لا يقتصر الدور الذي تلعبه صناديق الثروة السيادية - باختلاف تسمياتها - على تحريك واستدامة العجلة الاقتصادية؛ بل تتعدى أدوارها اليوم إلى أن تكون الأداة الأولى في دعم الأجندة الوطنية، وتعزيز قوة التأثير والسمعة الوطنية خارج البلد (القوة الناعمة)، وتمكين منظومة متكاملة تضمن استفادة المجتمع من عوائد النمو الاقتصادي من خلال آليات وأدوات وبرامج المحتوى المحلي، بل وأصبحت تتعدى ذلك إلى أدوار (اجتماعية - اقتصادية Socio-economic roles) في أوقات الأزمات والتحولات ومثال ذلك قيام بعض هذه الصناديق بعملية ضخ السيولة في الموازنات العامة أو في الاقتصاد بشكل مباشر للحفاظ على الخدمات الاجتماعية وبرامج التوظيف والدعم في أوقات التقلبات الاقتصادية مثل حالة انهيار أسعار الطاقة.

ومن الأدوار المهمة لهذه الصناديق حسب تقديرنا هو عملية (خلق الأنماط Create patterns) – أي أن تكون مؤسسات نموذجية تستطيع من خلال عملياتها وأدوارها إيجاد ممارسات رائدة توفر التحول المنشود على المستويات الوطنية المختلفة -؛ سواء كان ذلك في عمليات حوكمة المؤسسة، أو الدور في تطوير وتأهيل الكوادر العاملة بها، أو نظم إدارة العمليات المؤسسية، أو التنبيه إلى تحولات الاقتصاد الجديد والقطاعات الواعدة، أو المساهمة في إيجاد نظام متكامل لنمو الشركات الناشئة والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة وتوجيهها إلى فرص النمو الأكثر استدامة ورهانًا مستقبليًا، أو إيجاد النماذج فيما يتعلق بالاستدامة وتحقيق الأهداف البيئية، وسواها من الممارسات.

والواقع أن عملية خلق الأنماط من خلال هذه الصناديق تتعاظم اليوم لثلاثة أسباب رئيسية: أولها قدرة هذه الصناديق على الاحتكاك المباشر بالاقتصاد العالمي وتعظيم عملية نقل المعرفة والابتكار والممارسات الرائدة، والثاني حاجتها إلى الاهتمام الدقيق بمنظومة المخاطرة وبالتالي اتخاذ قرارات حساسة تجاه الأدلة ومزدوجة التحقق، وثالثها قدراتها البشرية والمؤسسية على استكشاف الفرص والتحول إلى (رادارات) للاقتصاد الجديد بما يسهم في قيادة القطاعات الوطنية وتوفير المزايا التنافسية.

ما نود استكشافه في هذه المقالة هو دور جهاز الاستثمار العُماني في خلق هذه الأنماط استنادًا إلى البيانات المنشورة في تقاريره واللقاءات الإعلامية التي يدأب الجهاز على تنفيذها بشكل مستمر. والواقع أنه لابد من كلمة إشادة بمستوى الشفافية الجيدة في تعاطي الجهاز سواء مع وسائل الإعلام، أو في نشر الأرقام والمؤشرات المرتبطة بأعماله، أو في تبيان وتفصيل جهوده المؤسسية والاستثمارية عبر تقاريره السنوية؛ فكل ذلك يمكن المهتم والمتابع من تتبع واضح ودقيق لمسيرة عمل الجهاز والدور الذي يؤديه في حفظ واستدامة الأصول الوطنية وتنميتها للأجيال المقبلة.

ثلاثة ملفات أساسية تعكسها محافظ الجهاز تعكس الأدوار الأصيلة له: الحفاظ على الأصول والثروات واستدامتها عبر الأجيال، الإسهام في دعم التنمية الوطنية (الموجهة)، واستشراف المستقبل عبر الاستثمار في الجيل الناشئ من المشروعات والشركات والتركيز على القطاعات الأكثر تأثيرًا في الاقتصاد الجديد. وفي كل ملف من هذه الملفات قصة نجاح تحكيها المؤشرات التراكمية لعمل الجهاز خلال السنوات الفائتة. ما يعنينا هو أن جهاز الاستثمار تحول عبر السنوات الخمس الماضية إلى بوصلة رئيسية لتتبع مسارات الاقتصاد الجديد، فلو تتبعنا الصناديق الاستثمارية الـ13 التي تستثمر فيها محفظة الأجيال سنجد أنها تتركز في قطاعات: الصناعات المتقدمة والبنية الأساسية الرقمية والذكاء الاصطناعي والعلوم الصحية والخدمات المالية. وهذه القطاعات في مجملها تشكل اليوم وجهة المستقبل، سواء كوجهة استثمار لمختلف المستثمرين وصناديق الاستثمار العالمية، أو مناطق تركيز للدول في سبيل الاهتمام بها كقطاعات قاطرة للتنمية الوطنية والمستقبل. وتتكامل هذه المحفظة مع ما يقوم به صندوق عُمان المستقبل من استثمارات، حيث وبحسب تقرير الجهاز لعام 2024 اعتمد الصندوق 44 عرض شراكة وبقيمة بلغت نحو 333.1 مليون ريال عُماني، حيث بلغ إجمالي المشروعات المستثمر فيها نحو 1.239 مليار ريال عُماني وتتقاطع تلك الاستثمارات مع القطاعات التي تركز عليها محفظة الأجيال في استثمارها عبر مجموعة من الصناديق، وهو ما يمثل فرصة (تعلم) في المقام الأساس، وفرصة (استكشاف) للمؤسسات النشطة في السوق المحلية للتوجه والتركيز نحو قطاعات المستقبل والاقتصاد الجديد.

