ما أبرز مقومات إنعاش الصناعة في سوريا بعد تدمير الحرب بنيتها التحتية؟
تاريخ النشر: 20th, April 2025 GMT
تواجه الصناعة في سوريا خلال المرحلة الراهنة صعوبات وتحديات جراء تدمير البنية التحتية والعقوبات الاقتصادية والانكماش العام في الاقتصاد، لكن مع تشكيل الحكومة الجديدة ثمة نافذة أمل لإعادة بناء هذا القطاع الحيوي، وفق خبراء.
ولدى سوريا مقومات صناعية متنوعة، مما جعلها تاريخيا دولة ذات قاعدة صناعية قوية، خاصة في المجالات التحويلية والنسيجية والغذائية، وعلى الرغم من الدمار والضعف الذي أصاب القطاع فإنه لا تزال ثمة مقدرات تشكل الركيزة الأساسية لإعادة النهوض بالقطاع مستقبلا.
ومن المقرر أن تضطلع الحكومة السورية بمسؤولية إعادة إحياء الصناعة السورية وتعزيز دورها في الاقتصاد الوطني عبر اعتماد سياسات اقتصادية متكاملة تستند إلى رؤية إستراتيجية تستطيع أن تستثمر في المقومات الموجودة، وتؤسس بيئة صناعية جاذبة للمستثمرين المحليين والدوليين.
الكهرباءتعاني سوريا من أزمة كهرباء خانقة لم تكن وليدة الحرب، بل هي استمرار لأزمة تمتد لعقود لم تصل خلالها إلى الاكتفاء الذاتي، وقد شكّل انهيار البنية التحتية لقطاع الكهرباء السبب المباشر في تراجع الإنتاج بعد تدمير أكثر من 30 محطة طاقة في البلاد وتعرّض ما لا يقل عن 40% من خطوط الجهد العالي في البلاد للتلف.
إعلانيضاف ذلك إلى نقص الوقود اللازم لتشغيل المحطات (الفيول) الذي يشغّل المحطات الحرارية، والعقوبات الدولية، ولا سيما على قطاع الطاقة والقطاع المالي، مما زاد حدة الأزمة.
ويقول الباحث مناف قومان المتخصص في الشأن الاقتصادي السوري بمركز عمران للدراسات في إسطنبول إن تسعيرة الكهرباء تشكل عائقا رئيسيا أمام استقرار الصناعة.
ويشير قومان للجزيرة نت إلى أن سعر الكيلوواط في الساعة للمصانع في حلب يبلغ 27 سنتا أميركيا، وهو أعلى من متوسط سعره في الدول القريبة والمناطق المحيطة، مثل مصر التي يباع الكيلوواط فيها للصناعيين بـ5 سنتات، وتركيا بـ8 سنتات، أما في مناطق شمال حلب وإدلب (مناطق المعارضة سابقا) فيبلغ 12 سنتا.
ويقول قومان إن مدينة الشيخ نجار الصناعية (في محافظة حلب) -والتي تضم نحو 960 منشأة عاملة- تعاني من نقص في الإمداد الكهربائي، إذ تحتاج إلى 120 ميغاواطا يوميا، في حين لا يتجاوز المتاح 80 ميغاواطا، كما تعاني المصانع من ارتفاع تكلفة الفيول الذي وصل سعر الطن منه إلى 630 دولارا، بالإضافة إلى عدم توافره طوال الوقت، مما يؤدي إلى استمرار مشكلة الطاقة.
غياب الاستقرار النقديويرى قومان أن التقلبات الحادة في سعر صرف الليرة أمام الدولار أحد أبرز التحديات التي تواجه الصناعيين في سوريا، فالتذبذب الكبير في سعر الصرف يعرقل التخطيط المالي ويزيد صعوبة اتخاذ قرارات الإنتاج، مما يخلق حالة من عدم اليقين المالي.
وتؤثر هذه التقلبات على هيكل الأجور والرواتب مباشرة، فيصعب على أصحاب المصانع تحديد مستويات دخل ثابتة للعاملين، مما أدى إلى اضطرابات في حساباتهم، ودفع العديد منهم إلى فصل عمال بشكل كامل أو مؤقت إلى حين استقرار سعر الصرف.
من جانب آخر، تشير تقارير إلى أن تقييد عمليات السحب النقدي أمام أصحاب المصانع ضمن السياسة النقدية الحالية أضعف قدرتهم على توفير السيولة اللازمة لتشغيل مصانعهم ودفع رواتب العمال.
