د. هيثم مزاحم **

 

يرى المؤرخون المختصون بمنطقة الشرق الأدنى القديم أن الفينيقيين أو الكنعانيين قد هاجروا من شبه الجزيرة العربية بشكل موجات هجرة كبيرة في فترات متباعدة، وقد استندوا في ذلك إلى أمرين، أولًا أوجه الشبه القوية بين اللغات أو اللهجات التي انتشرت في منطقة الهلال الخصيب (بلاد الشام والعراق) وبين اللغة العربية.

والأمر الثاني هو أن صحاري الجزيرة العربية كانت في العصور القديمة مفتوحة على بادية الهلال الخصيب وكانت أراضي الهلال الخصيب تجذب القبائل العربية المتنقلة ومن ثم كانت عاملًا أساسيًا في استقرارها.

وهناك أدلة كثيرة على أن الفينيقيين سكان المدن الساحلية، كانوا يعتبرون أنفسهم كنعانيين ولم يصفوا أنفسهم بالفينيقيين لأن هذه التسمية أطلقها عليهم الإغريق ومن بعدهم الرومان. إن إطلاق اليونانيين تسمية فينيقيين على الكنعانيين بمعنى الرجال الحمر لا يعني بالضرورة أنهم أخذوها عن تسمية الحميريين؛ فالفينيقيون أو الكنعانيون قد سبق وجودهم الحميريين بأكثر من ألفي سنة. يقول جان مازيل في كتابه "تاريخ الحضارة الفينيقية الكنعانية" إن أولى المنازل الحضرية في مدينة جبيل في لبنان تعود لحوالي 3000 سنة قبل الميلاد، وأن فترة "العموريين" القادمين من أقاصي الصحراء السورية ابتدأت فيها حوالي 2000 قبل الميلاد، وهو تاريخ ابتداء الفينيقيين".

ويرى بعض الباحثين أن اتجار الكنعانيين بصباغ الأرجوان ذي اللون الأحمر واحتكارهم لسر إنتاجه قد دفع باليونان لإطلاق تسمية «فونيكي» أي الحمر عليهم.

تقول الباحثة جوزفين كوين، أستاذة التاريخ القديم في كلية ورشيستر بجامعة أوكسفورد في كتابها "في البحث عن الفينيقيين": إن مصطلح "فينيقي" كان وسمًا عامًا ابتكره المؤلفون اليونانيون القدماء وكان يقصدون به بحارة بلاد الشام الذين صادفوهم خلال اكتشافاتهم البحرية. ولكن الكتاب الإغريق لم يستخدموا ذلك المصطلح قط لوصف مجتمع عرقي ثقافي متفرد. يتحدث المؤرخ هيرودوتس في كثير من المواضع عن الفينيقيين بإعجاب كبير، ولكنه لم يكتب قط وصفًا إثنيًا لهم، كما فعل مع المجموعات الأخرى مثل المصريين والإثيوبيين والفرس.

بدأت قصة التفرد العرقي للفينيقيين القدماء مع نشوء القومية اللبنانية مع المسيحيين الموارنة في القرن العشرين في محاولة لتمييز أنفسهم عن العرب والمسلمين، الذين ينتمون بدورهم إلى الكنعانيين، الإسم الحقيقي للفينيقيين.

بدورهم، بحث سكان الجزيرة التي تدعى اليوم بريطانيا العظمى في القرون الوسطى عن أصول قومية بنوعيات إنكليزية وبريطانية. بوشر بالاتجاه الإنكليزي أولًا في القرن الثامن وتم التركيز على ملوك البلاد من الساكسون. بينما تعاظم المنحى البريطاني في القرن الثاني عشر مع أعمال العالم الويلزي جيفري الذي تتبع تاريخه لملوك بريطانيا إلى بروتس الطروادي حفيد حفيد أينياس. وكان جيفري أول مؤلف يكتب تقريرًا مفصلًا لمآثر الملك آرثر الذي هزم غزاة بريطانيا الساكسونيين.

وقد وجدت هذه الأساطير فرصة جديدة للحياة بعد انفصال الملك هنري الثامن عن روما، لأن الكنيسة الكاثوليكية المحلية كانت وثيقة الارتباط مع الساكسون الإنكليز الذين تربعوا على الجزيرة في القرن السادس الميلادي. جعلت الأصول الويلزية لملوك تيودور الرؤية البريطانية الأوسع للأمة جذابة بشكل خاص لتلك الفترة، وكذلك لطموحاتهم الإمبريالية نحو اسكتلندا.

وفي منتصف القرن السادس عشر كتب جون تواين مجلدين باللغة اللاتينية نشرت بعد موته عام 1590 ولم تترجم إلى الإنجليزية قط، ويتحدث فيها عن قضية جديدة مثيرة بشأن جذور بريطانيا. ينقل فيها عن الأباتي فوشي نفيه للأصول الطروادية المزعومة ويعلن أن عرقًا من العمالقة سكنوا الكهوف في الأرض التي منحها اسمه ألبيون. كان الفينيقيون أول أجانب يصلون إلى هذه الجزيرة مدفوعين بالوصول إلى معادن كورنوال. تشمل أدلته على هذا الادعاء الزي البيوني الذي لا تزال بعض النسوة يرتدينه في ويلز إضافة إلى الأكواخ البونية في تلك المنطقة. ويضيف الأباتي أن العادة البريطانية لطلاء الجسم بنبات الوسمة كانت محاولة واضحة من الفينيقيين لاستعادة بعض اللون الذي فقدوه على مدار أجيال من الابتعاد عن الشمس.

