بقلم: د. محمد أبو طربوش ..

في قطاع غزة، تجاوزت الأزمة الإنسانية مجرد كونها وصفًا دبلوماسيًا لتصبح مشهدًا غير مسبوق يكشف كيف يمكن للمجاعة أن تتحول إلى أداة سياسية بامتياز.
الأزمة التي تعصف بالقطاع ليست نابعة من نقص التبرعات أو الأموال، بل من حصار خانق يمنع إدخال المواد الأساسية، جاعلًا حياة أكثر من مليوني إنسان رهينة قرار سياسي مُخطط بعناية.


من أزمة إنسانية إلى سلاح استراتيجي..
ما يحدث في غزة يتجاوز مفهوم “نقص الإمدادات” ليبلغ مستوى سياسة تجويع متعمدة. لا يكتفي الاحتلال بالحصار العسكري، بل يسعى إلى تحويل الغذاء والدواء إلى أدوات ضغط تفاوضي.
هذا التحول يكشف أن المجاعة لم تعد نتيجة جانبية للحرب، بل أداة تُستخدم لفرض واقع سياسي جديد على الأرض.
الموت جوعًا.. مرحلة جديدة من الحصار
ولأول مرة، تُسجل وفيات مباشرة بسبب الجوع الصريح، وليس فقط بسبب سوء التغذية أو نقص الدواء كما في جولات سابقة.
موت الأطفال بعد أيام بلا طعام يعكس أن الأزمة وصلت إلى مرحلة كسر إرادة المجتمع عبر استهداف أساس بقائه: الغذاء.

هذا النوع من الضغط لا يواجهه التصعيد العسكري وحده، بل يحتاج إلى قراءة سياسية تتجاوز لغة الإدانة.
الحصار الثلاثي.. الأرض والبحر والمعابر

الاحتلال يدير المعركة عبر التحكم الكامل في بوابة الطعام، ما يجعل أي حديث عن المساعدات مشروطًا بالمعابر التي يسيطر عليها بالكامل، حيث تشكل السيطرة على الأراضي الزراعية، وتدمير الثروة الحيوانية، وقصف البحر واعتقال الصيادين، أضلاع حصار ثلاثي يقطع أي إمكانية للاعتماد على الذات.
الإنزالات الجوية.. بين الحل والإيذاء
ويبدو الطرح الغربي بخصوص الإنزالات الجوية أقرب إلى إدارة صورة إعلامية منه إلى حل عملي. هذه الإنزالات تعني توزيع الطعام وفق منطق القوة والسرعة، ما يُقصي الفئات الأضعف من الأرامل والأطفال والمرضى. إضافة إلى ذلك، فإن المشهد نفسه يخدم رواية الاحتلال: شعب مذلول ينتظر فتات السماء بدل كسر الحصار من جذوره.
مجاعة على الهواء.. صدمة التاريخ
الفارق في هذه الجولة ليس في قسوة الحصار فحسب، بل في كونه موثقًا بالكامل بالصوت والصورة.
تُبث مشاهد الأطفال الجائعين مباشرة للعالم، ومع ذلك لا يتحرك الشارع الدولي والإقليمي بما يتناسب مع حجم الجريمة. بدا الصمت العربي، وخصوصًا من دول الجوار، صادمًا حتى للإسرائيلي الذي لم يكن يتوقع هذا الفراغ الشعبي والسياسي.

إن ما يجري في غزة اليوم ليس كارثة إنسانية عابرة، بل جريمة مكتملة الأركان تُدار بوعي سياسي. لقد أصبح التجويع لغة تفاوضية ورسالة ردع في آن واحد. ومع استمرار الصمت، تتحول المجاعة من مأساة محلية إلى اختبار أخلاقي عالمي سيسجل التاريخ نتائجه بوضوح: إما صحوة توقف الجريمة، أو عار أبدي سيلاحق الجميع.

user

المصدر

المصدر: شبكة انباء العراق

كلمات دلالية: احتجاجات الانتخابات البرلمانية الجيش الروسي الصدر الكرملين اوكرانيا ايران تشرين تشكيل الحكومة تظاهرات ايران رئيس الوزراء المكلف روسيا غضب الشارع مصطفى الكاظمي مظاهرات وقفات

إقرأ أيضاً:

صيف ملتهب.. انقطاع الكهرباء يشعل الاحتجاجات ويكشف هشاشة البنية التحتية في دول عربية

تحولت أزمة الكهرباء في عدد من الدول العربية إلى أحد أبرز عناوين صيف 2026، مع تزامن موجات حر قياسية وارتفاع غير مسبوق في استهلاك الطاقة، الأمر الذي أدى إلى انقطاعات واسعة للتيار الكهربائي، وأثار احتجاجات شعبية، وأعاد إلى الواجهة التساؤلات بشأن جاهزية البنية التحتية الكهربائية وقدرة الحكومات على مواجهة الضغوط المتزايدة على شبكات الطاقة.

