سوق العمل العُماني بين التنظيم والتنظير
تاريخ النشر: 19th, May 2025 GMT
يشهد سوق العمل في سلطنة عُمان إجراءات تصحيحية من خلال اتخاذ مجموعة من القرارات التنظيمية التي، بلا شك، ستنعكس إيجابًا على الموضوعات والقضايا المرتبطة بقطاع العمل والتشغيل، لاسيما قضية الباحثين عن عمل، سواء الذين لم يسبق لهم العمل أو المنتهية خدماتهم من القطاع الخاص.
ويتميّز سوق العمل العُماني بأنه يحوي جملة من الفرص الوظيفية التي لم يُستفد منها منذ سنوات طويلة، أو لم يشغلها العُمانيون الباحثون عن عمل.
وبلغ عدد السجلات التجارية غير المساهمة في التوطين نحو ربع مليون سجل، قادرة على إيجاد ما لا يقل عن 100 ألف فرصة عمل للباحثين عن عمل، إذا ما تم استثناء السجلات التجارية غير النشطة والمتعثرة ماليًا والمنتهية صلاحيتها. ورغم وجود فرص وظيفية حقيقية مناسبة للباحثين عن عمل في غالبية السجلات التجارية، إلا أن كثرة الأعذار التي يطرحها ملاك السجلات غير واقعية، ولا مبنية على أرقام حقيقية أو متابعة مستمرة للنشاط التجاري، وربما تكون نوعًا من أنواع التجارة المستترة التي تسعى الجهات المعنية لمكافحتها سريعًا؛ لضررها على الاقتصاد الوطني.
إن تجويد منظومة سوق العمل في سلطنة عُمان بحاجة إلى مزيد من العمل الجاد من قبل أطراف الإنتاج الثلاثة، إضافة إلى اتخاذ مزيدٍ من القرارات الفاعلة لدراسة أسباب عدم توليد منشآت القطاع الخاص لفرص عمل مستدامة، في ظل تحسّن وضعها المالي، وتحسّن منظومة الاقتصاد الكلي عمومًا. وهنا نطرح تساؤلًا عن واقع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة والأنشطة التجارية الأخرى خارج منظومة بطاقة ريادة، من حيث التدفقات المالية، وعقود عمل العاملين العُمانيين وغير العُمانيين في المنشأة، وطبيعة الموردين، وطرق سداد مستحقاتهم، والمستحقات الشهرية الأخرى المترتبة على المنشأة، وفواتير الكهرباء والمياه، إضافة إلى التحويلات الخارجية، وسداد الرواتب الشهرية للعمال؛ حتى يتم التأكد من الأعمال التجارية الحقيقية القادرة على المساهمة في الاقتصاد الوطني، ومدى قدرتها على المساهمة في معالجة قضية الباحثين عن عمل.
والأهم من ذلك، أن تقوم المؤسسات المعنية بدراسة مؤشر مساهمة قطاع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في الناتج المحلي الإجمالي لسلطنة عُمان، ورفعه وفقًا لمستهدفات «رؤية عُمان 2040» ووفقًا للمأمول من هذا القطاع في المساهمة بفاعلية في التوجه الوطني نحو التنويع الاقتصادي.
أيضًا، أقترح تأجيل تطبيق قرار توظيف عُماني واحد على الأقل في السجلات التجارية حتى يتم الانتهاء من دراسة واقع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، ووضع المعالجات الداعمة لتطبيق القرار في المنشآت. كذلك، من المهم تكثيف حملات الرقابة والتفتيش على الحاصلين على تمويل لإقامة مشروعاتهم الخاصة؛ لضمان الاستفادة من امتيازات بطاقة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في تنمية المشاريع وتنفيذها على أرض الواقع، إضافة إلى نوعيتها، ومدى استدامة وضعها المالي والإداري؛ بهدف معرفة الأعداد الفعلية للسجلات التجارية النشطة، ومدى قدرتها على توفير شواغر وظيفية للباحثين عن عمل.
