ماذا تبقى من إسرائيل حقا؟
تاريخ النشر: 24th, July 2025 GMT
معاوية الرواحي
رغم كل الحزن الذي يصول ويجول في الأذهان والأفئدة عمَّا يحد في غزة، ثمّة شيء ما تاريخي يتجلى في كل هذا الخراب، عن الذين يخربون بيوتهم بأيديهم وهكذا يفعلون!
المتطرفون العالميون الصهاينة يدخلون أيامهم الأخيرة، خنجرٌ في اليد ملطخ بدماء الأبرياء، وقلمٌ في اليسار ملطخ بقرارات التجويع، ورأس مليء بالهراء الديمقراطي، وقدمان تسيران للهاوية، وجسد من وهم يتحول كل يوم إلى ظلٍّ لشبح راحل.
لم ينجح مستعمر يوما ما في المكوث في أرض احتلَّها بدون إبادة شعبها الأصلي تماما. إبادته، ودمجه، وتمييع ثقافته، وحصار إعادة ولادته.
وبالنسبة لإسرائيل، التوراتية التي تأتي من كل التاريخ المزوّر والمحرفّ، هذه البدائية، والبربرية، والهمجية، جعلت السابع من أكتوبر شيئا لا يُذكر في المعايير العالمية المزدوجة والمنافقة. حتى تلك الأفضلية الأخلاقية من المنظور الغربي تناثر مهشمةً أمام هذه الحقيقة الإسرائيلية الواضحة. هذه ليست دولة ديمقراطية، وليست دولة تريد البقاء، هذه قاعدة عسكرية للمتطرفين، وحتى وإن كان بها من بها من قليلٍ يتوهم أن البقاء ممكن، ينتصر المتطرفون، ويأخذون بإسرائيل للهاوية.
جرّب معي أن تتخيل قليلا أنك مهاجر يهودي جديد، تصل لإسرائيل قبل عامين، وكل هذا يحدث؟ ألن تشعر بالذعر؟ ألن تشعر أن مقوّمات بقائها كل يوم تتحول إلى صراع رأسمالية، وصناعة أسلحة، وقيادات سياسية محددة، وحرب ابتكار؟ ونعم إسرائيل الآن منتصرة في كل هذا، ولكن السؤال الكبير: هل تستمر الدول المفتعلة في البقاء والحياة إن زالت عنها أهم مكوّناتها المعنوية؟ السلام؟ الرخاء؟ والصداقة؟ والثقة بين الحلفاء؟
ما فرّط به نتنياهو لم تكن المقاومة لتحلم أن تحققه! ما فعله كان كافيا لكي يكون بقاء إسرائيل مرتهنا بمعادلات الاقتصاد والبحث العلمي، وهذه نعم، تصنع قوّة، وتصنع دولا، ولكن الدول إن كانت جديدة فرحلتها الرئيسية هي البحث عن المعنى العميق الجوهري لأبناء ترابها الجدد، أما بطش المهاجرين بسكان الأرض، والانتماء المزدوج والرماد القومي الذي آل إليه الحال، أعاد إسرائيل إلى منطقةٍ تعبت عقودا لكي تنفي عنها حقائقها، دولة نازية، تذهب إلى أبعد ما يكون، ودرعها الأمريكي مشكوك في أمره، والاستقطاب العالمي نجح في أن يجعل إسرائيل موضع سؤال على الأقل وإن لم يكن موضع إجابة حاسمة ومؤثرة.
رغم كل هذا البؤس الذي يحدث، نعم إسرائيل ستبقى، بقوة النظام القانوني العالمي البائس ستبقى، بقوَّة الجيوش وصناعة الأسلحة ستبقى، بقوَّة البطش والبلطجة والجريمة الدولية ستبقى، بكل هذه المعطيات ستبقى، مؤقتا، إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا، إلى أن تتغير المعادلات الكبيرة، إلى أن تقوّض أمريكا شيئا ما، ويخطئ أحدهم في شيء آخر، إلى أن تهاجر العقول، وتؤسس ما يمكن نسخه وفعله في الصين أو في دولة أخرى، وهُنا ماذا تبقى لإسرائيل؟ بقي احتلال بلا جوهر وطني، وخرافات المتطرفين البدائيين البرابرة، وسمعة ملطخة بالعار والإبادة. ما فعلته في إسرائيل بنفسه لم تكن المقاومة لتحلم أن تحققه ولو بحرب عشرين سنة.
