موقع النيلين:
2026-07-24@09:19:41 GMT

إبراهيم شقلاوي يكتب: دعونا نصنع دكتاتوراً..!

تاريخ النشر: 23rd, July 2025 GMT

تجتهد النخب في الحديث عن الانتقال الديمقراطي رغم أن ذلك في الحالة السودانية لم يعد ممكناً كما كان قبل الحرب. فما نشهده الآن ليس فقط تعثراً سياسياً، بل انهياراً شبه كامل لفكرة الدولة نفسها. التهديد الذي يواجه البلاد لم يعد محصوراً في نزاع مسلح أو انقسام سياسي، بل تجاوز ذلك إلى تفكك النسيج المجتمعي، وضياع البوصلة الوطنية وتآكل الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة التي تحاول أن تظل متماسكة رغم التحديات.

في هذا الواقع تبدو الدعوة إلى “صناعة دكتاتور وطني” وكأنها خروج على القيم السياسية المتعارف عليها، وربما تبدو للبعض وكأنها خطوة للخلف في زمن يبحث فيه العالم عن التعددية والديمقراطية والحكم المدني.

لكن التاريخ لا يتقدم دائماً وفق النوايا المثالية. أحياناً تتطلب اللحظة انحرافاً عن الخط المستقيم، لصالح إنقاذ البنيان كله من السقوط. نحن لا نتحدث عن طاغية يبطش، ولا عن عسكري ياتي بانقلاب ، بل عن قيادة مركزية قوية، واضحة الرؤية محكومة بزمن معلوم، وصلاحيات مدروسة، ومشروع وطني جامع. قيادة تفرض القانون، تبسط الأمن، توحّد الناس ، وتؤسس لما بعدها من استقرار وتداول سلمي للسلطة.

حتى الفلاسفة الذين كتبوا نظريات الحرية والعقد الاجتماعي لم ينكروا ضرورة القوة في لحظات الخطر. جان جاك روسو، أحد أعمدة الفكر السياسي الحديث، كتب: “قد تقتضي الضرورة أحياناً أن يُعهد بالسلطة إلى شخص واحد، عندما يكون أمن الشعب مهدداً.” وهذا ما نحن بصدده: تهديد وجودي، يتطلب إدارة استثنائية. لسنا بحاجة إلى ادارات منقسمة ، ولا إلى تحالفات هشة. نحن بحاجة إلى سلطة تتحدث بقرار واحد، وتمتلك الجرأة على الفعل، وتحتكم إلى منطق الإنقاذ والحكمة لا منطق التوازنات الحزبية.

في تجارب العالم، نجد سابقة ملهمة تدعم هذه الفكرة دون أن تجرّنا إلى الاستبداد الأعمى الذي يخشاه الناس. سنغافورة في ستينيات القرن الماضي كانت بلداً هشاً، صغيراً منهكاً بالصراعات العرقية، وعديم الموارد. كان بإمكانها أن تسقط في فخ الفوضى إلى الأبد، لولا أن نهض بها رجل واحد: “لي كوان يو” . حكم بقبضة صارمة، نعم، لكنه كان يحمل مشروعاً وطنيًا واضحاً لإعادة بناء الدولة.

لم يسعَ للبقاء الأبدي في السلطة، بل سعى لصناعة نموذج. وضع خطة، وحدد أعداء التقدم والنهضة : الفساد، التسيّب، الانقسام، وبنى مؤسسات حديثة، ورفع من قيمة التعليم والإنجاز والكفاءة. بعد سنوات، أصبح اسم سنغافورة مرادفاً للمعجزة الاقتصادية والانضباط الإداري والهوية الجامعة، رغم أنها في بداياتها كانت أشبه بذات المرحلة التي نعيشها الآن.

لسنا مطالبين باستيراد هذه التجربة كما هي، لكن مطالبين أن نستلهم روحها. نحن بحاجة إلى قائد من هذا الطراز: وطني، عقلاني، جريء، يفرض القانون بعدل، ولا يخشى اتخاذ القرار. أن يقود لثلاثة أعوام، لا أكثر، يهيئ خلالها الأرضية لبناء الدولة، لا لدوام سلطته، ثم ينسحب كما جاء، دون هتاف أو تمجيد، بل باحترام الشعب له والاعتراف بدوره. ومنذ اليوم الأول، يجب أن تُبنى آليات المحاسبة، والضمانات، وخارطة الانتقال، حتى لا ينزلق السودان مجدداً إلى مستنقع “ما أريكم إلا ما أرى”.

قد يتساءل البعض: أليس ما نقترحه الآن تكراراً لما يُمارس فعلاً عبر المجلس السيادي أو القيادة العسكرية الحالية؟ والحقيقة أن ما نشهده اليوم هو إدارة جماعية استطاعت، رغم كل التحديات، أن تحافظ على وجود الدولة في وجه حرب كانت تستهدف كيانها السياسي والجغرافي والاجتماعي. وهذه، في حد ذاتها، ليست مهمة يسيرة في ظل التهديد الوجودي الذي كان يستهدف كيان الدولة .

