كيف يغير الذكاء الاصطناعي طريقة بناء الحواسيب حول العالم؟
تاريخ النشر: 18th, May 2025 GMT
عبر العصور، استطاعت قلّة من الابتكارات التقنية تحويل العالم إلى ما هو عليه الآن، إذ ساهمت في تغيير شكل صناعات كاملة حتى أصبح العالم بالشكل الذي نعرفه اليوم، ويمكن تشبيه هذه الابتكارات بالثورة الصناعية التي كان لها أثر ممتد عبر السنين.
وعلى غرار التغير الحادث في آلية بناء الحواسيب وتعاملنا معها تزامنًا مع إطلاق شبكة الإنترنت في بداية تسعينات القرن الماضي، فإن الذكاء الاصطناعي الآن بدء في تغيير آلية بناء الحواسيب الذكية حول العالم، وهذا التغيير يتخطى مستوى المستخدمين المعتادين، فهو تغيير يمتد إلى قواعد البيانات والحواسيب التجارية التي تعتمد عليها الشركات بشكل رئيسي.
وبينما تسعى بعض الشركات التقنية لبناء نماذج ذكاء اصطناعي يمكن للمستخدمين الاستفادة منها وتسخيرها لصالحهم، فإن قطاع آخر من الشركات يسعى لتلبية الاحتياجات الصناعية للشركات التي تطور نماذج الذكاء الاصطناعي، إذ تحول الأمر إلى سباق مستعر بين كبرى الشركات في كلا القطاعين.
أعادت الشركات بناء أنظمة الحواسيب وابتكرت نوعًا جديدًا من المنشآت يدعى مراكز البيانات لمواكبة ثورة الإنترنت والحاجة المتزايدة لهذه الخدمة، والآن، تعيد الشركات بناء مراكز بياناتها والحواسيب بشكل يلائم تقنيات الذكاء الاصطناعي.
وبينما كانت قواعد البيانات في السابق تعتمد بشكل أكبر على سعة التخزين والاتصال بالإنترنت من أجل مشاركة البيانات، أصبحت الآن تعتمد على مكون مختلف تمامًا، وهو البطاقات الرسومية التي تمثل اللبنة الأولى لبناء مراكز بيانات ملائمة للذكاء الاصطناعي.
توفر البطاقات الرسومية قوة حوسبة تتفوق في غالب الأحيان على المعالجات المركزية ووحدات المعالجة العصبية، لذا اتجهت إليها الشركات من أجل بناء مراكز البيانات، وعبر دمج أكثر من 100 ألف شريحة رسومية وتوصيلها معًا، ولدت الحواسيب الخارقة الجديدة التي تكون مراكز البيانات للذكاء الاصطناعي.
إعلان حواسيب خارقة من بطاقات رسوميةفي الماضي، كان استخدام البطاقات الرسومية يقتصر على العاملين في القطاعات التي تحتاج إلى قوة معالجة رسومية، مثل قطاعات الإعلام المختلفة التي تحتاج لبناء نماذج ثلاثية الأبعاد وتحريكها أو مونتاج الأفلام ومقاطع الفيديو فضلًا عن ألعاب الفيديو التي كانت تحتاج إلى قوة رسومية كبيرة.
لذا كانت تبني الشركات بطاقاتها الرسومية بكمية وآلية تلائم هذه الاستخدامات تحديدًا، دون النظر إلى بقية القطاعات، وربما كان هذا السبب الرئيسي وراء حدوث أزمة البطاقات الرسومية في الأعوام الماضية مع انتشار جهود تعدين العملات الرقمية واكتشاف قدرات هذه البطاقات على التعدين.
وبشكل يماثل أجهزة التعدين الخارقة التي تجمع بين أكثر من بطاقة رسومية واحدة، ولدت الحواسيب الخارقة المكونة من 100 ألف بطاقة رسومية أو أكثر، وهي حواسيب قادرة على تشغيل أنظمة الذكاء الاصطناعي وتلبية احتياجاته من قدرات الحوسبة الكبيرة.
