جريدة الرؤية العمانية:
2026-07-24@14:54:30 GMT

كيف نحافظ على إنسانيتنا؟

تاريخ النشر: 15th, June 2025 GMT

كيف نحافظ على إنسانيتنا؟

 

 

د. أحمد بن موسى البلوشي

في عالم يتسارع فيه التغيير بوتيرة سريعة، ومع هيمنة التكنولوجيا وأدواتها وتحولات السلوك، القيم والثقافات، يقف الإنسان اليوم أمام سؤال جوهري: من نحن؟ وكيف يُمكننا أن نحتفظ بإنسانيتنا وهويتنا وسط هذا الزخم؟ لم تعد الهوية مجرّد انتماءٍ جغرافي أو عرقي، بل أصبحت منظومة من القيم، والعادات، واللغة، والروح المشتركة التي تربط الإنسان بمجتمعه وتاريخه ومستقبله.

أول ما يُهدد الهوية في عصرنا الحالي التمدد الثقافي العالمي أو ما يُعرف بالعولمة الثقافية، حيث تفرض ثقافات ذات طابع مهيمن حضورها على الهويات المحلية، فتُضعف التقاليد والعادات والقيم الخاصة بالمجتمعات، وتُذيب الخصوصيات في قالبٍ عالمي واحد، يفتقر في كثير من الأحيان إلى العمق الإنساني والقيم المتجذرة. كما تُؤدي وسائل التواصل الاجتماعي دورًا ثنائي التأثير؛ فهي تُتيح مساحات للتعبير وتبادل الآراء، لكنها في المقابل تُغرق المستخدمين خاصة الشباب منهم في أنماط جاهزة من التفكير والسلوك، وتدفعهم نحو التقليد والاستهلاك السطحي على حساب الأصالة والتميّز.  إلى جانب ذلك، تبرز التحولات الاقتصادية والضغوط المعيشية كعاملٍ يمس الإنسان في عمقه، حيث ينشغل بالسعي وراء الاستقرار المادي على حساب قيمه وهويته الداخلية. إن الهوية ليست مجرد مظهر خارجي، بل علاقة الإنسان بقيمه ومبادئه.

أولى خطوات الحفاظ على إنسانيتنا تبدأ ببناء وعي نقدي لدى الفرد منذ الصغر، وهو ما يُمكن تحقيقه من خلال تطوير المناهج التعليمية لتشمل محاور تُعزز فهم الطالب لثقافته وتاريخه، وتكسبه أدوات التفكير الناقد التي تمكّنه من تقييم ما يُعرض عليه من أفكار وسلوكيات، وهذا ما أكدت عليه رؤية "عُمان 2040" في أهداف أولوية التعليم والتعلم والبحث العلمي والقدرات الوطنية فأوصت ببناء مناهج تعليمية مُعززة للقيم، ومراعية لمبادئ الدين الإسلامي، والهوية العُمانية، ومستلهمة من تاريخ عُمان وتراثها، ومواكبة لمتطلبات التنمية المستدامة. فالفرد الواعي بهويته قادر على التفاعل مع العالم دون أن يذوب فيه. وتلعب كل من الأسرة والمدرسة دورًا محوريًا في بناء هذه الهوية، إذ تمثلان البيئة الأولى التي تُصقل فيها الشخصية وتُغرس القيم؛ حيث تُعد الأسرة الحاضنة الأساسية للهوية، في حين تُشكل المدرسة شريكًا فاعلًا في تشكيل وعي الأجيال وتعزيز انتمائه. كما يُسهم المجتمع المحلي بدوره في دعم هذا البناء من خلال تفعيل الحوار داخل الأسرة، وتنظيم فعاليات ثقافية مُجتمعية، وربط الناشئة بتاريخهم المحلي ومعالم وطنهم، إلى جانب دعم الفنون والآداب بوصفها وسيلة إبداعية فعّالة للتعبير عن الذات والهوية، وتُلامس جوهر الإنسان وتُسهم في بناء شخصية متزنة قادرة على مُقاومة الانجراف خلف تيارات التغيير السطحي.

ومن أجل مقاومة طغيان المحتوى العالمي الموحد، لا بُد من الاستثمار في إنتاج مواد إعلامية وفنية محلية تُخاطب وجدان المجتمع بلغة العصر. المسلسلات، والأغاني، والكتب، ومنصات التواصل، يجب أن تحمل رسائل إيجابية تُعزز الهوية وتُظهر الجوانب المضيئة في الثقافة الوطنية بأسلوب إبداعي، يجعل الشباب يفتخرون بانتمائهم بدلاً من البحث عن بدائل خارجية، ولكن ما نشاهده على هذه المنصات أحيانًا يعكس واقعًا مغايرًا، حيث يُروَّج لمضامين تُهمّش القيم الأصيلة وتُعلي من شأن أنماط سلوكية دخيلة، في سياق من التكرار والسطحية يغيب عنه العمق والهوية. هذا الانحراف لا يقتصر على المحتوى فحسب، بل يمتد ليؤثر على الذوق العام، ويضعف الرابط بين الأجيال وثقافتهم، مما يستدعي وقفة جادة لإعادة التوازن بين الانفتاح على العالم والحفاظ على الذات الثقافية.