لكن ما تحتاجه هذه القيادة الآن الدعم الكامل في سبيل قبضة أمنية حاكمة ومشروع وطني جامع، واضح المعالم، يستند إلى الإرادة السياسية لا ردود الأفعال، ويخاطب الداخل قبل الخارج. وهنا أعني رأس الدولة الحالي، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، هو من قدّر له أن يتقدم لتحمّل هذه المهمة التاريخية، فإننا نخاطبه لا بصفته العسكرية، بل بصفته الوطنية. نقول له: إن أردت أن تكون، كن مشروعاً لا شخصاً. التاريخ لا يصنعه من يصل إلى السلطة، بل من يعرف متى يستخدمها ومتى يضعها جانباً.

السودان لا يحتاج إلى من يحكمه، بل إلى من يقوده؛ لا إلى من يُطيل الأزمة، بل إلى من يختصر آلامها. كن دكتاتوراً إن لزم الأمر، لكن بالمعنى الذي فهمه “لي كوان يو” ، لا كما مارسه الطغاة في تاريخنا. احكم بشجاعة، لا ببطش. اضرب على يد الفساد، لا على ظهر المختلف. واجعل من نفسك جسراً لا سوراً. وإذا مضت الثلاثة أعوام، لا تنتظر أن يطالبك الناس بالرحيل، بل فاجئهم بالانصراف من تلقاء نفسك… تلك اللحظة وحدها ستخلّد اسمك، لا في قائمة السلطة، بل في ضمير الأمة ودفتر التاريخ.

في #وجه_الحقيقة لسنا في مقام الترويج للديكتاتورية، بل نُسمي الأمور كما هي: إن البلاد في مرحلة تتطلب قبضة تمسك لا تفتك، عقلية تبني لا تنتقم، قيادة تتحدث لغة الواجب لا لغة المجد الشخصي. هي دعوة مرّة بنظرية الحريات ، نعم، لكنها قد تكون العلاج الأخير قبل الموت السياسي الكامل الذي لا وريث له غير التباكي علي وطنا بلا مشروع .اذا فلنصنعه… دكتاتوراً وطنياً بثلاثة أعوام ، لا أكثر. ليضعنا على عتبة الدولة التي نستحق.
إبراهيم شقلاوي
دمتم بخير وعافية
الثلاثاء 23 يوليو 2025م Shglawi55@gmail.com

إنضم لقناة النيلين على واتساب

المصدر

المصدر: موقع النيلين

كلمات دلالية: إلى من

إقرأ أيضاً:

منير أديب يكتب: حين وصلت العقوبات إلى قلب التنظيم الدولي

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

كان يدور الجدل داخل الولايات المتحدة الأمريكية منذ سنوات حول جدوى التعامل مع جماعة الإخوان المسلمين بوصفها حركة سياسية تتباين فروعها من دولة إلى أخرى، باعتبارها شبكة عابرة للحدود تتشارك الفكر والتمويل والأهداف. 

إلا أنّ القرار الأخير الصادر عن وزارة الخزانة الأمريكية أمس الخميس بإدراج محمود الإبياري، أمين عام التنظيم الدولي، إلى جانب أفراد وكيانات أخرى مرتبطة بشبكات دعم مالي لحركة حماس إلى قوائم الإرهاب، يعكس انتقالًا واضحًا من مراقبة التنظيم إلى استهداف بنيته المالية والتنظيمية.

القرار لا يمكن قراءته باعتباره إجراءً ماليًا معزولًا، بل يمثل حلقة جديدة في سياسة أمريكية بدأت تتبلور بصورة أكثر وضوحًا منذ عودة إدارة الرئيس دونالد ترامب، ففي الثالث عشر من يناير 2026 أعلنت واشنطن إدراج الفروع المصرية والأردنية لجماعة الإخوان على قوائم الإرهاب المالية، كما صنفت الفرع اللبناني، ممثلًا في الجماعة الإسلامية، منظمةً إرهابية أجنبية، مؤكدة أنّ هذه الخطوة ليست نهاية المسار، بل بداية حملة مستمرة ضد الفروع التي ترى أنّها تقدم دعمًا أو تسهيلًا لحركة حماس.

بهذا المعنى، يمكن القول إنّ الولايات المتحدة الأمريكية انتقلت من سياسة التفريق بين التنظيم الأم وفروعه إلى سياسة ملاحقة الشبكات التي ترى أنّها تؤدي وظائف مالية أو تنظيمية أو لوجستية تصب في خدمة جماعات مصنفة إرهابية. 

ولذلك فإنّ إدراج محمود الإبياري يكتسب أهمية خاصة؛ لأنه يستهدف شخصية مرتبطة بالأمانة العامة للتنظيم الدولي، وليس مجرد عضو في فرع محلي، ووفق بيان وزارة الخزانة، فإنّ الاتهامات تُركز على جمع الأموال عبر مؤسسات وواجهات خيرية لصالح شبكات مرتبطة بحماس .

