خارطة طريق أوكرانية للسلام بمفاوضات إسطنبول.. غدًا
تاريخ النشر: 1st, June 2025 GMT
كييف (أوكرانيا)"وكالات":
أفاد مصدر في جهاز الأمن الأوكراني بأن أوكرانيا تنفّذ عملية "واسعة النطاق" ضد طائرات عسكرية في روسيا حيث استهدفت قاعدة في شرق سيبيريا على بعد آلاف الكيلومترات من حدودها.وقال المصدر إن "أجهزة الأمن الأوكرانية تنفّذ عملية خاصة واسعة النطاق لتدمير قاذفات معادية بعيدة من الجبهة، في روسيا"، مضيفا أنه تم استهداف أكثر من 40 طائرة.
وأكد المصدر أنّ الهجوم استهدف مطارات دياغيليفو وأولينيا وإيفانوفو وبيلايا.
ويقع مطار أولينيا في منطقة مورمانسك في المنطقة القطبية الشمالية التابعة لروسيا، على بعد حوالى 1900 كيلومترا من أوكرانيا.
وأفاد المصدر الأوكراني باندلاع حريق في مطار بيلايا الواقع في منطقة إيركوتسك في شرق سيبيريا على بعد أكثر من 4200 كيلومتر من أوكرانيا.وأرفق تصريحاته بمقطع فيديو قال إنّه يُظهر هذا المطار حيث يمكن رؤية العديد من الطائرات تحترق، مع أعمدة من الدخان الأسود تتصاعد منها.
من جانبه، أشار حاكم منطقة إيكوستك إيغور كوبزيف اليوم إلى "هجوم بمسيّرات" على قرية سريدني، المجاورة لقاعدة بيلايا.
وقال "هذا أول هجوم من هذا النوع في سيبيريا"، داعيا السكان إلى عدم "الاستسلام للذعر".
ونشر مقطع فيديو يبدو أنّه تمّ تصويره من قبل بعض السكان، يُظهر طائرة من دون طيار بينما كانت تحلّق وسحابة دخان كثيفة من مكان بعيد.وأكد حاكم منطقة مورمانسك أندريه تشيبيس أن "مسيّرات عدوّة" كانت تحلّق في السماء، مشيرا إلى تفعيل المضادات الجوية.
من جهة أخرى قالت السلطات الروسية اليوم إن جسرين انهارا في منطقتين روسيتين متاخمتين لأوكرانيا، مما أدى إلى خروج قطارين عن مسارهما ومقتل سبعة أشخاص على الأقل وإصابة العشرات، بينما وصف سياسي روسي كييف بأنها "معقل للإرهاب".
وقالت لجنة تحقيق روسية اليوم إن انفجارات تقف وراء انهيار الجسرين أحدهما في منطقة بريانسك والآخر في كورسك.
وانهار الجسران في المنطقتين الروسيتين المتاخمتين لأوكرانيا، مما أدى إلى خروج قطارين عن مسارهما ومقتل سبعة أشخاص على الأقل وإصابة العشرات.
وأكدت وزارة الطوارئ ومسؤولون إقليميون مقتل سبعة أشخاص وأصابة 69 .
وذكرت وكالة إنترفاكس للأنباء نقلا عن ألكسندر بوجوماز حاكم بريانسك أن انهيار الجسر كان نتيجة انفجار.
ونقلت الوكالة عنه قوله لهيئة الإذاعة والتلفزيون الروسية "تم تفجير الجسر في أثناء مرور قطار كليموفو-موسكو وعلى متنه 388 راكبا".وذكر بوجوماز عبر تطبيق تيليجرام أن 47 شخصا نقلوا للمستشفى لتلقي العلاج، وإن من بين المصابين ثلاثة أطفال أحدهم في حالة حرجة.
وقال ألكسندر خينشتين القائم بأعمال حاكم منطقة كورسك عبر تطبيق تيليجرام إن جسرا انهار في المنطقة في وقت مبكر اليوم في أثناء مرور قطار شحن فوقه.
