خيوط حمراء وذاكرة أندلسية.. نول الدرازة المغربي يقاوم غزو الموضة
تاريخ النشر: 14th, August 2025 GMT
خلف مغازل خشبية تحيك أثوابا تقليدية مزركشة بألوان مبهجة تصارع الزمن وأنماط الموضة الحديثة، يقف حرفيون مغاربة يتفننون في نسج الثوب التقليدي "الدرازة" الذي اشتهرت به مدن شمال البلاد.
عبد الغني الفقيه، أحد أشهر صناع "الدرازة" بمدينة الشاون، يعمل في ورشته الشبيهة بخلية نحل، متحركا بين أدواته وعماله، حرصا على إتقان إنتاج المناديل والجلابيب والمعاطف التقليدية.
ورشة الفقيه التي تجاور محال أخرى بسوق المدينة، تقاوم الاندثار بجودة منتجات تقليدية تضفي على لابسها دفء القماش وأصالة الماضي على حد سواء، أملا في كسب زبائن يعز الوصول إليهم مع أسواق المنتجات الحديثة والمستوردة.
ألوان وحياكةداخل ورشة "الدرازة"، ينهمك بعض العمال في عملية الحياكة بتناغم يجمع مستويات من الأجيال المختلفة، بين شاب يعد الخيوط ومسنّ بلغ من العمر عتيا يعمل على نسج الجلابيب.
يقول الفقيه إن نسج الملابس التقليدية يتم في مراحل، الأولى بتدوير الخيوط متساوية الطول، ثم نسجها بالمرما (آلة خشبية تقليدية للنسج)، ثم تقطيعها، لتنطلق بعدها مرحلة أخرى من النسج من جديد.
ويعتبر الفقيه أن كل مرحلة من النسج تتطلب وقتا محددا، يقتضي تعاون عاملين اثنين أو أكثر لإبداع المنتوج.
وعن الجلباب، يقول إنه يمر بنفس المراحل، وعلاوة على عملية الخياطة، فإن صنعه يتطلب 4 ساعات أو أكثر، نصف المدة لتوفير الخيوط ونسجها، والنصف الآخر لعملية الخياطة نفسها.
خيوط حمراء وأخرى بيضاء هي الغالبة على باقي الألوان في الورشة، وهي التي تشكل بصمة المغربيات الشماليات، فضلا عن الأزرق اللون المفضل أيضا لدى نساء المدينة.
إنتاج وتسويقلمنسوجات "الدرازة" أهمية تضاهي قيمة الزمن والجهد المبذول فيها، ومعددا أنواعها بين الجلابة (الجلباب) والقشابة والسبنية (غطاء رأس المرأة التقليدي)، يقول الفقيه إن إنتاجها يتطلب تجربة وفنّا ووقتا، مقارنة بغيرها من المنتجات التي تتم عبر الآلات لا أنامل البشر.
إعلانالفقيه المعروف لدى تجار المدينة بجمالية منتجاته، وحرفية عماله، يسعى لتوفير المنتجات على حسب كل موسم، إذا يقدم المناديل والمآزر صيفا، والجلابيب والمعاطف شتاء.
أما صوت المناسج المتناسق فيشكل معيارا ودليلا للحرفيين المهرة، الذين يركزون على طريقة الحياكة وطول الأثواب، فضلا عن تناسق الألوان.
ولهذا تجد، في أسواق مدينة الشاون، متسعا لمنتجات الأثواب التقليدية، ولا يفتر تجار المدينة في محاولة إقناع الزبائن والزوار بجمالية المنسوجات التقليدية وجودتها، وبعضهم يحرص على إظهار طريقة الحياكة داخل متجره ليرى الزبون بعينيه مراحل النسج من بدايتها إلى نهايتها.
أصالة وحداثةسكينة المنوري، شابة مغربية من الشاون لا تعمل في مكان مثل ورشة الفقيه، لكنها تحاول مزج أصالة "الدرازة" بحداثة الملابس الجاهزة، لتصبح صاحبة مصنع يعمل على نسج الملابس بالآلات العصرية، انطلاقا من أشكال المنتجات التقليدية وألوانها التي اشتهرت بها.
لجأت المنوري (30 عاما) لهذه الفكرة حينما لاحظت أن زبائن اليوم لم يعودوا كالأمس يهتمون كثيرا باقتناء المناديل التقليدية، رغم أنها تراث موريسكي جاء به الأندلسيون منذ أكثر من 500 عاما إلى منطقتها.
تقول إنها تحاول أن تلحق بركب التقنية عبر عرض منتجاتها إلكترونيا، إلا أن العملية تصطدم ببعض الصعوبات التي تحاول تذليلها.
الشابة تحاول أن تطور الصناعة التقليدية للمنطقة مع المحافظة على المواد الأولية وملامح المنسوجات، خاصة أن المنتجات الحديثة والمستوردة تفرض على الصناعة التقليدية تطوير أدوات عملها.
نساء الشاون المتقدمات بالسن لا يفارقن المنديل صيفا وشتاء، والرجال يرتدون المعاطف الصوفية المصنوعة محليا، فيما يرغب الشباب الجديد من هذه الصناعة التقليدية، وهو ما تحاول المنوري توفيره رغم التحديات.
وفي المقابل، تستمر بورشة "الفقيه" الآلات الخشبية لصناعة الأقمشة والأغطية الصوفية، في محاولة لمقاومة الزمن وإقناع الشبان بالالتحاق بركب حرفة الأجداد، حتى لا ينقطع وصل الحاضر بتراث الماضي.