هل جاء هذا التحول نتيجة مباشرة لأحداث السابع من أكتوبر 2023؟ يصعب الجزم بأنّه نتيجة وحيدة، لكن من الصعب أيضًا فصل القرار عن تداعيات ذلك اليوم، فقد أعادت هجمات السابع من أكتوبر ترتيب أولويات الأمن القومي الأمريكي فيما يتعلق بتمويل الجماعات المسلحة، ودفعت المؤسسات الأمنية إلى إعادة فحص الشبكات العابرة للحدود التي يُشتبه في مساهمتها في الدعم المالي أو اللوجستي لحماس، وفي هذا السياق، أصبحت العلاقة الفكرية والتنظيمية بين حماس وبعض دوائر الإخوان محل تدقيق أكبر من أي وقت مضى. 

ولا يُعني ذلك أنّ واشنطن تعتبر جميع مكونات الإخوان كيانًا واحدًا من الناحية القانونية؛ فالإدارة الأمريكية ما زالت تستخدم أدوات قانونية مختلفة وفق كل حالة، لكنها في المقابل أصبحت أكثر استعدادًا لربط النشاط المالي والتنظيمي بنتائج أمنية مباشرة، وهو ما يُفسر انتقال العقوبات من استهداف أفراد مرتبطين بحماس إلى استهداف شخصيات وكيانات ترى أنّها تشكل جزءًا من البنية الداعمة لها. 

أما تأثير هذه العقوبات على التنظيم الدولي، فمن المرجح أنّه يتجاوز البعد الرمزي، فالعقوبات الأمريكية لا تقتصر على تجميد الأصول داخل الولايات المتحدة، وإنما تمتد آثارها إلى النظام المالي العالمي، حيث تتجنب مؤسسات مصرفية وشركات عديدة التعامل مع الأشخاص والكيانات المدرجة خشية التعرض للعقوبات الثانوية أو المخاطر القانونية. 

وهذا يُعني تضييقًا على حركة الأموال، وارتفاعًا في تكلفة إدارة الشبكات العابرة للحدود، وزيادة في صعوبة استخدام المؤسسات والواجهات الخيرية أو التجارية في نقل التمويل. 

والأثر السياسي لا يقل أهميةً عن الأثر المالي، فمنح وزارة الخزانة أهمية خاصة للتنظيم الدولي يبعث برسالة إلى الحلفاء الأوروبيين والإقليميين بأنّ واشنطن تتوقع مزيدًا من التعاون في تتبع شبكات التمويل، وربما اتخاذ إجراءات موازية ضد أفراد أو كيانات تعمل داخل ولايات قضائية أخرى، ومن شأن ذلك أنّ يُزيد الضغوط على البيئات التي ظل التنظيم يتحرك فيها مستفيدًا من الفوارق القانونية بين الدول.

مع ذلك، لا ينبغي الافتراض أنّ هذه الإجراءات تُعني نهاية التنظيم الدولي، فالتنظيمات العابرة للحدود غالبًا ما تسعى إلى التكيف مع الضغوط عبر إعادة هيكلة قنوات التمويل، وتغيير الواجهات القانونية، والاعتماد على وسطاء وشبكات أقل ظهورًا، لكن قدرة التنظيم على المناورة تتراجع كلما اتسعت دائرة التنسيق الدولي في مجال مكافحة تمويل الإرهاب.

قد يكون هذا القرار أكثر من مجرد إدراج اسم على قائمة عقوبات؛ فقد يكون مؤشرًا إلى مرحلة جديدة في السياسة الأمريكية، عنوانها الانتقال من ملاحقة الأذرع المسلحة إلى ملاحقة البنى التنظيمية والمالية التي يُعتقد أنّها تُوفر لها الاستمرار.

 وإذا استمرت هذه المقاربة، فإنّ التنظيم الدولي للإخوان قد يجد نفسه أمام بيئة دولية أكثر تضييقًا، لا بسبب المواجهة الفكرية وحدها، وإنما بسبب انتقال المعركة إلى المجال الذي يُمثل شريان بقائه، المال، والحركة، والقدرة على العمل عبر الحدود. 

مقالات مشابهة

  • سامح قاسم يكتب: داليدا.. أغنية لا تنتهي
  • منير أديب يكتب: حين تُرك باب المندب رهينةً للحوثي
  • اليابان تقر إنشاء مكتب استخبارات وطني لتعزيز مكافحة التجسس وسط تنامي التهديدات الخارجية
  • منير أديب يكتب: حين وصلت العقوبات إلى قلب التنظيم الدولي
  • إيران تحيّد حزب الله الذي لم يعد مخيفاً!
  • إبراهيم ضيف: مصر استطاعت عبر تاريخها أن تتجاوز أصعب التحديات بفضل وحدة شعبها ومؤسساتها الوطنية
  • شمس البارودي: عمر الوحيد من أبنائي الذي أحب مهنة والده حسن يوسف
  • الجيش الأوكراني يحصل على قائد جديد.. من هو الجنرال الذي يراهن عليه زيلينسكي؟
  • مصطفى بكري في ذكرى رحيل عمر سليمان: رمز وطني أدار أصعب ملفات الأمن القومي
  • الجار الذي لا يخالط جيرانه