في حوار لـ"اليوم".. مدير سياسات أبحاث الصحة: اعتماد أول برنامج وطني لحماية الباحثين
تاريخ النشر: 23rd, July 2025 GMT
د. غياث الأحمد: حماية الإنسان أصبحت في قلب العملية البحثية بالمملكة
كشف مدير السياسات والأخلاقيات في المعهد الوطني لأبحاث الصحة د. غياث حسن الأحمد عن إطلاق المملكة مبادرة وطنية لاعتماد برامج حماية المشتركين في الأبحاث، بهدف تعزيز الثقة المجتمعية، وضمان الحقوق وسلامة المشاركين، بما يعكس التزام المملكة بأعلى معايير أخلاقيات البحث.
أخبار متعلقة القيادة تهنئ رئيس جمهورية مصر العربية بذكرى اليوم الوطني لبلادهبتوجيه من ولي العهد.. الوفد السعودي يصل إلى دمشق لبحث شراكات استثماريةوأوضح" الأحمد " في حوار خاص لـ”اليوم” أن هذه المبادرة تُعد نقلة نوعية نحو ترسيخ بيئة بحثية آمنة، وتتبنّى رؤية مؤسسية شاملة لحماية الإنسان في كل مراحل العمل العلمي.تعزيز أخلاقيات البحث العلمي
بداية ما الدافع وراء إطلاق المعهد لهذه المبادرة؟ وما هي أبرز أهدافها؟
المملكة تخطو خطوات متقدمة في تعزيز أخلاقيات البحث العلمي، وهذه المبادرة تأتي في هذا السياق، حيث أطلق المعهد الوطني لأبحاث الصحة مبادرة وطنية رائدة تهدف إلى اعتماد برامج حماية المشتركين في الأبحاث (Human Research Participants Protection Programs - HRPP).
الهدف من هذه الخطوة هو تعزيز الثقة المجتمعية في البحث العلمي، وضمان احترام الحقوق الأساسية وسلامة جميع الأفراد الذين يشاركون في الدراسات الطبية والعلمية.
ولا تقتصر هذه المبادرة على الجوانب الإجرائية مثل تقييم المشاريع أو تشكيل اللجان الأخلاقية، بل تمتد إلى تبني رؤية مؤسسية شاملة تُرسخ الثقافة الأخلاقية في كل مستويات العمل البحثي، وتضع حماية الإنسان في قلب العملية البحثية.د. غياث حسن الأحمد
ما أبرز نتائج هذه المبادرة حتى الآن؟
تجلّت أولى نتائج هذه المبادرة في اعتماد برنامج مدينة الملك عبدالله الطبية بمكة المكرمة، لتصبح بذلك أول جهة في المملكة تنال هذا الاعتماد المتقدم، وتُقدّم نموذجًا يُحتذى به في الحوكمة الأخلاقية المؤسسية للبحث العلمي.
ما المقصود ببرنامج حماية المشتركين في الأبحاث؟ وما الذي يميزه عن اللجان الأخلاقية التقليدية؟
برنامج حماية المشتركين في الأبحاث هو منظومة مؤسسية متكاملة تتبناها الجهات الصحية والبحثية لضمان حفظ حقوق وكرامة وسلامة الأفراد الذين يشاركون في الدراسات، لا سيما تلك التي تحتوي على تدخلات طبية أو نفسية أو تتطلب جمع معلومات شخصية وحساسة.
ويمتاز البرنامج بأنه يتخطى الدور التقليدي الذي تؤديه لجان أخلاقيات البحث، إذ يمتد ليشمل تطوير سياسات وإجراءات تنظيمية واضحة، وتنفيذ برامج تدريب مستمرة للباحثين والعاملين، بالإضافة إلى تفعيل آليات فعالة للإبلاغ والمراقبة، وتعزيز قنوات التفاعل مع المجتمع والمشتركين أنفسهم.
ويُجسّد هذا التوجه إدراكًا متقدمًا بأن حماية المشتركين لا تقتصر على إجراء شكلي للحصول على الموافقة الأخلاقية، بل هي مسؤولية مؤسسية متواصلة، تتطلب التزامًا ممنهجًا يضمن الامتثال الدائم للقيم والمبادئ الأخلاقية في كل مرحلة من مراحل البحث العلمي.
