ماذا قال صحفيو غزة بعد استهداف الاحتلال خيمتهم في خان يونس؟
تاريخ النشر: 12th, April 2025 GMT
غزة- لم تمهل الغارات الإسرائيلية الصحفي عبد الرؤوف شعت أكثر من غفوة مُدتها 10 دقائق، قبل أن يدك صاروخ آخر خيمة ملاصقة لخيمته بالقرب من مستشفى ناصر في مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة.
حمل شعت كاميرته وانطلق مسرعا ليوّثق حدث الاستهداف، لكنه صُدم بصورة لم يتوقع أن يكون في كادرها جسد صديقه الصحفي أحمد منصور، تنهشه نار الغارة وهو جالس على كرسيه بخيمته.
تجمّد شعت في مكانه بُرهة حتى استوعب ما رأى، ورغم ذلك فلم يسمح للصراع بين واجبي المهنة والإنسانية أن يدوم طويلا، فألقى كاميرته جانبا واندفع لإنقاذ صديقه. يقول شعث للجزيرة نت "لم أتردد للحظة، ولم أفكر إلا بشيء واحد: لو كنتُ مكانه ماذا سأحتاج؟ واندفعت على هذا الأساس".
مشهد الحرقومباشرة، أزاح شعث ما كان أمام زميله ليسحبه من بين النار التي أخذت تلتهم جسده، ويضيف "لم أُفلح بسحبه بداية، إذ كان وهج النيران شديدا جدا، لكني لم آبه لشيء والتففت من زاوية أخرى، وحاولت مجددا لكني لم أتمكن من إنقاذه".
ثم جرى برفقة زملائه نحو الخيام المجاورة وجمعوا زجاجات مياه الشرب وأخمدوا النار وغطوا جسد زميلهم منصور وأخرجوه.
وفي الأثناء، وبعد جهد كبير بذله شعث متجاهلا قساوة المشهد، سقط مغشيا عليه، واحترقت يده التي بقيت شاهدة على موقفه "البطولي" الذي أشاد به رواد منصات التواصل الاجتماعي.
إعلانيقول شعت "لم أقم إلا بواجبي الأخلاقي والإنساني، لكنّي لن أتخطى ما رأيت، فصورة زميلي وهو يحترق تحاصرني حتى في منامي ولا تغيب عني".
ورغم المشهد المُفزع الذي عاشه شعت، فإنه ومع بزوغ الفجر عاد لحمل الكاميرا ووثق جنازة زملائه ووداعهم، وتعهد بأن يكمل ما بدؤوه، ويتابع "لم ينته الوجع، فمشهد التفاف أولاد أحمد منصور الثلاثة حول جثمانه وانهيارهم وزوجته خلال وداعه لم يكن أهون علينا، هذا الفقد الذي نُمنى به، هو وقودنا لنستمر بفضح جرائم الاحتلال الإسرائيلي".
بملامح صارمة يعتريها الألم، يحمل الصحفي أنس الشريف هاتفه ويتصفح مشاهد احتراق زميله ومشاهد وداع أطفاله له، وبينما هو كذلك، باغتته رسالة صوتية من طفلته شام التي لم يرها منذ استئناف الحرب قبل أقل من شهر، تقول فيها "بابا اشتقتلك، إنت مطوّل ؟!".
يعيد أنس سماع التسجيل مرارا ويفضح شوقه عيناه، كما بكل مرة يسمع فيها صوت أطفاله وهم يطلبون منه الرجوع إليهم، ويُعجزه أن يشرح لهم أن سبب غيابه هو خوفه عليهم بأن يطالهم الأذى، فتهديدات الاحتلال لأنس ليتوقف عن التغطية ما زالت مستمرة.
وهو حتى الآن لا يزال يتعرض لتحريض وتشويه إسرائيلي متعمد، لكنه لا يكترث، ويقول للجزيرة نت "لو كنتُ خائفا حقا لاختفيت عن الشاشة وتوقفت عن التغطية، وإن كان من خوف لدي فهو على أطفالي وعائلتي أن يصابوا بأذى".
