لماذا لا يصلح نموذج أردوغان لسوريا اليوم؟
تاريخ النشر: 28th, July 2025 GMT
في تفسير وتبرير بعض توجهات القيادة السورية الحالية، يرى الكثيرون أن الرئيس الانتقالي أحمد الشرع يسير على خطى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في الانحناء للأزمات حتى التمكن من الحكم. لكن الفوارق الجوهرية والعميقة بين النموذجين تجعل التقليد خيارا غير مضمون وقد لا يوصل للنتائج المرجوة.
استلمت القيادة السورية الجديدة برئاسة الشرع بلدا منهكا في جميع المجالات والقطاعات، اقتصاديا واجتماعيا وعسكريا، يصل لحدود الدولة الفاشلة، ووضعت نصب عينيها أولوية الاقتصاد، ما دفع لتقديم رفع العقوبات عن سوريا على قائمة الملفات ذات الأهمية.
اتُّخذ هذا الضعف الموروث مبررا لعدد من التوجهات والتصريحات والمواقف المتعلقة بشكل أساسي بالسياسة الخارجية، من باب أن ذلك تمرير لفترة انتقالية يُعمل خلالها على طمأنة الخارج وتقديم ضمانات وتعهدات لضمان الاستمرار لحين التمكن من حكم البلاد، وساعتها تُتخذ مواقف وتُعتمد توجهات مختلفة. ويرى الكثيرون أن نموذج الرئيس التركي يشكل حالة إلهام بالنسبة لنظيره السوري.
لعل الملف الأهم الذي تواترت فيها إشارات السير وفق "النموذج الأردوغاني"، وفق تعبير الكثير من أنصار الشرع، هو العلاقة مع "إسرائيل"، حيث قدّمت القيادة السورية الجديدة خطابا أقل ما يقال فيه إنه هادئ لدرجة أنه تجنب حتى وقت قريب استخدام توصيف "دولة الاحتلال"
فقد كان أردوغان أكد في بدايات تأسيس حزب العدالة والتنمية أنه ورفاق دربه الجدد "خلعوا قميص" الإسلام السياسي الممثل حينها في حزب الفضيلة وتيار "ميللي غوروش" بزعامة رئيس الوزراء الأسبق نجم الدين أربكان، واتخذوا الطمأنة والتدرج نهجا دائما لسنوات عديدة، لتجنب الاستهداف بالانقلابات العسكرية و/أو حظر الحزب. ثم جنحوا لاحقا لتفكيك الملفات الحساسة والمعقدة في البلاد وخصوصا أنظمة الوصاية بكافة أنواعها، بعد الإنجازات الاقتصادية التي أمّنت لهم ظهيرا شعبيا وضمنت لهم الفوز المتكرر في الانتخابات.
محاولة الاقتداء بـ"نموذج أردوغان" ليس مجرد تحليل من مراقبين أو دعوة من مهتمين، وإنما ثمة شواهد بأن الشرع نفسه أو من يحيطون به يعملون على تقليده. يبدو ذلك جليا من مهارات الرئيس السوري في التواصل الجماهيري، وخطابه العاطفي الذكي، فضلا عن الصورة التي يسعى لتقديمها عن نفسه والتي تشابه في بعض الأمثلة رسائل أردوغان للشعب؛ من قبيل لعب كرة السلة أو اللقاءات المباشرة مع المواطنين وغير ذلك. بيد أن الميزة الرئيسة التي تقدم في هذا الإطار هي رسائل الطمأنة للخارج بخصوص التغير، أو ما سماه الشرع "الانتقال من الثورة للدولة"، وبالتالي التخلي عن نهج "السلفية الجهادية" لصالح منطق رجل الدولة، وهو ما يشبه إلى حد كبير فكرة "خلع القميص" التي تبناها أردوغان.
ولعل الملف الأهم الذي تواترت فيها إشارات السير وفق "النموذج الأردوغاني"، وفق تعبير الكثير من أنصار الشرع، هو العلاقة مع "إسرائيل"، حيث قدّمت القيادة السورية الجديدة خطابا أقل ما يقال فيه إنه هادئ لدرجة أنه تجنب حتى وقت قريب استخدام توصيف "دولة الاحتلال"، وخلا بيان وزارة الخارجية السورية بعد سقوط صاروخين على الجولان المحتل من الإشارة لاحتلال الجولان نفسه، مع تركيز على رسائل الطمأنة بأن "سوريا لن تشكل تهديدا لأي طرف، ولن تسمح باستخدام أراضيها ضد أي طرف، بما في ذلك إسرائيل".
