القدس المحتلة- غصّت قاعة المركز الجماهيري في مدينة باقة الغربية، داخل أراضي الـ48، أمس الخميس، بالحشود التي توافدت لمشاهدة الفيلم الوثائقي "الحاكم العسكري"، الذي سلط الضوء على واحدة من أكثر الفترات قسوة في حياة الفلسطينيين الذين بقوا في أرضهم بعد نكبة 1948.

عقب النكبة، وجد نحو 156 ألف فلسطيني في الجليل، والمثلث، والنقب، والمدن الساحلية الفلسطينية، أنفسهم تحت سلطة حكم عسكري صارم اعتمد على أنظمة الطوارئ البريطانية لعام 1945، وقوانين انتدابية وإسرائيلية لاحقة، جُيّرت لإدارة شؤون السكان العرب، لكن بشكل قمعي ومراقَب.

فلسطينيون أثناء مشاهدة فيلم "الحاكم العسكري" في قاعة المركز الجماهيري بمدينة باقة الغربية (الجزيرة) شهادات مؤلمة

وقُسمت المناطق التي شملها الحكم إلى 3 إدارات عسكرية مغلقة:

منطقة الشمال (الجليل). المنطقة الوسطى (المثلث الصغير)، والتي كانت على تخوم الحدود مع الأردن وتضم نحو 30 قرية. المنطقة الجنوبية (النقب).

بحلول عام 1968، وبعد حرب يونيو/حزيران 1967 واحتلال إسرائيل للضفة الغربية وغزة والجولان، أُحيلت صلاحيات الحكم العسكري إلى الشرطة وجهاز الأمن الداخلي "الشاباك"، بإشراف من قيادة الأركان الإسرائيلية.

إعلان

الفيلم الوثائقي الذي أخرجته دانييل إلبيلغ، وهي حفيدة الحاكم العسكري نفسه تسفي إلبيلغ، استعرض خلال 76 دقيقة مشاهد أرشيفية نادرة، وشهادات ممن عاشوا المرحلة، ما أضفى بعدا إنسانيا وشخصيا على الرواية.

ركز العمل على الفترة التي كان فيها تسفي مسؤولا عن مناطق باقة الغربية، والطيبة، والطيرة، وكشف عن العلاقة المعقّدة والمشحونة بين السكان العرب والسلطة العسكرية. وشكل نافذة على واقع الحكم العسكري الإسرائيلي الذي فُرض على المواطنين العرب في الداخل الفلسطيني حتى نهاية عام 1968.

ورصد الفيلم إفادات حية وشهادات مؤلمة لأشخاص عايشوا تلك الحقبة، وصفوا فيها المعاناة اليومية تحت الحكم العسكري، حيث كان تنقّل الناس محظورا إلا بتصاريح، وكان فرض حظر التجول والاعتقالات الإدارية والمحاكمات العسكرية، من أبرز أدوات القمع.

كما شملت القيود التضييق على التعليم والعمل السياسي والتنظيمي والحزبي، وإهمالًا متعمدا للبنى التحتية، إضافة إلى حرمان الفلاحين الفلسطينيين من الوصول إلى أراضيهم ومصادِر المياه، مما عطل سبل معيشتهم بشكل ممنهج.

فيلم "الحاكم العسكري" يروي ما عايشه الفلسطينيون خلال النكبة (الجزيرة) شهادات مؤثرة

في كلمتها الافتتاحية لعرض الفيلم، تحدثت مخرجته عن دوافعها ومشاعرها خلال إخراج العمل، وقالت "منذ اللحظة الأولى التي قررت فيها خوض هذا المشروع، كنت مدركة أنني أدخل إلى منطقة شديدة الحساسية والتعقيد، ليس فقط من منظور سياسي أو تاريخي، بل من جانب شخصي عميق أيضا".

وجدت دانييل نفسها بين روايتين متناقضتين، واحدة نشأت في ظلها داخل بيتها حيث الحاكم العسكري كان شخصية عائلية مألوفة، ورواية السكان الفلسطينيين الذين عايشوا الحكم العسكري بكل قسوته، ولا تزال ذاكرتهم مثقلة بالألم والظلم.

وتوضح أن هدفها لم يكن تقديم إجابات جاهزة أو حسم الروايات، بل محاولة طرح أسئلة صادقة حول مفاهيم عميقة مثل الذاكرة، والهوية، والماضي المشترك الذي يربط بين من كان في موقع القوة ومن عانى من قسوتها. وتضيف "أردت أن أستمع، أن أقترب أكثر من تلك الحكايات المغيّبة، وأن أفتح مجالا لرواية قد لا تكون حصلت على فرصتها الكاملة لتُروى، أو لتُفهم كما ينبغي".

