تزاحَم في الساحة العربية أولئك الذين يقدمون أنفسهم للنخبة الفكرية ولعموم الناس على أنهم "تنويريّون"، لكن إمعان النظر في خطابهم الشفاهي والكتابي على حدّ سواء، أو الوقوف على تدابيرهم وتصرفاتهم في الواقع المعيش، أو تتبع الحبل السري لمصالحهم ومنافعهم، تقود لإخراجهم من هذا المسار، إن أخذناه على المحمل الإيجابي، أي ذلك الذي يروم فعلًا النهضة والتقدم في ركاب الحريّة والعدل والكفاية.

لم تعدم الساحة العربية، الذين يعملون بعزم وصبر في سبيل الارتقاء بمشاعر الناس وأفكارهم وأحوال معيشتهم، لكن صوت هؤلاء يبدو خافتًا، بل يضيع غالبًا في ضجيج الأيديولوجيات المتقارعة، والمصالح المتصارعة، والاستقطاب السياسي الحادّ، والسجال العقائدي المرذول، ليصبح المتن الذي ينتجونه، على إحكامه واكتماله، هامشًا مغبونًا في ثقافتنا الراهنة، لا سيما مع صخب آخر تصنعه المقاربات العابرة، والإسهامات السطحية، وألوان الاستعراض والفرجة والإشهار ونُفايات الكلام.

صار الصوت الأكثر علوًا وصخبًا لثلاثة أنماط من التنويريّن: الأعور، والأحول، والأعمى، ومع هذا يصرّ هؤلاء على أن ما يقدمونه هو الرافعة التي تصنع التقدّم، حين تحرِّر العقول، وتطلقها لمواجهة ما يرونه سائدًا ومتاحًا وراقدًا يشد عربة الحياة إلى الخلف، أو في أحسن الأحوال، يبقيها معطلة في مكانها.

إعلان

والتنويري الأعور، هو الذي يواجه الاستبداد باسم السلطة الدينية، ويتهرّب من مواجهته باسم السلطة السياسية، بل قد يتواطأ مع الثانية في مواجهة الأولى، أو يطلب حماية الثانية في مواجهة الأولى، ويغض الطرف عن أي تجاوز أو تنكيل يحدث لأتباع "الاستبداد الدينيّ".

لا يدري هذا التنويري هنا أنه قد تحوّل إلى أداة، غير مباشرة، في يد من يتوهّم أنه يواجههم، لأن السلطة السياسية، في أغلب الأحوال، هي التي تعزز من خلف الستار التخلف والاستبداد باسم الدين، تارة لتخيف المجتمع منه فليجأ إليها ويكبح طلبه على الحريات العامة، وتارة أخرى لتوظفه لصالحها في حال الضرورة، حين تنتج السلطة السياسية نفسها نوعًا من الخطاب الديني الأحادي، أو يزعم القائم عليها أنّه يحكم باسم الله، وأن شرعيته مستمدّة من السماء، في الوقت الذي يصوّر لأتباعه من المستنيرين العُور أنه يكافح الاستبداد الديني، ويتصدّى لأهله.

وحتى لو لم يكن هذا التنويري الأعور يدرك كيف تحوّل إلى مفعول به، فإن الاستبداد الديني هو أحد تجليات الاستبداد السياسي، فالأخير هو الذي حرّف الأديان عن مقاصدها الحقيقية، وحوّلها إلى أيدولوجيات لخدمة مساره، حدث هذا في اليهوديّة والمسيحيّة والإٍسلام، وغير هذا من المعتقدات والديانات عبر تاريخ البشر كله.

ومهما واجه التنويري الأعور مؤسسة أو فكرة دينية مستبدة أو رجعية، في ظل سلطة سياسية مستبدة، فلن يصل إلى شيء إن كان مخلصًا لرؤية أو تصور يراه مستنيرًا، أما إن كان متلاعبًا، أو مخلصًا لنفسه، يروم ذيوعًا أو ثراء أو تمكنًا اجتماعيًا، فليعلم أنّ النّاس سيكشفونه مع الأيام، وسيرونه مجرّد أُلعوبة يوظّفها أصحاب القرار، ويرسمون لها المسار، ومن ثمّ سيذهب كل ما يقوله أو يفعله سدًى، ويروح بلا جدوى.

