التصوير في صنعاء... مهنة تكافح للبقاء
تاريخ النشر: 24th, February 2025 GMT
أتاحت متنزهات العاصمة اليمنية صنعاء والمجسمات والنوافير فرص عمل غير متوقعة للمئات من الشباب العاملين في التصوير، بعد اتساع رقعة البطالة.
فبمجرد افتتاح مجسم أو نافورة جديدة يتزاحم المصورون هناك على المتنزهين عارضين التقاط الصور التذكارية، إذ إن التصوير بكاميرا احترافية على يد مصور متمرس، لا يزال هو المفضل لدى الكثير من الأشخاص رغم وجود الهواتف الذكية، خصوصاً مع قدرة المصورين على الإقناع بجودة عملهم.
ويتهكم وائل وهو عامل سابق في استوديو تصوير شهير في صنعاء، كان أغلق بسبب تبعات الانقلاب الحوثي والحرب بقوله: «أنشأت الجماعة الحوثية كثيراً من المجسمات والنوافير على حساب الخدمات التي حرمت الناس منها، لكنها وفرت لنا من خلالها فرص عمل».
ولجأ وائل للتصوير في الحدائق العامة والمتنزهات مقابل ما يقارب نصف دولار للصورة الواحدة (250 ريالاً حيث تفرض الجماعة الحوثية سعراً ثابتاً للدولار يساوي 534 ريالا)، ويحتاج يومياً لالتقاط 20 صورة على الأقل للحصول على ما يسد أهم نفقاته ونفقات عائلته والادخار منها لبعض الالتزامات الشهرية.
ومع ذلك تفرض الجماعة الحوثية قيوداً مشددة على التصوير والمصورين، إذ أجبرتهم على استصدار تراخيص من قطاع السياحة الذي تسيطر عليه بمبالغ كبيرة، إلى جانب الإتاوات المفروضة من قبل مشرفي الجماعة على المواقع التي يجري فيها التصوير.
قيود وجبايات
تتفاوت تكاليف إصدار ترخيص التصوير في الأماكن العامة بين 20 إلى 30 دولاراً (10 إلى 20 ألف ريال يمني)، وفق إفادة عدد من المصورين، حيث يخضع كل راغب في الحصول على الترخيص لاستجواب حول المنطقة التي سيزاول التصوير فيها.
وإلى جانب ذلك يُسأل الراغب في الحصول على الترخيص عن ثمن الكاميرا التي يحملها والمعدات الأخرى التابعة لها، وتتحكم مزاجية الأفراد المسؤولين عن إصدار التراخيص بالمبالغ التي تفرض على المصورين.
وكان التصوير في الحدائق والمتنزهات قبل الانقلاب الحوثي مهنة يمارسها العديد من المصورين بحرية في عدد من المواقع الهامة والأثرية والمتنزهات والحدائق، دون أي قيود أو شروط أو جبايات.
ويقول وجدي سعيد، وهو اسم مستعار لمصور صحافي سابق، تحول إلى العمل مصوراً في المتنزهات بسبب ممارسات الحوثيين ضد وسائل الإعلام، إن العمل في تصوير المتنزهين تحول إلى مهنة يتسابق الكثير من مالكي الكاميرات على مزاولتها في ظل البطالة الشديدة التي ضربت المجتمع والتضييق على الكثير من القطاعات التي كان المصورون يعملون فيها.
ويوضح سعيد لـ«الشرق الأوسط» أن البطالة ضربت مهنة التصوير بشكل عميق، بداية بما تعرضت له وسائل الإعلام، ولاحقاً المنظمات المحلية والدولية التي تعرضت بدورها لإجراءات تعسفية شملت اختطاف موظفيها واقتحام مقراتها والتحكم بأنشطتها وأعمالها.
ويرى أن الجماعة الحوثية لا تتسامح مع التصوير، ما لم يكن في خدمة مشروعها، ولذلك تسمح بالتصوير بجوار المجسمات التي أنشأتها أو أضرحة قتلاها، للترويج لمشروعها فقط، بينما تمنع تصوير الشوارع والمرافق الحيوية وما تعانيه من إهمال وتردٍّ، وقد تصل عقوبة ذلك إلى السجن والمحاكمة.
