عبد السلام فاروق يكتب: سطور في دفتر النار
تاريخ النشر: 20th, June 2025 GMT
الحرب الدائرة منذ أسبوع بين إيران وإسرائيل تمثل تصعيدًا غير مسبوق تطور تدريجياً إلى مواجهات مباشرة بصواريخ مدمرة يتبادلها الطرفان فى نزق وتهور. ثمة خسائر بشرية ومادية رهيبة تتضاعف كل يوم وهناك تهديد واختراق للمعاهدات الدولية.
استمرار الحرب يبدو مرهونًا بقدرة كل طرف على الاستنزاف، ومدى تدخل الولايات المتحدة، وتوازن القوى الإقليمي.
بدايات المشهد
في فجر الثالث عشر من يونيو 2025، شنت إسرائيل ما أسمته "عملية الأسد الصاعد" Operation Rising Lion" ".. ضاربةً بأعتى قواها الجوية مواقع إيرانية حيوية، في هجوم بدا أنه يحمل في طياته رسائل وجودية تتجاوز مجرد التصعيد العسكري المعهود؛ فبكل العنف شنت إسرائيل غارات استهدفت أكثر من 100 موقع في إيران بينها منشآت نووية (نطنز، أصفهان) ومواقع دفاع جوي وقواعد صاروخية، بطائرات مقاتلة متقدمة وطائرات شبح!
لقد استهدفت الضربات الإسرائيلية، بحسب تصريحات رسمية: "البنية التحتية النووية الإيرانية ومصانع الصواريخ الباليستية والقدرات العسكرية"، أكثر من هذا أنها تمكنت من تصفية كبار القادة العسكريين والعلماء النوويين، بمن فيهم قائد الحرس الثوري الإيراني حسين سلامي ورئيس هيئة الأركان محمد باقري، فهل كان المطلوب القضاء على النظام الإيراني واستبداله؟!
هذا الهجوم المفاجئ، تم تنفيذ جزء منه من داخل الأراضي الإيرانية نفسها، إذ نفذ الموساد الإسرائيلي عمليات استطلاع وتجميع طائرات درون داخل إيران لاستهداف بطاريات صواريخ أرض-أرض، ما مكّن القصف الجوي الإسرائيلي من إلحاق أضرار عنيفة خلال الساعات الأولي من الاعتداء.
الرد الإيراني
ردًّا على الغارات، أطلقت إيران قرابة 400 صاروخ باليستي ومئات الطائرات بدون طيار متجهة نحو إسرائيل، وصل منها عدد كاف لإحداث دمار هائل داخل عدة مناطق فى قلب تل أبيب وحيفا ومناطق أخرى، لدرجة أن بعض هذه الصواريخ استطاعت اختراق ملاجئ ضمت مدنيين قتل بعضهم وأصيب آخرون. ثم جاءت أخبار غير مؤكدة أن الدفاعات الإيرانية استطاعت إسقاط طائرة أو اثنتين من الطائرات الشبحية، رغم أن الضربة الأولى المكثفة التي قامت بها إسرائيل تمكنت من هدم نحو 120 منصة صواريخ وأنظمة دفاع جوي إيرانية.
روسيا والصين وباكستان صدرت عنها تصريحات أيدت الرد الإيراني باعتبار دفاعها عن نفسها حقا تكفله القوانين الدولية تجاه العدوان الإسرائيلي الغاشم. وفيما دعت الصين إلى وقف التصعيد وتمكين الدبلوماسية، اجتمعت الدول السبع الكبرى لمناقشة تداعيات الحرب، وخرج منها ماكرون مدعياً أن ترامب غادر قمة السبع إلى واشنطن للسعي فى وقف إطلاق النار بين الطرفين، وهو التصريح الذي نفاه ترامب، معلناً أن أمريكا تقف بجوار إسرائيل حتى تحقق أهدافها فى ضرب البنية التحتية النووية، وهو ما يعني أن الحرب مستمرة، وأن أمريكا أصبحت شريكاً فيها.
أرواح تزهق ودماء تراق
خلال العامين الماضيين بدا واضحاً أن إسرائيل تستهين أيما استهانة بسقوط المدنيين، هي لا تكترث لعدد الموتى والقتلى، فتبطش بطش الأعمى. مئات القتلى الإيرانيين سقطوا خلال الهجوم الأول لإسرائيل بينهم نساء وأطفال، كما تأكدت وفاة عدد من كبار الضباط خلال اغتيالات تزامنت مع الهجوم.
