عربي21:
2026-07-24@14:59:25 GMT

الابتلاء سنة الأنبياء.. والتمكين وعد الله لا يخلفه

تاريخ النشر: 19th, May 2025 GMT

لم تكن أصنام "اللات" و"العزى" سوى حجارة صامتة، تجسّد جهالة مرحلة ما قبل النور، لكنّ التاريخ يعيد دورته بوجه آخر. فالعرب الذين حطّم الإسلام قيود عبوديتهم الأولى، يعودون اليوم إلى طقوس خضوع مختلفة، أكثر حداثة في الشكل، وأشد امتهانا في الجوهر. إنهم يسجدون لواشنطن، ويُقبّلون يد تل أبيب، ويقيمون ولاءهم السياسي على عتبات العواصم الغربية.



لقد استبدل كثير من الحكام الدين بالدولار، والكرامة بتحالفات مشروطة، والقرآن بنشرات الأخبار. قُوّضت الأصنام، نعم، لكن تم تشييد أخرى: عملاقة، إسمنتية، لا تُعبد علنا، بل تُهاب وتُطاع باسم "المصالح العليا".

الهيمنة تصوغ العبيد بثوب السيادة

منذ اكتشاف النفط، ساد وهمٌ بأن الثروة تعني السيادة، وأن القصور تصنع الهيبة. لكن هذه الفرضية سرعان ما انهارت أمام اختبارات التاريخ. القرآن الكريم نفسه نَبَّه إلى هذا حين قال: "مَن كَانَ يُرِيدُ العِزَّةَ فَلِلَّهِ العِزَّةُ جَمِيعا" (فاطر: 10). فالعزة لا تُشترى، بل تُكتسب بالإيمان والعدل والموقف، غير أن كثيرا من الأنظمة صدّقت أن الثراء يكفي لصناعة القوة، فاستبدلت العزة بالرياء، وتحولت النعمة إلى نقمة حين اقترنت بالخضوع.

ورثة فرعون

ما قاله فرعون قديما: "أنا ربكم الأعلى" (النازعات: 24)، يُقال اليوم بصيغ دبلوماسية ناعمة؛ حكّام يبررون استبدادهم بذريعة "الاستقرار"، ويتكئون على تحالفات مع قوى الهيمنة كأنها قدر لا يُرد. لكنّ القرآن يُذَكّر بأن فرعون لم يسقط بثورة جياع، بل بضعف مظلومين آمنوا بوعد الله: "فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ * فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ.." (الشعراء: 60-61). فالمعادلات المادية ليست وحدها موازين النصر، وهذا ما تجاهله أولئك الذين ربطوا مصيرهم بالغرب بدلا من شعوبهم.

قارون في ثوب معاصر

قارون، الذي فُتن بثروته فخسف الله به وبداره الأرض، لم يكن حكاية رمزية فحسب، بل نموذجا متكررا في السياق العربي الحديث. نرى اليوم حكّاما يتفاخرون بالأبراج والأرقام والأرصدة، وكأن المال يمنحهم الشرعية ويمنع عنهم عاقبة الحساب، "فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ" (القصص: 81). لكن لا القصور تحمي من الزلازل، ولا المليارات تؤخّر لحظة السقوط.

الدرس المنسي من سبأ

في قصة سبأ، اجتمعت الخيرات والسلطة، لكن البركة تلاشت حين أعرض القوم عن شكر النعمة. جاءهم سيل العرم، فمحا كل ما ظنوه دائما، "فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ" "سبأ: 16". فهل نحتاج إلى عاصفة جديدة لنتعلّم الدرس ذاته؟ الثروات لا تصنع حضارة إذا غاب عنها البصيرة، وانفصلت عن عدالة السياسة ونقاء الروح. المفكر الجزائري مالك بن نبي أشار بدقة إلى هذه الإشكالية حين قال: "الثروة التي لا تصنع الوعي، تصنع التبعية".