مداخيل محدودة
أنشأت الجماعة الحوثية خلال الأعوام الماضية كثيراً من المجسمات والنوافير بتكاليف باهظة تشير إلى حالات فساد ونهب للأموال العامة في ظل أوضاع معيشية معقدة.
ويتحسر المصور باسم في حديثه لـ«الشرق الأوسط» لما يعانيه وعدد من زملائه، إذ لا يحصلون على الكثير من الدخل، بسبب انتشار الهواتف المزودة بكاميرات عالية الجودة من جهة، وزيادة أعداد المصورين الذين يتزاحمون في المتنزهات، إلى جانب ما يجري اقتطاعه منهم كإتاوات.
ويشير إلى أن غالبية المصورين يلجأون إلى العمل لأوقات طويلة تبدأ منذ ساعات الصباح الباكر وحتى ساعات متأخرة من الليل، وخلال ذلك يضطرون إلى التخفي والهروب عند وصول المشرفين الحوثيين، خوفاً من أي إتاوات عشوائية يجري فرضها عليهم، أو معاقبتهم لأي سبب.
ويجبر المصورون على دفع المزيد من المبالغ تحت مسميات مختلفة، وغالباً دون سندات قبض، ومن ذلك، مقابل رسوم صيانة الأماكن العامة وتحسينها، ورسوم التشجير.
وتستغرب فاطمة حمود، وهو اسم مستعار لمصورة تعاني من البطالة بسبب قيود الحوثيين، من حرمان المصورين من تصوير الأماكن العامة، إذ تقتصر التراخيص التي يتم منحها للمصورين على السماح لهم بالتصوير في المتنزهات العامة فقط، ويمنع التصوير في الشوارع، وتشدد العقوبات على من يقوم بتصوير المؤسسات العامة.
وتُمنع النساء، بحسب إيضاحات حمود لـ«الشرق الأوسط»، من مزاولة التصوير في المتنزهات مثل الرجال، ويسمح لهن فقط بتصوير المناسبات النسائية.
وتعاني حمود في كل مرة تصطحب معها كاميرتها لتصوير مناسبة عائلية أو خلال الخروج مع أقاربها للتنزه في المناطق الريفية، حيث تتعرض للاستجواب حول أسباب حملها الكاميرا، وما إذا كانت تملك تصريحاً للتصوير.
ويصل الأمر في كثير من الأوقات إلى تفتيش الكاميرا والاطلاع على الصور التي تحتويها دون مراعاة لأي خصوصية، بحجة الاحتياطات الأمنية والتحقق من عدم مخالفة السياسة العامة للجماعة الحوثية بشأن التصوير.
المصدر
المصدر: الموقع بوست
كلمات دلالية: اليمن صنعاء مهنة التصوير اعلام حقوق الجماعة الحوثیة فی المتنزهات التصویر فی الکثیر من
إقرأ أيضاً:
تهديد الحوثيين للملاحة السعودية.. هل يتجه البحر الأحمر إلى مواجهة عسكرية جديدة؟
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
يشهد البحر الأحمر تصعيدًا جديدًا بعد تهديد جماعة الحوثي باستهداف أي سفينة ترسو في الموانئ السعودية، في خطوة أثارت مخاوف من اتساع دائرة المواجهة إلى أحد أهم الممرات البحرية العالمية.
يأتي هذا التطور في وقت تعتمد فيه التجارة الدولية وأسواق الطاقة على أمن الملاحة في مضيق باب المندب، بينما تتزايد التحذيرات من أن استمرار هذه التهديدات قد يدفع المنطقة إلى مرحلة أكثر تعقيدًا، وفي تقرير تحليلي نشرته صحيفة Arab News، جرى تناول أبعاد التصعيد الحوثي وانعكاساته على السعودية وأمن الملاحة والتوازنات الإقليمية.
