصورة قالت إنها تظهر تعرض قاعدة صاروخية تابعة للحرس الثوري في مدينة لار بمحافظة فارس للقصف، فيما ذكرت وكالة "تسنيم" أن الضربات شملت مواقع أخرى في منطقتي لار وداراب.

وامتدت التقارير عن القصف إلى مناطق أخرى، حيث تحدثت الوكالة الرسمية الإيرانية عن استهداف محيط مدينة الأهواز، بينما أعلن التلفزيون الإيراني تسجيل ثلاثة انفجارات في مدينة سيريك جنوب البلاد. كما أشارت وكالة "مهر" إلى وقوع انفجارات في مناطق بوشهر وقشم وسيريك، قبل ورود أنباء عن تجدد الانفجارات في مدينة يزد.

ولم تصدر السلطات الإيرانية حتى الآن بيانًا رسميًا يوضح حجم الأضرار أو الخسائر البشرية والمادية الناتجة عن هذه الضربات، في وقت تتواصل فيه حالة التوتر العسكري بين واشنطن وطهران وسط مخاوف من اتساع نطاق المواجهة.

كما أعلنت القيادة المركزية الأمريكية أن قواتها شنت سلسلة جديدة من الهجمات، في إطار ما وصفته بمواصلة الضغط على البنية العسكرية الإيرانية وتقليص قدراتها العملياتية. وأوضحت أن هذه الضربات تأتي ضمن حملة عسكرية مستمرة تستهدف مواقع تعتبرها واشنطن ذات أهمية في دعم الأنشطة العسكرية الإيرانية.

وفي سياق التحركات البحرية، أفاد الجيش الأمريكي بتنفيذ عملية استهدفت برج مراقبة بحري في ميناء شهيد كلانتري بمدينة تشابهار جنوب شرقي إيران، مشيرًا إلى أن الموقع كان يستخدم ضمن منظومة مراقبة ساحلية لرصد حركة السفن في المنطقة الممتدة على ساحل خليج عمان. ووفق الرواية الأميركية، فإن هذه المنظومة كانت مرتبطة بعمليات تتبع السفن التجارية المارة بالقرب من مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية في العالم.

كما أعلنت واشنطن اتخاذ إجراءات إضافية مرتبطة بالقيود البحرية المفروضة على الموانئ الإيرانية، تضمنت تغيير مسارات عدد من السفن التجارية وإجراءات تفتيش وصعود إلى متن إحدى السفن، مؤكدة أن هذه الخطوات تهدف إلى تطبيق القيود المفروضة وضمان الالتزام بها.

في المقابل، تحدثت وسائل إعلام إيرانية رسمية عن وقوع انفجارات في مدينة سيريك جنوب البلاد، بينما نقلت تقارير عن الجيش الإيراني قوله إن قواته البحرية أطلقت صاروخًا باتجاه سفينة أمريكية وصفها بأنها "معادية" في شمال المحيط الهندي، في مؤشر على استمرار التوتر والاحتكاك العسكري بين الجانبين.

ويأتي التصعيد المتبادل في وقت تشهد فيه المنطقة حالة من الترقب بشأن مستقبل المواجهة بين واشنطن وطهران، مع تزايد المخاوف الدولية من انعكاسات هذه التطورات على حركة التجارة العالمية وأمن الملاحة في الخليج ومضيق هرمز، الذي يمثل شريانًا رئيسيًا لإمدادات الطاقة العالمية.

ترامب يتوعد بهزيمة إيران وواشنطن تواصل ضرباتها وسط تصعيد عسكري 

قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الأربعاء، إن إيران "ستُهزم قريبا جدا"، في أحدث تصريح له بشأن المواجهة المتصاعدة بين واشنطن وطهران، مؤكدًا أن الولايات المتحدة تدرس خطواتها المقبلة في ظل استمرار التوترات المرتبطة بالملف الإيراني وحركة الملاحة في مضيق هرمز.

وأوضح ترامب أن إيران، بحسب وصفه، ترغب بشدة في التوصل إلى تسوية مع الولايات المتحدة، لكنه أشار إلى أن القرار بشأن الدخول في أي اتفاق سيعود إلى واشنطن. وأضاف أنه لا يفضل وضع مواعيد نهائية، ردًا على أسئلة بشأن ما إذا كانت طهران أمام مهلة قبل أن تبدأ الولايات المتحدة بتنفيذ ضربات جديدة تستهدف بنى تحتية داخل إيران.

وقال ترامب: "لا أحب تحديد مواعيد نهائية، لكنهم يعرفون جيدًا القصة.. من الأفضل لهم أن يتصرفوا بشكل جيد"، في إشارة إلى مطالبه من الجانب الإيراني.

