عربي21:
2026-07-24@09:43:51 GMT

مسرحية نيالا: حكومة قيد التأسيس

تاريخ النشر: 6th, September 2025 GMT

يبدو أن من يفكر للدعم السريع لا يقرأ من كتاب التاريخ، فمتى كان المتمرد حميدتي يمتلك مقومات الدولة؟ ولماذا لا يتعظ من مغامرته الموءودة في حكم السودان، وهو الذي كان عند بوابة القصر الجمهوري يستعد لقراءة بيان استلام السلطة صبيحة الخامس عشر من نيسان/ أبريل؟ فأين آل به الحال بعد عامين من المغامرة، من بوابة القصر الجمهوري إلى الظهور مضطربا في نيالا وهو يجتمع بحكومته المزعومة خارج السودان؟ وكيف لمهزوم أن يصبح دولة على أشلاء ودماء السودانيين؟

الهزيمة هنا ليست ميدانية فحسب، بل أخلاقية أيضا.

فقد هُزم الدعم السريع يوم قرر أن يحوّل منازل السودانيين إلى ثكنات عسكرية بعد طردهم منها، وسقط يوم ارتكب جنوده الانتهاكات الجسيمة وجرائم الحرب في الخرطوم والجزيرة وسنار، ويوم دفن الأحياء في الجنينة وقتل الأبرياء في الفاشر، ويوم دمّر البنية التحتية لدولة سودانية يتجاوز عمرها المائة عام.

فكيف يفكر حميدتي في حكم شعب أذاقه كل هذه الويلات؟ وكيف تراجع طموحه الجامح من رئاسة السودان من قلب الخرطوم إلى إدارة حكومة تبعد 900 كيلومتر غرب البلاد على مشارف الحدود مع الجنوب؟

إن كان حميدتي جادا فيما يقول، فكان عليه أن يسأل نفسه: ماذا استفاد من فظائعه المستمرة لعامين؟ ولماذا يقتل جنودُه الأبرياءَ ويوثقون جرائمهم ويبثونها للعالم دون أن يجرؤ أحد على إدانتهم؟ هذا هو السقوط الأخلاقي بعينه لمشروع حكم بدأ متشدقا بشعارات الديمقراطية والحكم المدني، ثم تحوّل إلى مجموعات منفلتة بلا قيادة، لا همّ لها سوى النهب والقتل. لم يجْنِ قائدهم سوى سخط الشعب السوداني ولعناته، وبعد دحرهم في معركة الكرامة، تراجع التمرد إلى حواضنه الاجتماعية، وتحول مشروع الحكم إلى إدارة انفصالية من عواصم الجوار، وعاصمتها الافتراضية نيالا، مسرح العبث الجديد.

لم يحدث في تاريخ الحركات الانفصالية في أفريقيا أن حركة قتلت شعبا أرادت أن تحكمه كما يفعل الدعم السريع بشعب السودان ودارفور على وجه الخصوص. فمن مجازر الجنينة إلى حصار الفاشر المتواصل، من لم يمت جوعا مات بآلة الدعم السريع العسكرية التي لا تميز بين المدني والعسكري ولا ترحم النساء والأطفال. وبعد كل ذلك يطلق الدعم السريع على حكومة نيالا اسم "حكومة السلام! سلام حميدتي الذي يدمر محطات المياه والكهرباء ويقتل المدنيين في كل مكان.

عندما تساءلت في مطلع المقال: من الذي يفكر للدعم السريع؟ كنت على يقين أن من يرعى هذا المشروع ألحق به هزيمة ساحقة سياسيا وعسكريا وأخلاقيا، وساهم في المقابل في توحيد الجبهة الداخلية خلف الجيش السوداني وقيادته المتمسكة بالقضاء على الدعم السريع، وهو المشروع الذي يمضي نحو غاياته في معارك كردفان ودارفور. أما سياسيا، فإن التمرد كفيل بإطلاق الرصاص على قدميه دون مساعدة أحد.