وأضاف "سقط جزء من القطار على طريق أسفل الجسر". وأوضح أن النيران اشتعلت في القاطرة، وجرى إخمادها بسرعة. وذكر أن أحد السائقين أصيب في ساقه، ونقل هو وفريق تشغيل القطار إلى مستشفى محلي.ونشر صورة لعربات قطار خرجت عن مسارها على جسر مدمر فوق طريق.
وقال أندريه كليشاس وهو عضو كبير في مجلس الاتحاد، المجلس الأعلى في البرلمان الروسي، عبر تطبيق تيليجرام إن واقعة بريانسك تظهر أن "أوكرانيا فقدت منذ زمن طويل سمات الدولة وتحولت إلى معقل للإرهاب".
ووصف المدون العسكري الروسي الشهير سيميون بيجوف، الذي يستخدم اسم (وور جونزو)، انهيار جسر بريانسك "بالتخريب".
ولم يصدر أي تعليق بعد من أوكرانيا.
وذكرت وزارة الطوارئ الروسية على تيليجرام أن جهود البحث عن المصابين في حادثة بريانسك وإنقاذهم استمرت طوال الليل، وأن نحو 180 فردا شاركوا في العملية.وأفادت وكالات الأنباء الروسية الرسمية نقلا عن مسعفين أن من بين القتلى سائق القاطرة.
وانتشرت صور ومقاطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي لركاب يحاولون مساعدة آخرين على الخروج من عربات قطار بريانسك المتضررة في الظلام ورجال إطفاء يبحثون عن طرق للوصول إلى الركاب.
وقالت السكك الحديدية الروسية إن القطار كان متجها من بلدة كليموفو إلى موسكو. وقال بوجوماز حاكم بريانسك إن القطار اصطدم بالجسر المنهار في منطقة طريق سريع بحي فيجونيتشسكي. ويقع الحي على بعد مئة كيلومتر تقريبا من الحدود مع أوكرانيا.
سياسيا أعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي اليوم، أنّ وفدا أوكرانيا يرأسه وزير الدفاع رستم عمروف، سيكون في اسطنبول غدًا الإثنين لإجراء مفاوضات مع روسيا.
وقال زيلينسكي في منشور على منصات التواصل الاجتماعي "حددت أيضا مواقفنا قبل اجتماع الإثنين في اسطنبول"، مضيفا أنّ الوفد سيقوده عمروف، كما كانت الحال في الجولة الأولى من المحادثات في مايو.
وأكد أنّ الأولويات بالنسبة إلى أوكرانيا هي التوصل إلى "وقف كامل وغير مشروط لإطلاق النار"، بالإضافة إلى "إعادة الأسرى" والأطفال الأوكرانيين الذين تتهم كييف موسكو باختطافهم.
واليوم دعا الرئيس الأوكراني إلى "التحضير لاجتماع على أعلى مستوى"، أي مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين.
وسبق أن اقترح عقد لقاء مع بوتين، الأمر الذي لم يلقَ ترحيبا من الأخير.
وأظهرت وثيقة أن المفاوضين الأوكرانيين المشاركين في المحادثات المقرر عقدها غدًا في إسطنبول سيقدمون للجانب الروسي خارطة طريق مقترحة للتوصل إلى تسوية سلمية دائمة للحرب بين البلدين.
وتبدأ خارطة الطريق المقترحة بوقف كامل لإطلاق النار 30 يوما على الأقل، ويتبعه عودة جميع الأسرى الذين يحتجزهم البلدان إلى جانب الأطفال الأوكرانيين الذين نُقلوا للأراضي التي تسيطر عليها روسيا، ثم عقد اجتماع بين الرئيسين الأوكراني فولوديمير زيلينسكي والروسي فلاديمير بوتين.
وتنص خارطة الطريق على أن تعمل موسكو وكييف بمشاركة الولايات المتحدة وأوروبا على صياغة الشروط التي يمكن للبلدين الاتفاق عليها لإنهاء الحرب المستمرة منذ ثلاث سنوات، وهي أكبر صراع تشهده أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية.