إعلانويرى قومان أن الصناعيين الذين يعتمدون على استيراد المواد الخام يواجهون صعوبات في تحديد الأسعار النهائية لمنتجاتهم وتقدير التكاليف التشغيلية إثر تقلّب سعر صرف الليرة مقابل الدولار، مما يضعف قدرتهم على المنافسة في السوق المحلية والخارجية.
بنية مدمرةوشهدت سوريا دمارا واسعا في البنية التحتية، إذ تم تخريب 4626 كيلومترا من الطرق و51 جسرا و66 برج اتصالات و72 محطة مياه، فضلا عن تدمير شبكات صرف صحي بطول 7393 كيلومترا.
وحسب تقرير نشرته منصة الطاقة المتخصصة، تضرر ما يزيد على 50% من البنية التحتية لمنظومة الطاقة الخاصة بإنتاج النفط والغاز.
وتعرضت الموانئ السورية -خاصة ميناء اللاذقية (غربي البلاد)- لأضرار مادية نتيجة الهجمات الإسرائيلية المتكررة في ديسمبر/كانون الأول 2021، مما أدى إلى حرائق وأضرار مادية جسيمة.
ويقول الباحث عبد العظيم المغربل إن عدم جاهزية البنية التحتية يؤخر عملية تطور القطاع الصناعي، فما زالت الموانئ والطرقات تقلل مرونة عمليات الاستيراد والتصدير.
العقوبات الاقتصاديةويضيف المغربل للجزيرة نت أن الصناعة السورية تواجه واقعا صعبا ومليئا بالتحديات التي تعيق نموها وتعافيها بشكل واضح، إذ تشكل العقوبات الاقتصادية المفروضة على سوريا من قبل دول عدة أحد أبرز هذه التحديات وأشدها تأثيرا.
ويؤكد المغربل أن العقوبات تسببت في تقييد حركة التجارة الخارجية وعرقلة استيراد المعدات الصناعية اللازمة للإنتاج، كما حدت من قدرة المصانع السورية على تسويق منتجاتها في الأسواق الخارجية.
ويضاف إلى ذلك ضعف كبير في البنية التحتية الصناعية، خاصة في قطاعات الطاقة والكهرباء والنقل، مما أدى إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج وتراجع تنافسية المنتج السوري محليا وخارجيا.
مقومات الصناعةتمتلك سوريا المقومات اللازمة لإعادة تنشيط القطاع الصناعي البلاد، وتشمل:
1- الموارد الطبيعية المحلية
تشكل الموارد الطبيعية مصدرا رئيسيا لإيرادات الدولة، وقد تساهم في تأمين المواد الخام اللازمة للقطاعات الصناعية إذا ما رُفعت عنها العقوبات.
إعلانويعد النفط أبرز موارد الدولة، إذ بلغت الاحتياطيات السورية المؤكدة بحسب مجلة الطاقة الأميركية نحو 2.5 مليار برميل.
كما يشكل الفوسفات أهم الموارد، إذ تقدّر احتياطيات الدولة بنحو 1.8 مليار طن حسب الأرقام الصادرة عن شركة الفوسفات والمناجم السورية، وكانت البلاد تنتج نحو 3.5 ملايين طن من الفوسفات سنويا، مما يجعلها أحد أكبر منتجي الفوسفات في العالم.
2- الموقع الجغرافي
سوريا في موقع جغرافي يسمح لها بأن تكون عقدة لطرق التجارة الدولية البرية والبحرية، فهي تعد حلقة الوصل بين قارتي آسيا وأوروبا وبين أسواق الخليج العربي وتركيا ودول الاتحاد الأوروبي، وهذا الموقع يوفر للبلاد المرونة والسهولة للوصول إلى الأسواق الدولية المنتجة والمستهلكة.
3- الأراضي الزراعية
حسب دراسة منشورة في مركز كارنيغي تبلغ مساحة سوريا 18.5 مليون هكتار، وتشكل المساحة القابلة للزراعة ومساحة الغابات نحو 6.5 ملايين هكتار، وهو ما يشكل 32.8% من المساحة الإجمالية للبلاد، ويشتغل في الزراعة أكثر من 20% من السوريين، وتزرع الحبوب والخضار والفواكه والزيتون والقطن.
لكن القطاع يواجه تحديات تمويلية، وحسب منظمة الأغذية والزراعة (فاو)، فإن تقديرات التكلفة المبدئية لاعادة تهيئة القطاع الزراعي تصل إلى ما بين 10.7 مليارات دولار و17.1 مليارا.