أما فيما يتعلق بالمحتوى المحلي فيشكل الجهاز قصة ملهمة في سياق (حوكمة) عمليات المحتوى المحلي، فهناك إنفاق مباشر على المؤسسات الصغيرة والمتوسطة بلغ في الإجمالي نحو 265.5 مليون ريال عُماني، ونحو 311 منتجا وخدمة تحتويها قائمة الجهاز للسلع والخدمات الإلزامية من داخل السوق المحلي، كما استطاع الجهاز تطوير قدرات نحو 38 مؤسسة لدعم سلسلة التوريد لأعماله بقيمة بلغت نحو 11 مليون ريال عُماني، وكل ذلك يعكس التزامًا بالأجندة الوطنية وبشكل منهجي تقوده السياسات والمبادرات المحكومة بالأثر، سواء فيما يتعلق بدعم جهود المحتوى المحلي، أو تطوير الصناعات الوطنية، أو دعم المنتج العُماني، أو المساهمة في تهيئة بيئة نموذجية لنمو المؤسسات الصغيرة والمتوسطة واستفادتها من فرص الأعمال والمشروعات الكبرى.

إذن يمكن القول: إن الجهاز أسهم عبر منظومة عمله في الموازنة بين أهداف الربحية الاقتصادية وتحقيق الاستدامة المالية لعملياته وشركاته، وبين تحقيق الأهداف والأجندة الوطنية الملحة خلال هذه المرحلة، وتبقى ثمة رهانات مهمة تفرضها المرحلة القادمة على منظومة الجهاز - خاصة في ظل حالة عدم اليقين العالمي ومنها: دعم أكبر لمنظومة التحول الوطنية نحو اللامركزية، بتوسيع نطاق الاستثمار في الميز التنافسية في المحافظات، وكذلك زيادة تشبيك المؤسسات الصغيرة والمتوسطة بالاقتصاد العالمي الجديد وتبني جزء من مسؤولية توجيهها لفرصه الواعدة، والإسهام في تعزيز مبادئ الحوكمة عبر نقل الممارسات والتجارب إلى مختلف المؤسسات المحلية، عوضًا عن التركيز بشكل فاعل على تطوير منظومة نقل المعرفة والابتكار من خلال الاستثمارات ليس فقط في إيجاد فروع لها في سلطنة عُمان، بل التوسع لدمج المنظومة التعليمية والمعرفية للاستفادة من تلك الاستثمارات والعمليات.

مبارك الحمداني مهتم بقضايا علم الاجتماع والتحولات المجتمعية فـي سلطنة عُمان

المصدر

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: المؤسسات الصغیرة والمتوسطة الاقتصاد الجدید هذه الصنادیق ریال ع مانی من خلال

إقرأ أيضاً:

أكاديمية مصر للطيران للتدريب تتعاقد على شراء أحدث جهاز محاكاة لـ إيرباص

شهد الطيار أحمد عادل، رئيس مجلس الإدارة والعضو المنتدب التنفيذي للشركة القابضة لمصر للطيران، و David Coward رئيس شركه Acron Aviation لخدمات التدريب مراسم توقيع اتفاقية جديدة بين أكاديمية مصر للطيران للتدريب وشركة Acron Aviation العالمية، إحدى أبرز  الشركات الرائدة في تصنيع وتطوير أجهزة الطيران التمثيلي، لتوريد أحدث جهاز محاكاة طيران كامل الحركة من طراز A320neo، وذلك بحضور السيد ايمن ثابت رئيس قطاع التخطيط بالشركه القابضه لمصر للطيران وممثلى السفاره البريطانيه بالقاهره وعدد من مسئولى الشركتين .

وياتى هذا التوقيع على هامش مشاركة مصر للطيران في معرض فارنبره الدولي للطيران 2026 بالمملكة المتحدة، في خطوة تعكس تسارع وتيرة تطوير منظومة التدريب بمصر للطيران، وترسخ مكانة أكاديمية مصر للطيران للتدريب كأحد أبرز مراكز التدريب المتخصصة في المنطقة، 

وقع الاتفاقية كل من الطيار وليد سليمان، رئيس أكاديمية مصر للطيران للتدريب، وNick Bendal مدير عام التدريب بشركة Acron Aviation، في إطار تجديد الشراكة الاستراتيجية بين الجانبين، واستكمال خطة الأكاديمية لتحديث بنيتها التكنولوجية وتعزيز قدراتها التدريبية، بما يواكب التطورات المتسارعة في صناعة النقل الجوي، ويدعم إعداد وتأهيل الطيارين وفق أعلى المعايير الدولية.

