الاقتصاد وسُمعة عُمان
تاريخ النشر: 22nd, February 2025 GMT
خلفان الطوقي
يُقال إنَّ سُمعة الفرد هي أهم ما يملك، وإن فقدها، كأنما فقد كل شيء، وهذا ينطبق على الفرد، وفي أحيانٍ كثيرة ينطبق على العائلة والحي والمؤسسة الخاصة ومؤسسات الدولة وحتى الدول ذاتها، فإذا كانت السمعة أو الصورة النمطية العالقة في الأذهان سلبية، فإنها تحتاج إلى جهد إضافي لتحويلها إلى إيجابية.
ولتسهيل شرح موضوع أهمية الصورة النمطية، لنقسمها إلى سمعة جيدة أو سمعة سيئة، والمحظوظ من يتمتع بسمعة جيدة، ولكن من الصعوبة تغيير الصورة من سيئة إلى جيدة، أو سلبية إلى إيجابية، وتحتاج إلى جهود مستمرة وخطوات وقرارات وخطة زمنية، خاصة إذا كانت معنية بمؤسسات الدولة، ولأن الحديث في هذه المقالة معنيا بالاقتصاد والمؤسسات الحكومية وسمعة عُمان، فالتركيز سوف يكون في هذا الجانب.
ومن الملاحظ أن هناك جهودا حكومية تهدف إلى التحديث والتحسين في كل شيء، ويظهر ذلك جليًا في القوانين التي صدرت مؤخرا في مجالات عديدة، وفي البرامج الوطنية التي تم الإعلان عنها، وفي عشرات المبادرات الفرعية والتي بدأ تنفيذها، ولكن وبالرغم من ذلك، إلّا أن الصورة النمطية والتقليدية ما زالت عالقة لدى فئة كبيرة في المجتمع.
ويرى الكثير من أفراد المجتمع أن المعاملات الحكومية ما زالت تتسم بالبطء الشديد، وأن بيئة الأعمال في عُمان غير جاذبة، وأن القضايا تستغرق الكثير من الوقت الذي يدعو للتململ وفقد الثقة، وأن الرقمنة ما زالت لم تصل إلى حدٍ يُرضي تطلعات المجتمع، وأن البلد ما زالت مُغلَقة، وأن قوانيننا وتشريعاتنا لا تواكب وسرعة المتغيرات والمعطيات.
هذه أمثلة فقط، وبغض النظر إن كانت الأمثلة المذكورة صحيحة أو خاطئة، فذلك موضوع آخر، ولا يخص محتوى المقال هذا، وإنما هدف المقالة هو أهمية تغيير الصورة النمطية إن شابها أي شائب.
وفي كل الأحوال، لا بُد أن يؤخذ موضوع تحسين الصورة النمطية للاقتصاد العُماني مأخذ الجد والصرامة إن أرادت البلاد أن تُكمل رحلة التجديد والتحسين والتطوير، واستقطاب الاستثمارات المحلية والأجنبية، وخلق بيئة أعمال تنافسية، وتوفير مزيدٍ من الرفاهية للمجتمع من مواطنين ومقيمين وزوار، وإن أرادت أن تكون في مقدمة الركب الحضاري.
إنَّ جهود تغيير الصورة النمطية لا بُد أن تكون مدروسة ومُمنهَجة ومُستمرة ومرِنة، وتحتاج إلى فريق حكومي مؤهل وكفاءات قيادية منوعة ومن تخصصات إدارية وتسويقية وإعلامية وتقنية، وعليه، من المؤكد وبشكل تلقائي وتدريجي سوف تتطور الصورة الذهنية إلى مستويات أفضل وتحقيق ما هو مُستهدَف.
رابط مختصر
المصدر
المصدر: جريدة الرؤية العمانية
إقرأ أيضاً:
التربية والوعي أساس لحفظ وتماسك النسيج المجتمعي
في المجتمعات التي تتعرض للاهتزازات الكبرى، لا يكون الخطر الأكبر في ضياع بعض الموارد أو تعثر بعض المؤسسات فحسب، بل في اهتـزاز الوعي نفسه، وفي تراجع المعاني التي كانت تجمع الناس حول قيم مشتركة تحفظ لهم وحدتهم وتماسكهم.
ومن هنا تأتي التربية والوعي لا بوصفهما ملفين ثانويين، بل باعتبارهما الركيزة الأولى في بناء المجتمع وصيانة نسيجه من التشقق والتفكك.
فالمجتمع الذي يفقد بوصلته التربوية، ويضعف فيه الوعي، يصبح أكثر عرضة للفرقة، وأكثر قابلية للاختراق، وأقل قدرة على الصمود أمام الأزمات.