ما هُدم في غزَّة يمكن أن يبنى، وما مات يولد، ومن يعيش، بقيت له فكرة تحارب الفناء، روح وطن، وشعب، ورحلة تحرير، لعلها لن تتحقق في هذا الجيل، وربما ليس الذي بعده، الهزيمة هي أن تموت هذه الفكرة، وأن تخمد هذه الروح، فماذا حدث في النهاية؟ فلسطين بلا بحث علمي، بلا ابتكار، بلا اقتصاد، ولها في آجلٍ من الزمان أن يحدث لها ذلك، أما إسرائيل، فلديها ما لديها من مقومات الدولة الحديثة، والسؤال؟ ماذا تبقى من جوهر الدولة المعنوي؟ قواعد عسكرية، ومكاتب رأسمالية، ومختبرات، ومخابرات، كُل شيء اسمه دولة، ولا شيء اسمه وطن!
والله غالب على أمره.
رابط مختصر
المصدر
المصدر: جريدة الرؤية العمانية
إقرأ أيضاً:
الجيش الأوكراني يحصل على قائد جديد.. من هو الجنرال الذي يراهن عليه زيلينسكي؟
منذ أكثر من 10 سنوات، عندما اندفعت عربة مدرعة أوكرانية لتحطم حاجزا نصبه "الانفصاليون" الموالون لـ روسيا في مدينة ماريوبول، تحول الضابط الشاب ميخايلو دراباتي إلى أحد رموز المقاومة الأوكرانية.
واليوم يعود الرجل نفسه إلى الواجهة، لكن في ظرف أكثر تعقيدا، بعدما اختاره الرئيس فولوديمير زيلينسكي قائدا أعلى للقوات المسلحة خلفا للجنرال أوليكسندر سيرسكي، في خطوة لا تعكس مجرد تغيير للأشخاص بقدر ما تمثل تحولا في فلسفة إدارة الحرب التي تخوضها أوكرانيا ضد روسيا.
اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2عزلة القوة.. "الفراغ الأمريكي" يفاقم أزمة الشرعية الإسرائيليةlist 2 of 2الحرب التجارية تتجدد.. كيف تستعد الصين لجولة جديدة مع واشنطن؟end of listويرى تقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز ، وأعده الكاتب مارك سانتورا أن تعيين دراباتي يأتي في لحظة توصف بأنها من أكثر مراحل الحرب حساسية، إذ تتزامن مع انتقال عسكري وسياسي معقد، في وقت تواجه فيه أوكرانيا حرب استنزاف طويلة أصبحت التكنولوجيا، ولا سيما الطائرات المسيرة، العامل الأكثر حسما فيها.
ويشير سانتورا إلى أن القائد الجديد البالغ من العمر 43 عاما، ينتمي إلى جيل جديد من الضباط الأوكرانيين الذين نشأوا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، ويؤمنون بأن مستقبل الحرب يعتمد على الابتكار والمرونة أكثر من اعتماده على أساليب القتال التقليدية.
ويوضح التقرير أن دراباتي يعد أحد أبرز مهندسي إستراتيجية "خط الطائرات المسيرة" التي تقوم على إنشاء نطاق قتالي متواصل خلف خطوط المواجهة يعتمد على الطائرات المسيرة الهجومية والاستطلاعية والأبراج الآلية، بدلا من الاكتفاء بخنادق ثابتة تتعرض باستمرار للهجمات الروسية.
وقد ساعد هذا الأسلوب -حسب الصحيفة- في إبطاء التقدم الروسي، ومنح القوات الأوكرانية فرصة لاستعادة زمام المبادرة في بعض الجبهات للمرة الأولى منذ سنوات.
