ما الذي يمكن استخلاصه من ظواهر المواجهات الدائرة، السياسية منها والعسكرية، في عالمنا اليوم؟ كل مواجهة تعني تناقضًا وتضادًا، وهذا التضاد لماذا يأخذ شكل المواجهة والمجابهة بدل الحلول الأخرى الطبيعية؟ لماذا التطرف في المواجهة لإخضاع الآخر والسيطرة عليه بالقوة والعنف؟ هل التطرف هو لغة العصر؟ كيف تحول العالم إلى مسرح مناسب لأنواع ودرجات من التطرف تغذي وتستثير بمجرد ظهورها كل تطرف مضاد؟ كيف نجد في عالمنا اليوم أشكالًا متعددة من خطاب التطرف نجحت، بل وأصبحت وصفة انتخابية معممة، تقود أصحابها إلى تولي زمام السلطة، كما حدث في مناطق مؤثرة من العالم؟ وكل هذا التطرف المعولم ألا يغذي بشكل رئيسي اتجاه العالم بأسره نحو العنف والحرب كنتيجة متوقعة؟
بعد الحرب العالمية الثانية وهزيمة النازية والفاشية في أوروبا لم يكن أحد يتخيل أن اليمين المتطرف سيعود إلى السلطة، بما في ذلك من تبقى من أعضائه، أو أن أحزاب اليمين المتطرفة يمكنها التفكير بالمنافسة في الانتخابات، أو أنها ستحظى بأي شعبية مستقبلية، لكن واقع الحال اليوم أن عددًا لا بأس به من الأحزاب الفائزة في الانتخابات تتبنى بشكل معلن خطاب التطرف، فكيف حدث ذلك؟
هل يمكننا القول إن الحروب الأمريكية العالمية المعلنة التي اتخذت ذريعة الحرب على الإرهاب في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، قد دمغت بداية هذا القرن بآثار لا تمحى، لكنها أدت لنتائج عكسية، ليس أقلها صعود اليمين، وبتعبير آخر فإن الحرب الأمريكية على التطرف والإرهاب بدل أن تقضي على الإرهاب والتطرف قامت بتعميمه.
يبدو اليوم أن تلك الحرب المعلنة على الإرهاب والتطرف، القاعدة آنذاك، أدت إلى تفريخ وتعدد أشكال وجماعات التطرف والإرهاب، وأن أغلب ذلك التفريخ جرى في مناطق احتلتها أمريكا كالعراق مثلًا، حيث جرى تصدير التطرف لكل دول الجوار، وكان النتاج هو استقواء التطرف وتعاظمه، بل وجرى استخدام جماعاته لتدمير النظم السياسية المعارضة للهيمنة الأمريكية والتغوّل الإسرائيلي، كما حدث في سوريا، وفي الوقت نفسه صعد الخطاب المتطرف، وكراهية الأجانب، وصعدت الأحزاب والخطابات المعادية للآخر، خاصة وعلى التحديد الإسلام، وكان هذا الخطاب متوجهًا بالتحديد للتأثير على المراكز ويبدو أنه نجح بطريقة ما في إذكاء التطرف العام.
ما حدث في حرب الولايات المتحدة الأمريكية على الإرهاب هو تهويل حوادث ١١ سبتمبر واتخاذها ذريعة للحرب والتدخل، وما فعلته تلك الحروب الأمريكية أنها دشنت عصر الإرهاب والتطرف، وهذا رأي نعوم تشومسكي في كتابه عن الحدث الصادر في ذلك العام نفسه ٢٠٠١، وهو يقول حرفيًا إن العالم مقبل على عصر الإرهاب، في استشراف دقيق كما هو واضح، لأن ذلك ما حدث في كل مكان، لقد جرت تغذية العصر بمتوالية من التفجيرات التي شملت غالبية المدن الغربية، وحتى العربية بطبيعة الحال، والتي عجّلت في إظهار نتائج الإرهاب وخطره الكامن في توليد التطرف، وإعطاء مشروعية للتطرف المضاد، ولكنه أصبح إرهاب دولة، وأدى لكوارث بشرية واستباحة حدود الدول وإسقاط الأنظمة وتسليمها من بعد للفوضى أو للنظام السابق نفسه كما في أفغانستان، وكأن الغاية لم تكن غير تغذية الإرهاب وزيادة التطرف.