وقال مسؤولون أوكرانيون قبل أيام إنهم أرسلوا خارطة الطريق إلى الجانب الروسي قبل محادثات إسطنبول.
وتتشابه الشروط الإطارية التي طرحتها كييف في الوثيقة إلى حد بعيد مع الشروط التي سبق أن قدمتها.
وتشمل هذه الشروط عدم فرض أي قيود على قوة أوكرانيا العسكرية بعد التوصل إلى اتفاق سلام، وعدم الاعتراف الدولي بالسيادة الروسية على أجزاء من أوكرانيا استولت عليها موسكو، ودفع تعويضات لأوكرانيا.
وجاء في الوثيقة أيضا أن المفاوضات المتعلقة بالأراضي ستبدأ من الموقع الحالي لخط المواجهة.وتختلف هذه الشروط بشدة عن المطالب التي أعلنتها روسيا خلال الأسابيع القليلة الماضية.
وأجرى الوفدان الروسي والأوكراني جولة أولى من المحادثات في اسطنبول في 16 مايو، بهدف إنهاء الحرب التي اندلعت في أعقاب الغزو الروسي لأوكرانيا في 22 فبراير 2022.لكن اللقاء لم يكن مثمرا، إذ اتفق الطرفان خلاله على تبادل للأسرى فقط.
واقترحت روسيا لقاء جديدا في اسطنبول غدًا الإثنين.
وكان زيلينسكي اتهم موسكو الجمعة بتخريب المسعى التفاوضي عبر رفضها تسليم كييف مسبقا "مذكرتها" التي تتضمّن شروطها لاتفاق سلام.ورغم الجهود الدبلوماسية، لا تزال مواقف أوكرانيا وروسيا متعارضة.
وتطالب موسكو خصوصا بأن تتخلّى كييف نهائيا عن مساعيها للانضمام إلى حلف شمال الأطلسي، وعن المناطق الأوكرانية الخمس التي أعلنت ضمّها.في المقابل، ترفض كييف هذه الشروط، وتطالب بانسحاب كامل للقوات الروسية من أراضيها.
كذلك، ترفض موسكو وقفا غير مشروط لإطلاق النار، تدعو إليه كييف وواشنطن والدول الأوروبية.
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: من أوکرانیا فی اسطنبول فی منطقة على بعد
إقرأ أيضاً:
كيف تعيد موسكو بناء قوتها العسكرية؟
ترجمة: نهى مصطفى
وصلت الحرب في أوكرانيا، التي دخلت عامها الخامس، إلى منعطف جديد. فرغم الصعوبات التي تواجهها القوات الروسية ونجاح كييف في استنزاف قدراتها، فإن مستقبل الأمن الأوروبي لا يتوقف على نتيجة الحرب وحدها. فحتى في حال هزيمة موسكو، ستظل روسيا التهديد العسكري الرئيسي في أوروبا، وستسعى إلى إعادة بناء جيشها عاجلًا أم آجلًا.
يختلف المحللون حول سرعة استعادة روسيا لقدراتها العسكرية. فبينما يرى بعضهم أن خسائرها ستؤخر إعادة البناء لسنوات، يحذر آخرون من قدرتها على استئناف سياساتها العدوانية بعد فترة وجيزة من انتهاء الحرب.
تشير الاتجاهات الحالية إلى أن روسيا قد تستعيد قدرات عسكرية كافية لتهديد أوكرانيا أو بعض دول الناتو خلال خمس إلى سبع سنوات. ومن المتوقع أن تعيد بناء جيش أكبر، مزودًا بمزيد من الطائرات المسيرة وقدرات الضرب بعيدة المدى، مع استمرار الإنفاق العسكري المرتفع. غير أن هذه العملية ستواجه تحديات مألوفة، أبرزها نقص الموارد، والطموحات المفرطة، وضعف التنفيذ، وهي عوامل دائما ما تعوق تطوير القوات الروسية.