غير أن التغيير العسكري لم يكن منفصلا عن أزمة سياسية داخلية، إذ يلفت سانتورا إلى أن قرار زيلينسكي بإقالة وزير الدفاع الإصلاحي ميخايلو فيدوروف، الذي كان يقود عملية تحديث الجيش وتوسيع استخدام الطائرات المسيرة والأنظمة الآلية، فجر احتجاجات في كييف ومدن أخرى، بعدما اعتبر كثير من العسكريين أن الرئيس انحاز في البداية إلى سيرسكي في خلافه مع الوزير حول مستقبل الحرب.
إعلانلكن اتساع الاحتجاجات، التي تحولت من المطالبة بإعادة فيدوروف إلى الدعوة لإقالة سيرسكي، دفع زيلينسكي في النهاية إلى تغيير القيادة العسكرية وتعيين دراباتي، المعروف بتأييده لرؤية فيدوروف القائمة على التكنولوجيا واللامركزية في اتخاذ القرار.
وترى صحيفة تايمز البريطانية -في تقرير لمراسلها مارك بينيتس- أن دراباتي لم يكتسب شهرته من مكتبه، وإنما من ساحات القتال.
ويستعيد بينيتس واقعة ماريوبول عام 2014، حين أمر دراباتي سائق المدرعة باقتحام الحاجز قائلا "انطلق بأقصى سرعة".
المهمة الجديدة للجنرال دراباتي تبدو أكثر تعقيدا بكثير من إنجازاته السابقة، إذ يتسلم منصبه وسط مجموعة من الأزمات المتشابكة، تبدأ من مشكلات التجنيد ونقص الأفراد، ولا تنتهي عند احتمال إطلاق روسيا موجة تعبئة جديدة
بواسطة مارك سانتورا
قائد جريءوتحول تسجيل تلك العملية إلى رمز متداول على وسائل التواصل الاجتماعي بعد إعلان تعيينه قائدا للجيش، باعتباره يجسد صورة القائد الجريء الذي يفضل المبادرة والمخاطرة على التردد.
وتضيف الصحيفة أن دراباتي واصل بناء سمعته خلال الحرب الحالية، إذ شارك في وقف التقدم الروسي نحو مدينة كريفي ريه، مسقط رأس زيلينسكي، وأسهم في تحرير خيرسون، قبل أن يتولى "قيادة القوات البرية" عام 2024، حين أعلن مباشرة عزمه على تنفيذ إصلاحات واسعة لمحاربة الفساد داخل المؤسسة العسكرية.
ورغم استقالة دراباتي بعد أشهر قليلة إثر مقتل عشرات الجنود في مراكز تدريب نتيجة ضربات روسية، معلنا أن القادة يجب أن يتحملوا مسؤولية إخفاقاتهم، فقد أعاده زيلينسكي بعد يومين فقط لقيادة القوات المشتركة، في خطوة عكست استمرار الثقة في قدراته العسكرية.
مهمات جديدة معقدةغير أن المهمة الجديدة تبدو أكثر تعقيدا بكثير من إنجازاته السابقة، إذ يقول تقرير نيويورك تايمز، إن دراباتي يتسلم منصبه وسط مجموعة من الأزمات المتشابكة، تبدأ من مشكلات التجنيد ونقص الأفراد، ولا تنتهي عند احتمال إطلاق روسيا موجة تعبئة جديدة، إضافة إلى حماية شبكة الطاقة الأوكرانية من الهجمات الشتوية، في وقت تتراجع فيه مخزونات الذخائر الخاصة بأنظمة الدفاع الجوي، فضلا عن ضرورة وقف التقدم الروسي البطيء في إقليم دونباس.
كما يواجه القائد الجديد تحديا سياسيا لا يقل صعوبة عن التحديات العسكرية، إذ سيكون مطالبا بالحفاظ على استقلالية القرار العسكري التي يدافع عنها الإصلاحيون، وفي الوقت نفسه التعامل مع ميل زيلينسكي إلى التدخل المباشر في إدارة العمليات الميدانية.