العالم بالنسبة للتطرف هو ساحة معركة، وكل البشر في نظر التطرف هم إما «مع» يجب عليه النصرة، أو «ضد» يجب القضاء والسيطرة عليه، ولا ثالث لهما، عالم من الأبيض والأسود، يجب الانتصار فيه، وكالعادة تستخدم أوهى المبررات والمنطق المختلق لتكوين تلك العقيدة المتطرفة والتي ليست غير منطق الكراهية، لكنها في نظر المتطرف تبيح له القتل وسفك الدماء والنهب والتنكيل بكل من يجابهه، وبالمحصلة يجد التطرف إطارًا يعطيه كل الشرعية والحق لممارسة العنف الكامن داخله، وهو لا يخدم غير بعث التطرف والعنف المضاد، بل هو يقوم عبر استغلال أشباهه في الطرف الآخر، إما عبر استغلال أفعال مشابهة قاموا بها وتهويلها، أو عبر دفعهم للقيام بردات فعل تستدعى المواجهة والمجابهة، و(السحق والمحو)، بهذا الشكل يمنح التطرف نفسه الحق في تعميم الموت، بكافة أشكاله، وفي قهر الخصوم واستفزازهم ودفعهم دفعًا للانتقام، ذلك أن خطاب التطرف عدمي، مغرق في عدميته، وهو بشكله ذاك مهيأ للاستخدام والتلاعب به وجعله دمية في خدمة حتى ألد أعدائه المعلنين، ولا يخدم غاية أكبر غير الدمار.
لكن التطرف ليس دافع البشر والناس العاديين، بل دوافعه خاصة، هي دوافع الحكم والسيطرة والاستحواذ والهيمنة والنفوذ، وهي دوافع تفرضها الطبقات والأنظمة والجماعات المسيطرة فرضًا على الناس، أو تورطهم فيها، بحيث يجد الناس أنفسهم بين خيارين، إما قابيل أو هابيل، إما قاتلًا أو قتيلا.
في أثناء ذلك تخرب البلاد وينهار العمران وتتعطل كافة الأشكال الحضرية للحياة، وينهار السلم الطبيعي بين الناس، فالإنسان بطبيعته أميل للسلم منه للحرب، لكن التطرف يريد تغيير تلك الطبيعة بالقوة وتوجيهها للحرب، بحجة المغانم التي يكسبها، وهي ليست مغانم بقدر ما هي سرقة بالقوة والعنف لممتلكات وثروات الناس وبلدانهم وميراثهم الطبيعي، وهي بالمقاييس العادية حقارة، لكن التطرف بكل صفاقة يجعلها مشروعه وحقًا من حقوقه الطبيعية، بالحرب والعنف.
لا يوجد شيء يستثير التطرف مثل الحرب المشتعلة، لأن اندلاع الحرب يوقد نار العنف داخل الجميع، حتى لو كانوا معتدلين وغير متطرفين، إنها وسيلة التطرف القديمة والتقليدية في جر الجميع للحرب، شاءوا أم أبو، بحيث لا يجد الجميع أمامهم غير مسار القتال والقتل، أو الهزيمة والرضا بالذل، وقبول الاستفزاز والإهانة.
لا يدرك التطرف أنه تعصّب أعمى، لأن لا وقت لديه، ولأن تلك العلة المتأصلة فيه هي التي تجعله ألعوبة في يد من لديه الدهاء والقدرة على استغلاله، فالتطرف مشغول بذاته، وبمعركته، وبتصنيف الناس إلى مع وضد، وهو في اشتعال دائم لا يملك القدرة على أكثر من الاشتعال وإشعال الحرائق ومواصلة التفجيرات، وفي عالمنا اليوم يبدو أن هناك من أصبح بمقدوره الاستفادة والتحكم بهذا الثور الهائج، بل وأن يضع المحراث على ظهره ويقوده للمناطق التي يريد زراعتها بمزيد من التطرف، حتى أصبح التطرف في عصر التقنية وملاكها مصدر دخل ووسيلة تحكم متوفرة فعالة ومضمونة النتائج، يجري تعميمها فكريًا على الافراد عبر أجهزتهم الأثيرة.
إبراهيم سعيد شاعر وكاتب عُماني
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: على الإرهاب ما حدث فی
إقرأ أيضاً:
مصطلح رعاية الإرهاب.. عصا الدول الكبرى وجزرتها
مصطلح إشكالي يشير إلى تقديم دعم منظم ومقصود من قبل دول أو جهات فاعلة لأعمالٍ تصنف بأنها إرهابية، بغرض تحقيق أهداف سياسية أو استراتيجية. ويشمل ذلك التمويل وتوفير الملاذ الآمن والتسليح والتدريب، وصولا إلى الدعم اللوجستي والسياسي الذي يضمن بقاء التنظيمات المسلحة واستمرار نشاطها.