والتنويري الأحول هو الذي يكرس جهده لانتقاد تصور دين واحد، ولا ينظر إلى الأمر في إطار مقارن، ولو فعل، فقد يكتشف أن ما يواجهه، نصًا وخطابًا وتجربة، قد يكون الأفضل، وأن الأولى به أن يعمل على إصلاحه خطابًا وممارسة، بدلًا من هدمه، الذي يدخل المجتمعات في التيه، ويفقدها ما يحمله الدين، في صورته الصحيحة أو صراطه المستقيم، من تعاليم طيبة، ومنظومة قيم إيجابية، ومن سعي إلى غاية مطلوبة تتمثل في الامتلاء الروحي، والسمو الأخلاقي، والخيرية أو النفع العام.

إعلان

الأولى بهذا "المستنير الأحول" أن يتدبّر قول سيدنا المسيح، عليه السلام: "لماذا تنظر إلى القشّة في عين أخيك، ولا تبالي بالخشبة في عينك؟ بل كيف تقول لأخيك: دعني أُخرج القشة من عينك، وها هي الخشبة في عينك أنت؟ يا مُرائي، أخرج الخشبة من عينك أولًا، حتى تُبصر جيدًا فتُخرِج القشة من عين أخيك." وقول الرسول محمّد، عليه السلام: "يبصر أحدكم القذاة في عين أخيه وينسى الجذع في عينه".

وإذا كان نقد معتنق دين لدين آخر قد يثير حساسيات في مجتمعات مختلفة أو طائفية، فليطلب المسلم مثلًا إن كان تنويريًّا حقيقيًّا من أصدقائه التنويرين الذين يعتنقون المسيحية أو اليهودية وغيرهما أن يكونوا كذلك بالنسبة لنصوص وخطابات وتجربة أديانهم ومذاهبهم.

وفي كل الأحوال علي الجميع التفرقة بين الدين نفسه، وبين تاريخ معتنقيه وتجاربهم الحياتية، وما صنعته من أفكار ورؤى، هي في الغالب بنت المنافع الدنيوية، حيث البحث عن الثروة والسلطة والمكانة، أكثر منها بنت الدين نفسه.

وليكن دافع هذا الصنف من التنويرين في هذا هو تبصير الناس جميعًا، بغض النظر عن معتقداتهم الدينية، أو إدراكهم التأثير المتبادل للأفكار والتأويلات والتفسيرات النازعة إلى الاستبداد باسم الدين، بين الأديان جميعًا، أو لتأويل النصوص نفسها وتفسيرها لتخدم مسعًى دنيويًا بحتًا، سواء بإنطاقها بما لم تقله، أو الإفراط في تأويلها، الذي قد يخرج بها عن المقصد الأسنى والأسمى للدين نفسه.

أما التنويري الأعمى فهو الذي يحبس نفسه في قمقم وينتج أفكارًا يسترزق منها، لا علاقة لها باحتياجات المجتمع، ومنها الطلب على الدين نفسه لما فيه من روحانية أو خلقية أو خيرية، ولا توقف فيها عند ما آلت إليه التجارب البشرية التي حاولت إقصاء الدين تمامًا عن الحياة، فخسر الناس كثيرًا، ولا اطّلاع على ما يتم الآن حتى في الغرب نفسه من مراجعة لهذا التصور أو المسلك، فالمطلوب، عند الأغلبية، هو نبذ الاستبداد أو الخرافة باسم الدين، وليس نبذ الدين نفسه. وحتى الذين يعطون ظهورهم للأديان كلها، بل للسماء نفسها، نجد ما يؤمنون به يتحول إلى نسق متماسك أو دين جديد.

