29 يوليو، 2025

بغداد/المسلة: وسط موجات الحر الشديدة التي تضرب العراق هذا الصيف، تعود إلى الواجهة فرضية العلاقة العضوية بين ارتفاع درجات الحرارة وتصاعد معدلات الجريمة، في مقاربة تبدو للوهلة الأولى علمية الطابع، لكنها تخفي وراءها أسئلة أعمق عن طبيعة المجتمع، ومتانة النظام القيمي، وسرّ تماسك السلوك الجمعي تحت أقسى الضغوط المناخية.

وارتكز الخبير القانوني علي التميمي في تحذيره الأخير إلى دراسات دولية أجريت في بيئات مختلفة مثل الولايات المتحدة واليابان، خلصت إلى نتائج متشابهة: الطقس الحار يرفع منسوب العدوانية. وليس الأمر مجرد سرد بياني، بل يرتكز على تجارب مخبرية خضعت فيها عيّنات بشرية لاختبارات في غرف متفاوتة الحرارة، لتظهر النزعة العدوانية أكثر وضوحاً لدى من وُضعوا في الأجواء الحارة.

وحذر الخبير القانوني علي التميمي، من تأثير ارتفاع درجات الحرارة على تصاعد معدلات الجريمة، مشيراً إلى أن دراسات عالمية أثبتت وجود علاقة مباشرة بين الطقس الحار والسلوك العدواني.

وقال التميمي في تصريح للمسلة، إن “دراسات أُجريت في الولايات المتحدة شملت سبع ولايات، وأخرى مماثلة في اليابان، أكدت أن درجات الحرارة المرتفعة ترتبط بازدياد جرائم العنف والاعتداءات”، مشيراً إلى أن “تجارب مخبرية وضعت أشخاصاً في غرف بدرجات حرارة مختلفة، أظهرت أن من وُضعوا في الغرف الحارة كانوا الأكثر ميلاً للسلوك العدواني”.

وأضاف، أن “الحرارة الشديدة تؤثر سلباً على الجهاز العصبي، ما يسبب الانزعاج والإحباط ويزيد من الاندفاع نحو العنف والنزاعات، لكنها ليست العامل الوحيد وراء الجريمة، إذ تتداخل معها أسباب أخرى مثل الفقر والبطالة وتعاطي المخدرات”.

وبيّن، أن “أخطر الجرائم التي ترتكب تحت هذه التأثيرات هي القتل والتعذيب والسب، خاصة مع تراجع التركيز نتيجة قلة النوم والإرهاق، لاسيما مع الانقطاع المتكرر للتيار الكهربائي”.

وأوضح أن “اختلال توازن مادتي السيروتونين والتستوستيرون في الدماغ نتيجة الحرارة يسهم في اضطراب المزاج والسلوك، ما ينعكس بزيادة معدلات الجريمة”، لافتاً إلى أن “دراسة فرنسية أثبتت أن نسب الجرائم في المناطق الحارة أعلى مقارنة بالأقاليم الباردة”.

وترتبط هذه النتائج، بحسب التميمي، بتأثير الحرارة المباشر على الجهاز العصبي واضطراب المزاج، نتيجة اختلال مستويات السيروتونين والتستوستيرون، وهما مادتان عصبيتان أساسيتان في تنظيم الانفعالات وضبط السلوك. ويكتمل المشهد بظروف اقتصادية واجتماعية مرافقة، مثل الفقر، والبطالة، وسوء الخدمات، وانقطاع الكهرباء، وكلها تزيد من تأزم السلوك الفردي وتفتح الباب أمام اندفاعات غير عقلانية.

ويتضح أن المشكلة لا تكمن فقط في الحرارة كعامل منفرد، بل في ما تسميه الأدبيات الجنائية “البيئة المؤجِّجة للجريمة”، أي تضافر جملة من الظروف الضاغطة التي تفقد الإنسان توازنه. لكن، وبحسب التميمي، فإن ما يميز المجتمع العراقي تحديداً هو بقاء منظومته القيمية، الدينية والاجتماعية، حاضرة بقوة كمكبح أخلاقي وسلوكي، خاصة خلال المناسبات الدينية كرمضان، حيث تزداد درجات الحرارة وتقل الموارد، لكن العنف لا يتصاعد بنفس النسبة.