وبينما سجلت بعض الدول درجات حرارة قاربت أو تجاوزت 50 درجة مئوية، أصبحت الكهرباء عاملا حاسما في استمرار الخدمات الأساسية، من تشغيل المستشفيات ومحطات المياه إلى الحفاظ على النشاط الاقتصادي، في وقت كشفت فيه الأزمة عن تحديات مزمنة تتعلق بضعف الاستثمارات، وتهالك الشبكات، ونقص الوقود في بعض الدول.

تونس.. موجة حر غير مسبوقة وانقطاعات متكررة
في تونس، بلغت درجات الحرارة نحو 50 درجة مئوية في عدد من المناطق، بالتزامن مع انقطاعات متكررة للتيار الكهربائي، دفعت الشركة التونسية للكهرباء والغاز إلى نشر بيانات يومية تحدد المناطق التي سيشملها القطع المبرمج بهدف تخفيف الضغط على الشبكة.

الرئيس التونسي قيس سعيّد وصف انقطاع الكهرباء والمياه والحرائق بأنها "ظواهر غير عادية"، مؤكدا خلال اجتماع مع عدد من الوزراء أن الدولة "لن تقف مكتوفة الأيدي أمام من يسعى إلى التنكيل بالمواطنين وتأجيج الأوضاع"، بحسب بيان للرئاسة التونسية.

وشدد سعيّد على ضرورة إنهاء الانقطاعات التي تستمر لأكثر من 24 ساعة، داعيا إلى إعلام المواطنين مسبقا بأي قطع مبرمج، واختيار توقيت يقلل من معاناتهم في ظل موجة الحر.

عرض هذا المنشور على Instagram ‏‎تمت مشاركة منشور بواسطة ‏‎Arabi21 - عربي21‎‏ (@‏‎arabi21news‎‏)‎‏
وتزامنت الأزمة مع اندلاع مئات الحرائق، إذ أعلن رئيس الإدارة الفرعية للعمليات والمتابعة بالحماية المدنية خليل المشري تسجيل نحو 600 حريق خلال 48 ساعة، بمعدل حريق كل خمس دقائق، وفق إذاعة "موزاييك".

وفي السياق ذاته، أعربت منظمة العفو الدولية عن قلقها من تأثير موجة الحر على السجناء، خاصة كبار السن والمصابين بأمراض مزمنة، مطالبة السلطات باتخاذ تدابير عاجلة لحمايتهم.



ليبيا.. احتجاجات وإغلاق طرق وتعليق العمل
في ليبيا، دفعت الانقطاعات الطويلة للكهرباء، التي وصلت في بعض المناطق إلى نحو 20 ساعة يوميا، المواطنين إلى تنظيم احتجاجات وإغلاق طرق وإشعال إطارات السيارات في طرابلس ومدن أخرى فجر الخميس، وفق وسائل إعلام محلية.

وطالب المحتجون السلطات بإيجاد حلول عاجلة للأزمة، بينما أعلنت بلديتا طرابلس المركز وأبو سليم تعليق العمل في جميع الإدارات التابعة لهما بسبب ارتفاع درجات الحرارة واستمرار انقطاع الكهرباء، مع استثناء القطاعات الحيوية.

في المقابل، أكدت الشركة العامة للكهرباء استمرار أعمال الصيانة وإعادة تشغيل عدد من المحطات والخطوط الكهربائية، مشيرة إلى إصلاح أعطال بمحطات التحدي والفروسية والكريمية وغيرها.

ورغم ذلك، يرى مواطنون أن جهود الصيانة لم تنعكس على تحسين مستوى الخدمة، في ظل استمرار الانقطاعات لساعات طويلة.

وتجدد الأزمة التساؤلات بشأن مليارات الدولارات التي خُصصت لقطاع الكهرباء خلال السنوات الماضية، وسط مطالب بإجراء تحقيقات شفافة حول أوجه الإنفاق وتسريع مشاريع إنتاج ونقل الطاقة.

وامتد الغضب إلى منصات التواصل الاجتماعي، حيث تداول ليبيون مقاطع فيديو تظهر تحطيم عدادات الكهرباء، وإعلانات ساخرة عن "بيع محطات الكهرباء" لشراء ألواح الطاقة الشمسية، إضافة إلى مشاهد لتخريب بعض محطات التوزيع تعبيرا عن الاحتقان الشعبي.

وكان المدير العام للشركة العامة للكهرباء عبد الله حمودة قد حذر، في خطاب وجهه إلى رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة والنائب العام، من احتمال انهيار استقرار الشبكة بسبب نقص الغاز والوقود، محملا الحكومة مسؤولية توفير الإمدادات اللازمة، فيما عزت الشركة جزءا من الأزمة إلى الأوضاع الأمنية وتضرر بعض محطات التوليد.