1- قطاع الصناعة الغذائية
تمتلك سوريا وفرة متنوعة من السلع زراعية تسمح لها بالتوسع في صناعات تعتمد على تحويل المحاصيل الزراعية الأساسية إلى منتجات غذائية، ويشير عبد العظيم المغربل إلى أن قطاع الزراعة في سوريا سيكون له دور في تنشيط العمل الصناعي، ولا سيما المتعلق بمنتجات القمح.
2- قطاع الصناعة النسيجية
عُرفت سوريا تاريخيا بالصناعات النسيجية المتعلقة بصناعة الأقمشة والسجاد والملابس الجاهزة والمنسوجات التراثية التقليدية.
ويشير المغربل إلى أن إعادة إحياء هذا القطاع الحيوي من خلال إدخال تكنولوجيا حديثة وتوفير تسهيلات حكومية وتشجيعات استثمارية سيساهمان في زيادة فرص العمل وإعادة فتح الأسواق التي كانت في السابق تفضل المنتج السوري بسبب جودته العالية وأسعاره المنافسة.
إعلان3- الصناعة الدوائية
أشار بحث منشور للباحثة مدى سليم في مركز روبرت شومان للدراسات العليا في الجامعة الأوروبية بفلورنسا الإيطالية تحت عنوان "صناعة الأدوية في سوريا بين التحديات والتداعيات" إلى أن قطاع الصناعات الدوائية كان من أبرز المجالات التي كانت تشهد تطورا في البلاد.
وأكدت الدراسة أن الصناعات الدوائية وفرت على البلاد ملايين الدولارات بدلا من استيراد الأدوية من الخارج.
وشكلت صناعة الأدوية أحد أهم استثمارات قطاع التصنيع الخاص في العقد الأول من القرن الحالي، وقد وظفت هذه الصناعة أكثر من 17 ألف وظيفة، وصدّرت بقيمة 210 ملايين دولار سنويا، وبذلك تعد سوريا ثاني أكبر مصدّر عربي للأدوية بعد الأردن.
ويرى قومان أن حل مشكلة توفير الكهرباء أهم ما يواجه الحكومة السورية، ويقترح أن تعيد الحكومة تسعير الكيلوواط بعد دراسة تكاليف الإنتاج والتوزيع بناء على التكلفة الفعلية، على أن تكون تكلفة الكيلوواط نحو 10 سنتات، والعمل على تثبيت السعر بالدولار لفترة مؤقتة إلى أن يستقر سعر صرف الليرة أمام الدولار.
ويوصي قومان الحكومة السورية بالاعتماد على الطاقة الشمسية في إنتاج الكهرباء كحل لتوفير الكهرباء وخفض التكلفة.
ويؤكد المغربل على أهمية اصلاح القطاع المصرفي، وتحسين كفاءة البنوك الحكومية والخاصة، وتقديم قروض ميسرة للصناعيين، إضافة إلى تطوير أنظمة الدفع الإلكتروني.
أما قومان فيرى أن ثمة ضرورة لمراجعة الاتفاقيات التجارية مع دول الجوار وإعادة تقييمها لضمان عدالتها وعدم الإضرار بالصناعة الوطنية، وتصميم برنامج لدعم الصناعات المحلية لمدة ما بين 3 و5 سنوات عبر إعفاءات ضريبية أو منح حكومية حتى تتمكن من منافسة المنتجات المستوردة، بعد وضع قائمة بالقطاعات أو المنتجات الأكثر تأثرا.
إعلانويشير المغربل إلى ضرورة تحديث المعدات والآلات وتوفير بيئة تشريعية مستقرة ورفع العقوبات المفروضة على البلاد، كما يمكن الاستفادة من التجارب الإقليمية الناجحة مثل تركيا.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: حريات البنیة التحتیة فی سوریا إلى أن
إقرأ أيضاً:
أمريكا تستورد زيت الوقود العراقي عبر سوريا للمرة الأولى
بدأت الولايات المتحدة استيراد شحنات من زيت الوقود العراقي عبر سوريا للمرة الأولى، في خطوة تعكس توسع العراق في استخدام مسارات تصدير بديلة عبر البحر المتوسط، بعد الاضطرابات التي شهدتها الملاحة في الخليج خلال الحرب على إيران.