وقد تحولت هذه الرسائل إلى لقاءات أمنية غير مباشرة ثم مباشرة "إسرائيل" لتجنب التصعيد في الجنوب السوري، وهي اللقاءات التي فشلت حتى لحظة كتابة هذه السطور في وقف الاعتداءات "الإسرائيلية" المتكررة على سوريا، فضلا عن توسيع الاحتلال والحديث عن خطط الاستيطان.
يرى أصحاب هذه النظرية أن هذا النموذج سار بسفينة أردوغان وحزب العدالة والتنمية إلى بر الأمان، وأنه نموذج صالح لاقتباسه في سوريا اليوم. فهل هذا دقيق؟
في المقام الأول، تنبغي الإشارة إلى أن أردوغان نفسه لم يكن مقلدا، رغم أن المجموعة المؤسسة للعدالة والتنمية اطلعت على تجارب عدة بلدان وخاصة للتيارات الإسلامية فيها فضلا عن خبرتها السياسية في تركيا نفسها، قبل أن تنتهج ما رأت أنه الأنسب لبلادها في تلك الحقبة الزمنية والظرف السياسي المحدد. بل إن نهج أردوغان وحكوماته المتتالية تغير مع الزمن وفق تغير الظروف والتطورات الداخلية والخارجية، ومع تبدل التحديات وموازين القوى في الداخل والخارج.
من جهة أخرى، يتجاهل هذا الطرح الداعي للتقليد الفروق الهائلة بين البلدين والتجربتين، بين تركيا وسوريا، من حيث المقدرات والإمكانات، والتركيبة السياسية الداخلية، والخلفية التاريخية، فضلا عن الموقع الجيوسياسي، ما يجعل الحالتين أقرب للتباين منهما للتشابه.
وهنا تمثل الحدود المشتركة مع فلسطين المحتلة أو "إسرائيل" اختلافا جوهريا عن تركيا لا يمكن تجاوزه، وعاملا مفتاحيا ومؤثرا في سوريا في سنوات الثورة وكذلك في المستقبل المنظور.
كما أن السياق الذي أتت بها كلا التجربتين مختلف تماما، إذ أتى العدالة والتنمية التركي ضمن تجربة سياسية وانتخابات دورية ونهج إصلاحي، بينما وصلت هيئة تحرير الشام بقيادة الشرع لحكم سوريا بعد أن أسقطت نظام الأسد بالقوة المسلحة بعد ثورة دامت 14 عاما.
وأخيرا، فإن الظروف الحالية في المنطقة هي على النقيض تماما من ظروف تأسيس العدالة والتنمية التركي. لقد أتى الأخير لحكم تركيا في فترة ما بعد انقلاب 1997 على أربكان (سمّي بالانقلاب الأبيض أو ما بعد الحداثي)، والبحث عن تيار إسلامي "معتدل" يحكم البلاد، ومنطقة هادئة إلى حد كبير، فكان صعود الحزب والتجربة التركية مقرونا بنظريات "تصفير المشاكل" و"القوة الناعمة" و"العمق الاستراتيجي" التي صاغها وزير الخارجية ورئيس الوزراء الأسبق أحمد داود أوغلو. بينما يقود الشرع سوريا اليوم في ظل حرب الإبادة التي يشنها الاحتلال "الإسرائيلي" على غزة بدعم أمريكي- غربي، وتصعيد إقليمي طال لبنان واليمن وإيران وسوريا نفسها، وما زال يحمل بذور صراع إقليمي شامل محتمل.
يحصر كل ما سبق التشابهات بين الحالتين والتجربتين في أمور شكلية و/أو تفصيلية، بينما تغرس الفروق والاختلافات عميقا في الجذور، بما يجعلهما تجربتين مختلفتين تماما في المسار والمآلات.