وقد أصبح هذا المفهوم محورا مركزيا في النقاشات المتعلقة بالأمن الدولي، إذ إن هذا النوع من الدعم يضاعف القدرات الذاتية للجماعات المسلحة، ويجعل مكافحتها بالوسائل التقليدية أمرا بالغ الصعوبة. كما أن المفهوم تحول إلى أداة رئيسية في هندسة العقوبات الدبلوماسية والاقتصادية، وبات معيارا حاسما في تقييم الشرعية السياسية للأنظمة وتبرير التدخلات ضدها، وأداة من أدوات الصراع على النفوذ وتصفية الحسابات السياسية.
تاريخيا، برز المفهوم خلال الحرب الباردة لوصف استخدام القوى العظمى جماعات مسلحة لتصفية الحسابات وتوسيع النفوذ، ثم اكتسب مركزية جديدة في سياق الحرب على الإرهاب، حيث استُخدم لتجريم دول بأكملها بوصفها حواضن للإرهاب، وصولاً إلى المنطقة العربية حيث تداخل مع جدل حاد حول التمييز بين رعاية الإرهاب ودعم حركات التحرر الوطني.
يعرّف الإرهاب (Terrorism) في أوسع صوره بأنه استخدام العنف أو التهديد به بغرض تحقيق أهداف سياسية، وقد يُلحق بهذا التعريف شروط أخرى مثل استهداف المدنيين أو ارتكاب أفعال تجرّمها القوانين.
ويمكن تمييز الإرهاب عن العنف السياسي والكفاح المسلح من خلال طبيعة الأهداف والضحايا، حيث يرتكز الإرهاب على الاستهداف المتعمد للمدنيين ولغير المقاتلين بغرض إيصال رسالة سياسية.
وفي المقابل، تشير رعاية الإرهاب إلى تقديم دعم مقصودٍ من دول أو جهات غير حكومية لجماعات مسلحة غير حكومية؛ من أجل تنفيذ تلك الأفعال نيابة عن الدولة، بغية تحقيق مصالحها مع الحفاظ على قدر من الإنكار. ويتجلى ذلك في صور مثل تقديم التمويل والملاذ والتدريب لتنظيمات أخرى، خدمةً لأهداف مشتركة.
إعلانويلحق بهذه التعريفات إشكالية وصف فعل محدد بأنه فعل إرهابي، والتمييز بينه وبين الكفاح المسلح أو المقاومة، خاصة إذا كان هذا الفعل موجها ضد الاحتلال. إذ لا توجد جهة دولية عليا متفق عليها تحدد ما ينطبق وما لا ينطبق عليه هذا الوصف، بل تظل المسألة خاضعة للتوازنات السياسية وحسابات الدول القوية وتأثيرها بحسب مصالحها الاستراتيجية.
أما مصطلح "الدولة الراعية للإرهاب"، فهو مصطلح في القانون الأمريكي والأنظمة القانونية المماثلة، ويعدّ تصنيفا رسميا يطلق على الدول التي يقرر وزير الخارجية -من منظور حكومته- أنها قدمت دعما متكررا لأعمال الإرهاب الدولي، سواء من حيث التمويل أو التدريب والتسليح أو تقديم ملاذ آمن أو غير ذلك، مما يترتب عليه فرض عقوبات اقتصادية صارمة وقيود على التصدير والمساعدات ورفع الحصانة السيادية أمام المحاكم.
وقد فرضت واشنطن -تاريخيا- عقوبات على دول مختلفة بحجة أنها راعية للإرهاب، مثل العراق وإيران والسودان وكوريا الشمالية وكوبا وسوريا وليبيا واليمن الجنوبي. وقد تغيّر وضع بعض هذه الدول في فترات لاحقة بناء على تطور العلاقات السياسية والتسويات الدبلوماسية، حيث أزيل العراق في فترات معينة لغايات الدعم العسكري ثم أعيد، كما سحبت كل من ليبيا والسودان وكوبا من القائمة إثر تفاهمات سياسية محددة.
برز مصطلح رعاية الإرهاب في الأدبيات السياسية والأمنية الغربية خلال سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، لوصف ظاهرة لجوء بعض الحكومات إلى استخدام جماعات مسلحة غير حكومية وكلاء لتحقيق أهدافها. وارتبط هذا المفهوم بديناميكيات الحرب الباردة، حيث نظرت القوى الكبرى -ولا سيما الاتحاد السوفياتي ودول أوروبا الشرقية- إلى هذه التنظيمات بوصفها أداة غير مكلفة لخوض حروب بالوكالة ضد الخصوم، وتوسيع النفوذ في مناطق النزاع دون التورط في مواجهة عسكرية مباشرة.