من خلال استبعاد الفرضية الطروادية القديمة قدم تواين هوية تاريخية جديدة لسلالة تيودور الجديدة هي الفينيقية ومنحت بريطانيا أسلافًا أكثر بطولة وتحضرًا. فالفينيقيون في زعمه كانوا تجارًا نشأوا في بابل قبل الهجرة إلى العديد من الأراضي القديمة الأخرى، بما في ذلك مصر وإثيوبيا وسوريا واليونان وإسبانيا وأخيرًا وصلوا إلى بريطانيا.

ويتساءل: من أين يأتي الرجال بعادة حلق اللحية باستثناء الشفة العليا إن لم يكن من البابليين؟

ونشر ايليت سامز كتاب "عادات بريطانيا القديمة المشتقة من الفينيقيين" عام 1676 حيث تعززت نظرية سامز حول فينيقية بريطانيا القديمة بالعمل الشهير للعالم الفرنسي صموئيل بوشارت الذي تتبع في "الجغرافية المقدسة" عام 1646 تفرق ذرية نوح عبر العالم. فقد أولى بوشارت اهتمامًا خاصًا بالفينيقيين، مقترحًا أنهم وصلوا إلى بريطانيا وآيرلندا. ادعى سامز أن الفينيقيين استوطنوا في جنوب بريطانيا بينما استعمر السيمبري الألمان الشمال. وكتب سامز أن الفينيقيين تركوا أكبر الأثر ليس فقط اسم بريطانيا وحده ولكن معظم الأماكن هناك ذات الجماعات القديمة اشتُقت من اللسان الفينيقي؛ بل اللغة نفسها إلى حد كبير إضافة إلى العادات والأديان والأصنام والمراتب والأدوات الحربية في بريطانيا القديمة، فهي كلها فينيقية.

وبالنسبة إلى سامز شملت الكلمات البريطانية المشتقة من الفينيقية إسم كورنوال وكلمة بيرة وضم بقاء الثقافة الفينيقية موقع ستونهنغ.

وبالرغم من أن سامز قد ركز على أصول الممالك البريطانية فقد ميّز بشدة بريطانيا عن الأمم الأوروبية الأخرى، وعلى الأخص كان ضد منافستها اللدود فرنسا وشعبها. وبالنسبة إلى سامز ومعاصريه، فقد ارتبط الفرنسيون بشكل وثيق بالرومان. وقد فاقم تحدر البريطانيين المفترض من أعداء روما التقليديين، قرطاجة الفينيقية ذات القوة التجارية البحرية، الفوارق بين الدولتين الحديثتين وعزز تفوق بريطانيا في البحر.

بالنسبة لسامز كانت بريطانيا على الدوام أمة مستقلة بحد ذاتها وينطبق المبدأ ذاته على سكانها الأصليين، فهو أول من وصف الفينيقيين بأنهم أمة ودولة.

ظهرت في آيرلندا نسخة بديلة من القومية الفينيقية. كان معاصر سامز رودريك أوفلاهرتي أول عالم آيرلندي يقترح في عمله عام 1685 أن الفينيقيين شكلوا جزءًا من الأرومة الآيرلندية. أصبحت نظرية أوفلاهرتي في القرن الثامن عشر بأن الفينيقيين أسلاف الآيرلنديين شديدة الرواج بين المفكرين الغال ودعاة التفوق البروتستانتي.

كان تشارلز فالانسي أحد أكثر المتحمسين البروتستانت الذي وصل إلى آيرلندا عام 1756 كمراقب عسكري بريطاني وبقي هناك كآثاري محلي محترم وعضو مؤسس للأكاديمية الآيرلندية الملكية. انصب

اهتمام فالانسي الرئيسي على اللغة الآيرلندية القديمة، حيث أعلن في واحدة من دراساته المطولة أن الآيرلندية القديمة ربما كانت بدرجة كبيرة لغة هاني بعل هاميلكار الفينيقي.

وكما استخدم القوميون البريطانيون الفينيقيين لتمييز أنفسهم عن الفرنسيين الرومان، فإن المناصرين للقومية الآيرلندية استخدموا الماضي الفينيقي لتمييز الآيرلنديين عن البريطانيين الأكثر رومانية. وبهذا المنظور صُوّر الاحتلال البريطاني لآيرلندا كصراع عظيم بين قرطاجة النبيلة المتطورة أي الأيرلنديون- الفينيقيون، والقوة الغوغائية الإمبريالية لروما أي بريطانيا.

وفي الوقت ذاته فإن التلقف الفالانسي للخصوصية الفينيقية في العالم القديم كان ضبابيًا ولم يميزهم بقوة عن

احتفى المفكرون الآيرلنديون بالفينيقيين كمجموعة من الجذور القديمة المركبة والمتداخلة، فقد بجلوا الأسلاف الفينيقيين، ولكنهم لم يسعوا إلى إنشاء أمة فينيقية مستقلة.

