تشهد الساحة السياسية والعسكرية الإسرائيلية تصاعدًا في التوترات الداخلية بين القيادة العسكرية ممثلة برئيس الأركان إيال زامير ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، إثر اتخاذ الجيش الإسرائيلي قرارات استراتيجية تتعارض مع توجهات الحكومة، مما يعكس تباينًا واضحًا في الرؤى بشأن إدارة الصراع في قطاع غزة.
أظهرت وسائل الإعلام العبرية، لاسيما موقع واينت والقناة 12، الخلافات الجوهرية التي تتعلق بأهداف العملية العسكرية المرتقبة في قطاع غزة، وتباين الأولويات بين الطرفين في خضم حرب مستمرة، ذات أبعاد أمنية وإنسانية وسياسية عميقة.


وعليه في نظري، يفرض ما تم تناوله عاليه، تساؤل هام حول ماهية طبيعة العملية المرتقبة في غزة، وهل تمثل هذه العملية وحدة الهدف أم ازدواجية المقاصد؟
وفقًا لوسائل الأعلام الإسرائيلية، هناك استعدادات حثيثة للجيش الإسرائيلي لتوسيع نطاق القتال في غزة، مع تعبئة مرتقبة لقوات الاحتياط، ما يشير إلى عملية عسكرية جديدة في قلب القطاع. إلا أن المفارقة تكمن في اختلاف التوجهات بين نتنياهو وزامير؛ ففي حين يؤكد رئيس الأركان أن الهدف الأعلى الآن هو إعادة المخطوفين والضغط عسكرياً لتحقيق تقدم في المفاوضات، يصر نتنياهو على أن الهدف الأسمى هو الانتصار على حماس، وهو ما أثار سخط عائلات المحتجزين، الذين يرون في أولوية “الانتصار” تهميشًا لمعاناتهم.
لا يُعد هذا التباين خلافاً في التعبير فحسب، بل يعكس رؤيتين استراتيجيتين متناقضتين: الأولى ترى في الحل العسكري وسيلةً ضاغطة لتحريك الملف التفاوضي وتحقيق إنجاز إنساني واستراتيجي متمثل في استعادة المختطفين، والثانية تستبطن تصعيدًا ميدانيًا غير مقيد بزمن، يُحتمل أن يكون مدفوعًا بأهداف سياسية تتجاوز غزة إلى رسائل موجهة لإيران وللداخل الإسرائيلي المتأزم.
وعلي هذا الأساس قام الجيش الإسرائيلي بتغيير نمط انتشاره منذ استئناف الحرب مقارنة بمرحلة التوغل والانسحاب إذا اصبح ينشط ويستهدف العناصر المسلحة والبنية التحتية التابعة لهم وحسب التقديرات الإسرائيلية أن الجيش يسيطر الآن علي نحو 40% من مساحات قطاع غزة، علي أن يؤدي الأحكام وتسهم السيطرة العسكرية والميدانية علي قطاع غزة وعدم إدخال المساعدات الإنسانية إلي أحداث تغييرات ملموسة سواء داخل القطاع أو بموقف حماس ، إذ أكد المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي ايفي دفرين استمرار العملية العسكرية حتي فصل منطقة خان يونس ورفح كجزء من الخطة العسكرية المعروفة وفقاً للرؤي الاستراتيجية باسم التطويق الميداني وسيطرة وأحكام محور موراج.
أما هذا القسم من المقالة، ينصب حول التحديات المفصلية في الداخل الاسرائيلي وتأتي الانقسامات السياسية الحادة، التي تجلّت في الأزمات المتكررة داخل الائتلافات الحاكمة، في مقدمة هذه التحديات، حيث تضعف الاستقرار الداخلي وتقلّص هامش المناورة أمام صانع القرار الإسرائيلي. 
وبالنظر إلي أن الجيش الإسرائيلي يواجه تحديات هيكلية تؤثر مباشرة في قدرته على تنفيذ عملياته والتي تبرز في أزمة التجنيد وتآكل الغطاء السياسي، وتأسيساً علي ذلك يمكن سرد أبرز هذه التحديات فيما يلي ، أولاً، استنزاف القوات والنقص الحاد في المقاتلين، حيث أرسل الجيش حتى يونيو 24 ألف إخطار بالتجنيد للحريديم، لم تسفر سوى عن استجابة ضئيلة لم تتجاوز 300 حالة تجنيد فعلية، وهو ما يسلط الضوء على أزمة التجنيد القائمة وتواطؤ المؤسسة السياسية – بحكم طبيعتها الائتلافية – في تجنب فرض هذه الأوامر، مما يعكس هشاشة التوازن بين العقيدة العسكرية وضرورات المصلحة الحزبية، من ثم يشكل هذا العجز عقبة رئيسية أمام تحقيق أهداف الحرب في غزة، كما يحد من قدرة الجيش على تنفيذ الطموحات العسكرية التي يضعها صناع القرار في الحكومة بقيادة بنيامين نتنياهو.
ثانياً، عدم وجود أي مسار سياسي موازٍ يمكن أن يدعم أو يواكب الجهد العسكري والعمل الميداني بل ويطرح بديلا واقعيا لحكم حركة المقاومة الإسلامية حماس في غزة ، وهو ما يمثل أحد ابرز المعوقات التي تحول دون زيادة وتيرة وكثافة العمليات في غزة، الأمر الذي برز في تأكيد المفارقة السياسية حيال الجهوزية للتصعيد، وفي الوقت نفسه السياسة المعبرة عن ضيق المؤسسة العسكرية بإدارة الحرب بأسلوب لا يستند إلى توافق وطني ولا يُفضي إلى نتائج ملموسة على صعيد الأهداف المركزية، كاستعادة الأسرى، وهو ما يجعل هذا النهج غير كاف لتحقيق الأهداف المعلنة للحرب 
ثالثاً، تمادي الحكومة في تجاهل أولويات الجيش أو المطالب المجتمعية مما قد يؤدي إلى أزمة ثقة داخلية، ربما تعيد إلى الأذهان مشاهد التصدع التي شهدتها إسرائيل خلال حروب سابقة، حينما فُقدت الثقة بين القيادتين السياسية والعسكرية، كما حدث بعد حرب لبنان الثانية.
ومع محاولة استقراء المآلات المحتملة، فإن استمرار هذا التباين قد يقود إلى أحد احتمالين: إما تقويض فاعلية القرار السياسي / العسكري في لحظة حرجة من الحرب، أو إعادة تموضع استراتيجي تفرضه المؤسسة العسكرية من خلال ضغط غير مباشر على القيادة السياسية. وفي كلتا الحالتين، فإن هشاشة الإجماع الإسرائيلي إزاء إدارة الحرب على غزة باتت واقعًا يصعب إخفاؤه. وذلك بالنظر إلي أن قرار توسيع العملية البرية لم يتم اتخاذه في اجتماع يوم الجمعة 2 مايو 2025 على أن يتخذ القرار في اجتماع الكابينيت الأمني والسياسي يوم الأحد 4 مايو.