أكثر مما سبق، ورغم ما فعله أردوغان وحزب العدالة والتنمية والخطاب الذي قدماه والسياسة التي مارساها والمرونة/التنازلات التي قدماها، إلا أن الحزب استمر في حكم البلاد بصعوبة بالغة وواجه تحديات لم يكن يملك دائما الحل الذاتي إزاءها، مثل قضية حظر الحزب في 2008 والتي فشلت -وتحولت لغرامة مالية- بفارق صوت عضو واحد في المحكمة الدستورية، وعدة أزمات داخلية ومحاولات من الجيش للتدخل في الحياة السياسية بما في ذلك انقلاب عام 2016 من قبل جماعة غولن.
في الخلاصة، لا يمثل "نموذج أردوغان" المشار له نهجا مناسبا للحالة السورية الحالية، لا سيما في ظل التطورات الإقليمية المشار لها، وتغير العقيدة الأمنية والعسكرية لدولة الاحتلال التي باتت تسعى لوأد أي احتمال لتهديد مستقبلي من خلال الحرب الاستباقية والمناطق العازلة داخل أراضي دول المنطقة وفي مقدمتها سوريا.
ما تحتاجه سوريا اليوم، وقبل كل شيء، هو صياغة عقيدة الدولة من جديد، وفي القلب من ذلك تحديد الهوية والأولويات ومنظومة العلاقات الخارجية بين حليف وصديق وشريك وخصم وعدو، بما يناسب الخصوصية السورية في الظرف الحالي داخليا وخارجيا، ثم تأتي الاستفادة من مختلف التجارب وفي مقدمتها التجربة التركية
كما أن النموذج بدا وكأنه كان صالحا لمرة واحدة فقط. فقد تبنى الغرب، وتحديدا الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية، تجربة العدالة والتنمية بقيادة أردوغان في السنوات الأولى وروّجوه في العالم الإسلامي على أنه "النموذج التركي" الذي يقوده "إسلاميون يؤمنون بالديمقراطية" والقيم الغربية، قبل أن يعود معظمهم ومعهم دولة الاحتلال بعد سنوات للحديث عن "خديعة أردوغان" لهم ومناوراته التكتيكية المستمرة، وانتقلوا للتحذير منه بدل الترويج له.
وقد سعى الإسلاميون في أكثر من بلد عربي لتقليد النموذج بحذافيره، متجاهلين الفروقات الكبيرة بين تركيا وأي دولة عربية ولا سيما إذا كانت دولة جوار لفلسطين المحتلة، كما في حالة سوريا. فحاول أكثر من مرشح رئاسي مصري انتهاج "النموذج التركي" في حينها، ومن بينهم الرئيس الراحل محمد مرسي، بيد أن التجربة كانت قد أصبحت مقروءة ومفهومة لجميع الأطراف بما يصعّب تكرارها، وكان مصيرها كما هو معروف للجميع.
إن ما يمكن اقتباسه من تجربة حزب العدالة والتنمية التركي بقيادة أردوغان ليس التفاصيل وإنما المبادئ العامة التي قادت التجربة وساهمت في نجاحها، ولا سيما في سنواتها الأولى، من قبيل دراسة المشكلات والمنهج العلمي في اجتراح الحلول والعقل الجمعي وتقديم الخبرات والكفاءات والمرونة السياسية.
لكن أردوغان (وحزبه) في كل ذلك لم ينقلب على المشهد السياسي التركي داخليا وخارجيا، وإنما أعاد التفسير والصياغة، فلم يقلب الحليف خصما ولا العدو صديقا. وما تحتاجه سوريا اليوم، وقبل كل شيء، هو صياغة عقيدة الدولة من جديد، وفي القلب من ذلك تحديد الهوية والأولويات ومنظومة العلاقات الخارجية بين حليف وصديق وشريك وخصم وعدو، بما يناسب الخصوصية السورية في الظرف الحالي داخليا وخارجيا، ثم تأتي الاستفادة من مختلف التجارب وفي مقدمتها التجربة التركية الثرية والقابلة للدرس والاستفادة -وليس الاقتباس والتقليد- بغض النظر عن الرأي في بعض المسارات والتفاصيل هنا وهناك.
