مساعدات غزة.. كيف تستخدمها إسرائيل لتجريد حماس من أوراقها التفاوضية؟
تاريخ النشر: 27th, July 2025 GMT
في مشهد لا يخلو من التوظيف السياسي، أعلنت إسرائيل مؤخرا السماح بدخول مساعدات إنسانية إلى قطاع غزة، بما في ذلك تنفيذ إنزالات جوية بالتعاون مع منظمات دولية.
ورغم الإيحاءات الإعلامية بأن الخطوة تأتي تجاوبا مع نداءات إنسانية، فإن القراءة المتأنية تشير إلى أن تل أبيب تنظر للمساعدات لا كواجب إنساني، بل كأداة مركّبة تُوظّف في إدارة الصراع، وإعادة هندسة المشهد التفاوضي مع حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، وتلميع صورتها دوليا.
فالقرار الإسرائيلي، بحسب مشاركة الدكتور بلال الشوبكي الخبير بالشؤون الإسرائيلية رئيس قسم العلوم السياسية بجامعة الخليل، ببرنامج "ما وراء الخبر" لا يمثل تحولا أخلاقيا بقدر ما هو انعكاس لحسابات أمنية وسياسية دقيقة.
ويرى الشوبكي أن تل أبيب تسعى إلى سحب ورقة "المساعدات" من جدول التفاوض مع حركة حماس، وحصر النقاش في ملف الأسرى فقط، بما يعني تجريد الحركة من إحدى أبرز أدوات الضغط التي امتلكتها في الشهور الماضية.
ويتضح من توقيت الإعلان أن الهدف هو استباق أي مبادرة تفاوضية جديدة عبر تحييد الملفات الأكثر حساسية، مثل تدفق المعونات وفتح المعابر.
اللافت أن هذه الخطوة جاءت متزامنة مع تصاعد الضغوط الدولية وتكثيف التغطيات الإعلامية للمجاعة المتفشية في القطاع، وهو ما يعتبره الشوبكي عاملا مساعدا، لا دافعا رئيسيا، فالمساعدات في المنظور الإسرائيلي، كما يقول، هي عنصر ضمن منظومة "إدارة الحرب"، وليس استجابة لاحتياجات ملحّة.
ولذا، فإن تحديد إسرائيل لـ"الحد الأدنى" من المساعدات لا يستند إلى تقديرات الأمم المتحدة، بل إلى مقياس دعائي يسعى لمعادلة صورة المجاعة بصورة أخرى لصناديق المساعدات وهي تُسقط من الجو.
نقطة في بحرهذه النظرة التوظيفية لم تغب عن وعي الكاتب والمحلل السياسي وسام عفيفة، الذي أوضح من داخل قطاع غزة أن معظم الشاحنات لم تصل أصلا، وما دخل منها لا يمثل سوى "نقطة في بحر".
إعلانووصف عفيفة الإجراءات الإسرائيلية بأنها "بروباغندا إعلامية" تسعى إلى تضليل الرأي العام الدولي عبر تضخيم محدود لحجم المساعدات، في حين أن الغارات لا تزال تستهدف مناطق توصف بـ"الآمنة" التي يفترض أنها مخصصة لتوزيع المساعدات.
وشدد على أن ما يُسمى "هدنا إنسانية" لا يتعدى كونه توقفا مؤقتا للعمليات العسكرية في مناطق ضيقة، سرعان ما تستأنف فيها العمليات مع حلول المساء.
لكن الأدهى في الأمر، بحسب الشوبكي، هو أن هذه الفترات الهادئة تُستخدم لأغراض استخباراتية، فالتجربة السابقة تؤكد أن إسرائيل استغلت هدنا مماثلة في الماضي لجمع معلومات ميدانية، أعقبتها اغتيالات دقيقة.
ويضيف أن هذه الفترات تتيح للأجهزة الأمنية رصد التحركات في مناطق معينة وتجميع بيانات قد تُستخدم لاحقا في العمليات، وبهذا المعنى، تصبح المساعدات "غطاء تكتيكيا" لعملية أمنية موسعة، لا مجرد محاولة لتهدئة الرأي العام.
حصار أخلاقيفي المقابل، يظهر البعد الدولي للقرار كمحور لا يمكن تجاهله، فوفق تقييم الدكتور محمد هنيد، الأستاذ والباحث بجامعة السوربون، فإن إسرائيل باتت محاصَرة أخلاقيا أمام الرأي العام الغربي، خاصة بعد أن تحولت صور المجاعة في غزة إلى نقطة مفصلية تهزّ مرتكزات السردية الصهيونية ذاتها.
ويؤكد هنيد أن السماح بدخول كميات رمزية من المساعدات يساعد الحكومات الأوروبية على امتصاص غضب الشارع دون أن تضطر لمراجعة دعمها السياسي أو العسكري لتل أبيب.