ختاماً، تكشف هذه التطورات عن تعقيدات الداخل الإسرائيلي في زمن الحرب، حيث لم يعد الصراع مقصورًا على خطوط المواجهة في غزة، بل تمدد إلى عمق المؤسسة السياسية والعسكرية. فالتباين بين نتنياهو وزامير ليس مجرد خلاف مرحلي، بل مؤشر على أزمة بنيوية في آليات اتخاذ القرار وتحديد الأولويات الوطنية. وفي ظل استمرار الحرب، ستظل مسألة التوافق بين الحكومة والجيش عاملاً حاسمًا ليس فقط في مسار الحرب، بل في مستقبل الاستقرار السياسي والاجتماعي في إسرائيل.

طباعة شارك بنيامين نتنياهو قطاع غزة وسائل الإعلام العبرية

المصدر

المصدر: صدى البلد

كلمات دلالية: بنيامين نتنياهو قطاع غزة وسائل الإعلام العبرية السیاسیة والعسکریة الجیش الإسرائیلی قطاع غزة وهو ما فی غزة

إقرأ أيضاً:

أزمة غاز خانقة في غزة تدفع النازحين لـحرق الكرتون والبلاستيك لإعداد الطعام

غزة"رويترز": في المخيمات المترامية الأطراف بجنوب قطاع غزة، تحولت الولاعات البلاستيكية إلى سلعة نادرة وفاخرة على نحو غير متوقع، لا تقل أهمية عن الطعام والماء والوقود للبقاء على قيد الحياة.

وبالنسبة لنسرين أبو سعادة، وهي أم لأربعة أطفال نزحت بسبب الحرب، أصبح إشعال النار لإعداد الطعام معاناة يومية في القطاع حيث لا يزال الغاز شحيحا، وتعتمد العائلات على حرق الكرتون والبلاستيك وقطع الخشب لطهي وجباتها.

وقالت "الخيمة بدون قداحة على الفاضي".

وأضافت "أصلا فيش غاز والنار ⁠24 ساعة بنولع نار يعني القداحة ضرورية كتير في الخيمة".

وقبل الحرب، كان بالإمكان شراء ثلاث ولاعات بلاستيكية مقابل شيقل واحد (0.33 ⁠دولار)، أما اليوم فقد ارتفع سعر الواحدة إلى 100 شيقل (32.55 دولار)، وهو مبلغ يفوق قدرة نسرين (38 عاما). وكانت تجلس إلى جانب موقد بدائي خارج خيمتها في خان يونس.

وبعد ما يقرب من ثلاث سنوات على اندلاع الحرب في غزة، أدت ندرة السلع الأساسية إلى تحويل أشياء يومية بسيطة إلى ‌مقتنيات ثمينة. وأصبحت الولاعات تتداول بين عشرات العائلات، وتنتقل من خيمة إلى أخرى ​قبل أن تتلف بفعل كثرة ⁠الاستخدام.

