احتياجات المتعلم تأتي في المقام الأول، وهنا نبحث عن صور هذه الاحتياجات، ونحاول أن نرتبها؛ كي نتمكن من أن يكون المتعلم جاهزًا لتلقي خبرات التعلم في تنوعاتها المختلفة، وأرى أن الاحتياج النفسي يأتي في قمة الأولويات؛ حيث إدراك المتعلم بجدوى وأهمية اكتسابه للخبرة المنشودة؛ فإذا ما وعي ذلك يبذل أقصى ما في طاقته من أجل تحقيق الغاية المنشودة التي علمها وتحمل المسئولية حيالها.

وتلبية العوز الاجتماعي ينبغي الاهتمام به؛ كي يستشعر المتعلم ضرورة الشراكة في تحقيق الأهداف، ويتفهم أن تبادل الخبرات فيما بينهم من الأمور التي تسهم في تقوية العلاقات الاجتماعية، بل وتقوي الروابط وتحدث ما نسميه بالاندماج الاجتماعي داخل البيئة التعليمية؛ فنتجاوز حدود الخلاف أو الاختلاف، ونصنع أرضية مشتركة للتمازج والتعاون والتقبل، وهذا من شأنه يحمي ويقوي العلاقات داخل الإطار المؤسسة التعليمية.

وفي ضوء ما أوردنا يمكننا خلق البيئة الحاضنة للإلهام، فيها يتمكن المتعلم من أن يتقدم بما لديه من أطروحات تتوافق مع فحوى الخبرة المتعلمة، بل ويضيف إليها؛ ومن ثم تتواتر الأفكار حتى نصل لماهية الفكرة الملهمة التي يتقبلها الجميع دون استثناء، وقد يصل الإلهام هنا لحد الانبهار، بما يزيد من شغف التعلم، ويزيل كافة المعوقات والصعوبات والتحديات التي تقف أمام الفكرة الملهمة.

الإِلْهَامُ في حد ذاته يجبر المعلم على أن ينوع من الأنشطة التي من شأنها لا تصقل خبرات التعلم فقط، بل تخلق البيئة الداعمة للعطاء الفكري في صورته المستدامة؛ فقد باتت البيئة التعليمية مليئة بالروتين والرتابة التي من شأنها أن تحبط المتعلم وتحمل عليه مزيدًا من الأعباء والمهام التي تعد حاجزًا عن حفز التفكر والتفكير.

استثمار خصائص المتعلمين من الأمور الداعمة لشيوع استثارة الفكر الملهمة، وهذا يتوقف على مقدرتنا في توظيف خصائص البيئة التعليمية؛ لتصبح من العوامل المساعدة على خلْقِ الإِلْهَام لدى كلٍّ من المعلم، والمتعلم على حدّ سواءٍ، وهذا ليس من قبيل المبالغة؛ لكنه استنتاج قائم على معطيات معلومة نستخلصها من الرغبة في الوصول للغاية وما بعدها.

الأفكار الملهمة في صيغتها التعليمية تزودنا دون شك بالرضا لدى من يقوم بإنتاجها، ومن يساهم في إخراجها، ومن يتشارك أطراف أو أجزاء من الفكرة، ونتوقع في مقام الإلهام أن نرصد تواتر للخواطر، بل وتوافق في بعض الأحيان على مكنونها لدى كثير من المتعلمين، وهذا في حد ذاته أمر إيجابي يشجعنا على استكمال مسار الإلهام ولا نصادره سواء بصورة مقصودة أو غير مقصودة.

ومراعاة خصائص المتعلم فيما يخص مجالات التعلم المعرفية والمهارية والوجدانية ومدى ميوله نحو مجال بعينه لا يقلل من تدفق الأفكار الملهمة في بيئاتنا التعليمية قاطبة؛ ومن ثم نستطيع أن نستثير الفكرة الملهمة من قلب مهام التعلم التي ندشنها في طيات أنشطتنا التعليمية؛ لنصل إلى مبتغانا الذي يكمن في طرح أكبر قدر من تلك الأفكار التي تفتح الطريق نحو ابتكارات لا تنتهي في كافة المجالات التعليمية.

خصائص المتعلمين نراعيها من خلال تحملنا على تصويب المسار التعليمي؛ حيث إن تصويب أنماط الفهم الخطأ، وفتح المجال للمحاولة غير المحدودة، وتقديم أطر ومتنوعات من التغذية المرتدة تعطينا الأمل وتعزز الطموح تجاه الفكر الملهم، ومن يؤكد على ضرورة التنظيم والنسيق للبيئة التعليمية كبوابة داعمة للإلهام عبر مناخ مناسب للمتعلمين.