** رئيس مركز الدراسات الآسيوية والصينية في لبنان

رابط مختصر

المصدر

المصدر: جريدة الرؤية العمانية

إقرأ أيضاً:

محكمة غزة.. كتاب جديد لجيرمي كوربين يضع بريطانيا في قفص الاتهام

في كتابه الجديد "محكمة غزة: تواطؤ بريطانيا في الإبادة الجماعية"، يضع السياسي البريطاني جيريمي كوربين، إلى جانب الأكاديميَّين نيف غوردون وشهد حمّوري، قضية الدور البريطاني في الحرب على غزة أمام محكمة من نوع مختلف: ليست محكمة دولة ذات اختصاص قضائي، وإنما منصة تحقيق عامة تسعى إلى جمع الشهادات والأدلة وتوجيه سؤال سياسي وقانوني إلى الحكومة البريطانية: إلى أي مدى أسهمت لندن، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في تمكين الجرائم التي ارتُكبت في غزة؟



الكتاب، الصادر عن دار "بليتو بريس" في تموز/يوليو 2026، يقع في نحو 190 صفحة، ويقدّم نفسه بوصفه حصيلة أو امتدادًا لتحقيق علني حمل الاسم نفسه، شارك فيه شهود فلسطينيون، وصحفيون، وعاملون في المجال الإنساني، وخبراء في القانون الدولي، وناشطون في مجال حقوق الإنسان، إلى جانب أصوات من داخل مؤسسات الدولة البريطانية. وتختتم الكتابَ كلمةٌ للكاتبة الأيرلندية سالي روني.

لكن أهمية الكتاب لا تكمن فقط في أسماء المشاركين فيه، ولا في الجدل الذي قد يثيره عنوانه، بل في محاولته نقل النقاش حول غزة من سؤال «ماذا فعلت إسرائيل؟» إلى سؤال آخر لا يقل حساسية: "ماذا فعلت الدول التي قدمت الدعم السياسي والعسكري والدبلوماسي، وما حدود مسؤوليتها القانونية والأخلاقية؟".. وهنا تحديدًا يضع الكتاب بريطانيا تحت المجهر.

من غزة إلى بريطانيا.. تغيير زاوية النظر

منذ اندلاع الحرب على غزة، تركز جانب كبير من النقاش السياسي والإعلامي في الغرب على مسؤولية إسرائيل المباشرة عن العمليات العسكرية، وعلى طبيعة الهجوم الذي شنته حركة حماس في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، وعلى الكارثة الإنسانية التي تلت ذلك.

غير أن "محكمة غزة" يحاول إعادة رسم خريطة المسؤولية. فبدل الاكتفاء بالنظر إلى الفاعل المباشر، ينطلق من سؤال أوسع: هل يمكن فهم الحرب وما نتج عنها من قتل ودمار وتجويع ونزوح من دون فحص شبكة الدعم والتحالفات التي أحاطت بها؟

منذ اندلاع الحرب على غزة، تركز جانب كبير من النقاش السياسي والإعلامي في الغرب على مسؤولية إسرائيل المباشرة عن العمليات العسكرية، وعلى طبيعة الهجوم الذي شنته حركة حماس في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، وعلى الكارثة الإنسانية التي تلت ذلك.في هذه القراءة، لا تظهر بريطانيا باعتبارها طرفًا ثانويًا أو مراقبًا بعيدًا، بل باعتبارها دولة ذات نفوذ سياسي وعسكري واستخباري، وعضوًا دائمًا في مجلس الأمن، وحليفًا تاريخيًا لإسرائيل، وبلدًا يمتلك علاقات وثيقة مع قطاع الصناعات العسكرية الإسرائيلية.

ومن هنا تأتي أطروحة الكتاب الأساسية: أن مسؤولية الدول لا تتوقف عند حدود إصدار الأوامر العسكرية، وإنما قد تمتد إلى الأفعال التي تسهم في تمكين الانتهاكات أو تسهيلها أو توفير الغطاء السياسي لها، إذا توافرت الشروط القانونية التي تجعل من تلك الأفعال أساسًا للمساءلة.

هذه الأطروحة هي التي تمنح الكتاب أهميته، لكنها في الوقت نفسه تجعله كتابًا جدليًا وسياسيًا بامتياز، لا مجرد سرد توثيقي محايد.

"المحكمة" التي ليست محكمة

من المهم التوقف عند طبيعة المشروع نفسه. فـ "محكمة غزة" ليست محكمة دولية رسمية، ولا تتمتع بسلطة إصدار أحكام ملزمة، ولا تمثل جزءًا من منظومة القضاء الدولي. إنها، بحسب القائمين عليها، تحقيق عام مستقل يهدف إلى جمع الأدلة والشهادات حول الدور البريطاني في الحرب على غزة، وإلى الدفع باتجاه تحقيق رسمي من جانب الدولة البريطانية.