ويرى محللون -نقل عنهم كاتب التقرير مارك سانتورا- أن نجاح دراباتي لن يقاس فقط بما يحققه على الجبهات، وإنما أيضا بقدرته على إدارة هذه العلاقة الحساسة مع الرئاسة، ومنع تحول الخلافات السياسية إلى عبء إضافي على الجيش.
نهاية مرحلةفي المقابل، تقدم كارلوتا غال في صحيفة نيويورك تايمز قراءة موازية تركز على القائد المقال أوليكسندر سيرسكي، معتبرة أن إبعاده يمثل نهاية مرحلة كاملة في تاريخ الجيش الأوكراني.
وتقول غال إن سيرسكي كان أحد أبرز القادة الذين تصدوا للهجوم الروسي منذ الأيام الأولى للغزو عام 2022، وقاد معركة الدفاع عن كييف، ثم أشرف لاحقا على توسيع استخدام الطائرات المسيرة والروبوتات في ساحة القتال.
إعلانلكن الكاتبة ترى أن إنجازاته العسكرية لم تعد كافية لحمايته من الانتقادات المتزايدة، بعدما اتهمه كثير من الضباط باتباع أسلوب قيادة شديد المركزية، والإصرار على الاحتفاظ بمواقع عسكرية أصبحت غير قابلة للدفاع، وهو ما أدى -حسب منتقديه- إلى خسائر بشرية كبيرة.
صراع بين مدرستين
وتشير غال إلى أن الخلاف بين سيرسكي ووزير الدفاع السابق ميخايلو فيدوروف لم يكن مجرد نزاع شخصي، بل كان يعكس صراعا بين مدرستين مختلفتين في إدارة الحرب، الأولى تتمسك بقيادة تقليدية تعتمد على التسلسل الهرمي الصارم، والثانية تدعو إلى منح القادة الميدانيين حرية أكبر في اتخاذ القرار، وتسريع دمج التكنولوجيا والطائرات المسيرة والأنظمة الذكية في العمليات العسكرية.
وقد أدى هذا الصراع في النهاية إلى خروج الرجلين معا من المشهد، وإن كان تعيين دراباتي يوحي بأن رؤية فيدوروف الإصلاحية ما زالت تحظى بتأييد داخل دوائر صنع القرار.
وتضيف الصحيفة أن القائد الجديد يتبنى فلسفة تقوم على منح الوحدات المقاتلة صلاحيات أوسع للاستجابة السريعة لتغيرات الميدان، مع الاعتماد بصورة أكبر على البيانات الفورية وتقنيات الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيرة.
أزمة الموارد البشريةويعتقد محللون أن هذه المقاربة قد ترفع كفاءة العمليات وتزيد من قدرة الجيش على مواجهة التفوق العددي الروسي، لكنها لن تكون كافية وحدها إذا لم تعالج أوكرانيا أزمة التجنيد المزمنة ونقص الموارد البشرية.
وتتفق صحيفة تايمز البريطانية مع هذا التقييم، لكنها تضيف بعدا سياسيا أوسع، إذ ترى أن تعيين دراباتي يمثل أيضا اختبارا للرئيس زيلينسكي نفسه، لأن الأزمة الأخيرة التي اندلعت عقب إقالة وزير الدفاع كشفت حجم التوتر داخل المؤسسة الحاكمة، وأظهرت أن الحرب لم تعد الساحة الوحيدة التي يواجه فيها الرئيس تحديات متزايدة.
وتنقل الصحيفة عن المحلل السياسي فولوديمير فيسينكو قوله إن ما جرى أبرز مرة أخرى أن السياسة الداخلية أصبحت نقطة الضعف الرئيسية في رئاسة زيلينسكي، وهو أمر قد ينعكس على مستقبله السياسي عندما تسمح الظروف بإجراء الانتخابات الرئاسية المؤجلة بسبب الحرب.