.article-img-ratio{ display:block;padding-bottom: 67%;position:relative; overflow: hidden;height:0px; } .article-img-ratio img{ object-fit: contain; object-position: center; position: absolute; height: 100% !important;padding:0px; margin: auto; width: 100%; } الهدف من هذه البرنامج هو تعزيز الثقة المجتمعية في البحث العلمي الهدف من هذه البرنامج هو تعزيز الثقة المجتمعية في البحث العلمي var owl = $(".owl-articleMedia"); owl.owlCarousel({ nav: true, dots: false, dotClass: 'owl-page', dotsClass: 'owl-pagination', loop: true, rtl: true, autoplay: false, autoplayHoverPause: true, autoplayTimeout: 5000, navText: ["", ""], thumbs: true, thumbsPrerendered: true, responsive: { 990: { items: 1 }, 768: { items: 1 }, 0: { items: 1 } } });
ما أهمية أن يكون هناك اعتماد مؤسسي لهذه البرامج؟
الاعتماد المؤسسي لبرامج حماية المشتركين في الأبحاث يُعد تأكيدًا رسميًا على التزام الجهة البحثية بأعلى معايير النزاهة والشفافية واحترام حقوق الإنسان.
ولا تقتصر أهمية الاعتماد على الإطار الرمزي، بل تنعكس آثاره العملية في عدة جوانب جوهرية، أبرزها الارتقاء بجودة الأبحاث وتحسين مخرجاتها العلمية، وتعزيز ثقة المجتمع في الجهة البحثية، وطمأنة المشتركين إلى أن حقوقهم محفوظة ضمن نظام مؤسسي راسخ.
كما يسهم الاعتماد في تمكين المؤسسات من خلق شراكات بحثية دولية، ويفتح أمامها آفاقًا جديدة للتمويل والدعم الخارجي، فضلًا عن دوره في ترسيخ بيئة مؤسسية منضبطة تُراعي الجوانب الأخلاقية في كل مراحل العمل البحثي.
ما هو الدور الذي يضطلع به المعهد الوطني لأبحاث الصحة في هذه المبادرة؟
المعهد الوطني لأبحاث الصحة يضطلع بدور محوري في قيادة مسار اعتماد برامج حماية المشتركين في الأبحاث على مستوى المملكة، بوصفه الجهة التنظيمية والمُمكّنة لهذه المبادرة الوطنية.
وقد تبنّى المعهد رؤية استراتيجية تهدف إلى بناء منظومة أخلاقية متكاملة تحكم البحث العلمي، وتضمن حماية المشتركين فيه ضمن إطار مؤسسي مستدام.
وتشمل جهود المعهد إعداد معايير وطنية مستندة إلى أفضل الممارسات الدولية، وتقديم الدعم الفني والتوجيهي للجهات الراغبة في تطوير برامجها، إلى جانب تنفيذ عمليات تقييم دقيقة تشمل مراجعة الوثائق والزيارات الميدانية.
ولا يقتصر دور المعهد على منح الاعتماد، بل يمتد إلى متابعة أداء البرامج بعد اعتمادها، وتعزيز التحسين المستمر، بما يضمن ترسيخ ثقافة أخلاقيات البحث في المؤسسات الصحية والأكاديمية بالمملكة. .article-img-ratio{ display:block;padding-bottom: 67%;position:relative; overflow: hidden;height:0px; } .article-img-ratio img{ object-fit: contain; object-position: center; position: absolute; height: 100% !important;padding:0px; margin: auto; width: 100%; } الهدف من هذه البرنامج هو تعزيز الثقة المجتمعية في البحث العلمي الهدف من هذه البرنامج هو تعزيز الثقة المجتمعية في البحث العلمي var owl = $(".owl-articleMedia"); owl.owlCarousel({ nav: true, dots: false, dotClass: 'owl-page', dotsClass: 'owl-pagination', loop: true, rtl: true, autoplay: false, autoplayHoverPause: true, autoplayTimeout: 5000, navText: ["", ""], thumbs: true, thumbsPrerendered: true, responsive: { 990: { items: 1 }, 768: { items: 1 }, 0: { items: 1 } } });
عوامل نجاح المشروع
من وجهة نظركم، ما أبرز عوامل النجاح التي تدعم هذا المشروع؟
المملكة العربية السعودية تتمتع بعوامل جوهرية تكفل نجاح مشروع اعتماد برامج حماية المشتركين في الأبحاث، الذي يُعد مشروعًا وطنيًا استراتيجيًا بامتياز، ويأتي في إطار تعزيز بيئة بحثية آمنة وأخلاقية وفق أعلى المعايير العالمية.