بينما تركز الولايات المتحدة والدول الأوروبية على دعم أوكرانيا، يتعين عليها أيضًا الاستعداد لمرحلة ما بعد الحرب. فحتى بعد انتهائها، سيظل الجيش الروسي قادرًا على تهديد دول الناتو، خاصة إذا تراجع الالتزام الأمريكي بأمن أوروبا.
ومن المرجح أن تسعى موسكو إلى إعادة بناء قدرتها على تنفيذ مناورات هجومية واسعة النطاق، مع الحفاظ على اعتمادها على المدفعية والضربات الدقيقة، وإدماج أعداد كبيرة من الطائرات المسيرة في قواتها. ورغم استمرار تفوق الناتو، فإن الحلف لم يتكيف بعد بالكامل مع هذه التحولات، ما قد يزيد خسائره في أي مواجهة مستقبلية.
يشهد الجيش الروسي مرحلة تحول تجمع بين إرثه التقليدي ومتطلبات الحرب الحديثة. ورغم أن أي صراع مستقبلي مع الناتو سيختلف عن الحرب في أوكرانيا، فإن ضعف الأداء الروسي الحالي لا ينبغي أن يقود إلى التقليل من حجم التهديد. لذلك، تحتاج الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون إلى وضع رؤية مشتركة أكثر جدية لكيفية مواجهة روسيا في السنوات المقبلة.
لا تقتصر إعادة بناء الجيوش على تعويض خسائر الأفراد والمعدات، بل تشمل استعادة الكفاءة القتالية والقدرة على تنفيذ العمليات العسكرية. كما أن تقييم قوة أي جيش يعتمد على طبيعة السيناريو المطروح، فالمتطلبات اللازمة لعملية محدودة تختلف عن تلك المطلوبة لخوض حرب واسعة النطاق.
وفي حالة روسيا، ينبغي أن يستند التقييم إلى قدرتها على استعادة إمكانات تنفيذ العمليات الكبرى، بما يشمل إعادة بناء التشكيلات الكبيرة، وتحسين القيادة والسيطرة، ودمج مختلف صنوف القوات، وهي جوانب كشفت الحرب في أوكرانيا عن أوجه قصور فيها. وفي المقابل، يتعين على الناتو الاستعداد أيضًا لسيناريوهات أقل اتساعًا، مثل هجمات برية محدودة مدعومة بصواريخ وطائرات مسيرة.
ومن غير المرجح أن يعود الجيش الروسي إلى هيكله السابق، وانما سيتجه إلى إعادة تنظيم قواته لتصبح أكبر وأكثر اعتمادًا على المدفعية، ووحدات البنادق الآلية، والدبابات، والطائرات المسيرة، مع زيادة أعداد المشاة. سيواصل الاعتماد على مزيج من الجنود المتعاقدين والمجندين والاحتياط، مع الاحتفاظ بجزء من قواته على الحدود مع أوكرانيا، وهو ما سيؤثر في حجم القوات المتاحة للانتشار في جبهات أخرى.
يعود جانب من الغموض بشأن مستقبل الجيش الروسي إلى أن إعادة بنائه لا تزال تدار إلى حد كبير من قبل قادة ينتمون إلى الجيل السابق، يتقدمهم رئيس الأركان فاليري جيراسيموف، الذي خلص إلى أن إخفاقات الحرب تعود إلى ابتعاد الجيش عن النموذج السوفييتي، فسعى إلى توسيع القوات وإحياء بعض الهياكل القديمة. لكن مع صعود ضباط اكتسبوا خبرتهم من الحرب الأوكرانية، فقد تتغير رؤية الجيش وهيكله في السنوات المقبلة.
رغم الخسائر البشرية والمادية الكبيرة، لا تشير المؤشرات إلى جيش منهار. توسعت القوات الروسية خلال الحرب، وارتفع عدد أفرادها، وأضيفت إلى تشكيلاتها وحدات للطائرات المسيرة والاستطلاع والحرب الإلكترونية، كما أُنشئ فرع جديد مخصص للأنظمة غير المأهولة. ومن المرجح أن يتراجع حجم بعض هذه التشكيلات بعد الحرب، لكن الجيش لن يعود إلى حجمه السابق.
