صالح بن سعيد الحمداني

ضمن نقاشات بعض المهتمين بالشأن الزراعي، طُرحت فكرة تسليط الضوء على أهمية الزراعة القروية كمصدر غذائي استراتيجي، في ظل ما تحمله أرض هذا الوطن من خصوبة وإرث زراعي ضارب في القدم، ومن خلال ما طُرح من نقاط وما توفر من قراءة متواضعة، يمكننا أن نلخّص وجهة نظر حول هذا الموضوع المهم.

الزراعة القروية قديمًا وحديثًا تُعد حجر الأساس الذي يقوم عليه أمننا الغذائي، وكذلك تراثنا الحضاري، في خضم وسرعة وطفرة التحولات الاقتصادية والاجتماعية المتسارعة.

في حين أننا جميعًا تتجه أنظارنا إلى تلك المشاريع الزراعية الكبرى والتقنيات الحديثة التي تتبعها، يغيب عن ناظرنا في كثير من الأحيان صوت ذلك المزارع البسيط، الذي كان ولا يزال يحرث أرضه بيديه وعرقه على جبينه، ويستنبت الخير من أديمها، ليثبت أن الخير فيها أصيل رغم شح الموارد وتعدد التحديات.

الزراعة القروية تُعرف بالزراعة التقليدية أو الريفية، وهي تلك التي تُمارَس على سفوح الوديان، معتمدةً على طرق الري التقليدية كالأفلاج. كما إنها تعتمد بشكل أساسي على الجهد اليدوي للفلاح، حيث لا وجود للآلات الحديثة في معظم الأماكن الزراعية في القرى، وذلك يعود لطبيعة الأرض، وكذلك لمحدودية المساحة المزروعة لكل مزارع، وصعوبة التضاريس. فاليد العُمانية المزارعة والماهرة في استصلاح الأرض وزراعتها هي الأداة الأولى والأخيرة لتطور تلك الزراعة.

نجد أن الزراعة القروية جزء أصيل لا يمكن أن يتجزأ من هُوية المكان، وارتباطها بروح الإنسان العُماني، فهي ليست مجرد وسيلة لكسب الرزق والعيش، بل تمثل للإنسان مصدرًا غذائيًا مهمًا يُعزز الأمن الغذائي المحلي، كما إنها تُسهم في تقليل الاعتماد على الواردات، ولا سيما تلك المنتجات الموسمية كالرمان والعنب والمانجو والنخيل والخضراوات بأنواعها.

للزراعة دور حيوي تلعبه في جانب دعم السياحة الريفية، حيث يشكّل المشهد الزراعي عاملًا مهمًا وجاذبًا للزوار والسياح المهتمين بالتجربة الزراعية. فهناك كثير من البيوت الريفية القائمة في أماكن تُسحر الناظر، أو على ضفاف تلك الجداول المائية المنسابة من الأفلاج، تحكي لكل زائر قصة من قصص المكان والإنسان وأجيال تعاقبت وعاشت على هذه الأرض وأعطت وزرعت وباعت وساهمت في كثير من الإنجازات، فكانت الزراعة مصدر رزقها وكرامتها.

فعاليات ومواسم سياحية نُظّمت وتُنظّم تدل، وبشكل واضح، على التكامل والانسجام بين الزراعة والسياحة، حيث إن هذه الفعاليات توفر للمزارعين منصة لتسويق منتجاتهم، والتعريف بجودة المحصول وطرق إنتاجه التقليدية.

ورغم الجهود التي يبذلها المزارع البسيط، وبعض التسهيلات التي تقدمها الدولة له، وبعض الخطط الطموحة، إلا أن الزراعة القروية تواجه تحديات كبيرة في ذاتها ولدى المواطن والمزارع البسيط، نوجزها -حسب نظرة ذلك المزارع- فيما يلي:

 الصعوبة في التوسّع بالمساحة الزراعية، حيث نجد، وبشكل كبير، أن المزارع القروية صغيرة المساحة، وبعضها قد لا يتجاوز نصف فدان، مما يحدّ من قدرة الفلاح على زيادة إنتاجه وتنويع محاصيله لتحقيق دخل مجزٍ. صعوبة تسويق المنتج، ويُعد من أبرز وأصعب التحديات؛ ويتمثل في صعوبة بيع المحصول، وذلك بسبب نظرة البعض إلى أن أسعار المزارعين مبالغ فيها، دون أن يأخذوا في الاعتبار محدودية الإنتاج، وحجم الجهد المبذول بدون استخدام معدات حديثة. المنتجات المستوردة، والتي تنافس المنتج المحلي رغم قلة جودتها أحيانًا، لكن بسعرها التنافسي تُغرق الأسواق، مما يُضعف قدرة المزارع على تسويق منتجاته، إضافةً إلى التكاليف العالية التي يتحملها مقابل الزراعة اليدوية. ضعف الإنتاج وعدم كفايته لدعم الصناعات المحلية، كمصانع العصائر والمربيات، وعدم إمكانية الاعتماد على المحاصيل القروية كمصدر رئيس، بسبب محدودية الكمية والتغليف والتعبئة. الظروف المناخية وتقلبات الطقس، مثل ارتفاع درجات الحرارة، وشح الأمطار، وانتشار الآفات، تؤثر سلبًا على كمية وجودة المحصول، في ظل افتقار المزارع في الغالب إلى أدوات الوقاية والعلاج. غياب الدعم الرسمي المتنوع، كالإرشاد الزراعي، والدعم المالي، وتسهيل إجراءات حفر الآبار، واستقدام القوى العاملة الزراعية، مع صعوبة الحصول على التصاريح، فضلًا عن ضعف التسويق الرسمي للمنتجات القروية. بعض الأنشطة السياحية غير المنظمة، والتي تتسبب أحيانًا بأضرار للمزارع، مثل قطف الثمار قبل أوانها، أو إتلاف المزروعات أثناء التجوال.