ولا يبدو العمل تحت التهديد هيّنا على أنس، ولا ينفي أنه يمر بلحظات من الضعف واليأس حين يرى زملاءه يستشهدون تباعا، لكنه في الوقت ذاته، يرى أن ذلك يزيد العبء عليه بإكمال ما انتهى أصدقاؤه إليه من نشر الحقيقة وفضح جرائم الاحتلال الذي يتعمد منع كل الوفود الصحفية الأجنبية دخول غزة، كي "يستفرد بسرديته مغيّبا الرواية الفلسطينية عن المشهد".
إعلانويقول أنس "نحن آخر قلاع غزة وصمودنا بالميدان هو بقاء للصورة رغم انعدام رجع الصدى، لن نيأس وسنستمر حتى آخر رمق، علّ نقلنا لمشهد أو صورة يكون سببا بتحرك العالم".
وبعد اللقاء، تجهّز أنس للظهور المباشر عبر قناة الجزيرة، وبينما هو كذلك التف حوله حشد من الناس يصافحونه كبطل عنيد ينقل صوتهم غير آبه بالتهديد، ويدعونه للانتباه لنفسه، وسط خوف يملأ أعينهم.
خوف مشروع يقابله صراعات داخلية يعيشها الصحفيون خاصة من لديهم عائلات، وتقول الصحفية ربا العجرمي وهي أم لـ4 أطفال، للجزيرة نت "هذه حرب مجنونة لا خطوط حمراء للاحتلال فيها، ولا حصانة فيها لصحفي أو امرأة، مما يضاعف مخاوف عائلتي علي".
ورغم ذلك، تؤمن العجرمي بعدم إمكانية وقفها التغطية بأي حال، وتقول "مع رحيل كل زميل صحفي نشعر بغياب جزء من التغطية فيزيد الحمل على الصحفيين الآخرين"، وتضيف "أعتبر أن طريقة الثأر الوحيدة من الاحتلال على قتل الصحفيين هو تحديه والاستمرار بنقل الحقيقة". وتؤمن بأن جانبا "عقائديا" لديها بأن الأقدار والآجال مكتوبة منذ الأزل، يمنحها إيمانا بأن توقفها عن العمل ووجودها بالمنزل لن يحميها من الموت.
ووجهت الصحفية "عتبا" للنقابات الصحفية ومؤسسات حماية الصحفيين التي "تركتهم وحيدين" في الميدان، وتقول "حتى الحد الأدنى من تأمين الصحفيين بتوفير معدات السلامة المهنية لم يقدموها، فدروعنا فارغة مهترئة منتهية الصلاحية لا تقي الصحفي من أي شظية يمكن أن تصيبه".
وبينما أغلقت والدة الصحفية العجرمي أمامها الباب بعد اغتيال زميلها إسماعيل الغول ومنعتها من الخروج خوفا عليها، فإن والدة الصحفي يوسف فارس تحفظ مواعيد ظهوره المباشر، وتتصل لتطمئن عليه عقب ذلك للتأكد من وصوله المنزل.
إعلانويقول يوسف للجزيرة نت "تسألني ابنتاي التوأم دائما عن تفاصيل لا أمتلك لها جوابا، لماذا يُقتل أصدقاؤك؟!".
سؤال لا يملك يوسف ولا أصدقاؤه إجابة له، سوى أن شهية إسرائيل مفتوحة لقتل الشهود ليكتمل ليل جريمتها بغزة، مما يضعه وزملاءه أمام التزام أخلاقي بضرورة الاستمرار، ويضيف يوسف "لم يعد هناك ما نخاف خسارته سوى احترامنا لقراراتنا، وقراري كان أن لا يموت أهلي في الظلام، وأن لا تتم الجريمة في العتمة".
ويعتقد يوسف أن التراجع عن أداء "الرسالة السامية" للصحفيين يعطي الاحتلال شعورا بالزهو والإنجاز حين يرى أنه حقق بالموت أهدافه، مضيفا "نحن حين نستمر لا نبطل فعالية أدوات المجرم فقط، لكننا نواصل ترسيخ حضورنا الذي لا يرجوه عدونا".