إعلان

في شهادة مؤثرة أدلى بها الحاج نمر خواجة للجزيرة نت، استعاد فيها تفاصيل مؤلمة عن الحياة اليومية تحت الحكم العسكري الذي فُرض على الفلسطينيين في أراضي الـ48 بعد النكبة، قال "عشنا سنوات طويلة بين التقييدات والحرمان، والملاحقة والتخويف. كان هناك ترهيب مستمر، وإغلاق تام، وحصار دائم، وحظر تجوال، ومنع حتى من الخروج من المنازل أو الوصول إلى الأرض لفِلاحتها".

الحاج نمر خواجة: عشنا سنوات طويلة بين التقييدات والملاحقة والتخويف (الجزيرة)

وأوضح أن التنقل لقضاء أبسط الحاجات أو للحصول على الخدمات الأساسية كان يتطلب تصريحا خاصا من الحاكم العسكري، الذي امتلك صلاحيات واسعة من مختلف الوزارات الحكومية، مما جعله المتحكم الوحيد في مصير حياة الفلسطينيين اليومية، المدنية والخدماتية على حد سواء.

ومن بين القصص التي لا تزال راسخة في ذاكرة خواجة، حادثة مأساوية لأحد أبناء بلدته، إبراهيم بيادسة، الذي كان يُعرف بلقبه الشعبي "الشيوعي".

ذات يوم، اشتد المرض على طفل إبراهيم، فهُرع الأب إلى مقر الحاكم العسكري طالبا تصريحا يتيح له الخروج من القرية لعلاج ابنه. لكن الحاكم اشترط عليه التعاون والتجسس على أهل بلدته مقابل منح التصريح.

رفض إبراهيم العرض بكل كرامة، مفضلا ألا يبيع ضميره حتى في أشد لحظات الضعف، لكنه دفع ثمنا باهظا، فقد توفي طفله وهو بين يديه على عتبة باب الحاكم العسكري.

الحاج فؤاد مواسي: كان جنود الاحتلال يعرفون كل تفاصيل حياتنا (الجزيرة) خطر دائم

هذه الشهادة وغيرها تسلط الضوء على حجم المأساة التي عاشها الفلسطينيون تحت سلطة عسكرية كانت تتحكم بكل تفاصيل حياتهم، وعلى الثمن الإنساني الباهظ الذي دُفع في سبيل الكرامة والرفض.

الحاج فؤاد مواسي من بلدة باقة الغربية هو أحد من عايشوا الحكم العسكري، يقول "كان الجنود يعرفون كل تفاصيل حياتنا. لا أحد يتحرك دون إذن. نُعامل كأننا خطر دائم. حتى الطرق إلى أراضينا كانت محاصرة بالحواجز والعيون".

إعلان

ويضيف "الفيلم لا يوثق الماضي فقط بل يربطه بالحاضر، خاصة بعد أحداث 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023"، ووصف  للجزيرة نت الحاضر بـ"الحكم العسكري بثوب مدني" في سياق استمرار السياسات الأمنية الإسرائيلية بحق الفلسطينيين داخل الخط الأخضر وفي الضفة الغربية.

ويتابع مواسي "الحاكم العسكري" ليس مجرد فيلم أرشيفي، بل شهادة على صراع الذاكرة والتاريخ، وسردية تعيد رسم العلاقة الملتبسة بين الجلاد والضحية، حين تتقاطع الرواية العائلية مع الرواية الوطنية".

من جانبه، يروي أحمد مصاروة من بلدة الطيبة، وهو أحد من عايشوا فترة الحكم العسكري، شهادته للجزيرة نت، قائلا "تم التعامل معنا بموجب قوانين عسكرية صارمة، وكل من خالفها كان عرضة للملاحقة والاعتقال، بل وحتى لإطلاق النار من قبل قوات الجيش الإسرائيلي. كانت حياتنا اليومية محكومة بالخوف والترقب".

هذا الواقع، كما يؤكد مصاروة، لم ينته فعليا بل تبدل شكله، "ما نعيشه اليوم في الداخل الفلسطيني ليس سوى امتداد لتلك السياسات، ولكن بزِيّ مدني. الفوضى الأمنية التي تعم مجتمعنا وغياب الأمان والحملات البوليسية المتكررة، كلها تجليات حديثة لما كان يُعرف بالحكم العسكري".

ويرى أن الأساليب ذاتها التي استُخدمت ضد فلسطينيي الداخل تُستعمل اليوم ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية، مع اختلاف المسميات والوجوه: "التهجير، ومصادرة الأرض، وتقويض فرص الحياة الكريمة، وتغذية الفوضى الأمنية، كلها سياسات مكررة تهدف إلى تفريغ الأرض من سكانها الأصليين، لكننا صمدنا وسنظل نقاوم للبقاء".