ويفتح هذا التحليل نافذة على أهمية سياسات الأمن الوقائي لا الأمني، أي بناء استراتيجيات مجتمعية للتخفيف من آثار التغيرات المناخية على الصحة النفسية والسلوك العام، في ظل التحولات المناخية التي باتت مرشحة لأن تصبح العامل الخفي في إنتاج الجريمة وتهديد التماسك الاجتماعي.

 

 

 

 

 

 

المسلة – متابعة – وكالات

النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.

About Post Author زين

See author's posts

المصدر

المصدر: المسلة

كلمات دلالية: درجات الحرارة

إقرأ أيضاً:

غيث التميمي: إيران تراهن على عامل الوقت والانتخابات المقبلة لإعادة ترتيب أوراقها

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

قال رئيس مشروع المواطنة العراقي غيث التميمي، إن إيران تراهن على عامل الوقت، معتبرًا أن طهران تتبع استراتيجية تقوم على المماطلة والتفاوض بهدف الوصول إلى الانتخابات الأمريكية والإسرائيلية المقبلة، على أمل أن تؤثر الاستحقاقات الانتخابية في حسابات صناع القرار في واشنطن وتل أبيب.

وأوضح التميمي خلال لقائه عبر شاشة فضائية سكاي نيوز عربية، مساء اليوم الخميس، أن إيران تحاول كذلك دفع الولايات المتحدة إلى تحويل العمليات العسكرية الحالية إلى حرب شاملة، في الوقت الذي يفضل فيه ترامب إبقاء المواجهة في إطار عمليات عسكرية محدودة، مع التوقف من حين لآخر للبحث عن فرص للتهدئة والتفاوض.

وأضاف، أن إعلان ترامب تحميل إيران المسؤولية عن أي هجمات جديدة ينفذها الحوثيون يمثل تغييرًا مهمًا في قواعد الاشتباك، مشيرًا إلى أن واشنطن باتت توجه رسالة واضحة إلى طهران مفادها أن أي تصعيد من جانب حلفائها الإقليميين قد ينعكس عليها مباشرة.

وأشار التميمي إلى أن زيارة رئيس الوزراء العراقي إلى طهران تحمل أبعادًا تتجاوز توقيع الاتفاقيات الاقتصادية، مؤكدًا أن العراق يسعى إلى معالجة ملفات السلاح والفصائل المسلحة والفساد، وأن الرسالة التي ينقلها الوفد العراقي إلى طهران تتمثل في ضرورة السماح لبغداد بتطوير علاقاتها العربية والانخراط بشكل أكبر في ملفات المنطقة.

مقالات مشابهة

  • توكا: أزمة الكهرباء أحد أبرز العوامل التي تستنزف دخل المواطن الليبي
  • 9 محافظات تمنع عمال النظافة من العمل وقت الذروة رسميًا
  • استشاري باطنة : ضغط الدم القاتل الصامت .. المرض الأكثر انتشارًا
  • بعد موجة ساخنة | الأرصاد تكشف موعد تراجع الموجة الحارة
  • موعد انكسار الموجة الأشد حرارة.. ومفاجأة بشأن طقس الأسبوع المقبل
  • ألحان هاني شنودة | تفاصيل حفل نسمة محجوب بموسم الصيف بالأوبرا
  • تغير المناخ يفاقم حدة الجفاف في أوروبا
  • بلديات توقف الدراسة بسبب ارتفاع درجات الحرارة المتوقع
  • تحذيرات رسمية في ليبيا.. إرشادات للوقاية من مخاطر ارتفاع «درجات الحرارة»
  • غيث التميمي: إيران تراهن على عامل الوقت والانتخابات المقبلة لإعادة ترتيب أوراقها