إعلان

ليس المطلوب إذن أن يجري أي تنوير بمعزل عن أشواق الناس إلى الحرية والعدل والكرامة والكفاية والكفاءة والسوية، ولا عن استخدام التفكير العلمي، والنظر إلى التصورات الدينية والتقاليد والأعراف الاجتماعية في معرض مضاهاة ومقارنة، ومعرفة الفروق بين الذاتي والموضوعي، وهذا ما يؤمن به "التنويري المبصر" ويفعله، ويصر عليه وسط ضجيج التنوير المزيّف.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

aj-logo

aj-logo

aj-logo إعلان من نحناعرض المزيدمن نحنالأحكام والشروطسياسة الخصوصيةسياسة ملفات تعريف الارتباطتفضيلات ملفات تعريف الارتباطخريطة الموقعتواصل معنااعرض المزيدتواصل معنااحصل على المساعدةأعلن معناابق على اتصالالنشرات البريديةرابط بديلترددات البثبيانات صحفيةشبكتنااعرض المزيدمركز الجزيرة للدراساتمعهد الجزيرة للإعلامتعلم العربيةمركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسانقنواتنااعرض المزيدالجزيرة الإخباريةالجزيرة الإنجليزيالجزيرة مباشرالجزيرة الوثائقيةالجزيرة البلقانعربي AJ+

تابع الجزيرة نت على:

facebooktwitteryoutubeinstagram-colored-outlinersswhatsapptelegramtiktok-colored-outlineجميع الحقوق محفوظة © 2025 شبكة الجزيرة الاعلامية

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: حريات الدین نفسه هو الذی

إقرأ أيضاً:

الجزيرة نت في قلب بلدة زوطر الغربية جنوب لبنان بعد انسحاب قوات الاحتلال

زوطر الغربية بدأت العائلات اليوم الجمعة الدخول إلى بلدة زوطر الغربية في قضاء النبطية جنوب لبنان للمرة الأولى منذ وقف إطلاق النار، وسط إجراءات أمنية مشددة ينفّذها الجيش اللبناني.

واقتصر الدخول للبلدة على 5 سيارات في كل دفعة، بعد عمليات تفتيش دقيقة، بينما رافق الجيش الأهالي خلال تنقلهم داخل البلدة.

وكشفت مشاهد حصرية للجزيرة نت حجم الدمار الكبير الذي لحق بزوطر الغربية، إذ لم يُسمَح للأهالي بالتقدم إلى عمقها، واقتصر الدخول على الجزء الأول منها وتحت مرافقة الجيش اللبناني، في إطار الإجراءات الأمنية المتبعة.

عند دخولنا إلى البلدة، بدت آثار الدمار حاضرة في معظم أحيائها، ولم يُسمح بالوصول إلا إلى حي البلاطة، الواقع على أطرافها من الجهة الغربية، حيث تكشف المشاهد حجم الخراب الذي خلفته الحرب، عشرات المنازل بدت مدمرة كليا أو جزئيا، بينما لحقت أضرار جسيمة بالبنية التحتية والطرقات، إلى جانب دمار واسع طال عددا من المحال التجارية.

زوطر الغربية من المناطق التجريبية التي بدأ فيها تطبيق اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل (الجزيرة)خسائر كبيرة

ولا تزال أكوام الركام وآثار القصف تنتشر في الشوارع، في مشهد يعكس حجم الخسائر التي تكبدتها زوطر الغربية.

ومع أول دخول للسكان بعد أشهر من الغياب، خيّمت مشاعر الصدمة والحزن على المكان، توجّه كثيرون مباشرة إلى منازلهم لتفقّد ما تبقى من ممتلكاتهم، وسط مشاهد امتزجت فيها الدموع بالصمت، في حين بدت آثار الصدمة واضحة على وجوههم وهم يواجهون واقعا مختلفا عما تركوه قبل النزوح.