بالطبع، لا يتكون مركز بيانات الذكاء الاصطناعي من حاسوب خارق واحد فقط، بل يضم عشرات وربما مئات الحواسيب الخارقة، وهذا يجعل تكلفة بناء هذه المراكز والمحافظة عليها أعلى من مراكز البيانات التقليدية.
في عام 2006، استثمرت "غوغل" لبناء أول مركز بيانات لها في دالاس بولاية أوريغون وذلك بتكلفة تقريبية وصلت إلى 600 مليون دولار، واليوم بعد مضي ما يقرب من عقدين، تحاول "أوبن إيه آي" مع شركائها بناء 5 مراكز بيانات مخصصة للذكاء الاصطناعي بتكلفة 100 مليار دولار، مع توقعات بضخ 400 مليار دولار أخرى قبل إنتهاء المشروع، أي بتكلفة تزيد عن 1000 ضعف تكلفة أول مركز بيانات بنته "غوغل".
وبينما تتسابق "أوبن إيه آي" مع الشركات الأميركية لبناء مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي الخارق مع هذه التكاليف المهولة، فإن شركة "ديب سيك" الصينية جاءت لتأخذ السباق في إتجاه مختلف تمامًا، إذ استطاعت تدريب نموذج الذكاء الاصطناعي الخاص بها دون الحاجة إلى إنفاق المليارات لبناء مركز بيانات خاص به.
إعلان أثر ممتد على الاقتصاد العالميلم يقتصر أثر الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات التابعة له على الشرائح وآليات بناء هذه المراكز فقط، بل امتد إلى كل ما تحتاجه هذه المراكز لتعمل بكفاءة وطوال الوقت، وكما تسببت الثورة الصناعية في ظهور المحركات البخارية التي احتاجت إلى شبكات طرق ونقل تلائمها، تحتاج مراكز الذكاء الاصطناعي إلى مصادر طاقة ملائمة لها فضلًا عن آليات تبريد تلائمها.
إذ تكمن نقطة الضعف الأكبر في الشرائح الرسومية المطلوبة لتشغيل تقنيات الذكاء الاصطناعي في حجم الطاقة اللازم لتشغيل هذه الشرائح والحرارة الناتجة عنها، وهو ما يجعلها تحتاج إلى آليات تبريد خاصة تسخر المياه الجارية.
ومع تزايد الطلب على مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، يرتفع الطلب على الشرائح الرسومية اللازمة لتشغيل هذه المراكز فضلًا عن الحاجة إلى المزيد من الطاقة الكهربائية ومصادر الطاقة الجديدة إلى جانب كميات مياه أكبر من أجل التبريد أو آليات تبريد جديدة.
ربما تمكنت الشرائح الرسومية الحالية المطورة من قبل "نفيديا" وغيرها من الشركات، تلبية احتياجات الذكاء الاصطناعي وتشغيل نماذجه في الوقت الحالي بكفاءة، ولكن هذه النماذج تطور بمعدل أسرع من معدل تطور الشرائح الرسومية في الوقت الحالي، وهو الأمر الذي يدفع الشركات لتطوير شرائح جديدة قادرة على تلبية المتطلبات الجديدة.
تحاول "غوغل" و"نفيديا" بناء شرائح جديدة ذات قوة أكبر ومتطلبات أقل لتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي، وذلك عبر توفير ما يعرف باسم الأنوية العصبية، وهي أنوية مخصصة لتشغيل الشبكات العصبية التي تعد المكون الرئيسي لنماذج الذكاء الاصطناعي المعتادة.
لماذا الحاجة للشرائح الرسومية وليس الشرائح المعتادة؟تستطيع الشرائح الرسومية تشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي ومعالجة الأوامر الموجهة إليه بشكل أفضل من شرائح المعالج المركزي المعتادة، وذلك بفضل آلية عملها الفريدة والمختلفة من نوعها، فبينما تعتمد المعالجات المعتادة على وحدات المعالجة الفردية التي تعالج البيانات بشكل متتابع، فإن الشرائح الرسومية تعتمد على عدد أكبر من وحدات المعالجة القادرة على معالجة البيانات معًا في وقت واحد.