جاء الرد الإيراني محاولاً الانتقام لما حدث من هجوم مباغت أفقد إيران صوابها، فردت بعشرات الصواريخ التي أسقطت عشرات المباني، فسقط العشرات وأصيب مئات المستوطنين الإسرائيليين فى تل أبيب وميناء حيفا. وبسبب الذعر الذي عمَّ إسرائيل اندفع الإسرائيليون محاولين مغادرة البلاد فخرج التصريح الحكومي الرسمي ليمنع مغادرة الإسرائيليين للبلاد فى الوقت الحالي إلا باستثناءات قليلة، منعاً لفرار المطلوبين للتجنيد.
على الناحية الأخرى صدرت أوامر تحذيرية بإخلاء مناطق في طهران، ما دفع أكثر من مائة ألف مدني لمغادرة العاصمة الإيرانية متجهين نحو شمال البلاد ودول أخرى مثل أذربيجان وتركيا ، خاصة بعد حدوث نقص مفاجئ للمواد الغذائية والطبية بالأسواق، وانقطاع بالانترنت، تزامن مع استهداف مبنى التليفزيون بإيران.
ورغم أن منظمة الصحة العالمية أطلقت تحذيرًا من مخاطر صحية جراء استهداف منشآت نووية وطاقة، وسارع الهلال الأحمر بدأ فى تقديم خدماته للمساعدة المؤقتة، إلا أن الأفق لا يشي بانبلاج سحب الدخان أو توقف الحرب؛ خاصة ً بعد أن أمسك الرئيس الأمريكي بتلابيب القرار العسكري مطالباً إيران باستسلام غير مشروط، وداعياً الإيرانيين لإخلاء طهران، ومنذراً باستكمال الحرب بالاشتراك مع إسرائيل!
سيناريوهات مرعبة
توقعات المحللين تميل إلى القول بأن الحرب ستتوقف خلال أيام، منها ما جاء فى "فاينانشيال تايمز" وجمعيات أبحاث مثل: (RAND, Atlantic council) بأن استمرار القتال يعتمد أولاً على القدرة على التزود الجوي والصاروخ. وانخفاض الإطلاق الإيراني يوحي باستراتيجية انتظارية، هي طموحات وآمال أكثر منها تحليلات رصينة. الخوف أن تكون تصرحيات ترامب الداعية إلى استسلام إيران تستند فى الأساس على تحليلات الصحافة العسكرية وعلى تقارير استخباراتية أكدت أن قدرات إيران الدفاعية تهاوت أغلبها خلال الضربات الأولى منذ أيام مضت، وهو ما كذبه الرد الإيراني العنيف، والتصريحات الإيرانية التي تتوعد إسرائيل بضربات أعنف وأوسع!
الخوف الأكبر من سيناريوهات التصعيد التي تحمل مخاطر باستدعاء شركاء جدد يدعمون كلا من طرفي الحرب، الخوف الأكبر من تحول نووي أو استهداف مضاد من جانب إيران للمفاعلات الإسرائيلية، أو من امتداد الحرب وتوسعها لتشمل أطرافاً إقليمية، أو الأسوأ أن تقرر إيران غلق مضيق هرمز أو استهداف حقول نفط رئيسية ترفع أسعار الطاقة أكثر فأكثر..
تداعيات الاختراق الداخلي
أخطر ما كشفه الهجوم الإسرائيلي وجود اختراق عميق للمجتمع الإيراني النخبوي، وأن هناك قواعد عسكرية إسرائيلية سرية تم إنشاؤها داخل الأراضي الإيرانية! إذ كيف لطائرات إسرائيلية أن تنطلق من داخل إيران دون علم السلطات؟ وكيف تم تعطيل المنظومات الدفاعية الإيرانية بهذه السهولة؟
الأنباء جاءت لتكشف توصل السلطات الإيرانية لعدد من الجواسيس، وورشة لتجميع طائرات الدرون فى أطراف إيران. وقد صرحت إيران بأنها فى طريقها لتفكيك الشبكة التي ارتبطت بالجواسيس الذين تم القبض عليهم. وهي أخبار متأخرة جاءت بعد أن تم التدمير بشكل موسع لتفقد إيران جزءاً كبيراً من قدرتها على مواجهة إسرائيل، ثم مواجهة أمريكا الآن بعد أن كشف ترامب عن نيته لدخول الحرب، وهو تصريح رافقته تحركات لقطع بحرية من الأسطول الأمريكي نحو الشرق الأوسط لمساندة إسرائيل.
