في مثل هذا التوقيت من كل عام، تتجدد الذاكرة الوطنية المصرية باستدعاء لحظة فارقة في تاريخها الحديث، لحظة اجتمع فيها الشعب على كلمة واحدة: "لا لحكم الإخوان". 

فثورة 30 يونيو لم تكن مجرد انتفاضة ضد حكم جماعة، بل كانت إعلانًا صريحًا برفض مشروع أراد اختطاف الوطن لحساب أجندات خارجية، متدثرة بشعارات دينية، ومتسلحة بخطاب مزدوج لم يصمد طويلًا أمام واقع ممارساتها.

وبعد مضي 12 عامًا على تلك الثورة العارمة، يبدو أن التنظيم الذي طالما قدّم نفسه كـ«مشروع أمة»، لم يعد سوى شبحًا مهزومًا، يعيش حالة من التآكل الذاتي، والتشظي التنظيمي، والغربة الوجودية عن الواقع السياسي والاجتماعي في مصر والمنطقة.

تنظيم مأزوم وغربة وجودية

بحلول الذكرى الثانية عشرة لثورة 30 يونيو، لا يبدو أن جماعة الإخوان تعيش فقط انكسارًا سياسيًا، بل حالة من الغربة الشاملة عن الواقع. فذلك التنظيم، الذي سوّق لنفسه لعقود على أنه حاضنة فكرية ومشروع نهضوي بديل، بات عبئًا تاريخيًا تتنكر له الشعوب وتتجنبه العواصم، بعدما تكشفت الوظيفة الحقيقية التي كان يؤديها: أداة مأجورة في مشاريع استعمارية وأداة ابتزاز في لعبة التوازنات الإقليمية والدولية.

وقد كشفت ثورة 30 يونيو هشاشة المشروع الأخلاقي والفكري للتنظيم، وأسقطت أوراق التوت عن شعاراته، مما أدى إلى تفكك البنية التنظيمية إلى 3 جبهات متصارعة: جبهة إسطنبول، جبهة لندن، وجبهة الداخل المصري، فضلًا عن محاولات بائسة لاستعادة شرعية منعدمة من خلال الإعلام الممول خارجيًا والخطابات الاستهلاكية.

من خطاب الأمة إلى عبء التاريخ

يرى الخبراء أن التنظيم يعيش اليوم في مرحلة "موت سريري"، يعاني فيها من الملاحقة الأمنية، والانقسام الداخلي، والتآكل الذاتي، فبين منفى وملاحقة وخطاب بائس، تبدو نهاية الجماعة أقرب إلى نهاية حركات تجاوزها الزمن وانكشفت مقاصدها.

ويؤكد النائب طارق الخولي، وكيل لجنة العلاقات الخارجية بمجلس النواب، أن الجماعة أصبحت في موضعها الطبيعي كتنظيم منبوذ، ليس فقط من الشعب المصري، بل من المجتمع الإقليمي والدولي، بعدما باتت تُصنّف باعتبارها "المنبع الرئيسي لكل جماعات الإرهاب في العالم".

ما بعد الإقصاء.. مشروع استعماري مكشوف

بعد إسقاط حكم الإخوان في 30 يونيو، واجهت الدولة المصرية تحديات أمنية كبرى، شملت موجات عنف وإرهاب منظّمة. غير أن القيادة السياسية، وعلى رأسها الرئيس عبد الفتاح السيسي، وضعت استراتيجية متكاملة لمكافحة الإرهاب، نجحت في تفكيك خلايا الجماعة وقطع أوصالها التنظيمية، لتنهار معها شبكة العلاقات السرية التي ربطت التنظيم بمشاريع خارجية، بعضها دولي وبعضها إقليمي غير عربي.

الجماعة كانت ولا تزال أداة في أيدي قوى استعمارية تسعى لتفكيك الدولة الوطنية، وأدى التنظيم دورًا وظيفيًا مفضوحًا ضمن أدوات الضغط والابتزاز والتخريب، مستخدمًا غطاء الدين لأداء أجندات استخباراتية.

وأثبت الواقع العملي فشل الإخوان في الحكم، بعد أن تم اختبارهم لوجستيًا وسياسيًا، حيث لم يجد المواطن منهم سوى شعارات جوفاء، وسياسات كارثية، أسفرت عن ما وصفه بـ"أكبر نكسة" سياسية واجتماعية للعرب والمسلمين في العصر الحديث.

هل انتهى مشروع الجماعة؟

رغم السقوط المدوي لجماعة الإخوان في مصر وعدة دول عربية، إلا أن "مشروع الجماعة لم ينتهِ كليًا"، طالما بقيت القوى الخارجية التي تستخدمها قائمة. 

فالإخوان دائمًا ما يسوّقون أنفسهم كأداة تحت الطلب، سواء للاختراق أو لخلق الفوضى أو لإعادة تدويرهم عند الحاجة في مشهد سياسي متأزم.