كان يمكن لكل ما سبق أن يبقى كلاما نظريا في إطار الاستشراف، إلا أن الأحداث الأخيرة في السويداء قدمت إثباتا عمليا -فيما نظن- على هذا الطرح، وأكدت على الخصوصية السورية والاستثناء "الإسرائيلي"، بما يحول دون التقليد والتكرار ويدفع نحو تقديم نموذج محلي ذاتي يصلح للسياق الحالي والظروف القائمة في سوريا والمنطقة.
x.com/saidelhaj
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه أردوغان سوريا إسرائيل سوريا إسرائيل أردوغان تركيا الشرع مقالات مقالات مقالات مقالات مقالات مقالات مقالات سياسة سياسة سياسة صحافة سياسة سياسة مقالات سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة العدالة والتنمیة القیادة السوریة دولة الاحتلال سوریا الیوم فضلا عن
إقرأ أيضاً:
وزير النقل التركي في حوار للجزيرة نت: نضع قريبا حجر الأساس لمشروع طريق التنمية مع العراق
بين زيارتي لبغداد عام 2009 وزيارتي هذه الأيام، تبدلت ملامح العاصمة العراقية بشكل لافت، فقد اختفت الجدران الخرسانية الرمادية التي كانت ترتفع لأربعة أمتار على جانبي الطريق الممتد من المطار إلى "المنطقة الخضراء"، لتفسح المجال أمام حركة عمرانية تزخر بالحياة والازدهار.
غير أن هذه التحولات لم تكن الشاغل الوحيد في زيارتنا الخاطفة، والتي لم تتجاوز أربع ساعات برفقة وزير النقل والبنية التحتية التركي عبد القادر أورال أوغلو، إذ كان جدول الأعمال المشحون والمنضبط يفرض إيقاعا سريعا لا يدع مجالا لاستكشاف المدينة.
وجاءت هذه الزيارة لتضع حدا للتعثر الممتد لسنوات في مشروع "طريق التنمية" الإستراتيجي، والذي يربط ميناء الفاو على الخليج بمعبر أوفاكوي عند الحدود التركية بخطوط سكك حديدية وطرق سريعة.
وكان هذا المشروع قد واجه عقبات جيوسياسية معقدة، تداخلت فيها موازين القوى الداخلية وتجاذبات النفوذ الإقليمي والدولي، فضلاً عن بيروقراطية المؤسسات.
غير أن المشهد في بغداد شهد تحولا مفاجئا مع تشكيل الحكومة الجديدة برئاسة علي الزيدي، وهو رجل أعمال شاب يبلغ من العمر 41 عاما، أطلق فور توليه السلطة حملة لمكافحة الفساد، متبنيا نهجا براغماتيا بعقلية تجارية مرنة، وانفتاحا ملحوظا نحو تعزيز الشراكات الإقليمية، وفي مقدمتها العلاقات مع أنقرة.
مراسل الجزيرة نت كمال أوزتورك، كان الصحفي الوحيد الذي واكب زيارة الوزير عبد القادر أورال أوغلو، وأجرى معه هذا الحوار على متن الطائرة خلال رحلة العودة.
ما الهدف من هذه الزيارة؟تشكلت حكومة جديدة في العراق، ولا شك بأن العلاقات الدبلوماسية والرسمية مهمة، لكن التواصل المباشر واللقاءات وجها لوجه تكون دائما أكثر فاعلية في إنجاز الأعمال، وكان هناك وزيران معنيان بالنسبة لي، هما وزير النقل ووزير الاتصالات.
لقد أردت أن نحدد خارطة الطريق للأعمال التي سننفذها معا، قبل زيارة رئيس الوزراء العراقي إلى تركيا في 28 من الشهر الجاري ولقاء رئيسنا.
كان أثقل ملف في حقيبتنا هو مشروع طريق التنمية، وكان يمثل أولوية جدول أعمالنا، بالإضافة إلى ملف التعاون في مجال الطيران المدني، وبحث سبل التعاون في تشغيل السكك الحديدية.
إعلانوناقشنا مواصلة الرحلة التجريبية إلى السعودية والتي أطلقناها برا عبر العراق، وتطويرها لتشمل نقل الركاب. وبحثنا أيضا مع وزير الاتصالات ملفات أنظمة الأقمار الصناعية والاتصالات، فضلا عن التطبيقات الرقمية.
ولتقريب الصورة، تخيلوا أنكم تفاوضتم على شراء سلعة وسددتم ثمنها وأصدرتم فاتورتها وأكملتم جميع الإجراءات، ثم جاءت مرحلة نقلها، ومهما كانت وسيلة النقل، فلا بد من تسهيل الإجراءات الجمركية، ولهذا طرحنا وناقشنا تشغيل خط السكك الحديدية الممتد من المطار إلى معبر كابيكوله التركي على الحدود البلغارية، ليس باعتباره مجرد مسار للنقل، بل بوصفه ممرا يشمل الإجراءات الجمركية أيضا.