التمسك بالبقاء في الميدان، يقابله ضريبة ثقيلة دفعها منذ بداية الحرب أكثر من 211 صحفيا غزيا بدمائهم، التي تبرر إسرائيل سفكها تحت ذرائع واهية دون حساب، في جرائم مركبة يراها العالم مباشرة، ورغم فظاعتها لا يتجاوز صداها سوى ساعات من النعي وبيان من الإدانة وبضعة منشورات على الصفحات الافتراضية.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: حريات للجزیرة نت
إقرأ أيضاً:
ماذا خسرت أمريكا بعد وفاة من كان يحدثها عن الإسلام؟
"يتهم الكثيرون أمريكا ‘الإمبريالية’ بأنها استخدمت في كثير من الأحيان قوتها العسكرية والسياسية الساحقة، بشكل أحادي الجانب، وبشكل غير متناسب وعشوائي. ونتيجة لذلك، لا يُنظر إلى الحرب ضد الإرهاب العالمي في جميع أنحاء العالم الإسلامي على أنها حرب ضد المتطرفين والإرهابيين، بل حرب ضد الإسلام والعالم الإسلامي".
هل يبدو هذا مألوفا؟ هل هو وثيق الصلة بالموضوع؟ هل جاء في الوقت المناسب؟ الجواب هو كل ما سبق. هذه هي كلمات جون إسبوزيتو في عام 2004، كما وردت في مقدمته لأحد كتبي "الإسلام السياسي العابر للحدود الوطنية: الدين والأيديولوجيا والسلطة".
لم يكتف جون إسبوزيتو بدراسة الإسلام فحسب، بل أمضى أكثر من 5 عقود في دراسة العلاقة بين الإسلام والخيال الأمريكي.
وبذلك، أصبح أحد أبرز المفكرين في عصرنا ليس لأنه سعى إلى الشهرة السياسية، بل لأن السياسة دفعت أبحاثه مرارا وتكرارا إلى قلب النقاشات الأكثر إثارة للجدل في أمريكا.
ويشكل رحيله في 15 يوليو/تموز 2026 خسارة لأحد أبرز العلماء المتخصصين في الإسلام والعلاقات بين المسلمين والمسيحيين في العالم.
ومع ذلك، فإن تذكره كمجرد أكاديمي متميز يعني تجاهل الأهمية الأعمق لعمله طوال حياته.
تغير مساره الفكري بشكل جذري خلال سبعينيات القرن الماضي، متأثرا بلقاءاته مع علماء مسلمين -ولا سيما إسماعيل راجي الفاروقي- وبالاعتراف المتزايد بأن الإسلام كان في طريقه ليصبح أحد أقل الأديان فهما، لكنه في الوقت نفسه ذو تأثير متزايد في الشؤون العالمية
تطورت مسيرة إسبوزيتو الأكاديمية بالتوازي مع بعض اللحظات السياسية الحاسمة في التاريخ الأمريكي الحديث: الثورة الإيرانية، وأزمة الرهائن، وحروب الخليج، وهجمات 11 سبتمبر/أيلول و"الحرب على الإرهاب"، وصعود تنظيم الدولة، وظهور الإسلاموفوبيا كقوة مؤثرة في السياسة الأمريكية.
إعلانشكل كل حدث تحديا للأمريكيين لفهم الإسلام، وفي كل مرة، كان جون إسبوزيتو يصر على أن الفهم يجب أن يسبق الحكم.
في نواح عديدة، أصبحت مسيرته المهنية انعكاسا حيا للتطور السياسي للولايات المتحدة نفسها.
لم تبدأ رحلة إسبوزيتو الأكاديمية بدراسة الإسلام، فقد تلقى تدريبه كمؤرخ للأديان، وحصل على درجة الدكتوراه في تاريخ الأديان من جامعة تمبل بعد دراسات سابقة في اللاهوت.
وبصفته كاثوليكيا طوال حياته، تناول الدين في البداية من خلال الدراسة المقارنة للأنظمة العقائدية بدلا من الالتزام بأي مجال معين من مجالات الدراسات الإسلامية.
وتغير مساره الفكري بشكل جذري خلال سبعينيات القرن الماضي، متأثرا بلقاءاته مع علماء مسلمين -ولا سيما إسماعيل راجي الفاروقي- وبالاعتراف المتزايد بأن الإسلام كان في طريقه ليصبح أحد أقل الأديان فهما، لكنه في الوقت نفسه ذو تأثير متزايد في الشؤون العالمية.