مصر وذاكرة الفرعون

من أرض الكنانة بدأ الخلاص، حين واجه موسى طغيان فرعون، لكن المفارقة أن مصر اليوم تمضي نحو استنساخ النموذج ذاته؛ مدن ذكية تُبنى على خرائط الفقر، ومشاريع عملاقة تُلمّع واجهات متصدعة اجتماعيا. والغائب الأكبر هو النداء الإلهي الذي قال: "وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ" (الأعراف: 137). لم تعد المسألة تنموية بقدر ما هي بنيوية، ترتبط بإرادة سياسية مغيبة عن أولويات الأمة.

من يقرأ القرآن لا تفوته حقيقة أن مصائر الطغاة ليست مجرد قصص وعظية، بل هي سننٌ ربانية تمهل ولا تهمل. القصور مهما علت، يطويها التراب، وكل استعلاء لا يستند إلى الحق، هو هبوط مؤجل. وما نشهده اليوم لا يمكن وصفه بالانحدار السياسي فحسب، بل هو ارتداد عن لحظة التنوير التي فجّرها الوحي يوم نزل على قلب محمد صلى الله عليه وسلم.

الرسول ومعاناة الطغيان: العزة تبدأ من اليقين

لم تكن العزة شعارا مرفوعا في صدر الإسلام، بل كانت طريقا محفوفا بالألم، محفورا بالدموع والجراح. لقد ذاق رسول الله صلى الله عليه وسلم من صنوف الأذى ما لم يتحمله بشر، لا لذنب جناه، بل لأنه قال: ربّي الله. شُجّ وجهه في أُحد، أوذي في الطائف، حُوصِر في الشِّعب ثلاث سنين، مات عمه وزوجه في عام واحد، لكنه ثبت. لم تهتزّ في قلبه ذرة يقين، لأنه يعلم أن الله لا يُخلف وعده.

قال الصحابي خباب بن الأرتّ: "شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة في ظل الكعبة، فقلنا: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فقال: لقد كان مَن قبلكم يُؤتى بأمشاط الحديد، ما يصرفه ذلك عن دينه.. ولكنكم تستعجلون" (رواه البخاري). هكذا كانت التربية النبوية: الصبر مع وضوح البوصلة.

إن حكمة الله في الابتلاء ليست تعذيبا، بل تمييزا. لا يولد النصر من رحم الوفرة، بل من عمق المحنة، وإن الأمة التي تستبدل هذا اليقين بالارتهان للخارج، لن تحصد إلا الخيبة. العزة لا تُستورد، ولا تُنتزع من بين ركام التحالفات، بل تُولد من قلب مؤمن بأن الكرامة لا تُشترى، وأن القرآن ليس وثيقة تراث، بل دستور نجاة.

المصدر

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مدونات مدونات السقوط الابتلاء سقوط إيمان ابتلاء تمكين قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء مقالات مقالات مقالات مقالات سياسة سياسة سياسة سياسة صحافة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة

إقرأ أيضاً:

في 13 محافظة | الأوقاف تفتتح اليوم 25 مسجدًا ضمن خطتها لإعمار بيوت الله

تفتتح وزارة الأوقاف، في إطار خطتها لإعمار بيوت الله -عز وجل- 25 مسجدًا اليوم الجمعة 24 يوليو 2026 في 13 محافظة، حيث تم إحلال وتجديد (18) مسجدًا، و صيانة وتطوير (7) مساجد.

وأعلنت الوزارة وصول إجمالي عدد المساجد المفتتحة منذ أول يوليو 2026م حتى الآن، إلى (80) مسجدًا من بينها (51) مسجدًا بين إنشاء جديد وإحلال وتجديد، و (29) مسجدًا صيانًة وتطويرًا، وأكدت الوزارة أن إجمالي ما تم إحلاله وتجديده وصيانته وفرشه منذ يوليو 2014م2014م بلغ (14759) مساجد بتكلفة إجمالية تقدر بنحو 28 مليارًا و 400 مليون جنيه.

قائمة المساجد المقرر افتتاحها اليوم وبيانها كالتالي: في محافظة الشرقية:

تم إحلال وتجديد مسجد الشهداء آل قراوش بقرية الشوبك - مركز الزقازيق، ومسجد الرحمة بكفر حمد موسى بقرية الدهتمون - مركز أبو كبير.

تم صيانة وتطوير مسجد سيدي مبارك الأنصاري بقرية منية سلمنت - أنشاص - مركز بلبيس.