خمود العاصفة أم صحوة النار؟
التصعيد الحالي لا يهدد إيران وإسرائيل فحسب، بل قد يجر المنطقة كلها إلى حرب شاملة. فتصريحات نتنياهو بأن العملية مستمرة ، وتهديدات إيران بـ"رد انتقامي موجع" ، تشيران إلى أننا قد نكون على أعتاب مواجهة وجودية. بينما الموقف الدولي منقسم، فبينما أدانت روسيا الهجوم الإسرائيلي ووصفته بـ"غير المقبول"، دعت الصين إلى "ضبط النفس" ، وبدا الموقف الأمريكي الأوروبي منقسماً، فمهما كان جلهم يميل إلى تأييد حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، إلا أن ماكرون وبعض زعماء أوروبا دعوا لعدم التصعيد ووقف إطلاق النار. أما الدول العربية، فقد اكتفت بإدانة الهجوم دون أي التزام عملي بدعم إيران، باستثناء الجزائر.
إيران الآن تهدد بالانسحاب من معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية، وأغلب الظن أنها ستنفذ تهديدها بخطوات أشد، وقد نفاجأ بأنها امتلكت سلاحاً نووياً بالفعل، وهو ما ينذر بحرب نووية فى المنطقة، أو على أضعف الاحتمالات تأجيج سباق التسليح النووي.
تصريحات ترامب التي تدفع ظهر إيران للحائط قد تشعل الأوضاع بدلاً من إخمادها، لكن الأمل فى قرارات الكونجرس الأمريكي والبنتاجون وكلاهما لا يميل لمشاركة أمريكا فى الحرب حتي لا تتضرر مصالح أمريكا فى المنطقة، فهناك الحوثي يتربص بمضيق باب المندب، وإيران تتربص بمضيق هرمز، والقواعد الأمريكية التي رفعت درجة تأهبها قد يتم استهدافها فى أية لحظة تقرر فيها أمريكا الهجوم ضد إيران!.
المصدر
المصدر: صدى البلد
كلمات دلالية: أمريكا إيران غزة الرد الإیرانی أکثر من
إقرأ أيضاً:
تقارير غربية: انخراط الحوثيين في الحرب الإيرانية يقرب المواجهة مع ترمب
مع تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، تتزايد المؤشرات على أن ميليشياء الحوثي تتجه للانخراط بصورة مباشرة في المواجهة الإقليمية عبر فتح جبهة البحر الأحمر وباب المندب، في خطوة تنذر بتوسيع نطاق الحرب وتهدد أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
وتجمع تقارير صادرة عن وسائل إعلام أمريكية وبريطانية على أن تهديدات الميليشيات الحوثية بفرض حصار بحري على الملاحة المرتبطة بالسعودية لا تمثل مجرد تصعيد سياسي، بل قد تدفع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلى استئناف عمليات عسكرية واسعة ضد الحوثيين إذا تحولت تلك التهديدات إلى واقع.
وتشير تلك التقارير إلى أن الميليشيات، المدعومة من إيران، لا تتحرك بمعزل عن الحسابات الإقليمية، بل تسعى إلى استخدام موقعها الجغرافي كورقة ضغط ضمن استراتيجية إيرانية لتوسيع ساحات المواجهة، عبر تهديد إمدادات الطاقة العالمية وإرباك حركة التجارة الدولية في وقت يشهد فيه الخليج توترات غير مسبوقة.
وأكدت وكالة أسوشيتد برس أن إعلان الحوثيين فرض حصار على الملاحة المرتبطة بالسعودية قد يؤدي إلى توسيع الحرب مع إيران، فضلاً عن تعطيل إمدادات النفط العالمية والتجارة الدولية. وأوضحت أن الجماعة سبق أن أعلنت خلال حملتها ضد السفن المرتبطة بإسرائيل أنها ستستهدف أهدافاً محددة، لكنها هاجمت في الواقع سفناً لا علاقة مباشرة لها بالصراع، ما يثير مخاوف من تكرار السيناريو ذاته في البحر الأحمر.
وبحسب الوكالة، فإن مجرد التهديد كفيل بإجبار شركات الشحن العالمية على تجنب باب المندب، بينما قد تؤدي أي هجمات متفرقة إلى شل حركة الملاحة في واحد من أهم الممرات البحرية العالمية، بما ينعكس مباشرة على أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد الدولية.
وفي مؤشر على جدية الموقف، نقلت الوكالة عن ثلاثة مسؤولين حوثيين أن الجماعة وضعت منذ أشهر خطة متكاملة لتعطيل الملاحة في باب المندب، تشمل نشر ألغام بحرية، واستخدام زوارق مفخخة وطائرات مسيّرة وحتى مروحيات لنقل مقاتلين إلى السفن التجارية والسيطرة عليها، وهو ما يمثل تطوراً لافتاً في طبيعة التهديدات التي تواجه الملاحة الدولية.
ويرى مراقبون أن هذه الخطط تكشف انتقال الحوثيين من سياسة الهجمات المحدودة إلى استراتيجية تستهدف تحويل البحر الأحمر إلى ساحة حرب مفتوحة، بما يضاعف المخاطر الأمنية ويهدد الاقتصاد العالمي في وقت واحد.