ورغم ما تحمله وسائل التواصل من أخطار على الهوية، إلا أنها يمكن أن تكون أداة فعالة إذا استُخدمت بوعي. وهنا يأتي دور المؤسسات التربوية والإعلامية والاجتماعية والأسر في توعية الأبناء بكيفية الاستخدام الإيجابي لهذه الوسائل، وتشجيعهم على متابعة النماذج الملهمة، والمشاركة في مبادرات رقمية تعكس القيم والهوية الوطنية، وعدم الإفراط في متابعة النماذج التي تُعطي صورة عكسية للواقع الحقيقي للمجتمع وثقافته وقيمه.

وأخيرًا يُمكننا القول بأنَّ الهوية ليست قيدًا يُقيد الإنسان، بل جذرٌ يُثبته ويمنحه القدرة على مواجهة رياح التغيير دون أن يفقد ذاته. وحين يحافظ الإنسان على إنسانيته، فإنِّه لا يقاوم التغيير، بل يوجهه نحو ما يخدمه ويصون كرامته. في النهاية، ليس المهم أن نتغير فقط؛ بل أن نتغير دون أن نفقد أنفسنا.

المصدر

المصدر: جريدة الرؤية العمانية

إقرأ أيضاً:

الساعي : مصر تمتلك مقومات قوية لبناء الهوية الوطنية وتعزيز قوتها الناعمة

أكد الدكتور عماد الساعي، مستشار الأمم المتحدة لإدارة الأزمات والمخاطر، أن مصر تمتلك القدرة على ترسيخ وتعزيز الهوية الوطنية، مشيرًا إلى أن توظيف عناصر القوة الناعمة بشكل أكثر تكاملًا من شأنه أن يدعم حضور الدولة وتأثيرها على المستويين الإقليمي والدولي.

عماد الساعي: مصر تمتلك رصيدًا حضاريًا استثنائيًاعماد الساعي: العالم العربي يمتلك مقومات قوة ناعمة مؤثرة لكنه يفتقد التخطيط المشترك

وقال الساعي، خلال لقاء له لبرنامج “حقائق وأسرار”، عبر فضائية “صدى البلد”، تقديم الإعلامي “مصطفى بكري”،  أن القوة الناعمة المصرية لا تزال تعمل بصورة منفصلة، وهو ما يستدعي توحيد الجهود ضمن رؤية متكاملة تعزز السردية المصرية وتبرز تاريخها وثقافتها وإنجازاتها بصورة أكثر تأثيرًا.

وأشار الساعي إلى أن السردية المصرية ارتبطت في مراحل سابقة بنماذج تعكس البعد الشعبي والثقافي، مؤكدًا أهمية تطوير خطاب وطني يعكس مكانة مصر وقدراتها الحضارية والإنسانية.

إسهاماتها العلمية

وأضاف أن مصر تمتلك سجلًا متميزًا على المستوى الأفريقي، إذ تُعد الدولة الأكثر حصولًا على جوائز نوبل في القارة، وهو ما يعكس حجم إسهاماتها العلمية والثقافية ويعزز من رصيدها في مجال القوة الناعمة.

طباعة شارك الدكتور عماد الساعي الأمم المتحدة مصر الهوية القوة الناعمة

مقالات مشابهة

  • خطيب الجامع الأزهر: يحذر من الخطابات السلبية التي تهدد استقرار الأسرة
  • مدير الجامع الأزهر: حسن الاختيار والحوار داخل الأسرة مفتاح مواجهة الطلاق والخلافات الزوجية
  • برامج تأهيل الزواج.. هل تحد من الطلاق أم مجرد إجراء شكلي؟
  • محافظ أسيوط: اعتماد 14 وحدة صحية بنسبة 100% تمهيدًا لـ التأمين الشامل
  • خبيرة تحذر من تجهيز الأبناء للزواج بالكامل : الاعتماد على النفس مفتاح الاستقرار الأسري
  • مزيج فرعوني وإسلامي وأفريقي.. عماد الساعي يرسم ملامح الهوية المصرية
  • خبير أممي يكشف تأثير السوشيال ميديا على الهوية الثقافية للشباب
  • الساعي : مصر تمتلك مقومات قوية لبناء الهوية الوطنية وتعزيز قوتها الناعمة
  • بين الهوية وصناعة الوجدان.. هكذا استخدمت ثورة يوليو الكتاب والمكتبات العامة كدروع لحماية عقل الإنسان المصري
  • فيلم عن البابا شنودة.. مقترح من عالم أزهري لإحياء القيم في المجتمع