ولكن الدولة المصرية سبقت الجميع في التعامل مع خطر الجماعة، وتفكيك بنيتها قبل أن تتمكن من إحكام قبضتها على مفاصل الدولة، مؤكدًا أن ثورة 30 يونيو ستظل محطة فاصلة في تاريخ الأمن القومي المصري والعربي، ودرعًا منيعًا أمام أي محاولة لإعادة تسويق التنظيم من جديد.

وبعد 12 عامًا من اندلاع ثورة 30 يونيو، يتضح أن ما حدث لم يكن مجرد تغيير سياسي، بل تصفية كاملة لمشروع كان يُراد له أن يستبدل الوطن بهوية دخيلة، وأن يجعل من مصر نقطة ارتكاز لمشروع تفتيتي مدمر. 

واليوم، يقف الإخوان في موقع العزلة والتآكل، بينما تمضي الدولة المصرية نحو الاستقرار والبناء، وقد تعلمت من الدرس، وأعدّت العدة لكل من تسوّل له المساس بقرارها الوطني المستقل.

طباعة شارك 30 يونيو يونيو ثورة 30 يونيو

المصدر

المصدر: صدى البلد

كلمات دلالية: 30 يونيو يونيو ثورة 30 يونيو ثورة 30 یونیو الإخوان فی

إقرأ أيضاً:

بعد سنوات الانقسام.. هل تنجح دعوة العليمي في توحيد الصف لإنهاء الانقلاب؟

بعد سنوات طويلة من الحرب والانقسام وتآكل مؤسسات الدولة، تعود معركة استعادة الدولة اليمنية إلى صدارة المشهد السياسي والعسكري، عقب الدعوة التي أطلقها رئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد العليمي إلى التحام وطني شامل خلف مشروع الدولة، ودعم القوات المسلحة والأجهزة الأمنية في معركة إنهاء الانقلاب واستعادة مؤسسات الدولة من قبضة جماعة الحوثي.

لكن خلف هذه الدعوة تبرز تساؤلات جوهرية تتجاوز الخطاب السياسي المعتاد: هل وصلت الحكومة اليمنية إلى مرحلة جديدة من الحسم، وأصبحت أكثر جدية في استعادة الدولة والسيادة، أم أن الأمر لا يزال في إطار الرسائل السياسية وإدارة الأزمة المفتوحة منذ سنوات؟

دعوة جديدة في لحظة مختلفة

لم تعد معركة اليمن اليوم مجرد صراع على السلطة بين طرفين، بل أصبحت معركة حول مفهوم الدولة ذاته، بين مشروع يسعى إلى إعادة بناء مؤسسات وطنية قائمة على القانون والدستور، ومشروع جماعة مسلحة فرضت واقعاً موازياً للدولة منذ سيطرتها على العاصمة صنعاء ومؤسساتها.

وتأتي دعوة الرئيس العليمي في ظل مرحلة إقليمية ودولية شديدة التعقيد، حيث باتت تداعيات الأزمة اليمنية تتجاوز الحدود الداخلية، لتلامس أمن الملاحة الدولية، واستقرار المنطقة، وحركة التجارة والطاقة العالمية.

وفي هذا السياق، فإن الحديث عن استعادة الدولة لم يعد مجرد شعار سياسي، بل أصبح مرتبطاً بقدرة الحكومة على حماية السيادة الوطنية، وإعادة تفعيل مؤسساتها، واستعادة قرارها الاقتصادي والعسكري والسياسي.

من خطاب الشرعية إلى اختبار القدرة

خلال السنوات الماضية، أكدت الحكومة الشرعية في أكثر من مناسبة أن هدفها الأساسي هو إنهاء الانقلاب واستعادة مؤسسات الدولة، إلا أن الواقع الميداني والسياسي ظل يحمل الكثير من التحديات.

فبينما تمكن الحوثيون من بناء منظومة سيطرة أمنية وعسكرية وإدارية في مناطق نفوذهم، واجهت الحكومة الشرعية صعوبات كبيرة في توحيد القرار السياسي والعسكري، وتعزيز حضور مؤسساتها، وتقديم نموذج دولة قادر على استعادة ثقة المواطنين.

ويرى مراقبون أن المرحلة الحالية تضع الحكومة أمام اختبار مختلف، فالمطلوب لم يعد فقط إعلان التمسك باستعادة الدولة، بل ترجمة ذلك إلى خطوات عملية تبدأ من توحيد الصف الوطني، وتفعيل مؤسسات الدولة، وإنهاء حالة التشتت، وبناء استراتيجية واضحة للتعامل مع مشروع الحوثي.

الموارد السيادية.. معركة لا تقل أهمية عن الميدان

يمثل ملف الموارد الاقتصادية أحد أهم الاختبارات أمام الحكومة اليمنية، خصوصاً مع إعلان رئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد العليمي استئناف تصدير النفط وتوجيه عائداته لخدمة المواطنين وصرف الرواتب وتحسين الخدمات.

فالسيادة لا تقاس فقط بالسيطرة العسكرية على الأرض، وإنما بقدرة الدولة على إدارة مواردها، وتمويل مؤسساتها، وتوفير الخدمات الأساسية للمواطنين.