و قالت نسرين ابو سعادة "يعني أنا لما بدي أجي أولع النار بستنى يعني ​حدا يولع النار أشوف وين مولع النار وباخذ الكرتون ‌وبولع وباجي وما باجي إلا بتكون طفت النار تاني ورجع تاني يعني قصة بتكون يعني الواحد طلعت روحه قبل ما يولع النار".

وأوجد هذا النقص فرصة عمل لحسن أبو لطيفة، وهو أب ​لثلاثة أطفال نزح بسبب الحرب، ويعمل على إصلاح الولاعات البلاستيكية المعطلة في كشك صغير.

وقال الرجل البالغ من العمر 35 عاما، الذي كان يعمل مهندسا زراعيا قبل الحرب "هي مش مهنة أساسا لكن بسبب المعاناة وبسبب اضطرار الناس إلها وحاجتنا احنا برضو للعمل اضطرينا ان نعمل بهاي المهنة يعني انا كنت قبل الحرب اعمل مهندس زراعي الآن أعمل في صيانة القداحات اللي اجبرني على هي المهنة حاجة الناس لإصلاح القداحات وحاجتي أنا للعمل".

وأوضح أبو لطيفة، ‌الذي كان يجلس محاطا بصناديق من الولاعات التالفة وقطع الغيار المستعملة، أن ارتفاع الأسعار أجبر العائلات على إصلاح القداحات بدلا من ​رميها وشراء غيرها.

وألحقت الحرب دمارا واسعا باقتصاد غزة. وتقول وكالات تابعة للأمم المتحدة إن معدل البطالة في القطاع تجاوز 80 بالمائة، ​فيما اقتربت معدلات ‌الفقر ⁠من 100 بالمائة بعد أن قضى الصراع على معظم الأنشطة الاقتصادية ودمر البنية التحتية في أنحاء القطاع.

وأدى وقف إطلاق نار توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر إلى توقف العمليات القتالية إلى حد كبير، لكنه لم يضع حدا للهجمات الإسرائيلية، التي تقول ​إنها تستهدف حركة المقاومة الفلسطينية (حماس) ومسلحين آخرين في غزة تعتبرهم تهديدا وشيكا.

من جهتها، تحمل ​حركة حماس الهجمات الإسرائيلية والقيود المفروضة على المعابر مسؤولية تعثر التوصل إلى اتفاق شامل ينهي الصراع.

ولا تزال كميات المساعدات التي تدخل إلى القطاع محل خلاف. ويقول المكتب الإعلامي التابع لحكومة غزة التي تديرها حماس إن الإمدادات تقل كثيرا عن الاحتياجات الفعلية للسكان، بينما تؤكد وحدة تنسيق أعمال الحكومة في المناطق، وهي الجهة العسكرية الإسرائيلية المسؤولة عن الشؤون المدنية والإنسانية في الأراضي الفلسطينية، أن شحنات الغذاء التي ​دخلت غزة منذ سريان وقف إطلاق النار تجاوزت الاحتياجات التي حددها برنامج الأغذية العالمي.

وبالنسبة لافتخار الكفرنة، وهي نازحة ​وأم لستة أطفال تعمل في إعداد الخبز في فرن تقليدي لكسب المال، أصبحت هذه الأداة الصغيرة ضرورية لكسب رزقها.

وقالت "يعني الحين لو فيه جداحة (قداحة) فيه شغل فيش جداحة الشغل حيقف يعني بقعد ثلاث أربع ساعات من غير شغل".

مقالات مشابهة

  • الجيش الأمريكي يواصل ضرباته العسكرية ضد إيران لليلة الثالثة عشرة على التوالي
  • بعد الحرب.. أزمة إعادة إعمار قانونية في الجنوب
  • عاجل.. الجيش الإسرائيلي: بلاغ أولي عن إطلاق نار في البؤرة الاستيطانية حفات جلعاد بشمال الضفة الغريية
  • أمريكا تواصل ضرباتها ضد إيران.. القيادة المركزية تعلن تنفيذ الليلة الـ13 من العمليات العسكرية
  • بريطانيا تؤكد جاهزيتها العسكرية الكاملة وتتمسك بحماية أمنها وسط تصاعد التوتر مع إيران
  • تل أبيب تهدد بإشعال المنطقة.. وزير الدفاع الإسرائيلي يتوعد إيران برد مدمر حال تعرضها لهجوم
  • كيف تعيد موسكو بناء قوتها العسكرية؟
  • أزمة غاز خانقة في غزة تدفع النازحين لـحرق الكرتون والبلاستيك لإعداد الطعام
  • الكتلة الديمقراطية: البرهان يتمسك بمسارين للحل ويؤكد استمرار العمليات العسكرية
  • الجيش اللبناني يبدأ الانتشار في "المناطق التجريبية" بموجب الاتفاق مع إسرائيل