لجريدة عمان:
2026-07-24@01:20:15 GMT

الصحافة ونماذج الأعمال الجديدة

تاريخ النشر: 13th, May 2025 GMT

يخطئ كثيرا من يظن أن صناعة الصحافة بمنصاتها التقليدية والرقمية تعيش أيامها أو سنواتها الأخيرة في ظل تنامي أدوات الذكاء الاصطناعي والتحولات الرقمية التي أدت إلى عزوف قطاعات واسعة من الجمهور في كل دول العالم تقريبا عن مطالعة الصحف ومشاهدة المحطات التلفزيونية والاستماع إلى المحطات الإذاعية.

ففي ظل كل هذه التحولات غير المبشرة بالخير، تشهد الصحافة محاولات جادة لإعادة اختراع نفسها من خلال ما يطلق عليه الباحثون «تبني نماذج جديدة للأعمال» قادرة على إبقاء منصات الصحافة المختلفة في الساحة الإعلامية لسنوات قد تطول وتمكينها من توليد إيرادات جديدة تُعينها لا على البقاء في السوق فحسب، بل على تحقيق الأرباح، ومن ثم الازدهار مرة أخرى.

لعل ما يؤكد ما قلناه أن صناعة الصحافة على امتداد تاريخها ومنذ معرفة العالم بها في مطلع القرن الثامن عشر كانت تعاني مع كل تقنية اتصالية جديدة وتدخل في صراع ومنافسة غير متكافئة معها في البداية، ثم لا تلبث أن تخرج منتصرة، لتعيد تقديم نفسها، من خلال توظيف تلك التقنيات والاستفادة منها، بل والمشاركة في تطويرها، حدث هذا مع اختراع التلغراف، الذي استغلته الصحافة في نقل الأخبار وتطوير طرق الكتابة الصحفية، ثم مع المذياع والتلفزيون والأقمار الصناعية وشبكة الإنترنت وأخيرا مع الذكاء الاصطناعي التوليدي الذي ألقى بظلاله الجيدة والسيئة على المنتج الصحفي في السنوات الأخيرة، وفي تقديري فإن الصحافة، مثلما نجحت في مواجهة التحولات التقنية السابقة فإنها قادرة على مواجهة تقنيات الذكاء الاصطناعي والاستفادة منها في تعزيز مكانتها في المجتمعات المعاصرة، وهي مكانة لا تزال تحظى بالاعتراف العام رغم التحديات.

السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: كيف تستطيع الصحافة العُمانية، مواكبة الصحافة العالمية على صعيد مواجهة التحولات الرقمية المتسارعة؟ علينا للإجابة عن هذا السؤال أن نعترف في البداية أن صناعة الصحف العالمية تشهد تحوّلًا هيكليًا عميقًا، تقوده تقنيات التحول الرقمي، وتجزئة الجمهور، والانهيار السريع في إيرادات المنصات الصحفية والإعلامية.

وفي مختلف السياقات الوطنية، دفعت هذه التغيرات المؤسسات الصحفية إلى إعادة تشكيل نماذج أعمالها، وتجريب نماذج جديدة، وإعادة تعريف علاقتها بالجمهور، وهو ما أتاح لها فرصًا جديدة للحياة بعد أن كان بعضها قد أوشك على الخروج من السوق. عندما ننتقل إلى الصحافة في سلطنة عُمان، نجد أن هذا التحوّل ما زال في بداياته، ومن ثم يمكن التحكم فيه وتسخيره لما فيه صالح المؤسسات الصحفية والإعلامية.

المختلف في التجربة العُمانية في التحول الرقمي للصحافة، هو أن الصحافة تعمل في إطار نظام إعلامي يتسم بالخصوصية سواء على صعيد التطور التاريخي الذي مرت به الصحافة أو على صعيد العلاقة الوثيقة التي تربط الصحافة بالحكومة، وتصبغ مجمل علاقاتها بالسلطة السياسية من جانب وعلاقتها بالجمهور من جانب آخر، وهو نظام يتميز بالمركزية، والنزعة الوطنية التنموية، والتبني الحذر للتحول الرقمي.