إن المزارع البسيط يتطلع دائمًا إلى دعم مستدام يُسهّل له الصعاب ويُذلل له التحديات. فمن غير المنطقي أن نطالبه بالزراعة، ثم نُحمّله عبء التصنيع والتغليف والتسويق والبيع؛ فذلك يتطلب جهات مساندة، مثل: تعاونيات زراعية قوية، أو دعم حكومي حقيقي، أو شركات خاصة تتبنى فكرة الزراعة المستدامة. فالحل لا يكمن فقط في دعم الزراعة، بل في إنشاء منظومة متكاملة تبدأ من المزرعة وتنتهي في يد المستهلك.

الاكتفاء الذاتي ليس شعارًا نرفعه في المؤتمرات وننشره في الصحف، بل هو واقع يتم صناعته في السهول والوديان، على يد المزارع البسيط، الذي -ورغم كل التحديات- لا يزال يحمل على عاتقه همّ الأرض.

فلتكن هناك مبادرات حقيقية تدعم جهوده، وتحمي وتسوق إنتاجه ومحصوله، لأننا -وبكل يقين تام- نؤمن أن الزراعة القروية إرث حضاري وجذور ممتدة في تراب هذا الوطن، وليست فقط مصدرًا للغذاء.

رابط مختصر

المصدر

المصدر: جريدة الرؤية العمانية

كلمات دلالية: التی ت

إقرأ أيضاً:

ما هو موقع "بيكاكس ماونتن" الإيراني المرتبط بالبرنامج النووي؟

هدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بمهاجمة موقع مرتبط بالبرنامج النووي الإيراني، يعرف باسم "بيكاكس ماونتن"، وهو منشأة محصنة على عمق كبير تحت الأرض، بالقرب من أحد المواقع النووية الإيرانية الرئيسية.

ويعكس التهديد تصاعد التوتر في ظل تبادل طهران وواشنطن للضربات في المنطقة، ما يعرقل الجهود الرامية إلى إنهاء الصراع.

What is Pickaxe Mountain, the Iranian nuclear-linked site threatened by Trump? - https://t.co/po86dHbHa3

— Reuters Iran (@ReutersIran) July 15, 2026 أين يقع؟

يقع بيكاكس ماونتن على بعد 220 كيلومتراً جنوبي طهران، وعلى بعد كيلومترين من مجمع نطنز النووي.

تعرض موقع نطنز، حيث تقع اثنتان من محطات تخصيب اليورانيوم الإيرانية، للقصف خلال الحرب التي بدأتها الولايات المتحدة وإسرائيل في 28 فبراير (شباط) الماضي، وخلال الحرب التي استمرت 12 يوماً العام الماضي.

وقال معهد العلوم والأمن الدولي، وهو مركز أبحاث مقره الولايات المتحدة يركز على حظر انتشار الأسلحة النووية، إنه لم يتم استهداف المنشأة التي لا تزال قيد الإنشاء في بيكاكس ماونتن في أي من هاتين الحربين.

وترتفع قمة الجبل إلى نحو 1600 متر فوق مستوى سطح البحر. وكانت هناك محطتان للتخصيب قيد التشغيل في نطنز، واحدة فوق الأرض والأخرى تحت الأرض.

وذكرت الوكالة الدولية للطاقة الذرية، التابعة للأمم المتحدة، أن المحطة الموجودة فوق الأرض دمرت. أما المحطة الأخرى الموجودة تحت الأرض، فمن المرجح أنها تعرضت على الأقل لأضرار بالغة.

وقال متحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية في 22 يوليو (تموز) الحالي، إنه لا يوجد أي نشاط نووي في بيكاكس ماونتن.

President Trump says the US will be hitting the Pickaxe Mountain area, a heavily fortified site linked to Iran's nuclear program, 'pretty soon and very heavily' https://t.co/A8DHUX0kqX pic.twitter.com/Y6bE56FZ4O

— Reuters (@Reuters) July 21, 2026 ما هو بيكاكس ماونتن؟

يرتبط الموقع بالبرنامج النووي الإيراني الذي يتسبب منذ فترة طويلة في توتر العلاقات بين الغرب وإيران، التي تنفي سعيها لامتلاك قنبلة ذرية.