إن التربية الحقيقية ليست مجرد تلقين للمعارف، ولا حشو للأذهان بالمعلومات، بل هي صناعة للإنسان، وصياغة للضمير، وبناء للاتزان الداخلي الذي يجعل الفرد أكثر قدرة على التمييز بين الحق والباطل، وبين المصلحة الخاصة والمصلحة العامة، وحين تتأسس التربية على القيم الإيمانية والإنسانية الأصيلة، فإنها لا تخرّج أفراداً صالحين فقط، بل تبني مجتمعاً متراحمًا، متعاوناً، قادراً على تجاوز المحن دون أن يفقد هويته أو أخلاقه.
أما الوعي، فهو البصيرة التي تمنع الإنسان من أن يكون أداة في يد غيره، أو ضحية للثقافات المغلوطة والعقائد الباطلة ، أو أسيراً للانفعال اللحظي.
الوعي يعلّم الناس أن ينظروا إلى الأحداث بعقل مفتوح، وأن يفرقوا بين من يريد لهم الخير ومن يوظف آلامهم لمصالحه. وفي أزمنة الفوضى والحروب، يصبح الوعي سلاحاً لا يقل أهمية عن أي وسيلة أخرى، لأنه يحمي المجتمع من الانجرار إلى مؤامرات العدو، ومن الوقوع في فخ الشائعات والحرب الناعمة.
وإذا كانت التربية تُنشئ الإنسان من الداخل، فإن الوعي يحصنه من الخارج. ولذلك فإن بناء النسيج المجتمعي يبدأ من الأسرة أولًا، حيث يتشكل الطفل على معنى الاحترام والمسؤولية والانتماء، ثم تنتقل الرسالة إلى المدرسة، حيث يتسع الأفق وتُصقل الشخصية، ثم إلى المسجد والإعلام والمؤسسات الثقافية، حيث تترسخ القيم وتتحول إلى سلوك عام. وعندما تتكامل هذه المؤسسات في أداء دورها، يصبح المجتمع أكثر قدرة على حماية نفسه بنفسه، وأقل اعتماداً على ردود الأفعال المتأخرة.
وفي السياق اليمني على وجه الخصوص، تزداد أهمية التربية والوعي، لأن المجتمع الذي واجه أعواماً من العدوان والحصار والضغوط لا يحتاج فقط إلى الإغاثة، بل إلى إعادة بناء الإنسان من الداخل. فالصبر الذي أبداه اليمنيون، والكرامة التي حافظوا عليها، والصمود الذي أذهل العالم، كلها تحتاج إلى حاضنة تربوية ووعي راسخ حتى لا تضيع تضحيات الشهداء في ضجيج اللحظة.
إن الأوطان لا تُحفظ بالسلاح وحده، بل تُحفظ أيضاً بالمدرسة، وبالقدوة، وبالخطاب المسؤول، وبالعقل الذي يرفض الانكسار.
ومن أخطر ما يهدد النسيج المجتمعي اليوم أن يتحول الاختلاف إلى عداوة، وأن تصبح التفاصيل الصغيرة سبباً لتفكيك الكبير المشترك.
وهنا تبرز وظيفة التربية الواعية في تعليم الناس أدب الخلاف، وفي غرس ثقافة التعاون رغم التباين، وفي ترسيخ فكرة أن قوة المجتمع لا تأتي من تماثله الكامل، بل من قدرته على إدارة تنوعه دون أن ينقلب إلى صراع. فالمجتمع المتماسك ليس ذلك المجتمع الذي لا يعرف الخلاف، بل الذي يعرف كيف يضبطه، ويمنع تحوله إلى قطيعة أو خصومة مدمرة.
إن الوعي الحقيقي لا يكتفي بكشف الأخطاء، بل يدفع إلى الإصلاح. والتربية الحقيقية لا تكتفي بالتحذير من الانحراف، بل تزرع البديل النظيف، وتفتح للناس أبواب الأمل والعمل. ومن هنا فإن بناء مجتمع متماسك يبدأ من مشروع طويل النفس، يربط بين الإيمان والمعرفة، وبين القيم والسلوك، وبين الحرية والمسؤولية. وحين يشعر الإنسان أن كرامته مصونة، وهويته محترمة، ومستقبله محفوظ، فإنه يكون أكثر استعدادا للعطاء، وأكثر التزاما بالمصلحة العامة، وأكثر وفاءً لمجتمعه ووطنـه.
إن التربية والوعي ليسا ترفاً فكرياً، بل ضرورة وجودية لأي أُمّـة تريد أن تبقى. وتحفظ الأجيال من الضياع، ويستعيد المجتمع قدرته على النهوض من جديد.
وفي زمن كثرت فيه الجراح، تظل التربية الصادقة والوعي الصافي هما الطريق الأقرب إلى شفاء النفوس، وحماية الصف، وصون النسيج المجتمعي من كل ما يهدده بالتمزق والانكسار.