إن فلسفة الإِلْهَامِ التربويّ تقوم على مقدرة المعلم في أن يصنع المناخ الداعم والمحفز الذي يجعل المتعلم مهيأ لأن يفكر بعد المرور بمرحلة الفهم العميق للقضية محل الاهتمام؛ ومن ثم يستطيع أن يواصل مراحل التفكير الملهم في مكونه ومكنونه؛ ولنعي أن هذا أمر ليس بالصعب؛ لكن يلزمه عمل مستمر من طرفا العملية التعليمية.. ودي ومحبتي لوطني وللجميع.

المصدر

المصدر: صدى البلد

كلمات دلالية: تبادل الخبرات العوز الاجتماعي المزيد

إقرأ أيضاً:

منير أديب يكتب: مسافة الحرب الأخيرة بين واشنطن وطهران

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

الحروب لا تبدأ عندما تُطلق أول رصاصة، بل عندما تفقد المفاوضات قدرتها على إنتاج الحلول، وعندما يُصبح السلاح أكثر قدرةً على تغيير الوقائع من الكلمات، تتحول الدبلوماسية إلى شاهد على الأحداث بدلًا من أنّ تكون صانعتها، هذا هو المشهد الذي يقترب منه العالم اليوم؛ مساحة التفاوض تنكمش، بينما تتسع خرائط المواجهة العسكرية بصورة غير مسبوقة.

لسنوات، كانت الولايات المتحدة الأمريكية تُدير أزماتها الكبرى وفق معادلة مزدوجة، تفاوض من جهة، وضغط عسكري من جهة أخرى، لم يكن الهدف الحرب، بل استخدام احتمالها لتحسين شروط السلام.

 لكن ما يجري اليوم في إيران منذ أواخر فبراير الماضي يُوحي بأنّ هذه المعادلة بدأت تميل بصورة واضحة نحو القوة، وأنّ المؤسسة السياسية في واشنطن أصبحت أكثر اقتناعًا بأنّ بعض الخصوم لا يغيّرون سلوكهم إلا تحت وقع الضربات، وليس تحت ضغط البيانات الدبلوماسية.

داخل الإدارة الأمريكية يزداد نفوذ المدرسة التي ترى أنّ المفاوضات الطويلة تحولت إلى فرصة تمنح الخصوم وقتًا لإعادة بناء قدراتهم، وتطوير برامجهم العسكرية، وتوسيع نفوذهم الإقليمي، أصحاب هذا الاتجاه لا يرفضون التفاوض من حيث المبدأ، لكنهم يرفضون التفاوض الذي لا يغيّر شيئًا في موازين القوى، بالنسبة إليهم، القوة ليست بديلًا عن السياسة، بل هي أداتها الأكثر تأثيرًا.

هذه المدرسة ليست جديدة في الفكر الأمريكي، فقد حضرت في إدارات جمهورية وديمقراطية على السواء، لكنها تستعيد نفوذها كلما تصاعدت الأزمات، وازدادت الهجمات على المصالح الأمريكية أو مصالح الحلفاء. وهي ترى أنّ التردد في استخدام القوة يرفع كلفة المواجهة لاحقًا، وأنّ الضربة المبكرة أقل ثمنًا من حرب مؤجلة بعد سنوات.

في المقابل، لا تزال هناك أصوات داخل الإدارة الأمريكية ومؤسسات الأمن القومي والدبلوماسية تُؤمن بأن القوة تستطيع إسقاط أهداف، لكنها لا تستطيع بناء استقرار، وتعتقد أنّ أي حرب جديدة في الشرق الأوسط لن تكون نسخةً من الحروب السابقة، بل ستكون أكثر اتساعًا، وأعلى تكلفةً، وأشد تأثيرًا على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والممرات البحرية، بالنسبة إلى هذا التيار، فإنّ السلام السيئ يبقى أفضل من حرب جيدة.

غير أنّ المشكلة لم تعد في وجود تيارين داخل واشنطن، بل في أنّ الوقائع الميدانية تمنح الأفضلية يومًا بعد آخر لأنصار القوة، فكل هجوم جديد، وكل تعثر تفاوضي، وكل تصعيد إقليمي، يُضعف حجج دعاة التسوية، ويُقوي موقف من يُطالبون بالانتقال من سياسة الاحتواء إلى سياسة الردع المباشر.

والمفارقة أنّ الأطراف الأخرى تسير في الاتجاه نفسه، فكل طرف يعتقد أنّ الوقت يعمل لصالحه، وأنّ خصمه هو الذي سيضطر إلى تقديم التنازل أولًا، وهكذا يتحول التفاوض من وسيلة للوصول إلى حلول إلى أداة لكسب الوقت، بينما تتحول القوة من ورقة ضغط إلى خيار يقترب تدريجيًا من التنفيذ.