مشروع التنمية تعثر لفترة طويلة ولم يحرز تقدما، فما الذي ناقشتموه بشأنه مع رئيس الوزراء ووزير النقل؟ وما التعهدات التي حصلتم عليها؟بدلا من الحديث عن تعهدات، دعوني أوضح ما ناقشناه، فهذا المشروع منجز بنسبة تقارب 90% من حيث المبدأ، ولم يتبق سوى مسألة واحدة، وهي تحديد نقطة ربطه بتركيا.
فمنذ فترة طويلة يدور النقاش حول المكان الذي سيتم فيه هذا الربط في شمال العراق وجنوب تركيا، وكما تعلمون فإن لدى حكومة إقليم كردستان العراق بعض التوقعات في هذا الشأن. وكان ذلك الملف الأكثر إلحاحا الذي ينبغي حسمه.
لقد توصلت إلى حل لهذه المسألة مع نظيري العراقي ومع رئيس الوزراء، بل إننا قدمنا لهم أيضا مذكرة تفاهم بشأنها، وبمجرد تحديد نقطة الربط سنشرع في تنفيذ الجسر والبدء بالمشروع في أسرع وقت.
كما تحدثنا عن ربط منطقة فيشخابور من الجانب العراقي بمنطقة أوفاكوي على الجانب التركي الواقعة عند الحدود الجنوبية الشرقية لتركيا، ويجري العمل على افتتاح معبر حدودي جديد في هذه المنطقة وإنشاء الطريق عبره، ومن المرجح أن يتم اعتماد هذا المسار، وناقشنا أيضا نموذج تمويل المشروع.
ففي السابق، جرى بحث هذا المشروع بين الإمارات وقطر وتركيا والعراق على أساس تأمين تمويل دولي له، ولكن للأسف لم يتحقق أي تقدم حتى الآن، ويرجع ذلك إلى الانتخابات التي شهدها العراق، وإلى انشغال دول الخليج بتطورات الحرب على إيران.
ولذلك قلنا إن العراق يستطيع الاستفادة من ثرواته الطبيعية لتمويل المشروع، سواء عبر المعادن أو النفط، وسبق أن طرحنا هذه الفكرة لكنها بقيت معلقة، وخلال هذه الزيارة وكذلك خلال زيارة وزير الطاقة والموارد الطبيعية التركي (ألب أرسلان بيرقدار)، لمسنا لدى الجانب العراقي استعدادا أكبر لاعتماد صيغة التمويل مقابل النفط.
وفي هذا الإطار، اقترحنا إعداد تصور بعد إجراء الدراسات والحسابات اللازمة، بحيث يتم خلال زيارة رئيسنا توقيع مذكرة تفاهم هناك، وقدمنا لهم أيضا مسودة بهذا الخصوص، وإذا تمكنا من حسم هذه المسألة سريعا، فقد يتضح ملف التمويل من خلال التفاهم الذي سيجرى التوصل إليه خلال زيارة رئيسنا.
إننا نرغب في وضع حجر الأساس لهذا المشروع خلال العام الجاري، وقد أجرى رئيس الوزراء حساباته بصورة عملية، وأكد أنه ينظر إلى الأمر بإيجابية، ولدي قناعة كبيرة بأن هذا الملف سيُحسم خلال زيارة رئيسنا، وأعتقد أننا سنتمكن من بدء العمل بسرعة كبيرة، بمشاركة المقاولين الأتراك، وبالطبع بالشراكة مع الجهات المحلية.
كيف وجدتم موقف رئيس الوزراء الجديد من المشروع؟ أعتقد أنه ثالث رئيس وزراء تلتقونه منذ بدء المشروع.نعم، هو نفسه قال إنها "الحكومة الثالثة"، وبالتالي فهو ثالث رئيس وزراء، وهو رجل أعمال قادم من عالم الأعمال، لقد عرضنا أمامه الخرائط وناقشنا المشروع بالاستناد إليها. ثم تناول هاتفه المحمول على الفور وأجرى بعض الحسابات، وقد أبدى نهجا يعكس عقلية رجل أعمال، تقوم على التركيز على إنجاز العمل دون الاستغراق في الإجراءات واللوائح.