وفي محافظة الفيوم:

تم إحلال وتجديد مسجد الوكيل بقرية كحك بحري - مركز الشواشنة، ومسجد أحمد أبو زيد بقرية قلهانة - مركز إطسا، ومسجد أم المؤمنين بقرية فيدمين - مركز سنورس، ومسجد عبد اللطيف خليفة - مركز أبشواي.

وفي محافظة أسيوط:

تم إحلال وتجديد مسجد سعد مكارم بشارع الجلاء - مدينة القوصية، ومسجد محمد مرسي بيومي بقرية الحواتكة غرب - مركز منفلوط، ومسجد أولاد شبانة بقرية أبو كريم - مركز ديروط.

وفي محافظة المنيا:

تم إحلال وتجديد مسجد الظاهر بقرية إدقاق المسك - مركز مطاي، ومسجد الشرقي العتيق بقرية الأزهري - مركز العدوة، ومسجد الحاجة دولت بقرية القيس - مركز بني مزار.

وفي محافظة البحيرة:

تم إحلال وتجديد مسجد الهدى بقرية عبد الحليم محمود - النوبارية - مركز أبو المطامير، ومسجد سعد الشباسي بقرية البستان - مركز الدلنجات، ومسجد عزبة غزال بقرية أبو الشقاف - مركز حوش عيسى.

وفي محافظة كفر الشيخ:

تم إحلال وتجديد مسجد عطا الزعويلي بقرية أبو مندور - مركز دسوق بحري.

تم صيانة وتطوير مسجد الكبير بقرية كفر دفرية - مركز كفر الشيخ.

وفي محافظة الغربية:

تم إحلال وتجديد مسجد الكبير بقرية كفر حانوت - مركز زفتى.

وفي محافظة الدقهلية:

تم إحلال وتجديد مسجد عكاشة بقرية 56 - مركز بلقاس.

وفي محافظة المنوفية:

تم صيانة وتطوير مسجد عمر بن الخطاب - مركز بركة السبع.

وفي محافظة القليوبية:

تم صيانة وتطوير مسجد القديم بعزبة دار الكتب - مركز القناطر الخيرية.

وفي محافظة قنا:

تم صيانة وتطوير مسجد المعز بحي تخصيص شركة السكر - مركز نجع حمادي.

وفي محافظة سوهاج:

تم صيانة وتطوير مسجد الخلوة بقرية الخلوة - مركز أخميم.

وفي محافظة بني سويف:

تم صيانة وتطوير مسجد وصفية الطحاوي - شرق النيل - بندر بني سويف.

وأكدت وزارة الأوقاف، هذه الجهود التزام وزارة الأوقاف بتطوير بيوت الله - عز وجل - وتحديثها، لتوفير بيئة إيمانية مناسبة للمصلين في مختلف أنحاء الجمهورية في إطار اهتمام الوزارة بإعمار بيوت الله - عز وجل - ماديًّا وروحيًّا وفكريًّا.

مقالات مشابهة

  • أذكار المساء اليوم الجمعة 24 يوليو 2026.. أفضل الأدعية والأذكار المستحبة
  • خطبتا الجمعة بالحرمين: تعاهُد القرآن بتلاوة آياته والعمل بها من أهم أسباب الثبات على دين الله.. والعناية بالأبناء مسؤولية مشتركة بين الوالدين
  • شراكة جديدة بين التضامن وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي لتعزيز التنمية والتمكين الاقتصادي
  • الأوقاف: الماء حياة ونماء موضوع خطبة الجمعة اليوم في جميع المساجد
  • كلمات تملأ القلب طمأنينة.. أذكار الصباح اليوم الجمعة 24 يوليو 2026
  • «الفارس الشهم 3» تُكرِّم 600 طفل من حفظة القرآن الكريم في غزة
  • «الماء حياة ونماء».. موضوع خطبة الجمعة بمساجد الجمهورية اليوم
  • في 13 محافظة | الأوقاف تفتتح اليوم 25 مسجدًا ضمن خطتها لإعمار بيوت الله
  • ناقد فني: الأفلام لا تصنع العنف.. الفن يعكس المجتمع
  • الأوقاف تحتفي بذكرى تسجيل أول أسطوانات للمصحف المرتل في التاريخ