هذا التحول يحمل دلالةً أخطر من مجرد احتمال اندلاع مواجهة جديدة؛ فهو يعكس تراجع الثقة في قدرة الدبلوماسية نفسها على إدارة الأزمات، فعندما يفقد القادة ثقتهم في نتائج التفاوض، يبدأون بالاعتماد على القوة لتغيير الوقائع، ثم يعودون إلى طاولة الحوار بعد أنّ تكون الخرائط قد تغيرت.

السؤال، هل تقع مواجهة عسكرية؟ وما حجمها؟ وأين تبدأ؟ وأين تنتهي؟ فالسيناريو الأكثر ترجيحًا ليس حربًا عالميةً شاملةً، وإنما سلسلة من المواجهات المتدرجة، تبدأ بضربات محدودة، ثم تتوسع إذا أخطأ أحد الأطراف في تقدير رد فعل الآخر، هذا النوع من الحروب أكثر خطورةً؛ لأنه لا يمنح أحدًا فرصةً لإعلان النصر، ولا يسمح في الوقت نفسه بإعلان نهاية واضحة للصراع.

ومن المرجح أنّ تُصبح المنطقة أمام مرحلة طويلة من الاستنزاف أكثر منها مرحلة الحسم، عمليات عسكرية متقطعة، وهجمات عبر الوكلاء، وضغوط اقتصادية، وحروب إلكترونية، واستهداف للممرات البحرية، ومحاولات لإعادة رسم توازنات الردع، إنها مواجهة لا تبحث عن الانتصار الكامل، بقدر ما تسعى إلى منع الخصم من تحقيقه.

ومع مرور الوقت، ستزداد كلفة هذا المسار على الجميع، فالدول الكبرى ستدفع ثمن اضطراب الأسواق، والدول الإقليمية ستتحمل أعباء عدم الاستقرار، والاقتصاد العالمي سيدفع فاتورة ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل والتأمين، بينما ستصبح الممرات البحرية جزءًا من ساحات الصراع لا مجرد طرق للتجارة.

ورغم هذا المشهد القاتم، فإنّ باب التفاوض لن يُغلق بالكامل، فالتاريخ يعلمنا أنّ القوى الكبرى تتفاوض غالبًا وهي تقاتل، وتتبادل الرسائل عبر الوسطاء حتى في أشد لحظات التصعيد، لكن الفارق أنّ التفاوض المقبل لن يُشبه التفاوض السابق؛ سيكون تفاوضًا تُحدده نتائج الميدان أكثر مما تحدده النصوص الدبلوماسية.

إنّ العالم يقف أمام لحظة انتقالية، ليس لأن الحروب أصبحت أكثر احتمالًا، بل لأن الإيمان بقدرة السياسة على منعها أصبح أضعف، وكلما انكمشت مساحة التفاوض، اتسعت مساحة المخاطرة، لأن الحرب، مهما بدت خيارًا محسوبًا عند بدايتها، كثيرًا ما تنتهي إلى نتائج لم يخطط لها أحد.

ربما يكون أخطر ما في المرحلة الحالية أنّ الجميع يتحدث عن السلام، لكن الجميع يستعد للحرب، وبين الخطابين تتحدد ملامح النظام الدولي الجديد؛ نظام تُكتب قواعده على طاولات التفاوض، لكن تُرسم حدوده في ميادين القتال. 

مقالات مشابهة

  • «مالية عجمان» تختتم مخيم الحساب الذهني بمشاركة 39 طفلاً ورضا 100%
  • سامح قاسم يكتب: داليدا.. أغنية لا تنتهي
  • منير أديب يكتب: حين تُرك باب المندب رهينةً للحوثي
  • منير أديب يكتب: حين وصلت العقوبات إلى قلب التنظيم الدولي
  • عصام هلال: ثورة 23 يوليو المجيدة جسدت إرادة الشعب المصري في بناء دولة قوية
  • منير أديب يكتب: مسافة الحرب الأخيرة بين واشنطن وطهران
  • الحضري يقود تدريبات حراس منتخب الشباب مؤقتا
  • محمد صالح: ثورة 30 يونيو امتداد للإرادة الوطنية التي عبرت عنها ثورة يوليو
  • انفو..| خصائص وأشكال الحرب الناعمة لتفكيك المجتمعات
  • وزير البيئة: تحديث أنظمة الإدارة يعزز كفاءة المؤسسات الوطنية