في وقت كانت فيه العديد من الجامعات الغربية لا تزال تعامل الإسلام كموضوع هامشي ضمن الدراسات الشرقية، أدرك إسبوزيتو أن ثاني أكبر دين في العالم يتطلب نهجا أكاديميا مختلفا.
وبدلا من النظر إلى الإسلام من منظور التاريخ الاستعماري أو التنافس الجيوسياسي، سعى إلى فهم المسلمين باعتبارهم مشاركين في الحياة السياسية والاجتماعية والفكرية الحديثة.
أحدثت الثورة الإيرانية عام 1979 تغييرا جذريا في تصورات الأمريكيين عن الإسلام، فقد أدت صور آية الله الخميني، والاستيلاء على السفارة الأمريكية في طهران، وأزمة الرهائن التي طال أمدها، إلى ربط الإسلام بالتطرف السياسي في المخيلة العامة الأمريكية
وقد دأبت أبحاثه على التأكيد على أن الإسلام ليس أثرا تاريخيا ولا حضارة متجانسة، بل تقليدا حيا متنوعا داخليا، يستجيب أتباعه لنفس قوى الحداثة والعولمة والتغيير السياسي التي تستجيب لها أي جماعة دينية أخرى.
وقد شكلت تلك القناعة مسار حياته المهنية.
ومع ذلك، لم تكن الأبحاث الأكاديمية وحدها هي التي شكلت الرؤية الفكرية لإسبوزيتو، بل كانت أمريكا نفسها.
تبدو قائمة مؤلفاته وكأنها تاريخ بديل للسياسة الأمريكية على مدار نصف القرن الماضي.
ومع تغير العلاقة بين الولايات المتحدة والعالم الإسلامي بفعل الأحداث السياسية، عاد إسبوزيتو مرارا وتكرارا إلى الساحة العامة، مقدما أبحاثه كترياق للخوف.
أحدثت الثورة الإيرانية عام 1979 تغييرا جذريا في تصورات الأمريكيين عن الإسلام، فقد أدت صور آية الله الخميني، والاستيلاء على السفارة الأمريكية في طهران، وأزمة الرهائن التي طال أمدها، إلى ربط الإسلام بالتطرف السياسي في المخيلة العامة الأمريكية.
وفجأة، بدأ الكثير من الأمريكيين ينظرون إلى دين يتبعه أكثر من مليار شخص من منظور الثورة والمشاعر المعادية للغرب في المقام الأول.
قاوم إسبوزيتو هذا التبسيط منذ البداية.
وبدلا من استبعاد الإسلام السياسي باعتباره تعصبا غير عقلاني، أصر على أن النهضة الدينية يجب فهمها في سياقاتها التاريخية والسياسية والاجتماعية.
وعلى غرار لاهوت التحرير في أمريكا اللاتينية أو اليمين المسيحي في الولايات المتحدة، عكست الحركات السياسية الإسلامية استجابات معقدة للتحديث والحكم والهوية، وليست مجرد تعصب ديني.
إعلانوأصبح هذا الإصرار على التعقيد السمة المميزة لأبحاثه.
مع تغير العلاقة بين الولايات المتحدة والعالم الإسلامي بفعل الأحداث السياسية، عاد إسبوزيتو مرارا وتكرارا إلى الساحة العامة، مقدما أبحاثه كترياق للخوف
طوال الثمانينيات وأوائل التسعينيات، نشر إسبوزيتو سلسلة من الأعمال التي تدرس النهضة الإسلامية دون تجميلها.
فقد أقر بوجود الاستبداد حيثما وجد، وانتقد التطرف الديني حيثما ظهر، وحلل الإسلام السياسي دون اختزاله في العنف.
وتحدى عمله كلا من الروايات التبريرية التي كانت تثمن المجتمعات الإسلامية بشكل مثالي، والروايات الجدلية التي صورت الإسلام على أنه متعارض بطبيعته مع الديمقراطية.
كان هذا الالتزام بالتفاصيل الدقيقة هو ما توج بما يمكن اعتباره الآن أحد أكثر كتبه استشرافا للمستقبل.
في عام 1992، نشر إسبوزيتو كتاب "التهديد الإسلامي: أسطورة أم حقيقة؟"، وقد جسد العنوان بحد ذاته السؤال المركزي الذي واجه الغرب بعد الحرب الباردة.
