لجريدة عمان:
2026-07-24@10:21:46 GMT

مساجد زنجبار والقوة العُمانية الناعمة

تاريخ النشر: 26th, May 2025 GMT

ليس بعيدًا عن مسجدَيْ السيد حمود وماليندي، اللذين تحدثتُ عنهما في المقال السابق، هناك مسجد فرضاني «مسجد الجمعة» المطل على الميناء، وهو الذي أعاد بناءَه الشيخ سعيد بن سيف المحرمي الحارثي، بعد أن تهدّم بسبب إعصار وقع في أبريل من عام 1846. يقول الشيخ عبدالله بن صالح الفارسي في كتابه «البوسعيديون حكام زنجبار»: «رغم أنّ الشيخ سعيد كان يعاني من مرض الشلل في بعض الأوقات، إلا أنه كان يُصرُّ على أن يكون موجودًا أثناء العمل في المسجد، وكان يتنقل محمولًا».

ويضيف أنّ الشيخ المحرمي هو الذي أنشأ أيضًا في الوقت نفسه المسجد الكبير المسمى «جيثاليلا»، وقد أعَدّ لنفسه مقرين أحدهما في مسجد الجمعة، والآخر في مسجد «جيثاليلا»، يراقب العمل في المسجدين. وأفادني الشيخ عبدالله بن حميد البحري عن هذه التسمية أنّ: «جيثاليلا هو اسم تاجر هندوسي كان يعيش بجوار المسجد، ونسب الناس المسجد إليه تسميةً فقط؛ والأصل أنّ اسم المسجد هو مسجد المحرمي. لكن حُوِّل الاسم عام 1986، إلى جامع الاستقامة».

ومن المساجد التاريخية في «المدينة الحجرية»، مسجد «بني رواحة»، وكان يؤم المصلين فيه الشيخ سالم بن محمد الرواحي، وبعد صلاه الظهر كان يتبعه أصحاب الحاجات، إذ كان مقصدًا للعامة في حلِّ مشكلاتهم. وتميّز المسجد منذ بداياته بإقامة حلقات درس بين صلاتي المغرب والعشاء، اشتملت على تعليم القرآن، ومن يختمه ينتقل إلى تعلُّم كتاب «تلقين الصبيان» للإمام نور الدين السالمي، ثم كتاب «الوضع - مختصر في الأصول والفقه»، لأبي زكريا يحيى بن الخير بن أبي الخير الجناوني، وكان ممن يصلي فيه سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي الذي كان يقرأ كتابًا ويُناقَش فيه.

ومن الكتب التي قرأها للحضور كتاب «تحفة الأعيان في سيرة أهل عُمان» للإمام السالمي -كما أخبرني بذلك الشيخ سعود بن حمد الرواحي- وتعاقب على المسجد أكثر من إمام، منهم الشيخ سعيد بن محمد الكندي، الذي عمل على تدريس القرآن الكريم، وعاد إلى عُمان بعد الانقلاب فعُيِّن قاضيًا، وكذلك الشيخ شامس بن عبد الله بن شامس الرواحي. ومن الأئمة المتأخرين للمسجد الراحل سالم بن محمد البلوشي، من قريات، والذي عاش فترة في زنجبار قبل أن يعود إلى عُمان.

من المساجد التي زرناها في المدينة الحجرية مسجد اللمكي الذي بناه الشيخ سليمان بن ناصر اللمكي، وزرنا قبره في ساحة بيته. كما زرنا مسجد المنذري الذي بناه الشيخ محمد بن سيف المنذري عام 1866، وقبره هو ابنه في الساحة الأمامية للمسجد. وهناك أيضًا مسجد رجب في منطقة «ماجستك» والذي بناه رجب عبدالرزاق لوغان عام 1896، أواخر حكم السلطان حمد بن ثويني وبداية حكم السلطان حمود بن محمد. وما زالت الصلوات تقام في هذه المساجد حتى الآن.

من المساجد القديمة في زنجبار، مسجد كيزيمكازي في منطقة ديمباني، حيث تشير الحفريات إلى أنّ هذا المسجد هو الأقدم الذي لا يزال قيد الاستخدام في زنجبار، ويرجع تاريخ بنائه إلى عام 500 هجرية، 1107 ميلادية، وأعيد بناؤه بشكل كبير عام 1184 هجرية، 1770 ميلادية، باستخدام أساس المسجد الأصلي والجدار الشمالي الذي كان لا يزال قائمًا. يحتوي الأساس على محراب صلاة مع نقش مكتوب بأحرف كوفية على اليسار، تخلد ذكرى بناء المسجد على يد الشيخ أبي موسى الحسن بن محمد، وهناك نقش آخر قريب على اليمين مكتوب باللغة العربية، ويذكر تاريخ إعادة البناء. وللمسجد بئر ماء يستفيد منها المصلون للوضوء، كما أنّ هناك عدة قبور، من بينها -حسبما هو مكتوب- «قبر الشيخ علي عمر، والسيد عبدالله سيد بن شريف، وموانا بنت ميمادي، وابنها مفعول علي عُمر»، والمسجد في منطقة تبعد عن المدينة الحجرية بسبعين كيلومترا.