تهديد الملاحة السعودية يوسع دائرة المواجهةبحسب التقرير، اضطرت أربع ناقلات نفط خام سعودية إلى تغيير مسارها والعودة، بعد إعلان الحوثيين أن أي سفينة تستخدم الموانئ السعودية قد تصبح هدفًا لهجمات الجماعة في أي منطقة تقع ضمن نطاق عملياتها العسكرية.
وجاء هذا التهديد بعد يوم واحد من إعلان الحوثيين فرض حصار بحري على السعودية، وهو ما رفع مستوى التوتر في مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية التي تربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي.
ويرى التقرير أن هذا التصعيد يمثل تحولًا في طبيعة العمليات الحوثية، إذ لم تعد تقتصر على السفن المرتبطة بإسرائيل، بل امتدت لتشمل حركة التجارة المرتبطة بالسعودية، ما يضع الجماعة في مواجهة مباشرة مع مصالح إقليمية ودولية أوسع.
ونقل التقرير عن محمد الباشا، مؤسس مركز الباشا لتقارير المخاطر في الولايات المتحدة، قوله إن الحوثيين يواصلون استخدام التصعيد العسكري والتهديد بتوسيع الصراع كورقة تفاوضية، معتبرًا أن هذا النهج غيّر الصورة التي سعت الجماعة إلى ترسيخها عن نفسها، ودفعها نحو ممارسات يصفها كثيرون بأنها تقوم على الإكراه واستخدام القوة.
التصعيد يعزز الدعوات للرد العسكريوأوضح التقرير أن التوتر الحالي بدأ بعد استهداف مدرج مطار صنعاء الدولي لمنع هبوط طائرة إيرانية، وفقًا للحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، وهو ما دفع الحوثيين إلى تحميل السعودية مسؤولية العملية وإعلان انتهاء مرحلة خفض التصعيد.
وردت الجماعة بإطلاق صواريخ وطائرات مسيرة باتجاه مطار أبها، في أكبر خرق للهدنة منذ عام 2022، قبل أن تعلن تهديدها للسفن المتجهة إلى الموانئ السعودية.
ورغم أن الحوثيين لم يعلنوا إغلاق باب المندب رسميًا، فإن تهديدهم لحركة السفن أثار مخاوف متزايدة بشأن سلامة أحد أهم طرق التجارة العالمية، خاصة أن نحو 7% من التجارة البحرية الدولية تمر عبر هذا الممر، فيما تعبر نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز عبر مضيقي هرمز وباب المندب.
ويرى محمد الباشا، وفق التقرير، أن هذه الخطوات عززت مواقف الداعين إلى التعامل مع الجماعة عبر الخيار العسكري، مشيرًا إلى أن إغلاق مكاتب منظمات دولية واحتجاز موظفين دبلوماسيين ودوليين أسهم أيضًا في تغيير النظرة إلى الحوثيين داخل المجتمع الدولي.
إدانات دولية وتحذيرات من تهديد الملاحةيشير التقرير إلى أن التحالف الذي تقوده السعودية وصف التهديدات الحوثية بأنها انتهاك للقانون الدولي وأعمال قرصنة بحرية، مؤكدًا استعداده لحماية السفن المرتبطة بالمملكة واتخاذ الإجراءات اللازمة لضمان أمن الملاحة في باب المندب.
كما أكد المتحدث باسم التحالف، اللواء الركن تركي المالكي، أن الحوثيين يتحملون مسؤولية تدهور الأوضاع في اليمن، رافضًا الاتهامات التي وجهتها الجماعة إلى السعودية.
وامتدت الإدانات إلى الإمارات، التي دعت المجتمع الدولي إلى تنفيذ قرارات مجلس الأمن الخاصة باليمن وحرية الملاحة في البحر الأحمر، مؤكدة أن حرية العبور في الممرات الدولية حق تكفله اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار.
كما رفض مجلس التعاون الخليجي، والأمم المتحدة، وعدد من الدول العربية، من بينها الكويت وقطر، التهديدات الحوثية، معتبرين أنها تزيد من تعقيد الوضع الأمني في المنطقة.