ومنذ توقف صادرات النفط بسبب التهديدات الحوثية، تعرض الاقتصاد اليمني لضغوط كبيرة انعكست على حياة المواطنين، وأضعفت قدرة الدولة على القيام بواجباتها. لذلك فإن إعادة تشغيل الموارد الوطنية تمثل خطوة أساسية في استعادة دور الدولة.

الحوثيون واستمرار مشروع الدولة الموازية

في المقابل، ترى الحكومة اليمنية أن جماعة الحوثي لم تعد مجرد طرف سياسي، بل مشروعاً يسعى إلى فرض سلطة أمر واقع خارج مؤسسات الدولة، من خلال السيطرة على مؤسسات الدولة في مناطق نفوذها، والتحكم بالموارد، واستخدام القوة لفرض خياراتها السياسية.

وتؤكد الحكومة أن إنهاء الانقلاب لا يعني فقط استعادة المدن أو المواقع العسكرية، بل استعادة مفهوم الدولة وإنهاء أي سلطة موازية تنازع الدولة اختصاصاتها.

غير أن هذه المهمة تبقى معقدة، خاصة مع امتلاك الحوثيين قدرات عسكرية وأمنية كبيرة، واستفادتهم من سنوات الحرب في بناء منظومة نفوذ واسعة.

العامل الحاسم: وحدة القوى المناهضة للحوثيين

يبقى التحدي الأكبر أمام الحكومة الشرعية هو قدرتها على توحيد القوى والمكونات المناهضة للحوثيين ضمن مشروع وطني جامع.

فالتجارب السابقة أظهرت أن الانقسامات السياسية والخلافات الداخلية شكلت أحد أبرز العوامل التي أضعفت جبهة الدولة، وأتاحت للحوثيين توسيع نفوذهم وترسيخ وجودهم.

ويرى محللون أن أي مشروع جاد لاستعادة الدولة يحتاج إلى تجاوز الحسابات الضيقة، وبناء شراكة وطنية حقيقية، وتقديم نموذج مختلف عن سنوات الصراع والانقسام.

هل تغيرت المعادلة؟

السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل تمثل دعوة الرئيس العليمي الأخيرة بداية مرحلة جديدة تختلف عن سابقاتها؟

الإجابة ترتبط بقدرة الحكومة على الانتقال من مرحلة البيانات والمواقف السياسية إلى مرحلة الفعل الحقيقي، عبر قرارات واضحة وإجراءات ملموسة تعيد للدولة حضورها وهيبتها.

فاليمنيون الذين أنهكتهم الحرب لا يبحثون فقط عن خطابات سياسية، بل ينتظرون دولة قادرة على حمايتهم، وتوفير الخدمات لهم، واستعادة الأمن والاستقرار، وإنهاء حالة الفوضى التي فرضتها سنوات الصراع.

معركة الدولة لم تعد تحتمل التأجيل

استعادة الدولة اليمنية ليست مهمة عسكرية فقط، بل مشروع وطني شامل يحتاج إلى إرادة سياسية، ووحدة داخلية، وإدارة اقتصادية فاعلة، ومؤسسات قادرة على العمل.

وبينما تؤكد الحكومة أن الوقت قد حان لإنهاء معاناة اليمنيين وطي صفحة الانقلاب، يبقى الاختبار الحقيقي في قدرتها على تحويل هذا الموقف إلى واقع ملموس.

فاليمن أمام لحظة فاصلة: إما أن تتحول دعوات استعادة الدولة إلى مشروع حقيقي يعيد بناء مؤسساتها وسيادتها، أو تستمر الأزمة في الدوران داخل دائرة مفتوحة من الصراع وإدارة الأزمات.

مقالات مشابهة

  • الجالية المصرية في نيويورك تحتفل بذكرى ثورة 23 يوليو
  • تقني المعرفة أو المثقف الوظيفي وعقدة الإخوان
  • السفارات والقنصليات المصرية بالخارج تواصل الاحتفال بالعيد الوطنى
  • ثورة 23 يوليو.. السفارات والقنصليات المصرية تستكمل الاحتفال بالعيد الوطنى
  • محمد صالح: ثورة 30 يونيو امتداد للإرادة الوطنية التي عبرت عنها ثورة يوليو
  • رئيس حزب الغد: ثورتا 23 يوليو و30 يونيو انتصرتا لإرادة المصريين
  • اللواء فؤاد علام: جماعة الإخوان لم تكن تملك قيادات سياسية مؤهلة لإدارة دولة بحجم مصر
  • الراية المصرية تجمل مهرجان الأوبرا الصيفى فى ذكرى ثورة يوليو
  • الأوقاف : ثورة يوليو لم تكن حدثًا عابرًا .. بل نقطة انطلاق لبناء الدولة المصرية الحديثة
  • بعد سنوات الانقسام.. هل تنجح دعوة العليمي في توحيد الصف لإنهاء الانقلاب؟