ومن أبرز عوامل النجاح وجود رغبة وطنية جادة في التحول الصحي الشامل، إذ يشكل تطوير القطاع الصحي أحد المحاور الرئيسة لرؤية السعودية 2030، ويستلزم ذلك بناء منظومة بحثية متكاملة وموثوقة تتسم بالجودة والشفافية وحماية الحقوق.
كما أن المشروع يحظى بدعم مؤسسي من الجهات التنظيمية والصحية، ويستند إلى خبرات وطنية متخصصة، وإلى بنية تحتية بحثية متطورة في العديد من المؤسسات الأكاديمية والمراكز الطبية، ما يعزز من فرص التطبيق السليم والفعّال.
وتُعد الرغبة المتزايدة لدى الجهات الصحية والأكاديمية في الحصول على الاعتمادات الوطنية والدولية عاملًا محفزًا آخر، يدفع نحو تحسين الممارسات وتبني البرامج التي تحمي المشاركين وتعزز الموثوقية.
معايير الاعتماد
ما هي معايير الاعتماد ومتطلباته التي ينبغي على الجهات الالتزام بها؟
تمر الجهات التي تسعى للحصول على اعتماد برنامج حماية المشتركين في الأبحاث بعملية تقييم دقيقة تُراعي مدى تكامل المنظومة الأخلاقية لديها.
ويتطلب ذلك توفر عدد من المقومات الأساسية، من أبرزها وجود لجنة مستقلة وفعّالة لأخلاقيات البحث تتولى مراجعة البروتوكولات وضمان التزامها بالمعايير الأخلاقية، وتوفر سياسات وإجراءات مكتوبة ومنشورة تنظم جميع مراحل البحث من التخطيط إلى التنفيذ والمتابعة.
كما يُشترط أن يخضع الباحثون والكوادر المساندة لتدريب منتظم على المبادئ الأخلاقية والممارسات السليمة، وأن تُفعّل آليات واضحة وشفافة تتيح للمشتركين أو العاملين الإبلاغ عن أي شكاوى أو انتهاكات محتملة. ولضمان الاستمرارية والتحسين، لا بد من وجود أنظمة داخلية للرصد والمراجعة تُمكّن الجهة من تقييم أدائها دوريًا وتطويره وفقًا لأفضل الممارسات.
ماذا عن تجربة مدينة الملك عبدالله الطبية؟ وكيف تُقيّمونها؟
شكّلت تجربة مدينة الملك عبدالله الطبية بمكة المكرمة نموذجًا وطنيًا يُحتذى به في مجال اعتماد برامج حماية المشتركين في الأبحاث، إذ استطاعت المدينة أن تُكمل بنجاح مراحل التقييم المؤسسي كافةً، وتحصل على أول اعتماد رسمي من المعهد الوطني لأبحاث الصحة في هذا المجال على مستوى المملكة. وتميّزت هذه التجربة ببناء هيكل مؤسسي واضح، وتفعيل السياسات والإجراءات التنظيمية ذات العلاقة بحماية المشتركين، فضلًا عن تنفيذ برامج تدريبية شاملة استهدفت الباحثين والكوادر الداعمة.
كما حرصت المدينة على تفعيل قنوات تواصل مباشرة مع المشتركين في الأبحاث، تتيح لهم فهم حقوقهم والإفصاح عن أي مخاوف أو استفسارات.
وجاء هذا الاعتماد تتويجًا لجهود متراكمة بذلتها المدينة لسنوات، ويُعد خطوة مفصلية في ترسيخ نموذج مؤسسي يقوم على المسؤولية والالتزام الأخلاقي.
كيف ترى المعهد مستقبل هذه المبادرة في ظل رؤية السعودية 2030؟
يُمثل مشروع اعتماد برامج حماية المشتركين في الأبحاث خطوة استراتيجية تتناغم مع مستهدفات رؤية السعودية 2030، التي تسعى إلى بناء قطاع بحثي وابتكاري رائد، يتسم بالجودة، والنزاهة، والتنافسية العالمية. ويعكس هذا المشروع توجه المملكة نحو توطين أفضل المعايير العالمية، وتقديم نموذج يُحتذى به في مجال أخلاقيات البحث، من خلال مؤسسات قادرة على حماية الإنسان وصيانة كرامته في كل الظروف.