يذكّر التقرير بأن المجتمع الدولي سبق أن أدان الهجمات الحوثية على السفن خلال حرب غزة، عندما وصفت الولايات المتحدة وبريطانيا وعدد من الدول تلك الهجمات بأنها غير قانونية وتقوض استقرار الملاحة الدولية.
السعودية ترفع جاهزيتها لحماية البحر الأحمربحسب التقرير، تتعامل الرياض مع التطورات الأخيرة باعتبارها قضية أمن قومي، وليس مجرد امتداد للصراع اليمني، في ظل اعتماد صادراتها النفطية بصورة متزايدة على البحر الأحمر.
ويشير التقرير إلى أن السعودية استثمرت خلال السنوات الماضية في تطوير البنية التحتية وخطوط الأنابيب الممتدة إلى ساحل البحر الأحمر، لتقليل الاعتماد على مضيق هرمز، كما تدرس توسيع خط أنابيب الشرق-الغرب لزيادة كميات النفط المنقولة إلى موانئ البحر الأحمر.
ويرى التقرير أن هذه الاستثمارات قد تمنح الرياض هامشًا أوسع لاتخاذ إجراءات دفاعية أكثر حسمًا إذا استمرت التهديدات، بما في ذلك استهداف منصات إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة والبنية العسكرية المستخدمة في الهجمات البحرية.
ونقل التقرير عن نورمان رول، المسؤول السابق في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، قوله إن تهديدات الحوثيين يجب التعامل معها بجدية، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن الولايات المتحدة تمتلك وجودًا بحريًا قويًا في المنطقة، بالتعاون مع السعودية والدول الأوروبية المشاركة في عملية أسبيدس، بما يتيح حماية الملاحة وتعزيز قدرات إزالة الألغام البحرية.
وأضاف أن الحوثيين عليهم إدراك أن أي تصعيد قد يواجه برد عسكري واسع، سواء من الولايات المتحدة أو السعودية أو حتى إسرائيل، مع استمرار الدعم الإيراني للجماعة.
تغير موازين القوة يرفع احتمالات المواجهةويرى التقرير أن القدرات العسكرية السعودية شهدت تطورًا كبيرًا خلال السنوات الأخيرة، سواء في مجالات الاستخبارات أو الدفاع الجوي أو الضربات الدقيقة أو العمليات السيبرانية.
ونقل عن نواف عبيد، الزميل الأول في كلية كينجز بلندن، قوله إن القوات المشتركة التي تقودها السعودية وصلت إلى مرحلة من "النضج العسكري"، وهو ما يعزز قدرتها على التعامل مع التهديدات بصورة أكثر فاعلية.
ويضيف التقرير أن استمرار الاستفزازات الحوثية قد يدفع الرياض إلى توسيع نطاق عملياتها العسكرية، لتشمل مراكز القيادة والسيطرة وشبكات الدعم اللوجستي التابعة للجماعة، بدلًا من الاكتفاء باستهداف منصات الإطلاق.
ومع ذلك، يشير التقرير إلى أن المسار الدبلوماسي لا يزال قائمًا، وأن تجنب المواجهة المباشرة بين السعودية وإيران يبقى ممكنًا إذا نجحت الجهود السياسية في احتواء التصعيد.
ويرى المراقبون أن تهديد الحوثيين باستهداف السفن المرتبطة بالموانئ السعودية يمثل تحولًا نوعيًا في مسار الأزمة، لأنه ينقل المواجهة من استهداف سفن بعينها إلى تهديد حركة التجارة الإقليمية والدولية.
كما أن اتساع دائرة الإدانات الإقليمية والدولية يعكس تنامي القلق من تأثير أي اضطراب في باب المندب على أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.
ويؤكد المراقبون أن مستقبل التصعيد سيظل مرهونًا بقدرة الأطراف على احتواء الأزمة سياسيًا، في ظل إدراك الجميع أن أي مواجهة واسعة في البحر الأحمر ستكون لها تداعيات تتجاوز حدود اليمن والمنطقة.