وعقب مراسم التوقيع، أجرى وفد مصر للطيران جولة داخل مركز التدريب التابع لشركة Acron Aviation، اطلع خلالها على أحدث أجهزة الطيران التمثيلي وتقنيات المحاكاة المتقدمة، والحلول الرقمية المستخدمة في تدريب الطيارين وأطقم الركب الطائر، والتي تسهم في رفع كفاءة التدريب وتعزيز مستويات السلامة التشغيلية وفق أفضل الممارسات العالمية.

كما استمع الوفد إلى عرض قدمه مسؤولو الشركة استعرضوا خلاله أحدث الابتكارات والإمكانات التقنية التي توفرها أجهزة المحاكاة الحديثة، ودورها في دعم برامج التدريب المتقدمة وتلبية احتياجات شركات الطيران ومراكز التدريب على مستوى العالم.

وشهدت الزيارة مناقشات موسعة بين الجانبين تناولت فرص التعاون المستقبلية، وآليات توظيف أحدث تقنيات المحاكاة في تطوير منظومة التدريب بأكاديمية مصر للطيران، بما يعزز جاهزية الكوادر البشرية ويواكب المتغيرات المتسارعة في صناعة الطيران العالمية.

وأكد الطيار أحمد عادل أن التعاقد على جهاز المحاكاة الجديد يمثل إضافة نوعية لقدرات أكاديمية مصر للطيران للتدريب، ويجسد حرص مصر للطيران على الاستثمار المستمر في أحدث تقنيات التدريب، بما يعزز جودة الخدمات التدريبية ويرفع كفاءة الكوادر البشرية وفق أفضل المعايير الدولية.

وأضاف عادل أن تجديد الشراكة مع Acron Aviation يعكس الثقة المتبادلة ونجاح التعاون الممتد بين الجانبين، مشيرًا إلى أن إدخال جهاز محاكاة A320neo يمثل خطوة استراتيجية تدعم مكانة أكاديمية مصر للطيران للتدريب كمركز إقليمي رائد لتأهيل الطيارين في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، وتعزز قدرتها على تقديم برامج تدريبية متطورة تلبي احتياجات شركات الطيران والمؤسسات العاملة بقطاع النقل الجوي داخل مصر وخارجها.

ويأتي هذا التعاقد في إطار استراتيجية مصر للطيران للتوسع في نشاط التدريب باعتباره أحد المحاور الرئيسية لتنمية الإيرادات وتعزيز تنافسية الشركة، من خلال تطوير بنيتها التدريبية بأحدث أجهزة المحاكاة العالمية، واستقطاب المتدربين من مختلف الأسواق العربية والأفريقية، بما يدعم مكانة أكاديمية مصر للطيران للتدريب كمركز إقليمي متقدم لتأهيل الكوادر البشرية في صناعة النقل الجوي، ويعزز من موقع مصر كمحور إقليمي لصناعة التدريب والطيران في المنطقة.

وتُعد أكاديمية مصر للطيران للتدريب واحدة من أبرز مراكز التدريب المتخصصة في المنطقة، لما تمتلكه من خبرات متراكمة واعتمادات دولية وتجهيزات تدريبية متطورة، تؤهلها لتقديم منظومة تدريب متكاملة وفق أحدث المعايير العالمية، بما يدعم مكانة مصر للطيران كمركز إقليمي متميز في صناعة التدريب على الطيران.

طباعة شارك مصر للطيران اخبار مصر للطيران وزارة الطيران

مقالات مشابهة

  • شركة "BYD" الصينية تدرس الاستثمار في فورمولا 1
  • قبل إعلان المدرب الجديد.. فابيو نونو يودع الزمالك برسالة مؤثرة
  • بيراميدز يستعد للموسم الجديد بـ4 مباريات ودية تحت قيادة موكوينا
  • أكاديمية مصر للطيران للتدريب تتعاقد على شراء أحدث جهاز محاكاة لـ إيرباص
  • الوحدة الدمشقي أم أهلي حلب.. من يحسم لقب كرة السلة وماذا تخبرنا الأرقام؟
  • وكيل جهاز أمن الدولة الأسبق يروي تفاصيل الساعات الأخيرة قبل إعدام سيد قطب
  • لا ماوس ولا لوحة مفاتيح .. جهاز مبتكر يتيح تشغيل الكمبيوتر بحركات اللسان
  • رئيس مجلس الشورى الإيراني: أرادوا معاقبة إيران فعاقبوا أنفسهم بأسعار نفط ثلاثية الأرقام
  • كيف يعيد قانون البحيرات والثروة السمكية تنظيم الاستثمار المائي؟
  • الأهلي يكتسح النصر القاهري بخماسية في أولى وديات عموتة استعدادًا للموسم الجديد