ومن أبرز الأمثلة المبكرة على هذه الرعاية الدولية، ما أثير بشأن تقديم دول مثل ليبيا الأسلحة والدعم المالي لتنظيمات مثل الجيش الجمهوري الإيرلندي، والدعم السوفياتي لجماعات يسارية في أوروبا، إلى جانب رعاية دول شرق أوسطية لفصائل فلسطينية مسلحة لتصفية خصومات إقليمية.
وانعكس هذا الواقع العملي على نقاشات القانون الدولي، من خلال دفع الفقهاء والمؤسسات الدولية للبحث في كيفية تحميل الدول المسؤولية القانونية عن أفعال فاعلين غير حكوميين، مما أدى إلى تطوير نظريات قانونية معقدة مثل معيار السيطرة الفعالة؛ من أجل ربط الجرائم التي ترتكبها هذه الجماعات بالدول التي تمولها وتوجهها.
وعلى الرغم من عدم وجود تعريف متفق عليه لمفهوم رعاية الإرهاب لأسباب عدة منها إصرار بعض الدول على التمييز بين ما تراه إرهابا وبين ما تراه حركات تحرر وطني، فقد تعاملت اتفاقيات مكافحة تمويل الإرهاب -وعلى رأسها الاتفاقية الدولية لقمع تمويل الإرهاب لعام 1999- مع مسألة مسؤولية الدول بوضوح، عبر إلزامها باتخاذ تدابير لمنع تمويل الأعمال الإجرامية، وتجريم توفير أو جمع الأموال لصالح جهات إرهابية، وتجميد الأصول التابعة لها، مما جعل توفير التمويل شكلا من أشكال رعاية الإرهاب المحظورة.
إعلانوتقع رعاية الإرهاب ضمن التصنيفات القائمة لانتهاكات القانون الإنساني الدولي وحقوق الإنسان، باعتبارها مشاركة في جرائم محظورة، حيث تحظر اتفاقيات جنيف والبروتوكولات الإضافية الملحقة بها استهداف المدنيين ونشر الرعب بينهم، وتعد الدولة الداعمة شريكة في هذه الانتهاكات متى ما ثبت توجيهها للفاعلين.
وتوجد ثغرات متعددة في المسار القانوني لمحاسبة الدول على دعم الإرهاب، منها صعوبة إثبات الارتباط السببي ومعيار السيطرة الفعالة بين الدولة والجماعة المنفذة، بسبب الطبيعة السرية لهذه العلاقات، إلى جانب التسييس واستخدام حق النقض في مجلس الأمن الذي يحول دون فرض عقوبات موحدة على الدول الراعية التي تحظى بحماية قوى كبرى.
تستند البنية القانونية لتصنيف دولة ما بوصفها راعية للإرهاب إلى قوانين تشريعية محددة. فيعتمد النظام الأمريكي مثلا على ثلاثة قوانين رئيسية، هي: القسم 1754(ج) من قانون تفويض الدفاع الوطني (قانون الرقابة على الصادرات)، والقسم 40 من قانون مراقبة تصدير الأسلحة، والقسم 620 (أ) من قانون المساعدات الخارجية لعام 1961.
وتتمثل النتائج القانونية المباشرة المترتبة على هذا التصنيف في أربع فئات رئيسية، تشمل:
فرض قيود على المساعدات الخارجية الأمريكية. حظر الصادرات والمبيعات الدفاعية والأسلحة. فرض ضوابط على صادرات المواد ذات الاستخدام المزدوج. فرض قيود مالية أخرى تمنع قروض المؤسسات الدولية كالبنك الدولي وتسمح لضحايا الإرهاب برفع دعاوى قضائية للحصول على تعويضات مالية.وتصنف الولايات المتحدة الأمريكية أربع دول باعتبارها دولا راعية للإرهاب، أقدمها سوريا (1979) قبل أن يعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عزمه على رفعها من هذه القائمة، ثم إيران (1984)، وكوريا الشمالية (2017)، وكوبا (2021).
وعلى صعيد العلاقات الدولية، يجتذب وصم الدولة الراعية للإرهاب انتباها سلبيا عالميا، يثبط الاستثمار الأجنبي والمساعدات الدولية. كما يعقد هذا التصنيف العلاقات الدبلوماسية ويقيد مرونة السلطة التنفيذية في التفاوض أو تحسين العلاقات الثنائية بسبب الطبيعة الشاملة للعقوبات. ولا يرتبط هذا التصنيف دائما بأدلة قاطعة وواضحة على دعم الإرهاب في الوقت الحاضر، بل يخضع بشكل كبير لاعتبارات جيوسياسية وتوجّهات السياسة الخارجية.