وفي السياق ذاته، اعتبرت صحيفة نيويورك تايمز أن الحوثيين يقتربون من الدخول المباشر في الحرب الأمريكية الإيرانية بعد إعلانهم حصار البحر الأحمر باتجاه السعودية، وهو ما قد يفتح جبهة جديدة في الصراع الإقليمي. وأشارت إلى أن محللين يرون أن طهران تدفع الحوثيين نحو تصعيد الضغوط في باب المندب لإرسال رسالة إلى واشنطن بأن النفوذ الإيراني لا يقتصر على مضيق هرمز، بل يمتد أيضاً إلى البحر الأحمر عبر حلفائها في اليمن.
ونقلت الصحيفة عن الباحث في مجموعة الأزمات الدولية أحمد ناجي قوله إن إيران تنظر إلى تهديد الحوثيين للبحر الأحمر باعتباره ورقة ضغط استراتيجية في مواجهتها مع الولايات المتحدة، بما يمنحها قدرة إضافية على التأثير في أسواق الطاقة العالمية.
وتتوافق هذه القراءة مع ما أوردته صحيفة الغارديان البريطانية، التي رأت أن تهديد الحوثيين للملاحة في البحر الأحمر، بالتزامن مع تهديدات إيران في الخليج، يضع صادرات النفط السعودية بين فكي كماشة، ويزيد من احتمالات توسع الأزمة الإقليمية بصورة خطيرة.
وأوضحت الصحيفة أن إيران سبق أن دفعت الحوثيين نحو إغلاق باب المندب إذا استمرت الولايات المتحدة في استهداف منشآتها، معتبرة أن باب المندب يمثل بالنسبة لطهران نقطة موازنة استراتيجية أمام الضغوط الأمريكية في مضيق هرمز.
ولم تقتصر آثار التهديدات على الجانب السياسي، إذ كشفت الغارديان أن ناقلتي نفط تحملان الخام السعودي إلى الصين والهند غيرتا مسارهما بعيداً عن السواحل اليمنية التي يسيطر عليها الحوثيون، في إشارة إلى أن الأسواق بدأت تتعامل مع التهديدات باعتبارها خطراً حقيقياً وليس مجرد تصريحات إعلامية.
كما أشارت الخبيرة في شؤون الشرق الأوسط أليسون مينور إلى أن أي سفينة تزور الموانئ السعودية وتحمل النفط السعودي قد تصبح هدفاً محتملاً للجماعة، لافتة إلى أن الحوثيين سبق أن استخدموا الزوارق الصغيرة والطائرات المسيّرة والصواريخ في مهاجمة أكثر من مائة سفينة تجارية خلال الأعوام الماضية، ما جعل الملاحة في المضيق محفوفة بالمخاطر.
وفي الاتجاه ذاته، ذكرت صحيفة فايننشال تايمز أن تهديدات الحوثيين المدعومين من إيران دفعت عدداً من السفن إلى تغيير مساراتها، بعد تلقيها تحذيرات لاسلكية تمنعها من عبور باب المندب إذا كانت قد رست في موانئ سعودية، وهو ما يعكس تصاعد المخاوف لدى قطاع الشحن العالمي من عودة البحر الأحمر إلى دائرة الاضطراب.
أما صحيفة واشنطن تايمز، فربطت بين هذه التطورات وتصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، الذي توعد الحوثيين بالرد إذا نفذوا تهديداتهم، مؤكداً أن الولايات المتحدة "ستتعامل مع الأمر" كما فعلت في السابق.
ورأت الصحيفة أن أي هجوم أمريكي جديد على معاقل الحوثيين سيشكل توسعاً كبيراً للحرب الدائرة مع إيران، لكنه في الوقت ذاته يعكس استعداد واشنطن لمنع تحويل البحر الأحمر إلى ساحة ابتزاز تهدد الاقتصاد العالمي.
وتعكس مجمل هذه التقارير الغربية قناعة متزايدة بأن تحركات الحوثيين لم تعد مجرد امتداد للصراع اليمني، بل أصبحت جزءاً من استراتيجية إيرانية أوسع لتوسيع دائرة المواجهة الإقليمية عبر استهداف الممرات البحرية الحيوية.
كما تشير إلى أن استمرار الجماعة في التهديد باستخدام الألغام البحرية والزوارق المفخخة والطائرات المسيّرة قد يدفع الولايات المتحدة إلى استئناف عملياتها العسكرية ضد الحوثيين، بما يعيد اليمن إلى قلب الصراع الإقليمي ويهدد بإشعال مواجهة جديدة تتجاوز حدود البلاد إلى أمن الملاحة الدولية واستقرار أسواق الطاقة العالمية.