وقد انعقدت جلسات المشروع على مدى يومين، وقُسّمت أعمالها إلى أربعة محاور رئيسية: ما الذي حدث في غزة؟ وما المسؤوليات القانونية لبريطانيا؟ وما الدور الذي قامت به بريطانيا؟ وهل أوفت الحكومة البريطانية بالتزاماتها القانونية؟ كما استمعت إلى شهادات فلسطينيين، وأطباء وعاملين في المجال الإنساني، وخبراء في القانون الدولي، وصحفيين، ومبلغين عن مخالفات داخل مؤسسات الدولة.

هذا التفصيل مهم جدًا لفهم الكتاب. فالكتاب لا ينبغي قراءته باعتباره "حكمًا قضائيًا" على بريطانيا، بل باعتباره ملف اتهام سياسيًا وقانونيًا وأخلاقيًا، يسعى مؤلفوه إلى وضعه في المجال العام، تمهيدًا للمطالبة بتحقيق رسمي.

ومن هذه الزاوية، فإن كلمة "محكمة" في العنوان تؤدي وظيفة رمزية: إنها تستدعي فكرة المساءلة، وتقول إن غياب التحقيق الرسمي لا يعني غياب الأسئلة، وإن عدم وجود محكمة تنظر في المسؤولية البريطانية لا يعني أن هذه المسؤولية يجب أن تبقى خارج النقاش.

جيريمي كوربين.. من البرلمان إلى "المحكمة"

وجود جيريمي كوربين في قلب المشروع يمنحه وزنًا سياسيًا واضحًا. كوربين، الذي كان زعيمًا لحزب العمال البريطاني ونائبًا في مجلس العموم، ظل من أبرز الأصوات السياسية البريطانية المناهضة للحرب الإسرائيلية على غزة، وأكثر الشخصيات البرلمانية البريطانية انتقادًا لسياسات حكومة بلاده تجاه إسرائيل.

لكن مشاركة كوربين تحمل أيضًا بعدًا آخر. فهي تعكس، في جانب منها، انتقال قضية غزة من المؤسسات الرسمية التي رفضت إنشاء تحقيق حكومي مستقل إلى فضاء سياسي بديل يسعى إلى خلق ضغط شعبي وإعلامي.

وقد ارتبط المشروع بمحاولة كوربين الدفع باتجاه تحقيق مستقل في الدور البريطاني في الحرب، بما يشمل قضايا مثل تصدير الأسلحة، والعمليات الاستخبارية، واستخدام قواعد بريطانية، والتعاون العسكري مع إسرائيل. ووفق الموقع الرسمي للمشروع، فقد قدم كوربين في مجلس العموم مشروع قانون يدعو إلى إنشاء تحقيق مستقل في مشاركة المملكة المتحدة في العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة، إلا أن الحكومة رفضت إنشاء مثل هذا التحقيق.

وبذلك، فإن الكتاب لا يأتي من فراغ، بل يمثل مرحلة توثيقية وسياسية لمشروع أوسع يريد أن يبقي السؤال مفتوحًا: لماذا لم تُجرَ، حتى الآن، مراجعة مستقلة وشاملة للدور البريطاني؟

نيف غوردون وشهد حمّوري.. حين يدخل القانون الدولي إلى قلب النقاش

إذا كان كوربين يمثل البعد السياسي، فإن مشاركة نيف غوردون وشهد حمّوري تضيف إلى المشروع بعدًا قانونيًا وأكاديميًا.

غوردون أستاذ للقانون الدولي وحقوق الإنسان في جامعة كوين ماري في لندن، بينما تعمل حمّوري في مجال القانون الدولي والنظرية القانونية، وهي أيضًا مستشارة قانونية أولى في مؤسسة "Law for Palestine"، بحسب البيانات التعريفية المنشورة عن الكتاب. وهنا تكمن إحدى أهم نقاط قوة الكتاب: فهو لا يكتفي بتوثيق معاناة الفلسطينيين، بل يحاول ربط تلك المعاناة بسؤال المسؤولية الدولية للدول. فالقانون الدولي لا ينظر فقط إلى الجريمة باعتبارها فعلًا مباشرًا، بل يناقش أيضًا مسؤولية الدول عن المساعدة أو التحريض أو التسهيل في ظروف محددة، فضلًا عن واجبات الدول في منع الجرائم الدولية الخطيرة ومعاقبة مرتكبيها.

"محكمة غزة" ليست محكمة دولية رسمية، ولا تتمتع بسلطة إصدار أحكام ملزمة، ولا تمثل جزءًا من منظومة القضاء الدولي. إنها، بحسب القائمين عليها، تحقيق عام مستقل يهدف إلى جمع الأدلة والشهادات حول الدور البريطاني في الحرب على غزة، وإلى الدفع باتجاه تحقيق رسمي من جانب الدولة البريطانية.وهذا يفتح الباب أمام أسئلة معقدة: هل يمكن لدولة أن تتحمل مسؤولية قانونية بسبب تصدير أسلحة إلى طرف متهم بارتكاب جرائم حرب؟ ما حدود مسؤولية الدولة عندما تكون على علم، أو يُفترض أنها على علم، باحتمال استخدام تلك الأسلحة في انتهاكات جسيمة؟ هل توفير الدعم الاستخباري أو اللوجستي يمكن أن يدخل في نطاق المسؤولية القانونية؟ ما الفرق بين المسؤولية السياسية والمسؤولية القانونية؟ ومتى يتحول الدعم العسكري أو الدبلوماسي من "تحالف سياسي" إلى "مساعدة" يمكن أن تترتب عليها مسؤولية دولية؟

هذه الأسئلة هي قلب الكتاب، وهي أيضًا أكثر أجزائه قابلية للنقاش والجدل.