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: حريات الحاکم العسکری الحکم العسکری باقة الغربیة

إقرأ أيضاً:

قائد الجيش من زوطر الغربية: لاتخاذ الإجراءات اللازمة لتأمين عودة آمنة وسليمة للأهالي

تفقّد قائد الجيش العماد رودولف هيكل الوحدات العسكرية المنتشرة في بلدة زوطر الغربية، حيث اطّلع على التدابير المتَّخَذة والمهمات التي يجري تنفيذها، رغم الصعوبات المتعددة.
كما شدد على ضرورة اتخاذ الإجراءات اللازمة لتأمين عودة آمنة وسليمة للأهالي.
كذلك ثمّن الجهود التي يبذلها العسكريون، مشيدًا بمناقبيتهم ومعنوياتهم رغم الأخطار والتحديات. مواضيع ذات صلة رئيس الحكومة نواف سلام من زوطر الغربية: سنكرس كل الجهود لتأمين الانسحاب الإسرائيلي الكامل من لبنان Lebanon 24 رئيس الحكومة نواف سلام من زوطر الغربية: سنكرس كل الجهود لتأمين الانسحاب الإسرائيلي الكامل من لبنان 23/07/2026 19:51:40 23/07/2026 19:51:40 Lebanon 24 Lebanon 24 وزير الاتصالات من الدكوانة: لاستكمال التحقيقات لتحديد أسباب الحريق واتخاذ الإجراءات اللازمة Lebanon 24 وزير الاتصالات من الدكوانة: لاستكمال التحقيقات لتحديد أسباب الحريق واتخاذ الإجراءات اللازمة 23/07/2026 19:51:40 23/07/2026 19:51:40 Lebanon 24 Lebanon 24 جولة تفاوض جديدة في روما والجيش يتقصى المخاطر في المناطق التجريبية لتأمين عودة الاهالي Lebanon 24 جولة تفاوض جديدة في روما والجيش يتقصى المخاطر في المناطق التجريبية لتأمين عودة الاهالي 23/07/2026 19:51:40 23/07/2026 19:51:40 Lebanon 24 Lebanon 24 قائد الجيش تفقد الوحدات المنتشرة في زوطر الغربية Lebanon 24 قائد الجيش تفقد الوحدات المنتشرة في زوطر الغربية 23/07/2026 19:51:40 23/07/2026 19:51:40 Lebanon 24 Lebanon 24 رودولف هيكل قائد الجيش الغربي تابع قد يعجبك أيضاً سلسلة قرارات إدارية وإنمائية... إليكم أبرز مقررات جلسة مجلس الوزراء Lebanon 24 سلسلة قرارات إدارية وإنمائية... إليكم أبرز مقررات جلسة مجلس الوزراء 20:30 | 2026-07-23 23/07/2026 08:30:54 Lebanon 24 Lebanon 24 جولة لنواب "القوات" جنوباً.. دعم للأهالي ورهان على الدولة Lebanon 24 جولة لنواب "القوات" جنوباً.. دعم للأهالي ورهان على الدولة 20:49 | 2026-07-23 23/07/2026 08:49:02 Lebanon 24 Lebanon 24 إحباط محاولات تهريب كميات كبيرة من الحشيش والكبتاغون من لبنان إلى سوريا Lebanon 24 إحباط محاولات تهريب كميات كبيرة من الحشيش والكبتاغون من لبنان إلى سوريا 20:17 | 2026-07-23 23/07/2026 08:17:06 Lebanon 24 Lebanon 24 توقيف أحد أخطر المحتالين في لبنان.. هكذا أوقع عدداً من الرهبان والراهبات ضحية أعماله (صورة) Lebanon 24 توقيف أحد أخطر المحتالين في لبنان.. هكذا أوقع عدداً من الرهبان والراهبات ضحية أعماله (صورة) 19:55 | 2026-07-23 23/07/2026 07:55:02 Lebanon 24 Lebanon 24 4 آب يوم إقفال عام؟ مطالب جديدة لأهالي ضحايا المرفأ Lebanon 24 4 آب يوم إقفال عام؟ مطالب جديدة لأهالي ضحايا المرفأ 19:49 | 2026-07-23 23/07/2026 07:49:41 Lebanon 24 Lebanon 24 الأكثر قراءة مُفاجأة طقس تموز: بعد موجة الحر التي تضرب لبنان انخفاض بالحرارة وأمطار في هذا الموعد Lebanon 24 مُفاجأة طقس تموز: بعد موجة الحر التي تضرب لبنان انخفاض بالحرارة وأمطار في هذا الموعد 11:15 | 2026-07-23 23/07/2026 11:15:09 Lebanon 24 Lebanon 24 للبنانيين الذين يحملون الذهب... ماذا سيحصل بالأسعار؟ Lebanon 24 للبنانيين الذين يحملون الذهب... ماذا سيحصل بالأسعار؟ 21:30 | 2026-07-22 22/07/2026 09:30:00 Lebanon 24 Lebanon 24 حزب الله يقيّم زيارة عون… ما بين الشكل والمضمون Lebanon 24 حزب الله يقيّم زيارة عون… ما بين الشكل والمضمون 11:00 | 2026-07-23 23/07/2026 11:00:00 Lebanon 24 Lebanon 24 زوطر الغربية… أول نموذج للعودة تحت المراقبة Lebanon 24 زوطر الغربية… أول نموذج للعودة تحت المراقبة 12:00 | 2026-07-23 23/07/2026 12:00:00 Lebanon 24 Lebanon 24 تقرير تركي يتحدث عن علاقة مسيحيي لبنان بأنقرة.. ماذا ستشهد؟ Lebanon 24 تقرير تركي يتحدث عن علاقة مسيحيي لبنان بأنقرة.. ماذا ستشهد؟ 23:45 | 2026-07-22 22/07/2026 11:45:00 Lebanon 24 Lebanon 24 أخبارنا عبر بريدك الالكتروني بريد إلكتروني غير صالح إشترك أيضاً في لبنان 20:30 | 2026-07-23 سلسلة قرارات إدارية وإنمائية... إليكم أبرز مقررات جلسة مجلس الوزراء 20:49 | 2026-07-23 جولة لنواب "القوات" جنوباً.. دعم للأهالي ورهان على الدولة 20:17 | 2026-07-23 إحباط محاولات تهريب كميات كبيرة من الحشيش والكبتاغون من لبنان إلى سوريا 19:55 | 2026-07-23 توقيف أحد أخطر المحتالين في لبنان.. هكذا أوقع عدداً من الرهبان والراهبات ضحية أعماله (صورة) 19:49 | 2026-07-23 4 آب يوم إقفال عام؟ مطالب جديدة لأهالي ضحايا المرفأ 19:13 | 2026-07-23 86 نائباً يطالبون بالتمديد لـ"اليونيفيل" في لبنان فيديو سيُنافس أحدث هواتف أندرويد.. شركة itel تُطلق هاتفها الجديد (فيديو) Lebanon 24 سيُنافس أحدث هواتف أندرويد.. شركة itel تُطلق هاتفها الجديد (فيديو) 09:35 | 2026-07-22 23/07/2026 19:51:40 Lebanon 24 Lebanon 24 بث مباشر????.. قداس إلهي في بقاعكفرا في عيد القديس شربل Lebanon 24 بث مباشر????.. قداس إلهي في بقاعكفرا في عيد القديس شربل 19:13 | 2026-07-18 23/07/2026 19:51:40 Lebanon 24 Lebanon 24 ميقاتي: ندعم موقف رئيس الجمهورية وسنعمل جاهدين لإقرار العفو العام Lebanon 24 ميقاتي: ندعم موقف رئيس الجمهورية وسنعمل جاهدين لإقرار العفو العام 18:42 | 2026-07-15 23/07/2026 19:51:40 Lebanon 24 Lebanon 24 Download our application مباشر الأبرز لبنان فيديو خاص إقتصاد عربي-دولي متفرقات أخبار عاجلة Download our application Follow Us Download our application بريد إلكتروني غير صالح Softimpact Privacy policy من نحن لإعلاناتكم للاتصال بالموقع Privacy policy جميع الحقوق محفوظة © Lebanon24

مقالات مشابهة

  • جيش الاحتلال يشن اقتحامات ويعتقل فلسطينيين بالضفة الغربية
  • إيران تحيّد حزب الله الذي لم يعد مخيفاً!
  • 24 عملًا مقاومًا في الضفة الغربية خلال 48 ساعة
  • شمس البارودي: عمر الوحيد من أبنائي الذي أحب مهنة والده حسن يوسف
  • الجيش الأوكراني يحصل على قائد جديد.. من هو الجنرال الذي يراهن عليه زيلينسكي؟
  • حقيقة إلقاء اكوام قمامة بطول ضفاف مياه بحر شبين بالسنطة .. ومحافظ الغربية يحقق | صور
  • الجار الذي لا يخالط جيرانه
  • الحكم الدولي أمين عمر يكشف كواليس مباريات كأس العالم 2026 السبت المقبل
  • قائد الجيش من زوطر الغربية: لاتخاذ الإجراءات اللازمة لتأمين عودة آمنة وسليمة للأهالي
  • محافظ الغربية يوجه بتكثيف الرقابة التموينية وإحكام السيطرة على الأسواق