إعلانومن أجل تبسيط الفارق بين الوحدتين، لنتخيل وجود صورة أمامنا يحتاج الذكاء الاصطناعي لقرائتها وتحليلها ثم إعادة بنائها مجددًا، فبينما يقوم المعالج المركزي المعتاد بقراءة كل سطر من الصورة بشكل متتالية، أي يقرأ الجزء العلوي منها ثم ينتقل إلى الجزء الأسفل منه وهكذا، فإن المعالج الرسومي يقوم بقراءة الصورة كلها معًا في آن واحد، وذلك لأن كل وحدة معالجة تقوم بقراءة جزء من الصورة بشكل منفصل عن الوحدة المجاورة لها وفي الوقت ذاته.
تتيح آلية التواصل بين وحدات المعالجة المختلفة في المعالجات الرسومية بناء ما يعرف باسم الشبكة العصبية، وهي التي تبني نماذج الذكاء الاصطناعي ونماذج الدردشة الفريدة المعتمدة عليها، ومن أجل زيادة قوة هذه الشبكات العصبية وتجهيز البطاقات لتشغيلها بكفاءة تامة، قامت "نفيديا" كشركة رائدة في قطاع بطاقات الشاشات ببناء بطاقات جديدة تحمل أشباه موصلات أكثر في الشريحة ذاتها، ولاحقًا، بدأت "غوغل" في جهود بناء شرائح الذكاء الاصطناعي الخاصة بها.
مراكز بيانات أكثر إزدحامًابفضل الطريقة المختلفة التي تعمل بها البطاقات الرسومية عن بقية المعالجات، فإن قوة البطاقة الفردية ليست العامل الوحيد المؤثر في قوة مركز البيانات وسعته، بل عدد البطاقات المتواجدة معًا في المركز الواحد، فكلما ضم المركز عددًا أكبر من البطاقات، تمكنت هذه البطاقات من العمل معًا بشكل أفضل وأصبحت قادرةً على إنتاج بيانات أكثر وذات جودة أعلى.
وبالتالي، بدأت الشركات في وضع عدد أكبر من بطاقات الشاشة والشرائح الخاص بها داخل مراكز البيانات، وقامت بعض الشركات الأخرى مثل "ميتا" ببناء المزيد من مراكز البيانات المتجاورة لزيادة قوة نموذج الذكاء الاصطناعي الخاص بها.
فبعد أن بنت "ميتا" 5 مراكز بيانات في عام 202 على بعد ساعة من جنوب مدينة سولت ليك في قلب الصحراء الأميركية، قامت في عام 2022 بعد ظهور "شات جي بي تي" وبدء سباق الذكاء الاصطناعي بتحويل هذه المراكز لتصبح ملائمة لتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي وقامت ببناء مركزين جديدين إلى جوارهم، مع العمل أن حجم المركز الواحد يتخطى 65 ألف متر مربع.
إعلانالتوجه الجديد لبناء مراكز الذكاء الاصطناعي رفع من معدل إستهلاك الطاقة بشكل كبير، إذ تحتاج البطاقات الرسومية إلى طاقة أكبر من الحواسيب المعتادة، وهذا أثر سلبًا على استهلاك الطاقة في هذه المراكز والمناطق المحيطة بها.
في عام 2023، قامت شركة "سيراسكيل" (Cirrascale) بتأجير مركز بيانات تقليدي تبلغ مساحته 13 ألف متر مربع، مركز البيانات هذا كان يضم 80 صفًا من الحواسيب التقليدية ويستهلك شهريًا 5 ميغاواط من الطاقة، وهي كمية كافية لتشغيل 3600 منزل أميركي متوسط.