ويذهب هنيد إلى أن خطورة المشهد لا تكمن فقط في المجاعة، بل في "تآكل المظلومية الصهيونية" التي بُني عليها المشروع الإسرائيلي، إذ باتت صور الضحايا الفلسطينيين بالنسبة للوعي الغربي المتململ، تنافس صور معسكرات الاعتقال النازية، مما يهدد ركائز الدعم الأخلاقي الغربي لإسرائيل، خصوصا بين الأجيال الجديدة.
وفي إطار محاولة إسرائيلية لموازنة الضغوط، تبرز تصريحات بعض المسؤولين في حكومة نتنياهو التي تكشف بوضوح عن النوايا الكامنة، فحين تقول وزيرة المواصلات الإسرائيلية إنها "غير مرتاحة لإدخال المساعدات"، لكنها تراها ضرورية "لكسب شرعية استمرار الحرب"، فإن الرسالة تصبح أوضح.
فالمساعدات بهذا الشكل، تصبح أداة لتجميل العدوان لا لإنهائه، وتُقدَّم بقدر ما تتيح لتل أبيب الحفاظ على هامش مناورة أمام الحلفاء الغربيين دون تعديل جوهري في سياستها.
وفي ظل هذا التوظيف المتعدد للمساعدات -سياسيا وتفاوضيا واستخباراتيا- تبدو حماس أمام معادلة معقدة، فإسرائيل لا تسعى فقط إلى نزع أوراق التفاوض، بل إلى تفكيك البيئة الاجتماعية التي تحيط بالحركة من خلال "إدارة التجويع"، كما يصفها عفيفة، عبر تحويل نحو مليونَي فلسطيني إلى رهائن ضغط على المقاومة، في عملية تركيع جماعية تُستخدم لاحقا في أي طاولة حوار.
أما المشهد العربي، فبحسب الشوبكي، لا يبدو أنه يشكل قلقا حقيقيا لصنّاع القرار في إسرائيل، بعدما اختبرت تل أبيب ردود الفعل الرسمية طيلة أشهر الحرب دون أن تلمس تهديدا جادا لمعادلاتها، وفي حين تبقى احتمالات الغضب الشعبي العربي قائمة، فإن الرهان الإسرائيلي يظل على قدرة الأنظمة على احتوائه.
إعلان
المصدر
المصدر: الجزيرة
إقرأ أيضاً:
مسؤولون إدإيرانيون: إذا نفذ ترامب تهديداته وهاجم طهران سنهاجم تل أبيب
أفاد مصدران إيرانيان لصحيفة نيويورك تايمز بأن القوات المسلحة للنظام الإيراني تتوقع وتستعد لاحتمال توسيع نطاق الحرب، في حال نفّذ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تهديداته بضرب العاصمة طهران والبنية التحتية الحيوية.
وأضاف المصدران أنه في حال فعل ذلك، ستوسع إيران نطاق القتال ليشمل المستوى الإقليمي، بما في ذلك شن هجوم على تل أبيب، كما ستطالب الحوثيين في اليمن بإغلاق مضيق باب المندب، وهو ممر ملاحي يربط خليج عدن بالبحر الأحمر.
وفي وقت سابق، أظهرت صور أقمار صناعية أن إيران بدأت إعادة تأهيل عدد من مواقعها العسكرية بوتيرة متسارعة، وفقًا لما أوردته صحيفة وول ستريت جورنال.
وبحسب التقرير، تشمل أعمال إعادة البناء قواعد للصواريخ تقع داخل مناطق جبلية، في خطوة تعكس جهود طهران لإعادة ترميم بنيتها العسكرية وتعزيز جاهزيتها.
وفي وقت سابق، أعلن الحرس الثوري الإيراني، اليوم الجمعة، تدمير صاروخ أمريكي من طراز "توماهوك" في محافظة كرمان جنوب شرقي إيران، دون تقديم مزيد من التفاصيل بشأن ملابسات الحادث أو توقيته.
ويأتي هذا الإعلان بعد ساعات من إعلان التلفزيون الإيراني سماع دوي انفجارات في جزيرة قشم الاستراتيجية، الواقعة عند مدخل مضيق هرمز، وسط تصاعد التوتر العسكري في المنطقة.
وفي سياق متصل، كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد صرح في وقت سابق بأنه يدرس تنفيذ عمليات عسكرية واسعة النطاق ضد إيران، مشيرًا إلى أن أي هجوم محتمل قد يكون أكبر من الضربات التي نُفذت خلال "عملية الغضب"، مؤكدًا في الوقت ذاته أنه لم يحسم قراره النهائي بعد.