لنكن صرحاء، إن ما يسيء للقرارات الحكومية هو تفسيرها الخاطئ، وكثرة المنظّرين والمفسرين غير الاختصاصيين بشأنها، خاصة في وسائل التواصل الاجتماعي، مما يسهم في تناقل بعض المعلومات بطريقة مغلوطة، تساعد مستقبلًا على صنع الشائعات عن القرار وتداولها على نطاق واسع. ولمعالجة مثل هذه الممارسات المتكررة عند صدور القرارات الحكومية، يجب أن تصدر المؤسسة الحكومية بيانًا توضّح فيه تفاصيل القرار، قبل أن يتم التقليل من أهميته في وسائل التواصل الاجتماعي، حتى لا تكون الاجتهادات الشخصية في تفسير القرارات الحكومية سببًا في إثارة الرأي العام سلبيًا، أو يتكوّن رأي عام مبني على آراء شخصية غير صحيحة ومضللة.
كذلك، من الجيد أن تحوي الرسائل الإعلامية الموجّهة توضيحًا لأبعاد القرار الإيجابية، والمرونة في تنفيذه، من حيث دوره في اكتشاف الفرص الوظيفية المناسبة للعُمانيين في بعض الأنشطة التجارية، والدعم المتوقع أن تقدمه وزارة العمل لأصحاب السجلات لتوظيف الباحثين عن عمل، من خلال مبادرات العمل والتشغيل الداعمة للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة ماليًا، مثل مبادرة «العمل الجزئي» و«العمل بنظام الساعات».
أرى أن قرار وزارة العمل بإلزامية توظيف عُماني واحد على الأقل في كل سجل تجاري، ربما اتُّخذ للتعامل مع قضية شائكة مثل قضية الباحثين عن عمل، رغم معاناة بعض السجلات التجارية من تحديات هيكلية منذ التخطيط لممارسة الأعمال؛ لغياب دراسات الجدوى الاقتصادية، مما زاد من أعداد السجلات التجارية لتصل إلى ربع مليون سجل غير ملتزم بقرار التوطين. وربما تكون السجلات التجارية في الأساس شكلية فقط؛ لممارسة ملاكها التجارة المستترة في فترة ذروة انتشارها، وترتب عليها التزامات مالية كبيرة، مما حال دون استمرارها.
وأقترح تكوين لجنة تضم الجهات ذات العلاقة؛ لشطب السجلات التجارية غير النشطة، مع إعفائها من الغرامات، سواءً كانت عمالية أو إدارية أو التزامات أخرى، حتى يتم معرفة العدد الحقيقي للفرص الوظيفية المتوقع توفيرها.
ختامًا، أرى أن تقبّل القرارات الحكومية لدى أفراد المجتمع يكمن في ابتعاد البعض عن التنظير بشأنها، خصوصًا في وسائل التواصل الاجتماعي، أو الاجتهاد في تفسيرها دون الاستناد إلى مصدر رسمي أو معلومات دقيقة، مع ضرورة أن تبذل الجهات الحكومية جهدًا أكبر في سرعة تفسير القرارات الحكومية، حتى لا يُساء فهم القرار أو يُضلَّل المجتمع حوله، أو حتى يُقلّل منه، رغم إيجابيته ودوره في دعم الأداء الحكومي ومنظومة سوق العمل والتشغيل. رغم يقيني بأن وزارة العمل ستعمل على دعم قرار إلزامية توظيف عُماني واحد على الأقل في السجلات التجارية، بمبادرات تضمن نمو المؤسسات الصغيرة والمتوسطة ودعمها ماليًا.
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: المؤسسات الصغیرة والمتوسطة القرارات الحکومیة السجلات التجاریة الباحثین عن عمل للباحثین عن عمل المساهمة فی سوق العمل الع مانی ع مانی
إقرأ أيضاً:
تعليقاً على حوار نصر طه مصطفى: حين تروي السلطة قصة انهيار “الدولة”
*محمد اللطيفي
في كتابه “ما التاريخ “، يرى المؤرخ البريطاني إدوارد هاليت كار، أن دراسة التاريخ لا تبدأ بالوقائع وحدها، بل بمن يرويها. فالروايات، مهما بدت متماسكة وموضوعية، تحمل دائما شيئا من أصحابها، بقدر ما تحمل من حقائق الماضي.