ومع زوال الشيوعية كخصم أيديولوجي رئيسي لأمريكا، بدأ العديد من المعلقين في تصوير الإسلام بشكل متزايد على أنه التهديد العالمي الكبير التالي.
رد إسبوزيتو على هذا الادعاء بالوضوح الذي يميزه.
فقد جادل بأن الخطر الحقيقي لا يكمن في الإسلام نفسه، بل في معاملة 1.5 مليار مسلم ككيان سياسي واحد.
فالإسلام يضم ديمقراطيين ودكتاتوريين، وإصلاحيين ومحافظين، وعلمانيين وإحيائيين. والحديث عن "الإسلام" كما لو كان يمتلك أجندة سياسية واحدة ليس عملا علميا، بل هو تشويه للحقائق.
لكن التاريخ كان له رأي آخر.
في عام 1992، نشر إسبوزيتو كتاب "التهديد الإسلامي: أسطورة أم حقيقة؟"، وقد جسد العنوان بحد ذاته السؤال المركزي الذي واجه الغرب بعد الحرب الباردة
بعد عام واحد فقط، نشر صامويل هنتنغتون مقالته المؤثرة "صراع الحضارات؟"، التي تم توسيعها لاحقا لتصبح الكتاب الأكثر مبيعا "صراع الحضارات وإعادة تشكيل النظام العالمي".
جادل هنتنغتون بأن الصراعات المستقبلية ستدور بشكل متزايد بين الحضارات، مع احتلال الإسلام مكانة مركزية في المواجهة العالمية.
لم يكن من الممكن أن يكون التباين بين الكتابين أكثر حدة من ذلك.
فبينما ركز هنتنغتون على الكتل الحضارية، ركز إسبوزيتو على التنوع الداخلي.
وبينما توقع هنتنغتون صراعا ثقافيا لا مفر منه، سلط إسبوزيتو الضوء على الظروف السياسية والاقتصادية والتاريخية.
وبينما اكتسبت أطروحة هنتنغتون تأثيرا ملحوظا بين صانعي السياسات والمعلقين، لا سيما بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول، أمضى إسبوزيتو معظم ربع القرن التالي في توضيح الأسباب التي تجعل مثل هذه الروايات الحضارية الشاملة تحجب الحقائق أكثر مما تفسرها.
ومن المثير للاهتمام للغاية أن أطروحة هنتنغتون لا تزال تلقى صدى أقوى بكثير في المخيلة الغربية، وبشكل متزايد، مقارنة بما واصل إسبوزيتو القيام به.
أحدثت هجمات 11 سبتمبر/أيلول تحولا في كل من أمريكا، والدور العام لإسبوزيتو.
فجأة تقريبا، تحولت الأسئلة التي كانت تشغل المتخصصين في الدراسات الدينية إلى مسائل تتعلق بالأمن القومي.
ودخل الإسلام الخطاب السياسي اليومي بكثافة غير مسبوقة، غالبا ما كان مصحوبا بالشك تجاه المجتمعات المسلمة نفسها.
بالنسبة للعديد من الباحثين، شجعت هذه الأجواء على توخي الحذر. أما بالنسبة لإسبوزيتو، فقد تطلبت هذه الأجواء الانخراط الفعال.
فقد ظهر بشكل متكرر في وسائل الإعلام، وقدم المشورة للحكومات والمؤسسات الدولية، وكتب كتبا سهلة الفهم لجمهور أوسع، وأسس "مركز الأمير الوليد بن طلال للتفاهم بين المسلمين والمسيحيين" في جامعة جورج تاون.
كان يؤمن بأن العمل الأكاديمي ينطوي على مسؤوليات عامة، خاصة عندما يهدد سوء الفهم بأن يتحول إلى سياسة عامة.
بينما اكتسبت أطروحة هنتنغتون تأثيرا ملحوظا بين صانعي السياسات والمعلقين، لا سيما بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول، أمضى إسبوزيتو معظم ربع القرن التالي في توضيح الأسباب التي تجعل مثل هذه الروايات الحضارية الشاملة تحجب الحقائق أكثر مما تفسرها
عمله بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول تحدى -باستمرار- جنوح كثيرين إلى مساواة أفعال المتطرفين العنيفين بمعتقدات تقاليد دينية بأكملها.