الشهادات الإنسانية.. غزة كما يراها من عاشها

لا يكتفي الكتاب بالتحليل القانوني والسياسي، بل يعتمد، بحسب التعريف المنشور عنه، على شهادات أصلية من فلسطينيين، وصحفيين، وعاملين في المجال الإنساني، ومدافعين عن حقوق الإنسان، وخبراء قانونيين، ومبلغين عن مخالفات.

هذه الشهادات تؤدي وظيفة مزدوجة. من جهة، تنقل النقاش من مستوى التجريد السياسي إلى مستوى التجربة الإنسانية: المستشفى، والركام، والنزوح، والجوع، وفقدان أفراد الأسرة، وتدمير البنية المدنية. ومن جهة أخرى، تحاول الشهادات أن تجيب عن سؤال أوسع: كيف تتحول القرارات التي تُتخذ في لندن أو واشنطن أو عواصم أخرى إلى واقع يعيشه إنسان في غزة؟

فالسلاح الذي يغادر مصنعًا في بلد ما لا يبقى مجرد قطعة معدنية؛ قد يصبح جزءًا من منظومة عسكرية تُستخدم في مكان آخر. والمعلومة الاستخبارية التي تُجمع عبر وسائل المراقبة قد تتحول إلى عنصر في عملية عسكرية. والموقف الدبلوماسي الذي تتخذه دولة في مجلس الأمن قد يؤثر في قدرة المجتمع الدولي على الضغط. بهذا المعنى، يحاول الكتاب تفكيك المسافة بين صانع القرار البعيد والضحية القريبة.

القضية الأكثر حساسية.. السلاح البريطاني

ربما يكون ملف الأسلحة هو أكثر الملفات إثارة للجدل في النقاش حول المسؤولية البريطانية.
فالكتاب يطرح، في جوهره، سؤالًا عن العلاقة بين مبيعات الأسلحة البريطانية والتعاون الدفاعي مع إسرائيل من جهة، وما يجري في غزة من جهة أخرى.

وتزداد المسألة تعقيدًا بسبب طبيعة صناعة السلاح الحديثة، حيث لا تكون الدولة بالضرورة هي المصنعة لكل منظومة عسكرية كاملة، وإنما قد تنتج مكونات تدخل في سلاح أو طائرة تُستخدم لاحقًا في عمليات عسكرية.

وهنا تظهر قضية طائرات F-35، التي كانت من الملفات التي أثيرت في النقاش العام البريطاني بشأن استمرار توريد بعض المكونات المرتبطة بالبرنامج، حتى في ظل القيود التي فرضتها لندن على بعض تراخيص تصدير الأسلحة إلى إسرائيل. كما طُرحت أسئلة حول ما إذا كانت تلك المكونات يمكن أن تدخل في عمليات عسكرية في غزة.

هذه القضية ليست بسيطة قانونيًا، لأن إثبات المسؤولية يتطلب أكثر من إثبات وجود علاقة تجارية أو عسكرية؛ بل يتطلب بحثًا في طبيعة المعرفة، والنية، والقدرة على التوقع، ونوع المساعدة المقدمة، ومدى ارتباطها بالفعل محل الاتهام.

وهنا تحديدًا تأتي قيمة الكتاب: إنه يحاول نقل النقاش من العبارة السياسية العامة "بريطانيا تدعم إسرائيل" إلى أسئلة أكثر تحديدًا حول ماذا قدمت بريطانيا؟ ومتى؟ وكيف؟ وما الذي كانت تعرفه؟ وما الذي كان يتعين عليها فعله؟

الاستخبارات البريطانية.. الملف الذي يفتح بابًا آخر

من القضايا التي يركز عليها مشروع "محكمة غزة" أيضًا دور الطلعات الاستطلاعية والمراقبة التي تنفذها بريطانيا. فقد أثيرت أسئلة حول رحلات المراقبة التي تنطلق من قاعدة سلاح الجو الملكي البريطاني في أكروتيري بقبرص، وما إذا كانت المعلومات التي يتم جمعها تُستخدم فقط في عمليات البحث عن الأسرى والرهائن، أم يمكن أن تدخل ضمن العمليات العسكرية الأوسع.

هذا الملف حساس للغاية، لأن المعلومات الاستخبارية بطبيعتها لا تظهر دائمًا للعلن، كما أن تحديد كيفية استخدامها يتطلب الوصول إلى وثائق وبيانات رسمية.

لكن مجرد طرح القضية يكشف أحد التحولات المهمة في النقاش حول الحروب الحديثة: لم تعد المسؤولية العسكرية مرتبطة فقط بمن يضغط على الزناد، بل أصبحت تمتد إلى منظومات البيانات والمراقبة والاستهداف والدعم اللوجستي.