ولهذا، لا تبدو قيمة الحوارات التي تُجرى مع مسؤولين من داخل السلطة في كونها تفصح عن وقائع جديدة مرتبطة بانهيار مسار بناء الدولة اليمنية، بقدر ما تكشف كيف أصبحت النخبة السياسية نفسها تروي حكاية هذا الانهيار. فليست المشكلة في قدرتها على تفسير أسبابه، فهذه خطوة لا يجوز التقليل من أهميتها. بل المشكلة في التردد في تسمية المسؤولية السياسية عن صناعته.
هذه هي الفكرة التي فرضت نفسها وأنا أتابع الحوار المطول، الذي أجراه الزميل أسامة عادل مع مستشار رئيس مجلس القيادة الرئاسي نصر طه مصطفى في برنامج #اليمن_بودكاست. فالرجل لا يتهرب من الاعتراف بأسباب انهيار الدولة؛ وهذه شجاعة تحسب له، بل يعرض سردية سياسية متماسكة نسبيا، تبدأ من ضعف التنمية، وهشاشة المؤسسات، وتمر عند الفرص السياسية التي أهدرت، وصولا إلى انقلاب مليشيا الحوثي على السلطة التوافقية (2014).
أهمية هذه السردية؛ التي وثقها اليمن بودكاست، لا تكمن فقط فيما تقوله، بل أيضا في الأثر الذي تتركه خارج إطار السياسة. فقيمة الشهادات السياسية ليست فيما تضيفه إلى سجل الوقائع، بل في ما تكشفه عن الطريقة التي تفهم بها النخب تاريخها.
كمثال؛ القول بأن ضعف التنمية أحد الأسباب الرئيسة للأزمة اليمنية، ذلك صحيح. إلا أن التنمية ليست قوة تعمل خارج مجال القرارات السياسة، بل هي نتيجة مباشرة لأولويات السلطات الحاكمة وفلسفة رؤيتها للحكم. وحين يقال إن المؤسسات الرسمية كانت هشة، ذلك صحيح أيضا، غير أن هذه الهشاشة لم تنشأ من تلقاء نفسها، بل كانت حصيلة خيارات سياسية طويلة الأمد، أديرت بها التوازنات وشبكات النفوذ على حساب بناء المؤسسات السيادية، وقدمت بها حسابات السلطة على مبادئ الدولة.
هل كان ذلك الضعف وتلك الهشاشة قدرا لا يمكن الفكاك منه أو مقاومة تداعياته؟ لمعرفة الإجابة يمكن تأمل محطات عدة مثلت فرصا لتجاوز اليمن أزمتها المستعصية مع الحكم والسلطة.
فبعد حرب صيف (1994)، امتلكت السلطة الحاكمة إمكانية إعادة بناء الدولة على أسس دستورية راسخة. وكانت السلطة التنفيذية في اليمن بعد الانتخابات البرلمانية (1997) أكثر استقرارا من أي وقت مضى. فيما حظيت العملية السياسية الناتجة عن #المبادرة_الخليجية (2011)، بإجماع إقليمي ودولي نادر. بينما قدم مؤتمر الحوار الوطني (2013–2014) تصورا متكاملا لشكل الدولة الجديدة، وأنجز مسودة دستور جديد لليمن.
يستحضر نصر طه؛ وهو صحفي شهير وسياسي بارز، هذه المحطات بوصفها فرصا ضائعة، وهو توصيف يصعب الاعتراض عليه. لكن ما تم نسيانه أن الفرص لا تهدر من تلقاء نفسها. فخلف هذا الضياع قرارات سياسية متهورة، وخلل في الأولويات، ونخب أساءت استخدام السلطة، وأحزاب معارضة فشلت في تقديم البديل. ولذلك، فإن تحويل تلك المحطات إلى مجرد “فرص ضائعة” يبقي الرواية ناقصة، ما لم يقترن بسؤال أكثر إلحاحا: من الذي أضاعها؟ ولماذا؟
يبقى حديث المستشار الرئاسي عن مؤتمر الحوار الوطني، ذو أهمية. فالنظر إليه باعتباره آخر مشروع سياسي متكامل لإنقاذ الدولة، يجد ما يدعمه في كثير من الوقائع. غير أن انقلاب #مليشيا_الحوثي، لم يسقط وثيقة سياسية فحسب، بل استهدف فكرة الدولة الجمهورية نفسها. وعليه لا يجوز هنا وضع #الحوثيين في سلة واحدة تضم الأزمات اليمنية، فهم ليسوا أزمة إضافية، هم مشروع متكامل عقائدي وعسكري وسياسي، يحمل فلسفة خاصة مناهضة لنظام اليمن الجمهوري تعيد تعريف السلطة وشرعيتها. ولهذا، فإن التعامل معهم باعتبارهم مجرد نتيجة يوضح جزءا من الصورة لكنه لا يفسر طبيعة المشروع السلالي الذي نقل الصراع من التنافس على إدارة الدولة إلى النزاع حول هويتها الدستورية ومركزها القانوني.