بافتراض أن الظروف مواتية، متى يمكن البدء في مشروع طريق التنمية؟ وكم يستغرق إنجازه؟ندرك بالطبع مدى صعوبة تنفيذ الأعمال في العراق، لكن ينبغي أن أشير بشكل خاص إلى وجود شركات ورجال أعمال أتراك عملوا في العراق في السابق، ولا يزالون يعملون فيه حتى الآن.
إعلانلدينا حاليا في تركيا أربعة آلاف كيلومتر من خطوط السكك الحديدية قيد الإنشاء، وسننجز ثلاثة آلاف كيلومتر منها خلال نحو عام إلى عام ونصف، أي بحلول عام 2028.
وبوسعنا إنجاز مشروع كهذا خلال أربعة إلى خمسة أعوام، بافتراض أن التمويل جاهز وأن التصاريح اللازمة قد صدرت، إنه مشروع يمكن الانتهاء منه خلال أربعة أو خمسة أعوام، وهذه مدة طموحة لكنها ممكنة. وعندما نبدأ في المشروع برفقة المقاولين الأتراك، فسوف نتمكن من إنجازه، وقد طرح رئيس الوزراء العراقي بالفعل سؤالا مفاده: "هل يمكننا إنجازه في وقت أقصر؟"، فقلنا إننا سنناقش ذلك أيضا عندما نبدأ العمل.
كم يبلغ طول خط السكك الحديدية الذي ستنشئونه من ميناء الفاو في العراق إلى الحدود التركية؟يبلغ طوله 1200 كيلومتر، وبالطبع ركزنا على الأعمال المطلوب تنفيذها في الجانب العراقي، لكن يتعين علينا نحن أيضا إنشاء خط آخر يبلغ طوله نحو 500 كيلومتر، من منطقة باغكوي إلى ولاية غازي عنتاب في تركيا. وقد انتهينا من إعداد مشروعاته وأدرجناه ضمن البرنامج الاستثماري، وسنعمل على تنفيذه سريعا.
هل ستنشئون هذا الخط بأنفسكم، أم سيُنفذ بالتمويل نفسه؟سننشئ هذا الخط بأنفسنا.
جرى الاستثمار في مطار الموصل وانتهت أعمال الإنشاء، وهم يبحثون عن شركة متخصصة تتولى تشغيله، إن هناك ثلاث شركات تعمل في هذا المجال في تركيا، وكانت لديهم بالفعل مباحثات سابقة مع إحدى شركات القطاع الخاص، كما أُجريت أمس مباحثات تفصيلية مع الشركة التي تشغّل مطار إسطنبول، وأُحرز تقدم في هذا الملف.
وأتوقع أن تسفر المباحثات عن نتيجة، أي إن هناك احتمالا أن تتولى شركة تركية تشغيل مطار الموصل، أما مطار بغداد، فمن المخطط إعادة إنشائه بالكامل وفق نموذج البناء والتشغيل ونقل الملكية.
وقال لنا نظراؤنا إنه قد يكون من الممكن أيضا إنشاء المطار في موقع مختلف، وإن هذه المسألة تحتاج إلى مناقشات أكثر تفصيلا.
تعمل الشركات التركية وفق نموذج البناء والتشغيل ونقل الملكية في مناطق عديدة من العالم. فهل هي مستعدة للتقدم لتنفيذ مشروع مطار بغداد؟إذا توفرت الشروط المناسبة، فستكون شركاتنا مستعدة للدخول في المشروع، وهذا ينطبق أيضا على نموذج البناء والتشغيل ونقل الملكية. وأيا كان النموذج، تبقى الثقة الأولوية الأولى لرأس المال، ومن المهم أن تُصان حقوقهم في البلد الذي يتوجهون إليه.
ولا شك أن الأمن المادي ضروري، لكنني أتحدث هنا عن الأمن المالي أيضا، أي توفير الضمانات اللازمة لهم إذا نشأ أي خلاف مستقبلا.