كما أن هذه المبادرة تُجسّد استجابة فعلية لتطلعات المجتمع في أن تكون الأبحاث التي يُشارك فيها أفراده محاطة بأقصى درجات الحماية والشفافية، بعيدًا عن أي احتمال للاستغلال أو الإضرار. ومن المتوقع أن تُشكّل هذه الخطوة حافزًا لبقية المنشآت الصحية والأكاديمية في المملكة لتطوير برامجها الأخلاقية، والمشاركة في مسار الاعتماد، بما يُسهم في بناء منظومة وطنية متكاملة لأخلاقيات البحث العلمي.
رسالة أكاديمية
ما رسالتكم الختامية للمؤسسات الأكاديمية والبحثية في المملكة؟
إن اعتماد برامج حماية المشتركين في الأبحاث يمثل نقطة تحوّل استراتيجية في مسار تطور البحث العلمي في المملكة، ليس فقط من حيث الالتزام بالمعايير، بل بوصفه تعبيرًا عمليًا عن احترام الإنسان وإعلاء شأن الأخلاقيات في كل مراحل العمل البحثي.
ومع إطلاق المعهد الوطني لأبحاث الصحة لهذه المبادرة الوطنية، ونجاح أولى التجارب في مدينة الملك عبدالله الطبية، أصبحت الفرصة مهيأة أمام سائر المؤسسات البحثية في القطاعين الصحي والأكاديمي لبناء منظومات حماية متكاملة تعكس النضج المؤسسي والالتزام الوطني.
المرحلة القادمة تستدعي شراكة واعية بين الجهات التنظيمية والمؤسسات البحثية والكوادر العلمية، من أجل ترسيخ ثقافة جديدة ترى في حماية المشتركين مسؤولية جوهرية لا هامشية، وشرطًا أصيلًا لا ترفًا تنظيميًا. فإن ثقة المجتمعات في البحث العلمي لا تُمنح تلقائيًا، وإنما تُكتسب من خلال الجدية، والالتزام، والاحترام الصادق لحقوق الإنسان.
المصدر
المصدر: صحيفة اليوم
كلمات دلالية: قبول الجامعات قبول الجامعات قبول الجامعات حوار عبدالعزيز العمري حماية الباحثين الصحة أبحاث الصحة مدینة الملک عبدالله الطبیة المعهد الوطنی لأبحاث الصحة أخلاقیات البحث حمایة الإنسان هذه المبادرة فی المملکة article img ratio
إقرأ أيضاً:
نظرية الميزان.. حوار في العدالة والقرآن والعقد الاجتماعي (٢)
الميزان بين السماء والأرض (الأركان الفلسفية والتأسيس النصي)تمهيد: في البحث عن الأسبقية المعرفية
انتهينا في الحلقة السابقة إلى أن أزمة العدالة لا تكمن في غياب الرغبة في التبشير بها، بل في غياب "المعيار المشترك" للتقويم. ومن هنا يتحول سؤالنا من البحث الأخلاقي إلى سؤال معرفي: "بأي معيار نعرف أن ما وصفناه بالعدل هو عدلٌ حقاً؟"
وفي هذا السياق، يقدم الطرح القرآني أطروحة متماسكة؛ فلا يكتفي بالحث التطبيقي على القسط، بل يطرح مفهوماً أسبق يمثل حجر الأساس للمشروع، وهو: "الميزان".
أولاً ـ برهان الأسبقية المنطقية (التدرج من المعيار إلى الميزان)
يتأسس البرهان المنطقي في هذه الأطروحة على ثلاث خطوات متدرجة لتجنب الفجوات الاستدلالية:
ضرورة المعيار ـ كل حكم تقويمي (وصف فعل بأنه عدل أو ظلم) يستلزم منطقياً وجود معيار مرجعي سابق ومستقل يُقاس عليه؛ إذ العدل ليس كائناً قائماً بذاته، بل هو حكم ينصبّ على الممارسات.