وأعلنت القيادة المركزية الأمريكية "سنتكوم" أن القوات الأمريكية نفذت موجة ثانية من الضربات ضد إيران، موضحة أن العمليات استهدفت قدرات عسكرية إيرانية قالت واشنطن إنها تستخدم لتهديد السفن التجارية في مضيق هرمز.

وأكدت "سنتكوم" أن الضربات تأتي ضمن جهود حماية حرية الملاحة في ممر مائي وصفته بأنه حيوي للتجارة العالمية، مشيرة إلى أن الجيش الأميركي ينفذ هذه العمليات بناء على توجيهات القائد الأعلى للقوات المسلحة.

وكان الجيش الأمريكي قد أعلن في وقت سابق إطلاق موجة أخرى من الهجمات الجوية على أهداف إيرانية، مؤكدًا أن الهدف منها إضعاف القدرات التي تستخدمها إيران، وفق الرواية الأمريكية، في استهداف حركة السفن التجارية في مضيق هرمز.

من جهته، قال نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس إن الولايات المتحدة لا تعتزم استخدام القوة العسكرية ضد إيران بشكل مفتوح أو لفترة غير محددة، موضحًا أن الخيار العسكري يمثل إحدى الأدوات المتاحة لتحقيق أهداف واشنطن.

وأضاف فانس أن إدارة ترامب استخدمت القوة العسكرية لتحقيق أهداف محددة، مشيرًا إلى أن واشنطن تسعى إلى ضمان استمرار تدفق النفط والغاز عبر مضيق هرمز ومنع إيران من امتلاك سلاح نووي، بحسب تصريحاته.

وأكد نائب الرئيس الأمريكي أن التحركات العسكرية التي اتخذتها بلاده كانت "قانونية"، موضحًا أن مسألة تغيير النظام في إيران، إذا حدثت، تعود إلى الإيرانيين أنفسهم.

وفي وقت سابق، نقلت تقارير إعلامية عن مسؤولين أمريكيين أن ترامب يميل إلى بحث خيارات لتوسيع العمليات العسكرية ضد إيران، بعد اجتماعات وإحاطات أمنية تلقاها من كبار المسؤولين في إدارته.

وبحسب تلك التقارير، تشمل الخيارات المطروحة زيادة وتيرة الضربات الجوية، واستهداف مواقع إضافية داخل إيران، إلى جانب مناقشة احتمالات تتعلق بالسيطرة على مواقع وجزر قريبة من مضيق هرمز، فضلًا عن استهداف منشآت مرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني.

كما أشارت التقارير إلى أن ترامب عقد اجتماعات لمناقشة سيناريوهات عسكرية مختلفة، بينها إمكانية تنفيذ عمليات ضد مواقع استراتيجية، مع استمرار بحث البدائل المتاحة أمام الإدارة الأمريكية.

ورغم طرح خيارات تصعيدية، أفادت مصادر أمريكية بأن ترامب لم يتخذ قرارًا نهائيًا بشأن الخطوات المقبلة، وأنه لا يزال يفضل التوصل إلى حل دبلوماسي، لكنه يضغط في الوقت ذاته للحصول على خيارات عسكرية يمكن استخدامها لدفع إيران إلى وقف ما تعتبره واشنطن تهديدات للملاحة في مضيق هرمز.

وتأتي هذه التطورات في ظل تصاعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، مع استمرار التوتر حول أمن الممرات البحرية، والبرنامج النووي الإيراني، والاتهامات المتبادلة بشأن استهداف السفن التجارية في المنطقة.

مقالات مشابهة

  • عراقجي: مصادرة أصول دولة أخرى لتسوية مطالبات مستقبلية سابقة تزيد التوترات
  • “شليق”: الحضور القبلي في شغل المناصب القيادية تعزز في ليبيا بعد
  • خبراء ومحللون عسكريون لـ”الثورة نت”: معادلة “الحصار بالحصار” تضرب شريان الاقتصاد السعودي
  • مدير مطار صنعاء: شركات طيران راغبة بالرحلات لكن الإجراءات السعودية تعرقل
  • هشام زكي: الطبيب المتعاون مع المصحات غير المرخصة يواجه الإجراءات القانونية فورا
  • الأوقاف : ثورة يوليو لم تكن حدثًا عابرًا .. بل نقطة انطلاق لبناء الدولة المصرية الحديثة
  • لماذا تعرض دور الأزياء العالمية ملابس لا يستطيع أحد ارتداءها؟
  • “شركة المياه والصرف الصحي” توفر سيارات مياه للمواطنين لتعويض نقص المياه
  • هيئة الكتاب تصدر ديوان “مدن الجراح” للشاعر أحمد عباد
  • بين الهوية وصناعة الوجدان.. هكذا استخدمت ثورة يوليو الكتاب والمكتبات العامة كدروع لحماية عقل الإنسان المصري