وأظهرت بيانات شركة كبلر ومصادر مطلعة أن ثلاث ناقلات من طراز "أفراماكس" حملت شحنات من زيت الوقود من ميناء بانياس السوري بين يونيو/حزيران الماضي ويوليو/تموز الجاري، لتتجه إلى ساحل الخليج الأمريكي، بعد نقل الوقود العراقي بالشاحنات عبر الحدود إلى سوريا.
اقرأ أيضا list of 3 itemslist 1 of 3العراق يوقع 48 اتفاقية مع شركات أمريكية بقيمة 60 مليار دولارlist 2 of 3العراق يرفع إنتاج ثلاثة حقول نفطية مع تعافي الصادراتlist 3 of 3العراق يستهدف إنتاج 7 ملايين برميل نفط يوميا خلال 3 سنواتend of listويأتي هذا المسار ضمن جهود العراق لتنويع منافذ تصدير منتجاته النفطية وتقليل الاعتماد على مضيق هرمز، الذي أدى تعطله في وقت سابق من العام إلى إرباك حركة تجارة النفط والوقود في المنطقة.
وأظهرت بيانات كبلر أن الناقلة "أون باشن" غادرت ميناء بانياس في 17 يونيو/حزيران محملة بنحو 716.6 ألف برميل من زيت الوقود، جرى تفريغ جزء منها في جزر الباهاما، على أن تصل الكمية المتبقية إلى ولاية تكساس لاحقا.
كما حملت الناقلة "نيسوس كريستينا" نحو 288.5 ألف برميل وغادرت الميناء في الثامن من يوليو/تموز، ومن المقرر أن تفرغ حمولتها على ساحل الخليج الأمريكي مطلع أغسطس/آب، فيما نقلت الناقلة "غرين ووريور" نحو 414.4 ألف برميل، ويتوقع وصولها إلى الولايات المتحدة خلال الأسبوع الثالث من أغسطس/آب.
تنويع المساراتوقالت مصادر مطلعة إن جميع الشحنات عبارة عن زيت وقود عراقي نقل برا إلى سوريا قبل إعادة تصديره عبر ميناء بانياس، مشيرة إلى أن هذه أول شحنات من سوريا تتجه إلى الولايات المتحدة على الإطلاق.
وأضاف مهندس في ميناء بانياس أن سوريا لم تصدر النفط الخام أو المنتجات النفطية منذ سنوات، باستثناء شحنة واحدة في سبتمبر/أيلول 2025، مؤكدا أن جميع الشحنات الحالية من الميناء تقتصر على زيت الوقود العراقي.
إعلانوكانت الشركة السورية للبترول قد ذكرت في يونيو/حزيران أن ميناء بانياس يشحن ناقلة واحدة من زيت الوقود العراقي كل سبعة إلى عشرة أيام منذ إطلاق مسار إعادة التصدير الجديد مطلع مايو/أيار، بدعم من نحو 900 شاحنة وقود تفرغ حمولتها يوميا.
كما أظهرت بيانات مجموعة بورصات لندن أن شحنات زيت الوقود العراقي المعاد تصديرها عبر بانياس وصلت أيضا إلى عملاء في إسبانيا ومصر.
وكانت رويترز قد أفادت الشهر الماضي بأن العراق يعتزم توسيع هذا المسار ليشمل تصدير النفط الخام والنافثا عبر سوريا، بعدما دفع تعطل الملاحة عبر مضيق هرمز بغداد إلى البحث عن بدائل لتصدير منتجاتها النفطية.
وقال مسؤولون عراقيون وسوريون إن بغداد تعتزم الإبقاء على استخدام الممر السوري حتى بعد عودة الملاحة عبر هرمز إلى طبيعتها، ضمن استراتيجية تستهدف تنويع طرق التصدير وتعزيز مرونة الإمدادات.
من جانبه، قال مات سميث، رئيس أبحاث السلع الأولية في شركة كبلر، إن الولايات المتحدة تسعى إلى سد فجوة الإمدادات التي نتجت عن اضطرابات تدفقات الوقود من منطقة الخليج، في وقت كثف فيه ميناء بانياس صادراته من زيت الوقود خلال الأشهر الأخيرة.
وأضاف أن هذه الشحنات تعكس استمرار إعادة تشكيل مسارات تجارة الطاقة الإقليمية بعد اضطرابات الشحن في الخليج، مع اعتماد العراق بصورة متزايدة على الميناء السوري للوصول إلى أسواق أوروبا وأفريقيا، والآن أمريكا الشمالية.