نُعرّف الميزان إجرائياً بوصفه: "النسق المرجعي الضابط الذي يُحتكم إليه لتحديد النِسَب والمقادير الشرعية والعقلية لتقويم الأحكام والممارسات؛ حيث يؤسس الشرع تلك المقادير، بينما يتولى العقل كشفها بالاستقراء وإدراكها لا إنشاءها من العدم." الحلقة التجسيرية ـ بما أن النص القرآني يقدم مفهوم "الميزان" بوصفه المرجع الحاكم والأسبق المتقدم على القيام بـ "القسط" (التطبيق)، فإن "الميزان" يبرز كـ مرشح مفاهيمي مؤهل لأداء وظيفة ذلك المعيار الموضوعي المتسامي عن الأهواء.
النتيجة: بناءً عليه، نقترح قراءة "الميزان" باعتباره التحقيق الفعلي لشرط المعيار المطلوب منطقياً، دون الادعاء بأن النص يفرض هذه الصياغة الاصطلاحية بلفظها.
سؤال فلسفي واعتراض أول:
الاعتراض ـ قد يُقال: "ما المانع من أن يصنع كل مجتمع معيارَهُ بنفسه عبر التوافق أو العقد الاجتماعي؟"
الرد ـ هذا الاعتراض ينقلنا إلى أطروحات "العقد الاجتماعي" والعقل العمومي؛ وسنفرد لها مساحة واسعة في الحلقات القادمة. ولكن نكتفي هنا بالإشارة إلى أن حتى "العقد الاجتماعي" نفسه يحتاج إلى معيار سابق يُحتكم إليه لتقييم مدى عدالة العقد ومحتواه أصلاً. وغاية ما نطرحه هنا هو استكشاف "الميزان القرآني" كنموذج أوليّ للمعيار الموضوعي، تمهيداً للمفاضلة بين النظريات.
ثانياً ـ التحليل اللساني والتحديد المفاهيمي
تقتضي الدقة التأسيس المعجمي والتمايز المفاهيمي قبل الاستدلال:
1 ـ المؤصل اللساني للجذر (و ز ن):
يدور أصل المادة اللغوية (و ز ن) في المعاجم العربية حول معنى: "التقدير المعتدل، ومراعاة المساواة، ونفي الاختلال". وعند الاستقراء اللساني للقرآن، نجد أن الاستعمال لم يقتصر على الآلة المادية، بل امتد ليعبر عن خاصية الانضباط والمقادير الحتمية المودعة في الأشياء؛ كما في قوله تعالى: (وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ)، أي مقدر بمقادير محددة يقع بها التوازن.
2 ـ التمايز المفاهيمي الإجرائي:
بناءً على ذلك، نتمايز بين ثلاثة مفاهيم يقع بينها خلط:
الميزان ـ المنظومة الضابطة والمقادير الثابتة المودعة في الشيء.
العدل ـ الحكم بالاستقامة بناءً على إدراك ذلك المقدار.
القسط ـ الممارسة المشهودة للعدل في واقع الناس.
ونُعرّف الميزان إجرائياً بوصفه: "النسق المرجعي الضابط الذي يُحتكم إليه لتحديد النِسَب والمقادير الشرعية والعقلية لتقويم الأحكام والممارسات؛ حيث يؤسس الشرع تلك المقادير، بينما يتولى العقل كشفها بالاستقراء وإدراكها لا إنشاءها من العدم."
فالميزان كاشفٌ للقيمة لا منشئٌ لها؛ كالمكيال لا يخلق ثقل الموزون بل يُظهره. ومتى استند الإنسان إليه تحول إلى مرجعية موضوعية يُحتكم إليها دون أن يتوقف صدقها على رغبة أحد.
ثالثاً ـ العلة اللسانية والمفهومية (لماذا "الميزان" وليس "العدل"؟)
يثور سؤال بنيوي: لماذا آثر النص استخدام "الميزان" في هذا السياق دون "العدل"؟
الآلية مقابل الغاية: "العدل" غاية نهائية، بينما "الميزان" هو المنظومة المعيارية والآلية الضابطة للوصول إليها؛ فالنص يضع الأداة أولاً لضمان الغاية.
الشمول الكوني والتشريعي: لفظ "العدل" يُصرف غالباً للإنصاف الأخلاقي، بينما يتسع "الميزان" لغةً واستعمالاً ليشمل التوازن الكوني والتشريعي، محققاً وحدة النسق بين السماء والأرض.
تأسيس الموضوعية: مفردة "العدل" قد تقع صريعة التأويلات الذاتية، بينما يُلزم "الميزان" العقل بمقادير موضوعية محددة، فتنتقل القيمة من انطباعات المكلف إلى معيار مستقل.