في المقابل، تكبدت روسيا خسائر في المعدات، شملت آلاف المركبات المدرعة وقطع المدفعية وأنظمة الدفاع الجوي، وهي خسائر يصعب تعويض بعضها، ولا سيما الأنظمة المتطورة. وسيؤدي ذلك، على المدى القريب، إلى إضعاف قدرة الجيش الروسي على مواجهة التفوق الجوي للناتو وقدراته على تنفيذ الضربات الدقيقة بعيدة المدى.
رغم خسائرها الكبيرة، سحب الجيش الروسي خلال السنوات الأربع الماضية آلاف المركبات وقطع المدفعية من مخزوناته، وجدد أو أنتج آلاف المركبات الجديدة، فيما زودته كوريا الشمالية بأكثر من 300 قطعة مدفعية. ونتيجة لذلك، يرجح أن يمتلك اليوم العدد نفسه، أو أكثر قليلًا، من المركبات القتالية المدرعة مقارنة بما كان لديه عند بدء الحرب، مع استمرار إنتاج أكثر من200 دبابة T-90M سنويًا، ما يعني أن هذا الطراز قد يشكل نصف أسطول الدبابات الروسي خلال سبع إلى ثماني سنوات. كما تواصل روسيا إنتاج أنظمة الدفاع الجوي بأعداد كبيرة، مع تطويرها استنادًا إلى دروس الحرب.
في الوقت نفسه، تنتج روسيا ملايين الطائرات المسيرة التكتيكية سنويًا، إلى جانب أعداد أكبر من صواريخ كروز والصواريخ الباليستية. كما ارتفع إنتاج الطائرات المسيرة الهجومية أحادية الاتجاه، إذ صنعت أكثر من 70 ألف طائرة عام 2025، وتعاقدت على إنتاج 100 ألف أخرى على الأقل في عام 2026، بينما يطلق الجيش نحو6500 طائرة شهريًا في أوكرانيا. كذلك حسنت روسيا قدراتها على تنفيذ الضربات مع تقليص الزمن بين رصد الأهداف واستهدافها.
لا يكفي قياس قوة الجيش الروسي بعدد أفراده ومعداته، بل يجب أيضًا تقييم كفاءته القتالية وكيفية استخدامه لقواته. فالجيش الروسي، رغم تفاوت مستوى وحداته، حسن أداءه خلال الحرب في مجالات تحديد الأهداف، والضربات الدقيقة، ودمج الطائرات المسيرة، وربط أنظمة الاستطلاع بالمدفعية والأسلحة الموجهة، مستفيدًا من الخبرة القتالية وإعادة تنظيم قواته.
ورغم الصعوبات التي واجهها، أثبت الجيش الروسي قدرة على التكيف، إذ تستغرق دورة استيعاب التكتيكات والتقنيات الجديدة نحو ثلاثة إلى أربعة أشهر. كما شرعت موسكو منذ أوائل عام 2023 في بناء منظومة متكاملة للتعلم العسكري، تربط بين القوات المسلحة، وقاعدة الصناعات الدفاعية، والجامعات، ومراكز الأبحاث، والشركات التكنولوجية، بهدف ترسيخ الدروس المستفادة ودعم احتياجات الحرب.
رغم التطور الذي شهدته بعض القدرات الروسية، ظل الجيش يعاني ضعفًا مزمنًا في الاستثمار في العنصر البشري، إذ اتجه إلى تفضيل التكنولوجيا على التدريب والجاهزية. وكثيرًا ما كانت التدريبات واختبارات الجاهزية شكلية، فيما بالغت القيادة في تقدير أثر الخبرات القتالية، ومنها تجربة التدخل في سوريا.
كما استخلص الجيش في بعض الأحيان دروسًا خاطئة من الحرب. فبدلًا من معالجة أوجه القصور في القيادة المشتركة، ألغى بعض هياكلها، ما أضعف التكامل بين أفرع القوات المسلحة وزاد اعتماده على ترتيبات قيادة مؤقتة في زمن الحرب.