إعلانورفض فكرة أن الإرهاب يمكن تفسيره باللاهوت وحده، مجادلا بدلا من ذلك بأن المظالم السياسية، وفشل الحوكمة، والتدخل الأجنبي، والإقصاء الاجتماعي، والتلاعب الأيديولوجي، كلها عوامل ساهمت في التطرف العنيف.
كان للدين أهميته، لكنه لم يكن أبدا بمعزل عن العوامل الأخرى.
غالبا ما وضعته هذه الحجج في خلاف مع التيارات السياسية السائدة، وخلال الفترات التي أصبح فيها الخوف من الإسلام أمرا ملائما سياسيا، واصل إسبوزيتو الدفاع عن الأدلة بدلا من الأيديولوجيا، وعن التعقيد بدلا من التبسيط، وعن البحث العلمي بدلا من الشعارات.
ولهذا السبب بالذات، أصبح المسلمون في جميع أنحاء العالم -والمسلمون الأمريكيون على وجه الخصوص- يكنون له احتراما استثنائيا.
ولم يكن إعجابهم به قائما أبدا على مجرد حقيقة أنه كتب عن الإسلام بروح متعاطفة.
في الواقع، لم يكن إسبوزيتو مدافعا غير ناقد، فقد كتب بصراحة عن الحكومات الاستبدادية، وانتقد التطرف الديني، واعترف بالانقسامات الداخلية داخل المجتمعات الإسلامية، وأصر على أنه لا ينبغي إعفاء أي دين من التدقيق العلمي.
ما أدركه المسلمون بدلا من ذلك كان شيئا أكثر غرابة بكثير، فقد عاملهم كبشر كاملين.
لم يغرب المجتمعات المسلمة ولم يعاملها من منظور أمني، ورفض اختزال المسلمين إلى مجرد مشتبه بهم دائمين في السياسة العالمية، أو تقديم الإسلام كتفسير ثابت لكل حدث سياسي يتعلق بالمجتمعات ذات الأغلبية المسلمة.
كان يستمع قبل أن يفسر، وكان يميز بين الدين واستغلاله سياسيا.
والأهم من ذلك، كان يؤمن بأن المسلمين يستحقون أن يمثلوا وفقا لنفس المعايير الفكرية المطبقة على كل تقاليد دينية أخرى.
بعد أحداث 11 سبتمبر، أعطت كتبه العديد من الطلاب المسلمين تجربة مطمئنة، حيث رأوا أنفسهم موصوفين ليس كمشاكل يجب حلها ولا كصور نمطية يجب الخوف منها، بل كمشاركين في القصة المعقدة والمتطورة للتعددية الأمريكية
بالنسبة للمسلمين الأمريكيين، الذين غالبا ما تغيرت حياتهم بعد أحداث 11 سبتمبر وتشكلت في المراقبة والشكوك والمطالبات المستمرة بإثبات ولائهم، لم تمثل أبحاث إسبوزيتو مجرد تميز أكاديمي فحسب، بل منحتهم الكرامة.
أعطت كتبه العديد من الطلاب المسلمين تجربة مطمئنة، حيث رأوا أنفسهم موصوفين ليس كمشاكل يجب حلها ولا كصور نمطية يجب الخوف منها، بل كمشاركين في القصة المعقدة والمتطورة للتعددية الأمريكية.
قد تثبت هذه المساهمة في نهاية المطاف أنها أكثر ديمومة من أي منشور فردي.
وبالنظر إلى الوراء عبر 5 عقود، نرى أن مسيرة إسبوزيتو تعكس العلاقة المتغيرة بين أمريكا والإسلام نفسه.
عندما كانت أمريكا تخشى الثورة، كان يشرح إيران.
وعندما كانت أمريكا تخشى الإسلام السياسي، كان يشرح الحركات الإسلامية.
وعندما كانت أمريكا تخشى المسلمين بعد 11 سبتمبر، كان يشرح المسلمين.
وعندما دخلت رهاب الإسلام (الإسلاموفوبيا) إلى الخطاب السياسي السائد، كان يوثق التحيز بينما يواصل الدفاع عن مبادئ البحث العلمي الدقيق.