ومن هنا يحاول الكتاب مساءلة مفهوم "المشاركة" نفسه: هل المشاركة تعني إرسال جنود إلى الميدان؟ أم يمكن أن تشمل أيضًا توفير المعلومات أو الوسائل أو البنية التحتية التي تجعل العمليات ممكنة؟

"التواطؤ".. كلمة ثقيلة تحتاج إلى تعريف دقيق

عنوان الكتاب نفسه يستخدم كلمة شديدة الحساسية: "التواطؤ". لكن من الضروري التمييز بين استخدام الكلمة في الخطاب السياسي وبين معناها القانوني. ففي المجال السياسي، قد يُقال إن دولة ما "متواطئة" لأنها توفر الدعم السياسي أو العسكري لدولة أخرى. أما في المجال القانوني، فإن المسؤولية عن المساعدة أو الاشتراك في جريمة دولية لها شروط ومعايير أكثر تعقيدًا، ولا يكفي فيها مجرد وجود تحالف سياسي.

وهذا أحد الجوانب التي تجعل الكتاب مادة خصبة للنقاش، لكنه في الوقت ذاته يجعل من الضروري التعامل معه باعتباره طرحًا يسعى إلى إثبات أطروحة محددة، لا باعتباره قرارًا قضائيًا نهائيًا.

فالكتاب يريد أن يقول إن بريطانيا ليست مجرد متفرج، وإن أفعالها تستحق التحقيق. أما إثبات المسؤولية القانونية النهائية، فهو أمر مختلف، ويتطلب إجراءات وأدلة واختصاصًا قضائيًا.
وهذا التمييز لا يقلل من أهمية الكتاب؛ بل ربما يزيدها، لأنه يعيد النقاش إلى مكانه الصحيح: هل ينبغي فتح تحقيق مستقل؟

بين "التحقيق" و"الإدانة".. المساحة التي يريد الكتاب احتلالها

من أكثر الأفكار أهمية في المشروع كله أن الكتاب لا يطالب فقط بإدانة سياسية، وإنما يطالب، في جوهره، بفتح باب التحقيق. وهذا فارق جوهري. فالإدانة تفترض الوصول إلى نتيجة، أما التحقيق فيفترض وجود أسئلة تستحق الإجابة.

وجود جيريمي كوربين في قلب المشروع يمنحه وزنًا سياسيًا واضحًا. كوربين، الذي كان زعيمًا لحزب العمال البريطاني ونائبًا في مجلس العموم، ظل من أبرز الأصوات السياسية البريطانية المناهضة للحرب الإسرائيلية على غزة، وأكثر الشخصيات البرلمانية البريطانية انتقادًا لسياسات حكومة بلاده تجاه إسرائيل.ومن هنا يمكن قراءة "محكمة غزة" بوصفها محاولة لملء الفراغ الذي يرى مؤلفوها أنه نشأ عن غياب تحقيق رسمي شامل في الدور البريطاني. فالكتاب يقول، بصورة غير مباشرة، إن المجتمع البريطاني يحتاج إلى معرفة: ما طبيعة الدعم العسكري الذي قدمته بريطانيا؟ ما الذي قدمته أجهزة الاستخبارات؟ كيف استخدمت القواعد العسكرية البريطانية؟ ما حجم التعاون العسكري؟ ماذا كانت الحكومة تعرف عن طبيعة العمليات الإسرائيلية؟ ما الإجراءات التي اتخذتها لمنع الانتهاكات؟ وهل كانت تلك الإجراءات كافية؟ وهل اتخذت لندن قراراتها على أساس تقييم قانوني مستقل أم على أساس اعتبارات سياسية وتحالفية؟

إنها أسئلة لا يمكن حسمها بمجرد الخطابات السياسية، بل تحتاج إلى وثائق وشهادات وتحقيقات.

سالي روني.. الأدب يدخل على خط القضية

تأتي مشاركة سالي روني في الكتاب من خلال كلمة ختامية، وهو اختيار له دلالة رمزية. فروني ليست خبيرة قانون دولي ولا سياسية، لكنها واحدة من أبرز الأصوات الأدبية الأوروبية التي اتخذت مواقف علنية بشأن فلسطين. وجودها في خاتمة الكتاب يفتح مساحة مختلفة: مساحة الأخلاق والضمير الإنساني.

فالكتاب، رغم طابعه السياسي والقانوني، لا يريد أن يكون مجرد ملف قانوني بارد. إنه يريد أيضًا أن يطرح سؤالًا أخلاقيًا: ماذا يعني أن يشاهد العالم مأساة بهذا الحجم، ثم يواصل التعامل معها من خلال لغة المصالح والتحالفات؟ هنا تصبح الأدبيات والشهادات والوقائع القانونية جزءًا من سؤال واحد: متى يصبح الصمت نفسه موقفًا؟

الكتاب بوصفه "أرشيفًا" للحرب

يصف الناشر الكتاب بأنه يجمع بين كونه سجلًا للأدلة وبين كونه دعوة عاجلة إلى التحقيق والمساءلة.  وهذا ربما يكون أحد أهم أدواره. فالحروب لا تُحسم فقط في الميدان، وإنما تُحسم أيضًا في معركة الذاكرة والتوثيق.