فقد الجيش الروسي جزءًا من قدرته على تنفيذ المناورات المشتركة واسعة النطاق بعد مقتل أعداد من ذوي الخبرة. واعتمد بدلًا منهم على متعاقدين يتلقون تدريبًا محدودًا، بينما اتجه منذ عام 2024 إلى القتال بوحدات صغيرة للغاية، وأحيانًا بجندي أو جنديين فقط، في عمليات بطيئة ومكلفة. ورغم نجاحه في دمج الطائرات المسيرة مع تكتيكات المشاة الصغيرة، فإن ذلك لا يعوض خسارة القادة ذوي الخبرة في إدارة العمليات الهجومية الكبرى، وهو ما سيحد من قدرته على استثمار توسعه في الطائرات المسيرة والقدرات الهجومية خلال السنوات المقبلة.
تواجه إعادة بناء الجيش الروسي تحديات كبيرة، أبرزها نقص الكوادر البشرية. فرغم رفع الحد الأقصى لسن الخدمة إلى 30 عامًا وزيادة العدد المستهدف للقوات إلى نحو 1.5 مليون عسكري، فإن التراجع الديموغرافي، والخسائر البشرية في الحرب، ونقص العمالة الماهرة يجعل بلوغ هذا الهدف أمرًا غير مرجح. كما يحتدم التنافس بين الجيش وقطاع الصناعات الدفاعية على استقطاب العمال في ظل معدل بطالة لا يتجاوز 2.2%.
زادت روسيا إنفاقها العسكري إلى نحو 40 % من الموازنة، أي ما يعادل 8 % من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ضعف مستوى ما قبل الحرب، لكنه لا يزال أقل من الإنفاق السوفييتي في ذروة الحرب الباردة. دخل الاقتصاد الروسي مرحلة ركود منذ عام 2025، مع اتساع العجز المالي وتزايد الاقتراض، ما يجعل الحفاظ على مستويات الإنفاق العسكري الحالية أكثر صعوبة.
ينبغي لحلف الناتو أن يأخذ في الحسبان الاستثمارات الكبيرة التي ضختها روسيا في إعادة بناء قدراتها العسكرية. أنفقت موسكو مبالغ ضخمة على توسيع الإنتاج الدفاعي واستقطاب مئات الآلاف من العمال إلى قطاع الصناعات العسكرية، ومن المتوقع أن يبلغ إنفاقها الدفاعي نحو 180 مليار دولار في عام 2026، أي ما يعادل 400 إلى 500 مليار دولار وفقًا لتعادل القوة الشرائية. مكنها ذلك من مواصلة الحرب، وتوسيع إنتاجها العسكري، وتجنيد أكثر من 400 ألف جندي سنويًا منذ عام 2023.
ومع ذلك، ظلت المشكلة التقليدية للجيش الروسي تتمثل في صعوبة تحويل الطموحات العسكرية إلى قدرات فعلية. فغالبًا ما تصطدم خطط تطوير القوات بنقص الموارد، وضعف التدريب، والقيود التنظيمية، رغم استمرار تركيز العقيدة العسكرية على الجاهزية العالية، والضربات الدقيقة، والاستعداد لخوض حرب واسعة النطاق ضد الناتو. كما دفعت الحرب في أوكرانيا الجيش إلى التركيز بصورة أكبر على الحرب الموضعية بدلًا من المناورة.
لكن أوجه القصور والأداء الضعيف في أوكرانيا لا يبرران التقليل من شأن الجيش الروسي، وهو ما يدركه القادة الأوكرانيون جيدًا. كما أن تقييم قدرة أي جيش استنادًا إلى آخر حرب خاضها قد يقود إلى استنتاجات مضللة. فقد أخطأ المحللون بعد حرب جورجيا عام 2008 في تقدير وتيرة تطور الجيش الروسي، ثم بالغوا في تقدير قدراته بعد تدخله في سوريا، قبل أن تكشف حرب أوكرانيا عن نقاط ضعف. فكل حرب تفرض ظروفها الخاصة، ولا يمكن افتراض أن أي مواجهة مستقبلية بين روسيا والناتو ستسير على النهج نفسه.