لاحقًا، قامت "سيراسكيل" بازالة الحواسيب التقليدية الموجودة في المركز واستبدلتها بحواسيب مزودة ببطاقات شاشة، وبعد أن كانت تستهلك 5 ميجاواط لتشغيل 80 صفًا من الحواسيب، أصبحت الآن تستهلك معدل الطاقة زادته لتشغيل 10 صفوف من الحواسيب المزودة ببطاقات الشاشة، وحتى إن زادت الشركة من استهلاكها للطاقة بمعدل 10 أضعاف، فإن هذا لن يكون كافيًا لتشغيل 80 صفًا من الحواسيب ذات بطاقات الشاشة المخصصة للذكاء الاصطناعي.
ورغم الاستهلاك الضخم للطاقة الذي استعرضته شركة "سيراسكيل"، فإنها تظل من الشركات الصغيرة في قطاع الذكاء الاصطناعي التي لا تقارن مع شركة عملاقة مثل "أوبن إيه آي" التي تحتاج إلى أضعاف هذه الطاقة، وقد ظهر تقرير مؤخرًا يشير إلى الشركة تنوي بناء 5 مراكز بيانات تستهلك طاقة كهربائية أكثر من 3 مليون منزل أميركي.
بحسب التقارير، فإن مراكز البيانات للذكاء الاصطناعي استهلكت أكثر من 4% من إجمالي الطاقة المولدة في الولايات المتحدة، ومن المتوقع أن تحتاج هذه المراكز إلى المزيد من الطاقة وحجم أكبر مستقبلًا مع نمو وتطور تقنيات الذكاء الاصطناعي والشرائح المستخدمة لتشغيلها.
إعلانهذا الاحتياج المبالغ فيه للطاقة دفع العديد من الشركات إلى النظر لحلول مستدامة لتشغيل مراكز البيانات الخاصة بها، بين الاعتماد على الطاقة النووية والطاقة الشمسية لتوليد الكهرباء، أو التوجه إلى الصحارى وتسخير طاقة الرياح، ولكن استهلاك الطاقة المبالغ فيه ليس المشكلة الوحيدة، إذ أن استهلاك هذا الكم من الكهرباء يولد طاقة حرارية يصعب التخلص منها وقد تسبب في تلف الحواسيب والشرائح الرسومية، لذا كان يجب على الشركات البحث عن حل للتخلص من هذه الحرارة.
حلول مبتكرة للتبريدجرت العادة أن يعتمد تبريد مراكز البيانات على أجهزة تبريد هوائية، تقوم بسحب الهواء الساخن والدافئ وضخ الهواء البارد بدلًا منه، وقد كانت هذه الآلية قادرة على تبريد الهواء بشكل ملائم حتى ظهرت الحاجة إلى مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي.
لذا احتاجت الشركات لابتكار آلية تبريد جديدة قادرة على مواكبة درجات الحرارة الناتجة من شرائح الشاشة والحواسيب المتلاصقة معًا، وما تقوم به "غوغل" في مركز البيانات الخاص بها في بريور، وهي بلدة زراعية ومربية للماشية تقع في الزاوية الشمالية الشرقية من أوكلاهوما، يعد الحل الأقرب للمثالية.
اختارت "غوغل" اللجوء إلى المياه الباردة من أجل تبريد مراكز البيانات الخاصة بها، إذ يضم مقر "غوغل" هناك 13 مركز بيانات مختلف مع عشرات الآلاف من البطاقات الرسومية تستهلك مئات الميغاواط من الطاقة، وبين هذه المباني الأسمنتية، تجد مضخات المياه البادرة التي تعمل على تبريد مراكز البيانات هذه.
ولضمان جودة التبريد، فإن "غوغل" تجعل المياه الباردة تمر في مسارات ملاصقة للحواسيب والشرائح لتسحب الحرارة وتستبدلها بالأجواء الباردة الملائمة، وهذه الطريقة تشبه ما يحدث مع مضخات التبريد المائي المعتاد للحواسيب المنزلية.