والعراق يدرك ذلك ويتخذ خطوات في هذا الاتجاه، وإذا توفرت هذه الضمانات، فستأتي شركاتنا، وأود أن أشير بصفة خاصة إلى أن شركات تركية لا تزال تستثمر هناك، وإن كان عددها أكبر في السابق، ومن الممكن أن يرتفع عدد هذه الشركات مجددا خلال المرحلة المقبلة وأن تدخل في استثمارات وفق نموذج البناء والتشغيل ونقل الملكية، وفي مقدمتها مشروع مطار بغداد.
تضم وزارتنا أربعة أنماط للنقل، إلى جانب قطاع الاتصالات، وقد بحثنا مجموعة واسعة من الموضوعات، بدءا من أنظمة الأقمار الصناعية في الفضاء والتحول الرقمي، وصولا إلى تطبيقات الحكومة الإلكترونية ورقمنة الإجراءات اليومية.
كما ناقشنا إمكانية تقاسم الخدمات أو التعاون في مجال الأقمار الصناعية، وأكدنا اتفاقنا على ضرورة إنشاء شبكات للألياف الضوئية تمتد بمحاذاة مشروع طريق التنمية وتُمد تحت مساره، وعلمنا في هذا السياق أن وزارتي النقل والاتصالات العراقيتين متفقتان أيضا على هذه المسألة، وأن شبكات الألياف الضوئية أُدرجت ضمن المشروع.
هل تعتزمون تنفيذ مشروع يتعلق بأنظمة الأقمار الصناعية؟لقد عرضنا الإمكانات والقدرات التي نمتلكها، وأكدنا استعدادنا للتعاون في هذا المجال. لكننا لم نناقش بعد خطوات عملية محددة في هذا الصدد، ويمكن بحث هذه المسائل خلال المرحلة المقبلة.
وفيما يتعلق بإدارة وتشغيل السكك الحديدية، أوضحنا أيضا أنه بإمكاننا من خلال شركة "تي سي دي دي تكنيك" التابعة لوزارتنا، تولي تشغيل شبكة السكك الحديدية في البلاد بأكملها، وقد أشاروا إلى أنه يمكن البدء في المرحلة الأولى ببرنامج تدريبي، ثم مناقشة هذا الموضوع لاحقا.
أعتقد أنكم ترغبون أيضا في إضافة خطوط نقل الطاقة إلى مشروع طريق التنمية؟لقد أكدت هناك بصورة خاصة أن المشروع لا يقتصر على النقل وحده، فلا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد خط للسكك الحديدية، أو طريق بري، أو خط لنقل الطاقة، أو الألياف الضوئية، أو الأنابيب.
إعلانكما ذكّرت رئيس الوزراء بأن إدماج خط لأنابيب النفط أو الغاز الطبيعي ضمن المشروع يندرج أيضا ضمن القضايا المطروحة على جدول الأعمال، ومن المفيد أيضا مناقشة هذه المسألة مع دول الخليج، ولا سيما فيما يتعلق بالغاز الطبيعي.
عندما زار وزير الطاقة التركي العراق، هل بحث هذه القضايا مع رئيس الوزراء العراقي؟نعم بحثاها بالطبع، وكما قلت فهذا ليس مجرد مشروع للنقل، بل هو وفق المفهوم الجديد، مشروع للترابط، أي لربط البلدين بعضهما ببعض في مختلف المجالات، ولا يقتصر تصورنا على ربط البلدين فحسب، بل يشمل أيضا تعزيز الترابط بين دول المنطقة في هذا الإطار.
وأود أن أضيف أن هناك أيضا ملف سكة حديد الحجاز الذي تتابعونه عن كثب، وقد استفسر نظراؤنا عن آخر تطورات المشروع، وعن المرحلة التي وصلنا إليها فيه، وما إذا كنا ننظر إلى مشروع طريق التنمية من هذه الزاوية برؤية مختلفة، وأوضحت لهم أن المشروعين ليسا بديلين لبعضهما البعض، بل يتعين تنفيذهما معا.
ولو كنا أكثر عملية، لكنا قد أنجزنا مشروع طريق التنمية منذ وقت طويل، ولما تصدر مضيق هرمز جدول أعمال العالم بهذا الشكل.
هذه هي أبرز القضايا التي ناقشناها، ويمكنني القول إننا وجدنا توافقا في الرؤى حول جميع القضايا تقريبا. وهذا أمر إيجابي، لكن يبقى علينا مواصلة العمل وتحويل هذه المشروعات إلى واقع ملموس.