وعندما تم تهميش بعض المسلمين في مؤسساتهم بسبب هويتهم وما كانوا يعملون من أجله، تدخل للدفاع عنهم ودعمهم والوقوف إلى جانب عملهم، وأقول هذا من تجربة شخصية.
تذكرنا حياة جون إسبوزيتو بأن الجامعات ليست مجرد مستودعات للمعرفة، ففي أفضل حالاتها، تنتج مواطنين قادرين على مقاومة إغراءات اليقين.
إن وفاته تمثل أكثر من مجرد خسارة لباحث بارز في الإسلام، إنها تمثل خسارة لضمير فكري كانت أعماله تذكر أمريكا باستمرار بأن الخوف بديل رديء عن المعرفة، وأنه لا يمكن لأي ديمقراطية أن تزدهر إذا سمحت للروايات السياسية بأن تحجب الحقيقة التاريخية، وإذا أصبحت المجالات العامة حصرية وتمييزية
في عصر يتسم بشكل متزايد بالاستقطاب الأيديولوجي، أظهر جون إسبوزيتو أن البحث العلمي بحد ذاته يمكن أن يصبح شكلا من أشكال الخدمة العامة.
وربما يكون هذا هو أعظم إرثه.
قبل وقت طويل من أن يصبح التنوع موضة، وقبل وقت طويل من دخول الحوار بين الأديان إلى قاموس المؤسسات، كان إسبوزيتو يؤمن بأن فهم تقاليد الآخرين يتطلب تواضعا فكريا بدلا من الثقة الحضارية.
وقد أظهر أن البحث العلمي الحقيقي لا يقضي على الخلاف، بل يجعل الخلاف أكثر صدقا، وأكثر استنارة، وأكثر إنسانية في نهاية المطاف.
لذلك، فإن وفاته تمثل أكثر من مجرد خسارة لباحث بارز في الإسلام، إنها تمثل خسارة لضمير فكري كانت أعماله تذكر أمريكا باستمرار بأن الخوف بديل رديء عن المعرفة، وأنه لا يمكن لأي ديمقراطية أن تزدهر إذا سمحت للروايات السياسية بأن تحجب الحقيقة التاريخية، وإذا أصبحت المجالات العامة حصرية وتمييزية.
إعلانعندما نتذكر جون إسبوزيتو، فإننا نتذكر باحثا اختار الفهم على الأيديولوجيا، والتعقيد على الشعارات، والحوار على الانقسام.
في لحظة تبدو فيها تلك الفضائل هشة بشكل متزايد، لا تقدم حياته إرثا أكاديميا فحسب، بل إرثا مدنيا أيضا.
قليلون هم الباحثون الذين يصبحون خداما للشعب دون أن يسعوا أبدا إلى تولي منصب عام، وهذا بالضبط ما فعله جون إسبوزيتو.
وبما أنني أتذكر مدى سرعة استجابته لطلباتي من وقته، وحكمته، ودعمه في العديد من المنتديات العامة التي عقدتها على مر السنين، آمل أن يلهم إرثه المزيد من الأكاديميين اليوم ليظهروا الشجاعة للدخول في النقاشات العامة بنفس النزاهة الفكرية التي أظهرها إسبوزيتو.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
aj-logoaj-logoaj-logo إعلان من نحنمن نحناعرض المزيدمن نحنالأحكام والشروطسياسة الخصوصيةسياسة ملفات تعريف الارتباطتفضيلات ملفات تعريف الارتباطبيان إمكانية الوصولخريطة الموقعتواصل معناتواصل معنااعرض المزيدتواصل معنااحصل على المساعدةأعلن معناابق على اتصالالنشرات البريديةرابط بديلترددات البثبيانات صحفيةشبكتناشبكتنااعرض المزيدمركز الجزيرة للدراساتمعهد الجزيرة للإعلامتعلم العربيةمركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسانقنواتناقنواتنااعرض المزيدالجزيرة الإخباريةالجزيرة الإنجليزيالجزيرة مباشرالجزيرة الوثائقيةالجزيرة البلقانعربي AJ+تابع الجزيرة على:
facebooktwitteryoutubeinstagram-colored-outlinersswhatsapptelegramtiktok-colored-outline