بالطبع، تمثل المياه خطرًا مباشرًا على شرائح ومعالجات مراكز البيانات الخاصة، إذ قد تتعرض الشرائح للتلف فور وصول المياه إليها، ومن اجل تفادي هذا الأمر، تستخدم "غوغل" موادًا كيميائية لتجعل المياه أقل توصيلًا للكهرباء وبالتالي أقل ضررًا.
في عام 2023، استهلكت مراكز البيانات من "غوغل" 6.1 مليار غالون من المياه، وذلك قبل أن تفتح 11 مركز بيانات جديد في عدة ولايات أميركية، ناهيك عن مراكز البيانات التابعة للشركات الأخرى، وهذا يضع مخزون المياه العالمي تحت ضغط استهلاك مهول قد لا يكون قادرًا على تلبيته.
تحاول الشركات بشتى الطرق أن تجدًا حلولًا ملائمة للتغلب على التحديات المختلفة التي تواجه مراكز البيانات الخاصة بالذكاء الاصطناعي، ورغم نجاح بعض هذه الحلول، إلا أنها لم تخاطب المشكلة الرئيسية والمتسبب الرئيسي في الأزمة، وهي المتطلبات المرتفعة لهذه المراكز.
إعلانوبينما أثبتت "ديب سيك" إمكانية طرح نموذج ذكاء اصطناعي خارق بالاعتماد على المصادر المفتوحة للذكاء الاصطناعي، إلا أن هذا ليس حلًا مستدامًا لكافة الشركات التي تسعى لطرح وتقديم هذه النماذج مفتوحة المصدر.
وبالتالي، يصبح تقديم مراكز بيانات ذكاء اصطناعي ذات متطلبات أقل هو الحل الأكثر جدوى أمام الشركات، إذ تحتاج الشركات إلى تقديم شرائح أقوى قادرة على تشغيل الذكاء الاصطناعي دون استهلاك الطاقة بشكل مبالغ فيه أو تحتاج إلى مئات المليارات من الدولارات لبناء مئات الآلاف من الشرائح.
ربما يكون الحاسوب الكمومي هو الحل المثالي، وربما يكون الحل في جيل جديد من بطاقات الشاشة والشرائح الذكية أو نموذج ذكاء اصطناعي غير متطلب، ولكن الأمر الأكيد أن استمرار مراكز البيانات في استهلاك الطاقة والمياه بهذا الشكل سيكون له أثر سلبي واسع على حياتنا اليومية.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: حريات تقنیات الذکاء الاصطناعی بیانات الذکاء الاصطناعی نماذج الذکاء الاصطناعی للذکاء الاصطناعی استهلاک الطاقة ذکاء اصطناعی مراکز بیانات شرائح جدیدة هذه المراکز مرکز بیانات من الحواسیب بناء مراکز من الشرکات من الطاقة الخاص بها تحتاج إلى قادرة على أکثر من أکبر من فی عام من أجل
إقرأ أيضاً:
هل يهدد الذكاء الاصطناعي أرباح صناع المحتوى على يوتيوب؟
بين كتابة النصوص، والتعليق الصوتي، والمونتاج، وتصميم الصور المصغرة، أصبح الذكاء الاصطناعي حاضراً في معظم مراحل إنتاج الفيديوهات على يوتيوب، الأمر الذي أثار مخاوف صناع المحتوى بشأن مصير إيراداتهم من الإعلانات.
أصدرت يوتيوب توضيحات جديدة لسياسات تحقيق الدخل التي بدأ تطبيقها منتصف يوليو (تمًّوز)، وأكدت خلالها أن الذكاء الاصطناعي ليس سبباً مباشراً لفقدان الأرباح، ويرتبط الأمر بطريقة استخدامه.
القنوات التي تقدم رؤية خاصة وتحليلاً وتجارب يصعب تكرارها ستظل الأقدر على الحفاظ على عائداتها، ويرتفع خطر فقدان الإعلانات عندما يتحول الذكاء الاصطناعي من وسيلة مساعدة إلى بديل كامل عن الإبداع البشري.