لا يمكن لنا ونحن نتحدّث عن جوامع ومساجد زنجبار، إلا أن نتطرق إلى أحدثها، وهو جامع زنجبار الذي بُنِي على نفقة السلطان قابوس بن سعيد -طيب الله ثراه- في منطقة «مازيزيتي» على الشارع العام؛ وهو معلم إسلامي ومنارة ثقافية لما يحتويه من مكتبة ضخمة، ويشغل مساحة تزيد على خمسة عشر ألف متر مربع، ويشتمل على مرافق متعددة في مقدمتها قاعة الصلاة الرئيسية التي تتسع لألفٍ وثلاثمائة مصلٍّ، ومصلى خارجي، ومصلى للنساء يَسَع ثلاثمائة مصلية، كما جُهِّز الجامع بفصول دراسية ومختبر للغات والحاسب الآلي، ويضم كذلك قاعة متعددة الأغراض ومكتبة، ويتميّز بمعماره الفريد الذي يمزج بين الأصالة والمعاصرة، وتتجلى العمارة العُمانية والأفريقية في تصاميمه، حيث تبرز النقوش الإسلامية التي تزيِّن جدرانه وردهاته، وحاليًّا يتميز الجامع أنّ معظم مسؤولي زنجبار يصلون فيه، وقد أدينا هناك صلاة الجمعة يوم التاسع من مايو 2025، وممّا لاحظتُ أنّ الجامع بحاجة إلى بعض الصيانة، ولا بأس أن يخطب فيه -بعض الجمع- أئمة عمانيون ممن يتكلمون اللغة السواحلية.

وجامعُ زنجبار يقودني إلى الحديث عن القوة العُمانية الناعمة الفاعلة في الشرق الأفريقي كله، ألا وهي جمعية الاستقامة الخيرية الدولية؛ فهي تشرف على ثلاثة وخمسين مسجدًا في زنجبار وحدها، منها ثلاثة عشر جامعًا تقام فيها صلوات الجمعة والأعياد. وحسب إفادة الشيخ عبدالله البحري أحد نشطاء الجمعية في زنجبار وإمام مسجد السيد حمود، فإنّ الجمعية «تشرف على إدارة جزء من هذه الجوامع والمساجد إشرافًا تامًّا، وتبقي بقية المساجد تحت إشراف أصحابها، لكن بالتعاون مع الجمعية في بعض الجوانب، مثل توفير الأئمة والمدرسين، وإعداد خُطب الجمعة والعيدين، وتوفير المصاحف والكتب الدينية والسجاجيد، وكذلك توفير التمور أيام شهر رمضان». وما لفت نظري أنّ ثقافة حضور النساء للمساجد في زنجبار معدومة على ما يبدو، إذ تخلو معظم المساجد من مصليات النساء.

في الواقع لم يقتصر دور المساجد في زنجبار على إقامة الصلوات فقط؛ فقد اضطلعت بدور طليعي في بث العلم، وأخرجت علماء كثيرين، ومن تلك المساجد مسجد «بني رواحة» في ماليندي، الذي اهتم بالعلم وكان يُنظِّم حلقات لقراءة وتدارس علم الفقه والعقيدة.

والحديث عن مساجد زنجبار لا يخلو من المفارقات، بمعنى أنّ بعض المساجد تحتاج الآن إلى صيانة ومتابعة من أبناء وأحفاد بانيها، ومن هذه المفارقات أنّ مسجد الشيخ ناصر بن جاعد بن خميس الخروصي وهو مستشار السيد سعيد، رمّمته المهندسة فاطمة كارة وهي مسلمة هندية، وعند زيارتنا للمسجد، طلب القائمون عليه مساعدة لدفع فاتورة الكهرباء، وهو مبلغ زهيد. أما مفارقات مسجد السيد حمود البوسعيدي في «بوبوبو»، فقد قال لنا بعض المصلين إنّ المسجد من دون ماء الآن، وإنّ كثيرًا من المصلين تركوه لهذا السبب.

وقلتُ لنفسي: «سبحان الله.. هذا الرجل الذي أنفق ماله في سبيل الله، لا يجد مسجدُه الآن ماء للوضوء!».

سبق لي أن تحدّثتُ عن التنوع المذهبي في زنجبار، وهكذا فإنّ الزائر يرى في حي واحد عدة مساجد، في دلالة مهمة على التعايش الديني والمذهبي؛ ففي حي ماليندي -مثلًا- تجد مساجد للإباضية وللسُنّة، وعلى مقربة من ذلك وأنت تتجول في طرقات الحي، ستشاهد مسجدًا للخوجة الإثني عشرية، وبقربه مسجد للبهرة، وآخر للإسماعيلية، وغيره للآغا خان.