رغم أن أسلوب قتال الناتو يختلف عن الأسلوب الأوكراني، فإن الحلف يواجه تحدياته الخاصة، إذ تعتمد قدراته إلى حد كبير على الدور الأمريكي في توفير القوات والدعم اللوجستي والتقني والقيادة العسكرية. وقد بنيت خططه الدفاعية على هذا الأساس، في وقت تشير فيه الولايات المتحدة إلى رغبتها في تقليص دورها في أمن أوروبا، وهو ما يفرض على الحلف إعادة النظر في استعداداته المستقبلية.
تتمتع الولايات المتحدة وحلف الناتو بتفوق في القوة الجوية والبحرية، والضربات الدقيقة، والاستخبارات، وكفاءة القوات، لكنهما يفتقران إلى الخبرة التي اكتسبتها أوكرانيا في مواجهة ساحة قتال تهيمن عليها الطائرات المسيرة والمراقبة المستمرة. وفي المقابل، أعادت روسيا تنظيم قواتها وطورت تكتيكاتها وتقنياتها للاستفادة من هذه القدرات على نطاق واسع، مع احتفاظها بترسانة نووية استراتيجية وتكتيكية تشكل عنصر ردع رئيسيًا، خاصة بعد انتهاء العمل بمعاهدة ستارت الجديدة.
لذلك، ينبغي أن يستند التخطيط الدفاعي إلى طبيعة الحروب المقبلة، التي قد تلعب فيها الطائرات المسيرة والتقنيات الناشئة دورًا أكبر من الأسلحة التقليدية. ورغم استمرار أهمية التفوق الجوي، فإن الناتو قد يواجه صعوبة في التعامل مع أسراب الطائرات المسيرة الروسية والأنظمة الهجومية منخفضة التكلفة، كما أن قواته البرية لا تزال بحاجة إلى تعزيز دفاعاتها الجوية وقدراتها على مواجهة الطائرات المسيرة. ويبقى السؤال المطروح هو مدى قدرة مفاهيم الناتو الحالية على مواجهة جيش روسي اكتسب خبرة واسعة في استخدام هذه التقنيات.
نتيجة لذلك، قد تتكبد جيوش الناتو خسائر أكبر في أي مواجهة مستقبلية، خاصة أن كثيرًا منها محدود الحجم ولا يستطيع تحمل خسائر كبيرة في المراحل الأولى من الحرب. وقد أظهرت المناورات المشتركة مع وحدات الطائرات المسيرة الأوكرانية أن قوات الحلف لا تزال تفتقر إلى الخبرة في القتال داخل ساحة معركة تهيمن عليها الطائرات المسيرة وأنظمة الاستطلاع والضربات الدقيقة، كما أنها لم تتكيف بعد مع دور هذه الأنظمة في دعم المناورة أو تعطيلها. ولذلك، يمثل الجيش الروسي اليوم تهديدًا مختلفًا عن ذلك الذي بدأ الحرب في عام 2022.
لمواجهة هذا التحدي، يحتاج مخططو الدفاع في الولايات المتحدة وأوروبا إلى استيعاب دروس الحرب الأوكرانية بصورة أفضل، وعدم الاكتفاء بالتركيز على التكنولوجيا، بل إعادة هيكلة القوات بما يضمن دمجها بفاعلية في العمليات القتالية. ويتطلب ذلك اتخاذ قرارات صعبة بشأن توزيع الموارد، وتوسيع قدرات الطائرات المسيرة، والحرب الإلكترونية، والدفاع الجوي، وبناء منظومة دفاعية متكاملة قادرة على مواجهة أسراب الطائرات المسيرة منخفضة التكلفة. وبينما تتحدث دول الناتو عن تعزيز الجاهزية، فإن تنفيذ الإصلاحات والاستثمارات اللازمة لا يزال أبطأ من وتيرة التحديات التي تواجهها.
• مايكل كوفمان زميل أول في مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي.
• الترجمة عن Foreign Affairs