ولحسم هذا الجدل، أصدرت المنصة توضيحات جديدة لسياسات تحقيق الدخل التي بدأ تطبيقها منذ منتصف يوليو (تموز) الجاري، أكدت خلالها أن الذكاء الاصطناعي ليس سبباً مباشراً لفقدان الأرباح، وإنما يرتبط الأمر بطريقة استخدامه؛ فالفيديوهات التي تعتمد على قوالب متكررة وإنتاج واسع النطاق من دون قيمة مضافة أو معالجة أصلية من صانع المحتوى نفسه قد تصبح غير مؤهلة لتحقيق الدخل.
لهذا، أعادت المنصة تسمية سياسة "المحتوى المتكرر" إلى "المحتوى غير الأصيل"، في خطوة تستهدف توضيح المعايير المطبقة بالفعل، وليس استحداث قواعد جديدة.
كما أشارت إلى أن التقييم لا يكون لفيديو بعينه، إنما تنظر إلى القناة بوصفها وحدة متكاملة، فتراجع موضوعها الرئيسي، وأكثر المقاطع مشاهدة، وأحدث الفيديوهات المنشورة، إضافة إلى العناوين والوصف والبيانات التعريفية، لرصد ما إذا كان المحتوى يعكس مساهمة حقيقية من صاحبه، أم يعتمد على إنتاج آلي متكرر.
3 أنواع من المحتوى تحت المجهروحددت يوتيوب ثلاثة أنماط رئيسية من المحتوى تعرّض القنوات لفقدان الإعلانات، يأتي في مقدمتها المحتوى النمطي أو المتكرر، مثل الفيديوهات التي تعتمد على قالب واحد مع تعديلات طفيفة، أو عروض الشرائح المصحوبة بتعليق محدود، أو النصوص التي ينتجها الذكاء الاصطناعي من دون إضافة رأي أو تحليل أو تجربة يقدمها صاحب القناة.
وتضم الفئة الثانية المحتوى الذي يعتمد على الإثارة أو الصدمة لجذب المشاهدات، بما في ذلك القصص المتشابهة، والصور المضللة، والمقاطع التي تفتقر إلى تسلسل منطقي أو سرد متماسك. والفئة الثالثة، تتعلق باستخدام شخصيات أو مقدمي برامج مولدين بالذكاء الاصطناعي في موضوعات حساسة مثل الصحة، القانون، المال والسياسة، إذا جرى تقديمهم على أنهم خبراء حقيقيون، بما يضلل المشاهدين ويؤثر بالسلب على حياتهم الشخصية.
لذلك توصي المنصة بعدم استخدام الألقاب أو الملابس أو التصاميم التي تمنح المشاهد انطباعاً خاطئاً بشأن حقيقة هذه الشخصيات، مع ضرورة توضيح أنها شخصيات خيالية إذا كانت تستخدم لأغراض تعليمية أو ترفيهية.
الإبداع للإنسان.. والأداة للتنفيذ
ولم تغفل يوتيوب التأكيد على أن استخدام قالب ثابت أو هوية بصرية موحدة للقناة لا يمثل مخالفة في حد ذاته، فالكثير من القنوات الناجحة تعتمد أسلوباً ثابتاً في التقديم والإخراج، لكن الفارق يكمن في مضمون كل فيديو. لهذا تنصح المنصة صناع المحتوى بمراجعة مقاطعهم المصورة بصورة دورية، ومقارنة الحلقات الحديثة ببعضها، للتأكد من أن كل فيديو يبدأ بسؤال مختلف، أو يناقش فكرة جديدة، أو يقدم تجربة أو معلومة لا يمكن استبدالها بسهولة بفيديو آخر.
أيضاً لا ترى يوتيوب مشكلة في استخدام الذكاء الاصطناعي للمساعدة في إعداد الأفكار، أو كتابة المسودات الأولية، أو تصميم الصور، أو إعداد الترجمة والرسوم التوضيحية، طالما بقيت مسؤولية البحث والتحقق والتحرير النهائي في يد صانع المحتوى.