وبحسب ما رصدناه ميدانيا، اقتصر السماح بالدخول على عدد محدود من السكان ضمن مجموعات صغيرة، إذ كانت تدخل 5 سيارات فقط في كل دفعة، وبمواكبة من الجيش اللبناني، مما جعل عدد الذين تمكّنوا من دخول البلدة خلال الساعات الأولى محدودا.

إعلان

وعند الوصول إلى داخل زوطر الغربية، يتولى أحد عناصر الجيش تفتيش كل منزل قبل السماح لأصحابه بالدخول لتفقد ممتلكاتهم والاطمئنان عليها، على أن يرافقهم مجددا إلى خارجها فور انتهاء الزيارة، وفق الإجراءات الأمنية المعتمدة.

مشاهد الدمار التي خلّفتها الحرب في بلدة زوطر الغربية بقضاء النبطية (الجزيرة)مرحلة تجريبية

وبعد انسحاب قوات الاحتلال الإسرائيلي من البلدة، صباح الثلاثاء 21 يوليو/تموز 2026، دخلت وحدات من الجيش اللبناني إليها، في أول انتشار عسكري ضمن المرحلة التجريبية من الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل.

وانتشرت الوحدات العسكرية التابعة للجيش في شوارع البلدة، بينما باشرت فرق الهندسة مسح الطرقات والمنازل، بحثا عن ذخائر غير منفجرة ومخلفات عسكرية قد تهدد حياة السكان.

وفي الأثناء، أعلن الجيش اللبناني أن القوات الإسرائيلية أطلقت النار بالقرب من وحداته أثناء تنفيذ عملية الانتشار الثلاثاء الماضي، مؤكدا أن ذلك "عرّض العسكريين للخطر، وقد يؤثر على تنفيذ المهمة".

في المقابل، قالت إسرائيل إن إطلاق النار "جاء على شكل طلقات تحذيرية بعد اقتراب عناصر من الجيش اللبناني وآلية هندسية من منطقة قريبة من زوطر الشرقية، التي لا تشملها المرحلة التجريبية".

القصف الإسرائيلي استهدف منازل سكان زوطر الغربية (الجزيرة)اتفاق إطاري

وفي 26 يونيو/حزيران الماضي، أُبرم -برعاية أمريكية- اتفاق إطاري ينص على انتشار الجيش اللبناني في مناطق محددة جنوب لبنان، وإزالة السلاح والبنية العسكرية غير الحكومية منها، مقابل انسحاب إسرائيلي متدرج من الأراضي التي تحتلها إسرائيل.

وفي الجولة السادسة من المفاوضات المباشرة، التي عُقدت في روما منتصف يوليو/تموز الجاري، قال مسؤول أمريكي إن الطرفين اتفقا على "هيكل وإرشادات عملية للمناطق التجريبية، على أن تستكمل وتنفّذ في الأيام المقبلة".

ويوم الاثنين الماضي، أعلنت الخارجية الأمريكية بدء التطبيق في مناطق فرون وصريفا وزوطر الغربية.

الدمار لحق بكل ممتلكات أهالي زوطر الغربية (الجزيرة)

مقالات مشابهة

  • الجزيرة نت في قلب بلدة زوطر الغربية جنوب لبنان بعد انسحاب قوات الاحتلال
  • إيران تحيّد حزب الله الذي لم يعد مخيفاً!
  • نوح غالي: الأزمات فرصة مصر الكبرى لبناء اقتصاد مرن ومستدام
  • شمس البارودي: عمر الوحيد من أبنائي الذي أحب مهنة والده حسن يوسف
  • "إسرائيل" تمدد إغلاق مكتب "الجزيرة" وحظر عملها لـ 90 يوماً إضافياً
  • الجار الذي لا يخالط جيرانه
  • العثور على جثة طالب مقتول في ظروف غامضة بجامعة الجزيرة
  • نائب وزير الخارجية : من يورّط نفسه مع النظام السعودي سيدفع الثمن
  • الفرح: مصير فرعون يتكرر اليوم مع السعودي
  • تسليم دعم لأسر الشهداء بشرق الجزيرة