وقال معهد العلوم والأمن الدولي إن بناء المنشأة في بيكاكس ماونتن بدأ عام 2020، في أعقاب ما قالت السلطات الإيرانية في ذلك الوقت إنه انفجار ناجم عن عمل تخريبي في منشأة نطنز. وذكرت إيران حينها أن عملية التخريب في نطنز تسببت في أضرار جسيمة قد تبطئ تطوير أجهزة الطرد المركزي المتقدمة لتخصيب اليورانيوم.

وفي سبتمبر (أيلول) من ذلك العام، قال رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية آنذاك علي أكبر صالحي، إن "إيران بدأت في بناء مرفق أكثر حداثة وأكبر حجماً وأكثر شمولاً من جميع النواحي في قلب الجبل بالقرب من نطنز، لتصنيع أجهزة الطرد المركزي المتقدمة".

بدوره، أشار مدير عام الوكالة الدولية للطاقة الذرية التابعة للأمم المتحدة، رافائيل غروسي، في مقابلة مع شبكة "بي.بي.إس" التلفزيونية في مارس (آذار) الماضي، إلى أن إيران كانت قد أعلنت سابقاً نيتها القيام بأنشطة نووية في بيكاكس ماونتن. وأضاف أن "ذلك يندرج ضمن ما وصفه بأنه توجه إيراني ممنهج لنقل أكثر المنشآت أهمية إلى مواقع تحت الأرض".

ما الذي بنته إيران هناك؟

يقول معهد العلوم والأمن الدولي، الذي قام بتحليل صور الأقمار الصناعية للموقع، إنه يضم 4 مداخل يفترض أنها تؤدي إلى منشأة واحدة يُقدر عمقها بما لا يقل عن 100 متر تحت الجبل.

وذكر المعهد في تقرير صدر في 14 يوليو (تموز) الحالي، أن التدابير الدفاعية تتكون أساساً من محيط أمني واسع النطاق وتحصينات شديدة للمداخل. وأشار التقرير إلى أن مدخلي النفق الشرقيين تم ردمهما جزئياً منذ حرب العام الماضي، وبعد اندلاع الحرب الحالية لعرقلة وصول المركبات البرية، لكن لم يتم إغلاقهما بالكامل.

من جهته، قال الباحث في معهد أبحاث السياسة الخارجية سام لير، الذي راجع أيضاً صوراً حديثة للموقع التقطتها الأقمار الصناعية لرويترز إن "تعزيز المداخل من شأنه أن يصعب استهدافها بذخائر خارقة مثل القنابل الخارقة للتحصينات".

ما الغرض الذي يمكن استخدام الموقع لأجله؟

قال ترامب في تصريحاته يوم 13 يوليو (تموز) الحالي، إن واشنطن تراقب بيكاكس ماونتن عن كثب ولم ترصد أي نشاط فيه.

وذكر معهد العلوم والأمن الدولي في تقريره أن "تقييمه يشير إلى أن المنشأة لم تبدأ العمل بعد، لكن أعمال البناء مستمرة، وأن من غير الواضح متى يمكن أن تبدأ العمل استناداً إلى صور الأقمار الصناعية وحدها".

وأضاف أنه "إذا بدأت إيران في إعادة بناء قدرتها على تصنيع أجهزة الطرد المركزي، فقد تخطط لتشييد منشأة تجميع أصغر لأجهزة الطرد المركزي في بيكاكس ماونتن قادرة على خدمة برنامج للأسلحة النووية".

كيف يمكن استهداف الموقع؟

يرجح خبراء أن المجمع الكائن على عمق كبير يقع خارج نطاق أقوى القنابل الخارقة للتحصينات في ترسانة الولايات المتحدة.

وقال المعهد إن "استهداف الموقع قد يكون ممكناً عبر هجمات أو أعمال تخريب تنفذها قوات برية". وأضاف "مع ذلك، قد توجد نقاط ضعف يمكن استغلالها بواسطة أسلحة تخترق أعماق الأرض عبر هجمات جوية".

مقالات مشابهة

  • الجمعيات التعاونية الزراعية في صنعاء.. ركيزة التنمية المستدامة والأمن الغذائي
  • "الزراعة" تستعرض أنشطة وجهود معامل ومعاهد مركز البحوث الزراعية خلال أسبوع
  • "الزراعة" تكثف الترصد الوبائي لحماية الثروة الحيوانية
  • الزراعة الإماراتية بين الإرث والاستدامة.. الشباب في صلب الرؤية الوطنية
  • تعويض المتضررين من الحرائق يشمل المحاصيل الزراعية والمنازل والأثاث
  • الحداد: ليبيا جنة فوق كوكب الأرض تستحق شعباً جديراً بها
  • الناطق باسم الشرطة الزراعية: الثروة الحيوانية تتعرض لأوبئة وأمراض خطيرة جدًا
  • توعية ميدانية بمخاطر الاستخدام العشوائي للمبيدات الزراعية في ذمار وجهران
  • ما هو موقع "بيكاكس ماونتن" الإيراني المرتبط بالبرنامج النووي؟
  • النائب العام: 65% من المنتجات الزراعية المحلية تحتوي على متبقيات مبيدات.. و45% تتجاوز الحدود المسموح بها