وتشدد المنصة على أن العنصر البشري يظل العامل الحاسم في تقييم أهلية الفيديو لتحقيق الدخل، سواء من خلال التحليل، أو الشرح، أو التصوير الأصلي، أو التجارب، أو المقابلات، أو أي إضافة تجعل المحتوى مختلفاً عن المواد التي يمكن إنتاجها بصورة آلية.
مستر بيست يدخل التاريخ.. أول صانع محتوى يتجاوز 500 مليون مشترك على يوتيوب - موقع 24سجّل صانع المحتوى الأمريكي الشهير مستر بيست (جيمي دونالدسون) إنجازاً تاريخياً جديداً على منصة يوتيوب، بعدما أصبح أول صانع محتوى يتجاوز حاجز 500 مليون مشترك، في رقم قياسي غير مسبوق يعكس حجم شعبيته العالمية وتأثيره المتنامي في صناعة المحتوى الرقمي.
في الوقت ذاته، توضح يوتيوب أن الإفصاح عن استخدام الذكاء الاصطناعي لا يحسم مصير الإعلانات على الفيديو؛ فلا يؤدي وحده إلى حرمانه من تحقيق الدخل، كما لا يضمن له الاحتفاظ به، إذ يخضع المحتوى في النهاية لمعايير التقييم المعتمدة لدى المنصة.
في المقابل، يؤدي عدم الإفصاح عن المحتوى الاصطناعي إلى اتخاذ إجراءات ضد القناة، خاصة إذا تعلق الأمر بموضوعات مثل الانتخابات أو الكوارث أو النزاعات أو القضايا الصحية والمالية، لما قد يترتب عليها من تضليل للمشاهدين.
كيف تتجنب فقدان الإعلانات؟ولتجنب فقدان أهلية تحقيق الدخل، تنصح يوتيوب صناع المحتوى بمراجعة القناة بشكل منتظم، وعدم التركيز فقط على الفيديوهات الجديدة، إذ يعتمد تقييم المنصة على الصورة العامة للمحتوى وطبيعة النمط الذي تتبعه القناة بالكامل.
كما تشجع على الاعتماد على مصادر موثوقة وتوثيق المعلومات المستخدمة، مع إضافة قيمة واضحة في كل فيديو من خلال التحليل أو التعليق أو التجارب الأصلية، إلى جانب التأكد من أن العناوين والصور المصغرة تعكس مضمون المحتوى بدقة، بعيداً عن المبالغة أو تقديم وعود لا يقدمها الفيديو فعلياً.
لأول مرة.. يوتيوب يزيح نتفليكس من صدارة وقت المشاهدة اليومية عالمياً - موقع 24سجّل موقع يوتيوب إنجازاً جديداً في سوق الفيديو الرقمي بعدما تفوّق للمرة الأولى على منصة نتفليكس من حيث متوسط وقت المشاهدة اليومي عالمياً، ليصبح المنصة الأكثر استحواذاً على انتباه المستخدمين حول العالم خلال عام 2025.
وتولي المنصة اهتماماً خاصاً بالمقاطع الأكثر مشاهدة، باعتبارها جزءاً أساسياً من الصورة التي تُقيّم على أساسها القناة، لذلك توصي بمراجعة هذه الفيديوهات وإعادة تطوير أو حذف المحتوى الذي يعتمد على التكرار أو يفتقر إلى إضافة تحريرية واضحة.
وفي النهاية، تؤكد يوتيوب أن الذكاء الاصطناعي سيظل أداة مهمة في مستقبل صناعة المحتوى، لكنه لا يمكن أن يحل محل دور صانع المحتوى؛ فالقنوات التي تقدم رؤية خاصة وتحليلاً وتجارب يصعب تكرارها ستظل الأكثر قدرة على الحفاظ على عائداتها، بينما يرتفع خطر فقدان الإعلانات عندما يتحول الذكاء الاصطناعي من وسيلة مساعدة إلى بديل كامل عن الإبداع البشري.