السودان.. انقطاعات طويلة وصمت رسمي
وفي السودان، أفاد سكان في العاصمة الخرطوم باستمرار انقطاع الكهرباء لأكثر من 10 ساعات يوميا في عدد من الأحياء، وسط ارتفاع درجات الحرارة إلى أكثر من 40 درجة مئوية.

وقالت مصادر محلية إن الانقطاعات أثرت على خدمات المياه والمرافق الحيوية، بينما لم تصدر هيئة الكهرباء السودانية أي توضيح رسمي بشأن أسباب الأزمة أو موعد استقرار الخدمة.

وفي حادثة لافتة، تسبب تسلل قطة إلى المحول الرئيسي بمدينة وادي حلفا في انقطاع الكهرباء عن المدينة لنحو ساعة، قبل أن تتمكن فرق الصيانة من إصلاح العطل وإعادة التيار.



العراق.. الكهرباء تشعل الشارع والبرلمان يستدعي الوزير
وفي العراق، تسببت ساعات القطع الطويلة للكهرباء في اندلاع احتجاجات بمحافظة النجف الخميس، أصيب خلالها خمسة متظاهرين بعد تدخل قوات مكافحة الشغب لتفريق المحتجين الذين تجمعوا أمام مبنى المحافظة للمطالبة بزيادة حصة المدينة من الطاقة.

وامتدت الاحتجاجات إلى مناطق أخرى مع ارتفاع درجات الحرارة، بينما قرر مجلس النواب استضافة وزير الكهرباء لمناقشة أسباب تراجع تجهيز الطاقة.

وأرجعت وزارة الكهرباء الأزمة إلى انخفاض إمدادات الغاز الناتج عن الحرب الإقليمية، إضافة إلى التجاوزات على الشبكة الكهربائية، داعية المواطنين إلى التعاون لتجاوز الأزمة.


بلومبيرغ: الأزمة تكشف اختلالات هيكلية
ورأت وكالة "بلومبيرغ" أن موجة الحر الأخيرة كشفت أن أزمة الكهرباء في المنطقة لم تعد موسمية، بل أصبحت تعكس اختلالات هيكلية في قطاع الطاقة.

وأشارت الوكالة إلى أن ارتفاع درجات الحرارة إلى أكثر من 40 درجة مئوية أدى إلى زيادة كبيرة في الطلب على الكهرباء، خصوصا لتشغيل أجهزة التكييف، في وقت تعمل فيه شبكات قديمة أو تعاني نقصا في الاستثمارات.

وأضافت أن الانقطاعات أثرت على قطاعات اقتصادية عديدة، بينها الفنادق ومحال بيع المواد الغذائية، كما سلطت الضوء على أن الأزمة تكشف تحديات أعمق تتعلق بقدرة الحكومات على تمويل البنية التحتية ومواكبة الطلب المتزايد على الطاقة.

وخلصت "بلومبيرغ" إلى أن امتلاك الموارد الطبيعية وحده لا يكفي لضمان استقرار إمدادات الكهرباء، مشيرة إلى أن ليبيا تعاني رغم ثروتها النفطية بسبب هشاشة بنيتها التحتية، بينما تعكس أزمة تونس تأثير الضغوط الاقتصادية على الاستثمار في قطاع الطاقة، في حين أظهرت أزمات دول أخرى الحاجة إلى تطوير شبكات النقل والتوزيع وتعزيز الربط الكهربائي الإقليمي لمواجهة ذروة الاستهلاك خلال فصل الصيف.

مقالات مشابهة

  • حركة فتح تندد بانتهاكات الاحتلال: الاعتداءات اليومية على الفلسطينيين جريمة مكتملة الأركان
  • الجهاد الإسلامي: مجزرة "تل" جريمة إرهابية ونشيد بانتزاع سلاح الاحتلال
  • صيف ملتهب.. انقطاع الكهرباء يشعل الاحتجاجات ويكشف هشاشة البنية التحتية في دول عربية
  • المجلس الوطني يدين جريمة الاحتلال ومستوطنيه في بلدة تل
  • حماس: مجزرة "تل" جريمة حرب
  • في أعقاب حادث حفات جلعاد.. اجتماع عاجل لـ نتنياهو مع وزير دفاعه ورئيس الأركان
  • مجلس الدولة: ندعو الليبيين إلى ترشيد استهلاك الكهرباء
  • رئيس هيئة الأركان يزور مقبرة أرلينغتون الأميركية رسمياً
  • رهان حكومي على استئناف تصدير النفط لحل الأزمة المالية
  • الأحزاب الليبية: ندعم المبادرة الأمريكية للسلام لحل الأزمة