منذ تأسيس صحيفة «الوطن» عام 1971 عقب تولي السلطان الراحل قابوس بن سعيد -طيب الله ثراه- الحكم بفترة وجيزة، شهدت الصحافة العُمانية نموًا مستمرًا سواء على مستوى عدد الصحف الناطقة بالعربية والإنجليزية أو في تنوعها، ومضامينها. وقد شكّلت صحف مثل «عُمان»، و«عُمان أوبزرفر»، و«الشبيبة» و«الرؤية»، و«تايمز أوف عُمان» أدوات رئيسة في خدمة الدولة، وتعزيز التماسك الوطني، ورفع الوعي العام، وعلى الرغم من مساهمتها الكبيرة في تأسيس البنية الأساسية الإعلامية في عُمان، فإن تطورها تم في إطار يولي أهمية قصوى لاستقرار النظام الإعلامي، والانسجام مع السياسات الوطنية، وتقديم الدور التنموي على ما عداه من أدوار للصحافة.

واقع الأمر هو أن صناعة الصحف في عُمان لم تتطور إلى سوق تنافسي تجاري بالمعنى الليبرالي، ومنذ نشأتها وحتى الآن تواصل العمل في إطار اقتصاد إعلامي ونموذج أعمال تقليدي يعتمد على الدولة، ويقوم على ثلاثة مصادر رئيسة للإيرادات، هي: الدعم الحكومي المباشر وغير المباشر، والإعلانات من الهيئات المرتبطة بالدولة والقطاع الخاص، والاشتراكات المؤسسية الجماعية من المؤسسات العامة والخاصة.

ورغم أن هذا النموذج يوفّر نوعًا من الأمان المالي، إلا أنه في الوقت ذاته يرسخ ثقافة الاعتماد على الدولة ويعزل الصحف عن الضغوط السوقية التي قد تكون محفّزًا على التغيير، ويحد بالتالي من الرغبة في تجريب نماذج أعمال جديدة، كما يحد من تنويع مصادر الدخل، ويزيد من المخاطرة التمويلية التي تعاني منها المؤسسات الصحفية، خاصة مع توقف الدعم الحكومي، وانخفاض حصة الإعلانات لحساب المنصات الرقمية الجديدة، إلى جانب انخفاض الاشتراكات أو إلغائها في السنوات الأخيرة.

من المؤكد أن الاعتماد الكبير على مصادر تمويل مرتبطة بالدولة في ظل الواقع الإعلامي الحالي أصبح نموذجا غير فعال، خاصة أنه قد يكون له تبعات على استقلالية السياسات التحريرية للصحف واستدامة المؤسسات الإعلامية على المدى الطويل، فعندما تكون الحكومة هي الممول الرئيسي، فإن الصحف غالبًا ما تتردد في اتباع سياسات تحريرية قد تتعارض مع الروايات الرسمية.

من هنا، لا يمكن فهم التحول الرقمي في الصحافة العُمانية بشكل صحيح دون ربطه بالاقتصاد السياسي للإعلام والبنية السياسية والاقتصادية التي تتحكم فيه، على عكس الدول الغربية، حيث أدت التحولات الرقمية إلى دفع الصحف إلى ابتكار نماذج أعمال جديدة تقوم على إضافة أنظمة الدفع الجديدة، ومؤشرات التفاعل، وتخصيص المحتوى، ما زالت الصحف العُمانية ضمن نظام إعلامي يرتبط فيه بقاء المؤسسات الإعلامية بعوامل غير إعلامية.