رابعاً ـ الشواهد السياقية وتماسُك النَظم
يتجلّى التأسيس السياقي في فواتح سورة الرحمن: (وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ * أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ * وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ).
ورود اللفظ بين مَعلمين كونيين (رفع السماء، ووضع الأرض) يُرجِّح استقراءً أن المراد بالوضع ليس مجرد الآلة الجزئية، بل هو نظام كلي.
البرهان النصي على التماثل والوحدة:
تتجلى وحدة الضابط في النظم القرآني عبر استخدام المفردة ذاتها (الميزان) والتحذير من الاختلال بنفس النهي (ألا تطغوا)؛ ليقرر النص أن اختلال التوازن في عالم الطبيعة يُعد طغياناً، كما أن إخلال الإنسان بالعدل في سلوك المكلَّف هو طغيان في الميزان ذاته؛ مما يشير إلى وحدة المنبع المعياري للتوازن في الكون والتشريع.
استئناس بالمأثور التفسيري:
وهنا نستأنس باتجاهات تفكير أئمة التفسير كأرضية تُساند هذه القراءة، دون ادّعاء تبنيهم الصريح للنظرية بصياغتها الحديثة:
الطبري: يتجه في المعنى إلى أن "الوضع" هو: "وَضعُ العدل بين خَلقه ليأتمِروا به".
الراغب الأصفهاني: يُوسِّع المعنى ليكون: "ما يُوزن به، أي يُقدَّر، عقلياً كان أو شرعياً".
تتجلى وحدة الضابط في النظم القرآني عبر استخدام المفردة ذاتها (الميزان) والتحذير من الاختلال بنفس النهي (ألا تطغوا)؛ ليقرر النص أن اختلال التوازن في عالم الطبيعة يُعد طغياناً، كما أن إخلال الإنسان بالعدل في سلوك المكلَّف هو طغيان في الميزان ذاته؛ مما يشير إلى وحدة المنبع المعياري للتوازن في الكون والتشريع. ابن عاشور: يتجه إلى كونه: "قانون العدل الذي به قوام نظام العالم".
سيد قطب: يوسع الدلالة لتكون: "معيار الحق والعدل لتقدير القيم والأحداث والأشخاص والأشياء".
دحض الرمزية: النص يفصل بين "الميزان" بوصفه النسق المنَزَّل، و"القِسط" بوصفه التطبيق: (وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ)، مما ينقله من الرمز الشكلي إلى المَرجِع الحاكم.
خامساً ـ النسَق البنيوي للآيات واستنباط المبادئ الإجرائية
تتكامل آيات سورة الرحمن في نسق يربط ثباتَ المعيار بسلوك المكلَّف:
وحدة النَظم ـ الخطاب موجه لـ (الوازن)؛ بين نهي عن الإفراط (ألا تطغوا)، وأمر بالوسط الذهبي (وأقيموا)، ونهي عن التفريط (ولا تخسروا).
دلالة "أَقِيمُوا" ـ الإقامة هي رعاية الميزان مقاصدياً بضبط حركة الوازن.
تأسيس المبادئ الإجرائية (اختبار البنية المعيارية): يمكن أن تُشتق من التوصيات الملازمة للميزان مبادئ كليّة وقواعد إجرائية معاصرة.. النهي عن الطغيان (ألّا تطغوا): يمكن أن تُشتق منه الأصول الحاكمة لمبدأ منع "التعسف في استعمال الحق" ومواجهة "التحايل على القانون".. الأمر بالإقامة (وأقيموا): يُستنبط منه الأصل المعياري لـ "الاجتهاد المقاصدي" لإعمال روح المعيار واستدامته.
(وسنفرد لتطبيقات الفروع تفصيلاً مستقلاً في الحلقات التطبيقية القادمة).
سادساً ـ الخاتمة والنتيجة المنهجية
إذا صح منطقياً أن الحكم التقويمي لا يسبق المعيار المرجعي، وإذا كان النص القرآني يطرح مفهوم "الميزان" بوصفه الشرط الأسبق للقيام بـ "القسط"، فإن قراءة الميزان باعتباره "الإطار المرجعي الحاكم للعدالة" تصبح فرضية تفسيرية واعدة وجديرة بالاختبار والمفاضلة مقارنةً بالنظريات الفلسفية المنافسة في الحلقات القادمة.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.