ولم يقتصر التسامح والتعايش بين أبناء الدين والواحد فقط؛ بل شمل الأديان كلها؛ فبرغم أنّ غالبية سكان زنجبار مسلمون، وبنسبة تزيد على 95%، فإنّ هناك في المقابل كنائس لمختلف الطوائف النصرانية، ومنها الكنيسة الأنجليكانية الموجودة داخل ما يسمى بـ«سوق العبيد»، وكنيسة أخرى كاثوليكية ضخمة، وهناك معبد للهندوس، الذين رغم أنّ عددهم قليل، فإنهم موجودون في الجزيرة من مئات السنين، وكما أوضح لنا دليلنا السياحي أنّ «لهم في الجزيرة ستة معابد قديمة، برغم قلة عددهم، وأنّ هناك عددًا أقل من طائفة السيخ ولهم معبد قديم في الجزيرة». إنّ كثرة المساجد في زنجبار -خاصة في المدينة الحجرية- وتنوعها لهو شاهد على درجة كبيرة من التسامح والتعايش بين أهل الجزيرة تحت حكم العُمانيين، ممّا يدحض أكاذيب المرشدين السياحيين وكتب الغربيين المغرضين التي تحاول النيل منهم.

المصدر

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: فی زنجبار فی منطقة بن محمد مسجد ا

إقرأ أيضاً:

شمس البارودي: عمر الوحيد من أبنائي الذي أحب مهنة والده حسن يوسف

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

كشفت الفنانة المعتزلة شمس البارودي تطورات حياة نجلها الفنان عمر حسن يوسف، مؤكدة أنه بخير، وقالت باللهجة الدارجة: «الحمد لله، عمر كان فرحان جدًا ومتواصل دائمًا مع ياسر جلال وأشرف زكي».

وأضافت أن عمر هو الوحيد من أبنائها الذي أحب مهنة والده الراحل حسن يوسف، مشيرة إلى أن زوجها الراحل «كان بيحبه جدًا»، بينما لم يتجه بقية أبنائها، ناريمان ومحمود وعبد الله، رحمه الله، إلى المجال الفني.

وتابعت البارودي، في مداخلة هاتفية مع الإعلامية بسمة وهبة مقدمة برنامج 90 دقيقة، عبر قناة المحور، أنها تنظر إلى دور الحماة باعتباره دور الأم، وقالت: «الحمى دي أم، وأنا بروح أطبخ ليهم وبحبهم جدًا»، معربة عن سعادتها باختيار عمر لزوجته، وأضافت: «الجميل إن ابني عمر اختار زوجة بتسعده، وأنا بقول دايمًا "اللي يحب ابني أحبه"».

وأوضحت أنها لم تكن بحاجة إلى أن توصي عمر بشيء عند زواجه، لأنه نشأ وهو يرى كيف كان والده يعامل والدته، وقالت: «هو شاف والده كان بيعامل أمه إزاي، فمش محتاج وصية، هو قدوته أبوه»، مؤكدة أن حسن يوسف كان «نعم الزوج ونعم الأب»، واحتواها بحنان كبير، بل إنه عندما تزوجها كان يخشى عليها من مشقة العمل وقال لها: «هنتجلك وأخرجلك» حتى يخفف عنها أعباء المهنة.

وفي حديثها عن المسيرة الفنية لعمر حسن يوسف، أوضحت شمس البارودي أنه حصل على فرص كثيرة، لكنها أشارت إلى أنه في بداياته «مكنش مركز». وأضافت أن والده الراحل كان حريصًا دائمًا على أن يضع التعليم في المقام الأول، وكان يردد أن «الشهادة أهم من أي حاجة»، ولذلك أصر على أن ينهي عمر دراسته أولًا ثم يتجه بعد ذلك إلى ما يرغب فيه.

وأكدت أنها كانت تخشى عليه من الشهرة، وقالت باللهجة الدارجة: «أنا كنت خايفة عليه من الشهرة لأن تمنها قاسي والإنسان مبيعرفش يعيش حياته بخصوصية»، في إشارة إلى الأعباء التي تفرضها الحياة تحت الأضواء.

مقالات مشابهة

  • الأوقاف: الماء حياة ونماء موضوع خطبة الجمعة اليوم في جميع المساجد
  • فصلٌ تاريخي جديد في العلاقات العُمانية–التنزانية
  • اليوم.. الأوقاف تفتتح 25 مسجدا بعدد من المحافظات
  • إيران تحيّد حزب الله الذي لم يعد مخيفاً!
  • في 13 محافظة | الأوقاف تفتتح اليوم 25 مسجدًا ضمن خطتها لإعمار بيوت الله
  • توجيه وزاري مفاجئ بشأن خطبة الجمعة في السودان
  • شمس البارودي: عمر الوحيد من أبنائي الذي أحب مهنة والده حسن يوسف
  • طائرات الاحتلال تُدمر مسجدًا بالبريج ومنزلًا بجباليا
  • أزهري: أكثر مستخدمي الفيديوهات النافعة على السوشيال ميديا هم السيدات
  • الجار الذي لا يخالط جيرانه