المصدر
المصدر: الجزيرة
إقرأ أيضاً:
إهناسيا المدينة تواصل الكشف عن كنوزها الأثرية
استطاعت البعثة الأثرية المصرية التابعة للمجلس الأعلى للآثار بمنطقة إهناسيا المدينة بمحافظة بني سويف، برئاسة الدكتور محمد إبراهيم مدير عام منطقة آثار بني سويف، الكشف عن عدد من الاكتشافات الأثرية التي تُلقي مزيدًا من الضوء على الأهمية الدينية والحضارية للمدينة عبر العصور المصرية القديمة واليونانية والرومانية.
وشملت الاكتشافات العثور على كتلة حجرية معاد استخدامها تحمل نقشًا بارزًا لاسم الملك سنوسرت الثالث، يتضمن اسمي التتويج والميلاد، إلى جانب خرطوش آخر يحمل اسم المعبود “أوزير نا رف”، أحد المعبودات الرئيسية التي حظيت بالتقديس في إهناسيا خلال العصور المصرية القديمة والعصر البطلمي.
كما تم العثور عن امتدادات لبازيليكا رومانية، وبقايا معبد دوري قديم، بالإضافة إلى رأس تمثال نادر مصنوع من الرخام للمعبودة أفروديت، إلهة الحب والجمال عند الإغريق، فضلًا عن أجزاء من تماثيل جدارية وقوالب فخارية لسك العملات تعود للعصر الروماني.
وأكد السيد شريف فتحي وزير السياحة والآثار أن هذه الاكتشافات تمثل إضافة علمية وأثرية مهمة تسهم في إبراز القيمة التاريخية الكبيرة لمنطقة إهناسيا المدينة، وتعكس التنوع الحضاري والثقافي الذي شهدته مصر عبر العصور المختلفة.
وأكد على أن الوزارة تولي اهتمامًا كبيرًا بكافة المواقع الأثرية على مستوى الجمهورية، في إطار خطتها لرفع كفاءتها وتطويرها وفتح مواقع جديدة أمام الحركة السياحية، بما يسهم في تنويع المقاصد لمنتج السياحية الثفاقية.
ومن جانبه، أوضح هشام الليثي الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، أن الكشف عن خرطوش يحمل اسم الملك سنوسرت الثالث يعد من الاكتشافات المهمة، خاصة وأن هذا الملك ارتبط بعدد من المنشآت الأثرية المهمة في إهناسيا المدينة، ما يؤكد مكانتها المقدسة لدى المصري القديم واهتمام ملوك الدولة الوسطى بها.
وأشار إلى أن الكشف عن امتدادات البازيليكا الرومانية يوضح التطور المعماري والوظيفي لهذا الطراز المعماري، حيث استُخدمت البازيليكا في العصر اليوناني كمبنى عام للاجتماعات والأنشطة الإدارية والتجارية، قبل أن تتحول خلال العصر المسيحي المبكر إلى كنيسة لممارسة الشعائر الدينية والاجتماعات الكنسية.
وأضاف الأستاذ محمد عبد البديع رئيس قطاع الآثار المصرية القديمة بالمجلس الأعلى للآثار، أن الدراسة الأولية لبقايا المعبد الدوري القديم أظهرت أن عناصره المعمارية أُعيد استخدامها خلال القرن السادس الميلادي كأساسات وأرضيات حاملة لأعمدة البازيليكا، حيث قام منشئو البازيليكا بإعادة رص الأحجار والكتل الحجرية بصورة غير منتظمة لتكوين قاعدة قوية تتحمل الأوزان الضخمة للأعمدة، والتي يقدر وزن بعضها بنحو 45 طنًا، ولا تزال ثلاثة منها قائمة في مواضعها الأصلية حتى الآن.
وفيما يتعلق برأس تمثال أفروديت، أوضح أن التمثال يُعد من القطع الفنية النادرة، وهو مصنوع من الرخام ويبلغ قياسه نحو 24 × 25 سم، ويتميز بدقة التنفيذ وجمال التفاصيل الفنية التي تظهر ملامح الوجه والشعر المجعد بأسلوب يعكس السمات الفنية الكلاسيكية الشائعة في تماثيل المعبودات والشخصيات البارزة خلال تلك الفترة.
كما أشار الدكتور سامي درديري رئيس الإدارة المركزية لآثار مصر الوسطى، إلى أن بقايا التماثيل الجدارية المكتشفة، إلى جانب قوالب سك العملات الفخارية، تعكس مكانة المدينة خلال العصر الروماني واستمرار ازدهارها الحضاري والاقتصادي، لافتًا إلى أن البعثة تواصل حاليًا أعمال الدراسة والتأريخ العلمي لهذه المكتشفات.
ومن الجدير بالذكر أن إهناسيا المدينة تُعد من أهم المواقع الأثرية في مصر، إذ كانت عاصمة البلاد خلال عصري الأسرتين التاسعة والعاشرة، كما كانت عاصمة الإقليم العشرين من أقاليم مصر العليا، وحظيت بأهمية كبيرة خلال عصور الدولة الوسطى والحديثة والعصر الانتقالي الثالث، فضلًا عن ازدهارها خلال العصرين اليوناني والروماني، حين عُرفت باسم “هيراكليوبوليس ماجنا” أي “مدينة هرقل العظمى”.
وتأتي هذه الاكتشافات في إطار جهود المجلس الأعلى للآثار للكشف عن مزيد من أسرار الحضارة المصرية القديمة، وتعزيز الدراسات الأثرية والتاريخية بالمواقع المختلفة، بما يسهم في الحفاظ على التراث الثقافي المصري والترويج له عالميًا.