ولضمان التزام المجتمع الدولي، تستخدم العقوبات الثانوية للضغط على دول وشركات أخرى للامتثال لهذا التصنيف الأحادي، حيث تفعّل قوانين تعاقب الأفراد والكيانات والدول الثالثة التي تمارس أعمالا تجارية أو مالية مع الدولة المصنَّفة، مما يجبر المؤسسات المالية الدولية والشركات الأجنبية على مقاطعة تلك الدول حتى تتجنب التعرض للغرامات أو الحرمان من الوصول إلى الأسواق.
يمثل غياب تعريف دولي شامل ومتفق عليه لمفهوم الإرهاب ورعايته مشكلة قانونية. وفي هذا السياق، تجادل دراسة الباحث آري ويل (Ari Weil) المعنونة "تحديات تعريف الإرهاب في القانون الدولي" بأن هذا الغياب يترك فراغا قانونيا، ويجعل المفهوم خاضعا للأهواء، مؤكدا أن هذا الفراغ يسمح للدول بتوظيف المصطلح سياسيا لخدمة مصالحها وتجريم خصومها.
ويبرز نقد آخر يتعلق بالتداخل المعقد بين مفهوم رعاية الإرهاب ومفاهيم المقاومة والكفاح المسلح. وتوضح أطروحة الباحث عبد الجبار مكاوي حول "المسؤولية الجنائية الدولية عن جرائم الإرهاب الدولي" أن دولا عديدة تصر على التفريق بين الأعمال الإجرامية وبين حق الشعوب في مقاومة الاحتلال والسيطرة الاستعمارية. وقد خلق هذا التداخل جدلا عميقا حول مسألة الشرعية، وهو ذات الخلاف الدبلوماسي الذي أدى إلى شلل مفاوضات الاتفاقية الشاملة للإرهاب في الأمم المتحدة، حيث تتباين المواقف إزاء ما إذا كان دعم حركات التحرر يعتبر واجبا مشروعا أم رعاية للإرهاب.
إعلانومن أوجه الانتقاد الأخرى ظاهرة التركيز الانتقائي على حالات معينة من العنف وتصنيفها إرهابا برعاية دول، مع تجاهل حالات مشابهة ترتكبها دول أخرى. ويذهب هذا النقد إلى أن التركيز يُسلّط دائما على الفاعلين من غير الدول أو الدول المارقة، بينما يتم التغاضي عن إرهاب الدولة المباشر أو العنف الذي تمارسه القوى الكبرى، مما يجعل التصنيف أداة في يد الأقوى بدلا من كونه معيارا قانونيا محايدا.
كما أن التصنيفات الأحادية -مثل القائمة الأمريكية للدول الراعية للإرهاب- كانت هي الأخرى محل نقد، فهذه القوائم أدوات للسياسة الخارجية والمناورة الجيوسياسية، وليست تقييمات موضوعية. وتطرح دراسة "القائمة السوداء كسياسة خارجية" المنشورة في مجلة ديوك القانونية مشكلة إدراج الدول وخضوعها لخلافات سياسية واستخدامها أوراق ضغط أو مساومة، مشيرة إلى غياب المعيار الموحد في عملية التصنيف.
وتتضح هذه الانتقائية بشكل جلي عند مقارنة دول متهمة رسميا ومدرجة في القوائم بدول أخرى مستبعدة رغم دعمها لجماعات مسلحة. ويشير الباحث بول بيلار إلى حالة كوبا التي اعتبر بقاؤها في القائمة مرتبطا بالسياسة الداخلية الأمريكية، وحالة العراق الذي سحب من القائمة في الثمانينيات لتسليحه ضد إيران ثم أعيد إليها لاحقا. ويقارن الباحث ذلك بدول حليفة، مثل باكستان أو السعودية، التي استبعدت من التصنيف تماما رغم تقارير توثق تقديمها دعما لوجستيا أو تمويليا لجماعات مسلحة، مما يثبت تباين المعايير.
كما يوجد في الأدبيات أيضا نقد يشكك في فعالية رعاية الإرهاب وفرض العقوبات، وأثرها الفعلي، بين الحكومات والأنظمة التي قد تجد طرقا متعددة للالتفاف على هذه العقوبات والقيود، وبين الشعوب التي تكون هي من يتجرع تداعيات هذه العقوبات، بما يؤدي إلى إطالة أمد المعاناة، وتقويض العدالة بدلا من الحد من العنف.