وفي حالة غزة، أصبح التوثيق نفسه ساحة صراع: من يوثق؟ من يروي؟ من يحدد المصطلحات؟ من يملك القدرة على الوصول إلى المعلومات؟ ومن يملك الحق في تفسيرها؟
في هذا السياق، يسعى "محكمة غزة" إلى أن يكون جزءًا من أرشيف مضاد، أي أرشيف لا يكتفي بتوثيق الضحايا، وإنما يحاول أيضًا توثيق قرارات المؤسسات والدول التي، بحسب مؤلفيه، ساهمت في استمرار الحرب أو فشلت في منعها.

وبغض النظر عن الموقف من الاستنتاجات السياسية للكتاب، فإن هذه الوظيفة الأرشيفية قد تصبح ذات قيمة كبيرة مستقبلًا، خصوصًا إذا فتحت الحكومات أو المحاكم أو المؤسسات الدولية تحقيقات رسمية حول أدوار الدول الغربية في الحرب.

ما الذي يميز الكتاب؟

يمكن تلخيص أهم نقاط قوة الكتاب في أربعة عناصر:

أولًا ـ تغيير زاوية السؤال: فهو لا يكتفي بدراسة ما جرى في غزة، بل يدرس أيضًا ما جرى في لندن، وما بينهما من روابط.

ثانيًا ـ الجمع بين الشهادة والقانون والسياسة: فالكتاب لا يقدم القضية من زاوية واحدة، وإنما يربط التجربة الإنسانية بالقواعد القانونية وبصناعة القرار السياسي.

ثالثًا ـ فتح ملف المسؤولية الغربية: في وقت ركز فيه كثير من النقاش العالمي على مسؤولية إسرائيل، يضع الكتاب الدول الداعمة أمام أسئلة مباشرة حول أدوارها.

رابعًا ـ تحويل القضية إلى مطلب مؤسسي: فالغاية النهائية ليست فقط إقناع القارئ بأن بريطانيا أخطأت، بل الدفع نحو تحقيق مستقل يحدد المسؤوليات بناء على الأدلة.

لكن ماذا عن نقاط الضعف؟

مثل أي كتاب سياسي ذي أطروحة واضحة، لا يخلو "محكمة غزة" من نقاط يمكن أن تكون موضع نقد. أبرزها أن المشروع ينطلق من موقف سياسي محدد مسبقًا، وهو ما قد يجعل بعض القراء المتشككين يرونه أقرب إلى ملف اتهام منه إلى تحقيق محايد.

كما أن الاعتماد على مفهوم "التواطؤ" يتطلب قدرًا كبيرًا من الدقة القانونية، لأن المسؤولية السياسية لا تساوي بالضرورة المسؤولية الجنائية أو الدولية.

كذلك، فإن قوة الكتاب ستعتمد، في النهاية، على جودة الأدلة التي يقدمها، وعلى مدى قدرته على التفريق بين الوقائع الثابتة والاستنتاجات التي يخلص إليها المؤلفون.

لكن هذه الملاحظات لا تلغي أهمية الكتاب؛ بل تعني أن قيمته الحقيقية قد تكون في إثارة الأسئلة التي يريد أن تفتح تحقيقات أخرى باب الإجابة عنها.

الكتاب في سياق أوسع ـ أزمة السياسة البريطانية تجاه غزة

لا يمكن قراءة "محكمة غزة" بعيدًا عن التحول الذي شهدته السياسة البريطانية خلال الحرب.
فقد تعرضت الحكومات البريطانية المتعاقبة لضغوط متزايدة من قطاعات واسعة من الرأي العام، ومن منظمات حقوق الإنسان، ومن نشطاء، ومن شخصيات سياسية وأكاديمية، بسبب موقفها من الحرب وعلاقاتها العسكرية والسياسية مع إسرائيل.

بالنسبة للقارئ العربي، قد يبدو الكتاب للوهلة الأولى موجهًا إلى الجمهور البريطاني، لكن أهميته تتجاوز ذلك. فالمسألة الأساسية التي يطرحها ليست بريطانية فقط. إنها تتعلق بمسؤولية الدول التي تقدم الدعم العسكري والسياسي في النزاعات المسلحة.وفي المقابل، دافعت الحكومات البريطانية عن مواقفها باعتبارها قائمة على حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، وعلى ضرورة إطلاق سراح الرهائن، مع اتخاذ إجراءات وتغييرات في سياسة تصدير الأسلحة خلال الحرب.

وبين هذين الموقفين، يأتي الكتاب ليقول إن النقاش لا ينبغي أن يتوقف عند السؤال السياسي: "هل تؤيد إسرائيل أم فلسطين؟" بل يجب أن ينتقل إلى سؤال قانوني ومؤسسي أكثر تحديدًا:
هل التزمت بريطانيا بالتزاماتها بموجب القانون الدولي؟ وهذا التحول في صياغة السؤال مهم للغاية، لأنه يجعل القضية أقل ارتباطًا بالاصطفافات الأيديولوجية وأكثر ارتباطًا بمفهوم المسؤولية.