الأهم، أن الفرصة الحقيقية والثمينة التي أضاعتها النخب الحاكمة، هي مرحلة ما بعد الانقلاب. فمنذ انطلاق عاصفة الحزم العربية بقيادة #السعودية (نهاية مارس 2015)، حظيت الشرعية باعتراف سياسي واسع ودعم إقليمي ودولي كبير، لكن النخب الممثلة لتلك الشرعية لم تستطع تحويل ذلك الاعتراف إلى مشروع وطني متماسك لاستعادة الدولة. وبدلا من توحيد الصفوف لمواجهة المشروع الحوثي، ظلت الخلافات داخل معسكر الشرعية هي السمة المتسيدة والتي ساهمت في تعدد مراكز القرار، وذلك كله أعاق تحويل الشرعية القانونية إلى شرعية أداء، أو تحويل الدعم الخارجي إلى مؤسسات دولة فاعلة.
ولعل اللافت أن هذه ليست المرة الأولى التي تفرض فيها حوارات مع مسؤولين من داخل السلطة هذا النوع من الأسئلة.
ففي حوار سابق مع وزير الثقافة مطيع دماج، بدا واضحا أن جزءا معتبرا من النخبة السياسية أصبح يدرك طبيعة المشروع الحوثي، بوصفه مشروعا منظما يستهدف الدولة الجمهورية، مقرا، في الوقت نفسه، بعجز الشرعية عن تحويل هذا الإدراك إلى مشروع وطني قادر على هزيمته. ليضيف حوار نصر طه مصطفى بعدا آخر للصورة؛ إذ تبدو النخبة أكثر قدرة على تفسير أسباب انهيار الدولة، لكنها ما تزال أقل استعدادا للانتقال من تفسير الفشل إلى مساءلة الخيارات السياسية التي قادت إليه.
الشهادات السياسية اليمنية التي تشرح أسباب انهيار الدولة أصبحت أكثر حضورا من أي وقت مضى، وبتقديري هذه خطوة مهمة، لكن الأكثر أهمية منها هو امتلاك النخبة السياسية الشجاعة للاعتراف بالأخطاء التي ارتكبت وساهمت بالبلاد للوصول إلى ذلك الانهيار، وهو الاعتراف الذي لا يزال يقال بحذر، أو يؤجل، أو يخفف باللغة. فالروايات تبقي ذاكرة الشعوب حية، لكن الاعتراف بالمسؤولية بداية حقيقية لإصلاح مستقبل الدول، وهو ما يحتاج شجاعة تجعل الأشياء تسمى بأسمائها.
ما يمكن تأكيده أن هشاشة المؤسسات ليست قدرا يمنيا، كما لم يكن ضعف التنمية لعنة جغرافيا. حيث امتلكت اليمن، في أكثر من محطة، موارد وشرعية داخلية ودعم خارجي كانت تسمح ببناء مؤسسات حقيقية. لكن النخب الحاكمة فضلت إدارة موازين القوى على بناء الدولة، وشبكات الولاء على ترسيخ حكم المؤسسات. لذا بقيت الدولة قائمة شكليا بينما كانت قدرتها على الصمود تتأكل تدريجيا. ولعل السؤال الذي سيبقى مفتوحا ليس: كيف انهارت الدولة؟ فالإجابات عنه أضحت معروفة إلى حد كبير. السؤال الأصعب هو: كيف ستختار النخبة السياسية أن يكتب التاريخ قصة الانهيار اليمني… وحكاية دورها فيه؟.
*كاتب صحفي يمني