وبنظرة على تحالف "تأسيس" نراه تحالف الأضداد، فنائب رئيس التحالف عبد العزيز الحلو كان قد غادر مفاوضات سلام جوبا عام 2020 لأن حميدتي كان على رأس الوفد الحكومي المفاوض، انسحب الحلو يومها بحجة أنه لا يعترف به، فما الذي تغيّر اليوم حتى يقبل العمل تحت إدارته؟ ثانيا، يتبنى الدعم السريع خطاب محاربة دولة 56 والنظام السابق بذريعة أنهما حكومات النخب الشمالية التي همّشت دارفور، ثم يأتي بحليف مثل إبراهيم الميرغني، الوزير السابق في حكومة البشير وعضو الحزب الاتحادي الديمقراطي وأحد المؤسسين لدولة 56!

كما أن الحليف السياسي الآخر لحميدتي، المنشق عن قوى الثورة، كان من أشد المطالبين بذهاب العسكر إلى الثكنات، فإذا به اليوم ينصّب جنرالين من زعماء الحرب على قيادة المشهد باسم الهامش، مما يثبت أن تحالف "تأسيس" ليس سوى تحالف مصالح زُجّ بأطرافه تحت سقف واحد من قبل الرعاة والداعمين، دون أن تجمعهم رؤية سياسية مشتركة، بل إن ما يفرق بينهم أكثر مما يجمعهم. أضف إلى ذلك أن المجتمع الدولي غير متحمس لرعاية تجارب تقسيم جديدة تؤدي إلى دول فاشلة قائمة على (نزوات سياسية) لقادتها.

ألم يقرأ حميدتي قصة انفصال جنوب السودان؟ وكيف بدأ مشروع الراحل جون قرنق الذي حارب الجيش السوداني عقدين من الزمان ولم يتمكن من هزيمته؟ ولماذا فشل مشروعه المسمى "السودان الجديد"؟ وكيف تلاشت أحلامه في حكم السودان وتخلى الغرب عن سلفاكير بعد الانفصال؟

وأكثر تناقضات حميدتي أنه قال في خطابه الأول أمام شركائه: إن مهمتهم الأساسية تحقيق العدالة في الانتهاكات ورد المظالم منذ استقلال السودان. فهل هناك انتهاكات في تاريخ السودان أكبر مما ارتكبه الدعم السريع؟ ومتى يمثل زعيم "تأسيس" نفسه أمام العدالة؟

المصدر

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه قضايا وآراء حميدتي السودان حكومة السودان حكومة حميدتي قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء مقالات سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة مقالات صحافة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة الدعم السریع

إقرأ أيضاً:

الجار الذي لا يخالط جيرانه

أصبح الناس لا يهتمون كثيرًا بتوطيد علاقاتهم بجيرانهم، بل يحاولون وضع الحواجز المرتفعة التي تحجب عنهم الاحتكاك بمن حولهم، على الرغم من أننا ندرك بأن ليس كل الجيران "سيئين"، فالأغلب قد يكونون سندًا وعونًا لمن يستنجد بهم، لكن السؤال: لماذا لا يختلط البعض بجيرانهم كعلاقة اجتماعية بناءة؟

منذ أيام كان يتحدث لي أحد الزملاء عن سر القطيعة التي تغلب على بعض علاقته بجيرانه، سرد لي بعض المواقف التي حاول فيها إقامة علاقة ود معهم، لكن كل محاولاته باءت بـ"الفشل".

تحدث عن مساعيه، ثم عقد مقارنة بسيطة ما بين الطابع الغالب على الناس في المدينة والمناطق البعيدة، واعترف بأن أغلب القرى، أو لنقل المناطق والولايات، تؤسس معنى العائلة الواحدة بحكم أنهم أقرباء، ولذا فإن جسور التواصل الأسري ممتدة في جذورها، ولكن اختفاء هذا الأمر في المدينة لا بد أن له أسبابًا ومسببات، لكنه عاد ليتساءل عن نشوء حالة من عدم تقبل بعض الجيران الحديث مع جيرانهم.

أكد بأن البعض يعيش حالة الانعزال التام، ليس فقط على مستواه الشخصي، ولكن تمتد حتى إلى أطفاله وأفراد عائلته.