وعلى الرغم من انتشار المنصات الرقمية، فإن معظم الصحف العُمانية لم تستثمر بشكل فعّال في فرص تحقيق الدخل التي يتيحها الفضاء الرقمي. الإعلانات الرقمية لا تزال قليلة، سواء على مستوى التطور التقني أو على مستوى اختراق السوق الإعلاني. ويرجع ذلك إلى عدة عوامل، منها صغر حجم سوق الإعلانات الرقمية، وهيمنة المنصات التقنية العالمية مثل «جوجل» و«فيسبوك» على هذا السوق.

لم تطور الصحف العُمانية حتى الآن نموذج أعمال آخر أصبح شائع الاستخدام في الصحافة العالمية، وهو نموذج «ادفع لتستخدم» والذي يتيح للجمهور الحصول على خدمات صحفية مميزة في مقابل الاشتراك في النسخة الرقمية، ويرجع ذلك في تقديري إلى اعتقاد سائد لدى إدارات الصحف العُمانية -ربما يكون خاطئا- بأن الجمهور العربي بوجه عام لم يعتد بعد على الدفع مقابل الأخبار والخدمات الصحفية التي تقدمها تلك المنصات، وأنه، أي الجمهور، يتوقع عادة أن يكون المحتوى الرقمي متاحًا مجانًا، ما يجعل من الصعب تطبيق نماذج الدفع أو الاشتراكات.

والواقع أن خشية الصحف من تجريب هذا النموذج الذي نجح مع الآلاف من الصحف في مختلف دول العالم، يعود في الأساس إلى ضرورة توفير الموارد لإنشاء مواقع ومنصات صحفية متميزة تدفع الناس إلى الاشتراك فيها، والدليل على ذلك أن هناك قطاعات من الجمهور العربي تدفع بالفعل لمواقع صحفية عالمية للحصول على الأخبار والخدمات الصحفية .من الضروري في هذه المرحلة الفاصلة في تاريخ الصحافة العُمانية أن نعيد النظر في استراتيجيات التحول الرقمي ونماذج الأعمال لضمان بقاء صناعة الصحافة واستدامتها. علينا أن ندرك أن مستقبل الصحافة العُمانية لن يبنى فقط على الدعم الحكومي بل على القدرة على التكيف مع نماذج أعمال رقمية مستدامة.

المصدر

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: الصحافة الع مانیة التحول الرقمی نماذج أعمال أن صناعة

إقرأ أيضاً:

بريطانيا تتعهد بالانضباط المالي وتخفيف أعباء الشركات

تعهد وزير الخزانة البريطاني الجديد جون هيلي بالحفاظ على انضباط المالية العامة والالتزام بالقواعد المالية للحكومة، مؤكدا أن المصداقية المالية تمثل أساس الاستقرار الاقتصادي في ظل تصاعد المخاطر العالمية وارتفاع أسعار الطاقة.

وقال هيلي، خلال كلمة ألقاها في مقر بلومبيرغ في لندن، إن الحكومة ستعمل "بانسجام كامل" مع رئيس الوزراء آندي برنهام لضمان الالتزام بالقواعد المالية مع الإبقاء على هامش لمواجهة حالات عدم اليقين، مضيفا أن "المصداقية المالية هي حجر الأساس للاستقرار".

اقرأ أيضا list of 3 itemslist 1 of 3التضخم بأدنى مستوى منذ 15 شهرا ببريطانيا والحكومة تحدد أسعار تذاكر الحافلاتlist 2 of 3تراجع التضخم لا يبدد مخاوف المستثمرين في بريطانياlist 3 of 3لماذا تفضل البنوك المركزية لندن لتخزين الذهب.. وهل تزاحمها الصين؟end of list

وتأتي تصريحاته بينما يترقب المستثمرون تداعيات ارتفاع أسعار خام برنت نحو 100 دولار للبرميل مع تصاعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، وهو ما دفع عائد السندات الحكومية البريطانية لأجل عشر سنوات إلى 5.07%، وهو أعلى مستوى في شهرين ويقترب من أعلى مستوياته منذ 18 عاما.