لماذا هذا الكتاب مهم عربيًا؟

بالنسبة للقارئ العربي، قد يبدو الكتاب للوهلة الأولى موجهًا إلى الجمهور البريطاني، لكن أهميته تتجاوز ذلك. فالمسألة الأساسية التي يطرحها ليست بريطانية فقط. إنها تتعلق بمسؤولية الدول التي تقدم الدعم العسكري والسياسي في النزاعات المسلحة.

وفي العالم العربي، حيث لطالما كان السؤال حول الدور الغربي في الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي حاضرًا بقوة، يقدم الكتاب مادة تساعد على فهم كيف يُعاد تعريف المسؤولية في الحروب الحديثة.

فإذا كانت الدولة لا تشارك بجنودها مباشرة، لكنها توفر السلاح أو المعلومات أو الدعم الدبلوماسي، فهل تبقى خارج دائرة المساءلة؟ هذا السؤال لا يخص بريطانيا وحدها. إنه سؤال يمكن طرحه على دول كثيرة، وفي نزاعات كثيرة، وهو ما يجعل الكتاب يتجاوز الحالة الفلسطينية إلى نقاش أوسع حول النظام الدولي ومسؤولية الدول عن الحروب التي تدعمها.

كتاب في زمن الحرب.. أم وثيقة للمستقبل؟

ربما تكون القيمة الأهم لـ "محكمة غزة" هي أنه يصدر في لحظة لا تزال فيها الأحداث موضع نزاع سياسي وقانوني وإعلامي. وفي مثل هذه اللحظات، غالبًا ما تكون الحقيقة غير مكتملة، والوثائق ناقصة، والروايات متصارعة. لكن التاريخ لا يُكتب فقط بعد انتهاء الحروب. أحيانًا يبدأ توثيقه أثناء وقوعها.

ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى الكتاب باعتباره محاولة لحفظ مجموعة من الشهادات والأسئلة التي قد تعود إليها لجان التحقيق والمؤسسات القضائية والمؤرخون في المستقبل. فالسؤال الذي يطرحه الكتاب قد لا يُحسم بمجرد صدوره، لكنه قد يبقى مفتوحًا لسنوات: ما الذي كانت تعرفه بريطانيا؟ وماذا فعلت؟ وماذا كان بإمكانها أن تفعل ولم تفعله؟

هذه الأسئلة، في نهاية المطاف، هي التي تحدد الفرق بين دولة تراقب حدثًا من الخارج، ودولة قد تكون، بصورة أو بأخرى، جزءًا من منظومة الدعم التي جعلت استمرار الحرب ممكنًا.

خلاصة
"محكمة غزة: تواطؤ بريطانيا في الإبادة الجماعية" ليس كتابًا عن غزة وحدها، ولا عن بريطانيا وحدها. إنه كتاب عن المسؤولية. مسؤولية الدولة التي تبيع السلاح، ومسؤولية الحكومة التي توفر الغطاء السياسي، ومسؤولية الأجهزة التي تقدم المعلومات، ومسؤولية المؤسسات التي تعرف ثم تصمت، ومسؤولية المجتمع الدولي عندما يتحول القانون إلى لغة لا تجد طريقها إلى التطبيق.

لكن الكتاب، في الوقت نفسه، يظل مشروعًا سياسيًا ذا أطروحة واضحة، وليس حكمًا قضائيًا نهائيًا. لذلك فإن أهم ما يمكن أن يفعله هو أن يدفع النقاش من دائرة الاتهامات المتبادلة إلى دائرة الأدلة والتحقيق والمساءلة.

وربما يكون هذا هو الرهان الحقيقي للمؤلفين: ألا تبقى قضية الدور البريطاني في حرب غزة مجرد فصل في سجال سياسي، بل أن تتحول إلى ملف مفتوح يستحق التحقيق الرسمي. ففي نهاية المطاف، لا يطالب الكتاب القارئ فقط بأن يجيب عن سؤال: "من المسؤول؟" بل يضع أمامه سؤالًا أكثر إلحاحًا: "هل نعرف بما يكفي لكي نبدأ التحقيق؟" والإجابة التي يقدمها الكتاب هي: نعم، حان الوقت لفتح الملف.

مقالات مشابهة

  • محكمة غزة.. كتاب جديد لجيرمي كوربين يضع بريطانيا في قفص الاتهام
  • اتفاقية لإنجاز مركب للأعمال وتأهيل المحور التجاري للمدينة القديمة في جهة بني ملال-خنيفرة
  • تقدمت الى محكمة صنعاء القديمة جواهر صويلح بطلب حكم انحصار وراثة
  • إيران تحيّد حزب الله الذي لم يعد مخيفاً!
  • احتجاجات في بريطانيا للمطالبة بوقف تصدير الأسلحة لإسرائيل
  • شمس البارودي: عمر الوحيد من أبنائي الذي أحب مهنة والده حسن يوسف
  • الجيش الأوكراني يحصل على قائد جديد.. من هو الجنرال الذي يراهن عليه زيلينسكي؟
  • بريطانيا تدين استهداف مليشيا الحوثي سفينة سعودية
  • الجار الذي لا يخالط جيرانه
  • إخلاء سبيل المتهم بنشر أخبار كاذبة في مصر القديمة