قال بأنه أمضى وقتًا طويلًا منذ أن أتى إلى المدينة في حقبة التسعينيات من القرن الماضي، ثم تنقل في أماكن عيش عديدة، لكنه استقر في مسكنه الحالي منذ أكثر من خمسة عشر عامًا، وحتى اليوم لا يعرف أسماء الأشخاص الذين يسكنون إلى جانبه، رغم أنها منازل لعائلات وليست شققًا يسكنها الغرباء فترة ويرحلون.

قال بأن الصدف هي من تجمعه ببعض جيرانه، البعض يرد عليه التحية، والبعض الآخر لا يعيره أي اهتمام!

لم أكن مستغربًا مما قاله، فحياة المدن كما أعلمها جيدًا لها طابعها المختلف عن القرى، لكن السؤال: لماذا ينفر الجيران من بعضهم البعض؟

في نظري، بعض الجيران في المدن يدركون بأنهم خليط تجمعوا في نقطة معينة، ولكل منهم ثقافته وسماته وأفكاره التي استمدها من طابع حياته الماضية، لذا يؤثرون عدم الاحتكاك بالآخرين.

أما البعض الآخر فيرى بأن مستواه الاجتماعي لا يسمح له بالتجانس مع الذين يسكنون إلى جانبه، حتى لا يسألوه في خدمة أو يثقلوا عليه في أمر، والنوع الآخر من الجيران يرى بأن من مقتضيات الخصوصية قطع أي علاقة إنسانية مع الجيران، لذا فهو لا يتداخل أو يتواصل معهم نهائيًا.

وسواء كانت النظرة الأولى أو الثانية أو الثالثة صحيحة، فإن الواقع يتحدث عن نظرة بعض الناس إلى بعضهم البعض، ليست بمستوى واحد، وهي ما تجعلهم لا يتقبلون فكرة الاختلاط مع الجيران أو التداخل على المستوى العائلي، وهذه النتيجة التي توصلت إليها ينفيها الكثير ممن تحدثت معهم حول هذه النقطة، والذين يؤكدون بأنه طبع في بعض البشر، يفضلون العزلة دون سواها.

زميل آخر طرح مبررًا مختلفًا، معتبرًا أن القطيعة في العلاقات ما بين الجيران ترجع إلى كثرة المشاغل اليومية لبعض الناس، وعدم وجود فرصة للالتقاء بالجيران أو التواصل معهم، ولكن هذه النظرة لم تقنعني كثيرًا، لأن الواقع الذي أعرفه من زملاء آخرين يؤكد بأنهم يلتقون بجيرانهم بشكل مستمر، حتى ولو على فترات متقطعة، حتى إن بعضهم يحرص على السؤال عن جيرانه إذا افتقد وجودهم في المكان.

من الملاحظ أن المناسبات الدينية لم تعد لها مكانة عند بعض الجيران، فمثلًا في رمضان لا يتبادلون الأطباق الرمضانية، فالكل متقوقع على نفسه، وكأنه يعيش في عالم منعزل، بينما العادات والتقاليد القديمة كانت تؤصل فكرة التزاور، وتبادل الأطعمة، والسؤال عن الجيران والاطمئنان عليهم بشكل دائم.

مقالات مشابهة

  • الكبد «الخط الدفاعي الأول».. تعرف على أهم وظائفه وكيف تحافظ عليه
  • إيران تحيّد حزب الله الذي لم يعد مخيفاً!
  • إيمان رجائي تكشف سر مد عرض مسرحية الملك لير يومين على مسرح بيرم التونسي
  • منظمات أممية: آلاف النازحين يعيشون ظروفا مأساوية في المخيمات بالسودان
  • الجار الذي لا يخالط جيرانه
  • وزير الدفاع السوداني: الجيش يحقق تقدماً في 3 ولايات والدعم السريع يعيش حالة تشظٍ
  • خبراء: تحركات إقليمية قد تعيد رسم مسار الحرب في السودان
  • لقاء سري في بريطانيا يجمع الإمارات بـالدعم السريع.. الخرطوم تحتج
  • مقتل 6 سودانيين بينهم طفلان بغارة على سوق شمالي كردفان
  • السودان.. انتقال القتال إلى الأُبَيِّض يفاقم المخاطر العسكرية والإنسانية