وأكد هيلي أن الحكومة تستهدف خفض الأعباء التي تتحملها الشركات، بما في ذلك الضرائب وتكاليف الطاقة والعمالة، مشيرا إلى أن قطاع الأعمال تعرض لضغوط كبيرة خلال السنوات الماضية.

وقال: "أشعر بالقلق تجاه تكلفة ممارسة الأعمال بقدر قلقي تجاه تكلفة المعيشة"، مضيفا أنه يريد أن تصبح بريطانيا "أفضل مكان في العالم لرواد الأعمال الراغبين في تأسيس شركاتهم وتنميتها".

إصلاحات اقتصادية

وفي إطار إجراءاتها الاقتصادية الأولى، أعلنت حكومة برنهام خفض الضرائب على الحانات والأندية الاجتماعية وبعض أماكن العروض الموسيقية الحية اعتبارا من أبريل/نيسان المقبل، بتكلفة سنوية تبلغ نحو 100 مليون جنيه إسترليني (134 مليون دولار).

كما كشفت الحكومة هذا الأسبوع عن خفض ضريبة القيمة المضافة على فواتير الكهرباء للأسر، والإبقاء على سقف أجور الحافلات عند جنيهين إسترلينيين، في إطار حزمة تستهدف تخفيف أعباء المعيشة.

ولوح برنهام أيضا بإمكانية مراجعة الحد المعفى من ضريبة الدخل، والمثبت عند 12570 جنيها إسترلينيا منذ خمس سنوات، لكنه أكد أن أي قرار بهذا الشأن سيحسم خلال إعداد الموازنة المقبلة، محذرا من أن رفع هذا الحد ستكون له تبعات مالية كبيرة.

إعلان

وفي أول خطاب له بعد توليه رئاسة الوزراء، شدد برنهام على أنه لن يخاطر باستقرار الاقتصاد، مؤكدا التزامه بالقواعد المالية التي تتضمن تمويل الإنفاق اليومي من الإيرادات بحلول نهاية العقد، والوفاء بتعهده بعدم زيادة الضرائب على العاملين.

وأضاف أن حكومته ستستفيد من المرونة المتاحة داخل هذه القواعد دون تجاوزها، مع العمل على خفض الإنفاق على الرعاية الاجتماعية للوفاء بالتزامات بريطانيا الدفاعية، إلى جانب إطلاق إجراءات سريعة لتخفيف أزمة غلاء المعيشة، مؤكدا أن هذه الخطوات "لن تحل جميع المشكلات، لكنها ستمنح المواطنين متنفسا وتوضح اتجاه الحكومة الاقتصادي".

مقالات مشابهة

  • منطقة الضرائب العقارية ببني سويف تواصل ورش العمل لدعم التحول الرقمي
  • الاتحاد الأوروبي يغرم غوغل مليار دولار لانتهاك قانون الأسواق الرقمية
  • الخرف الرقمي.. هل تضعف الهواتف الذكية ذاكرتنا؟
  • خطوات استخراج بطاقة الرقم القومي أونلاين عبر مصر الرقمية
  • بريطانيا تتعهد بالانضباط المالي وتخفيف أعباء الشركات
  • نقابة الصحفيين السودانيين ترفض أوامر القبض بحق إعلاميين وتعلن تضامنها معهم
  • “مطارات المغرب” تُنهي عهد الورق وتُعمم بطاقة الإركاب الرقمية
  • اتهامات بإسكات الصحافة.. “محامو الطوارئ” تهاجم ملاحقة 47 إعلامياً
  • من خلف الشاشات.. خارطة أدوات الحرب الناعمة ومخططات الهيمنة الصامتة في العصر الرقمي
  • جمعية "مغرب المواطنة الرقمية" تنشر وثيقتها المرجعية مؤكدة استقلالها عن أي توجه سياسي