حكم استخدام الغناء والموسيقى في الإعلانات.. الإفتاء تجيب
تاريخ النشر: 6th, September 2025 GMT
تلقت دار الإفتاء المصرية سؤالا مضمونه: ما رأي الشرع في الغناء والموسيقى واستخدامها في الإعلانات المَرئيَّة والمَسمُوعة لِتَروِيج المُنتَجات الغذائية، وخصوصًا آلَات (الدرامز - الأكسيليفون - الطبلة)؟
وأجابت الإفتاء عن السؤال قائلة: إن ما عليه الفتوى هو أنَّ الضرب بالمَعازف والآلات ما هو إلَّا صوتٌ: حَسَنُه حَسَنٌ وقبيحُه قبيحٌ؛ فيجوز استعمالها وسَمَاعها بشرط اختيارِ الحَسَنِ، وعَدَمِ الاشتغالِ بما يُلهي عن ذكر الله تعالى أو يَجُرُّ إلى الفسادِ، أو يَتنافى مع الشرع الشريف؛ إذ ليس في كتاب الله تعالى ولا في سُنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ولا في معقولِهِما مِن القياس والاستدلال ما يَقتضي تحريمَ مُجَرَّدِ الأصواتِ المَوزُونةِ مع آلةٍ مِن الآلات.
أقوال العلماء في حكم سماع الموسيقى
واوضحت ان الموسيقى: عِلمٌ يُعرَف منه أحوالُ النَّغَم والإيقاعات، وكيفية تأليف اللُّحون، وإيجاد الآلَات، وتُطلَق كذلك على الصوت الخارج مِن آلات العَزف.
ومسألةُ سماع الموسيقى مسألةٌ خلافيةٌ فقهية، ليست مِن أصول العقيدة، وليست مِن المَعلوم مِن الدِّين بالضرورة، ولا ينبغي للمسلمين أن يُفسِّق بعضُهم بعضًا، ولا أن يُنكِر بعضُهم على بعضٍ بسبب تلك المسائل الخلافية؛ فإنما يُنكَر المُتفَقُ عليه، ولا يُنكَر المُختلَفُ فيه، وطالما أن هناك مِن الفقهاء مَن أباح الموسيقى -وهؤلاء مِمَّن يُعتَدُّ بقولهم ويجوز تقليدُهم- فلا يجوز تفريق الأمة بسبب تلك المسائل الخلافية، خاصةً وأنه لم يَرِد نَصٌّ في الشرع صحيحٌ صريحٌ في تحريم الموسيقى، وإلا ما ساغ الخلافُ بشأنها.
وعُمدةُ القائلين بالتحريم -وهُم الجمهور- ظواهِرُ بعض الآيات القرآنية الكريمة التي حمَلَها جماعةٌ مِن المُفسِّرين على الغناء والمَزَامير؛ كقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا﴾ [لقمان: 6]، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: 3]، وقوله تعالى: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ [الإسراء: 64].
ومِن السُّنة حديثُ أبي عامرٍ أو أبي مالكٍ الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ وَالْحَرِيرَ وَالْخَمْرَ وَالْمَعَازِفَ» رواه البخاري في "الصحيح" مُعَلَّقًا.. إلى غير ذلك مِن الأحاديث في هذا المعنى.
وذهب كثيرٌ مِن المُحقِّقين مِن أهل العلم -مِن الصحابة فمَن بَعدَهم- إلى أنَّ الضرب بالمَعازف والآلات ما هو إلَّا صوتٌ: حَسَنُه حَسَنٌ وقبيحُه قبيحٌ، وأنَّ الآيات القرآنية ليس فيها نهيٌ صريحٌ عن المَعازف والآلات المشهورة، وأن النهي في حديث البخاري إنما هو عن المجموع لا عن الجميع؛ أي: أن تَجتمعَ هذه المُفرداتُ في صورةٍ واحدة، والحِرُ هو الزنا، والحرير مُحرَّمٌ على الرجال؛ فالمقصود النهي عن التَّرَف وليس المقصودُ خُصوصُ المَعازف، وقد تَقرَّر في الأصول أنَّ الاقتِرانَ ليس بحُجَّةٍ، فعَطفُ المَعازف على الزنا ليس بحُجَّةٍ في تحريم المَعازف، وأنَّ الأحاديثَ الأخرى منها ما لا يَصحُّ، ومنها ما هو مَحمولٌ على ما كان مِن المَعازف مُلهِيًا عن ذِكر الله أو كان سببًا للفواحش والمُحرَّمات، فالصحيح منها ليس صريحًا، والصريح منها ليس صحيحًا.
وهذا مذهب أهل المدينة، وهو مَروِيٌّ عن جماعةٍ مِن الصحابة: كعبدِ الله بن عُمر وعبدِ الله بنِ جعفر وعبدِ الله بنِ الزُّبَير وحسَّانِ بنِ ثابتٍ ومُعاوِيَة وعَمرو بنِ العاص رضي الله عنهم، ومِن التابعين: القاضي شريح وسعيد بن المسيب وعطاء بن أبي رباح والزهري والشعبي وسعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف -وكان لا يُحدِّث حديثًا حتى يَضرِب بالعُود- وغيرهم.
قال الإمام الشوكاني في "نيل الأوطار" (8/ 113، ط. دار الحديث): [نَقَل الأثباتُ مِن المُؤَرِّخين أنَّ عبدَ الله بنَ الزُّبَير رضي الله عنهما كان له جَوَارٍ عوَّادَاتٌ -أي: يَضربن بالعُود- وأنَّ ابن عمر رضي الله عنهما دَخَل عليه وإلى جَنْبِه عُودٌ، فقال: ما هذا يا صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ فناوَلَه إياه، فتَأمَّلَه ابنُ عمر فقال: هذا مِيزانٌ شامي، قال ابنُ الزبير: يُوزَن به العقول] اهـ.
وعلى هذا المذهب ابنُ حزمٍ وأهلُ الظاهرِ وبعضُ الشافعيةِ ومنهم الشيخُ أبو إسحاق الشيرازي والقاضيان: الماوردي والروياني والأستاذُ أبو منصور عبدُ القاهر بنُ طاهر التميمي البغدادي والرافعيُّ وحُجَّةُ الإسلامِ الغزاليُّ وأبو الفضل ابنُ طاهر القيسراني والإمامُ عزُّ الدِّين بنُ عبد السلام وشيخُ الإسلام تقيُّ الدِّين بنُ دقيق العيد وعبدُ الغني النابلسي الحنفي.. وغيرُهم.
ونوهت انه قد صَنَّف في إباحة الآلات والمَعازف جماعةٌ مِن أهل العِلم: كابن حزم الظاهري في رسالته في السماع، وابن القيسراني في كتاب "السماع"، والأدفوي في "الإمتاع بأحكام السماع"، وأبي المواهب الشاذلي المالكي في "فرح الأسماع برخص السماع"، وغيرهم كثير.
ومِمَّن صَرَّح بإباحة الآلات والمَعازف حُجَّةُ الإسلام الغزاليُّ رحمه الله؛ حيث قال في "إحياء علوم الدين" (2/ 287، ط. دار المعرفة): [واللَّهوُ مُعِينٌ على الجِدِّ، ولا يَصبِرُ على الجِدِّ المَحضِ والحَقِّ المُرِّ إلَّا نُفُوسُ الأنبياء عليهم السلام، فاللَّهوُ دواءُ القلب مِن داءِ الإعياءِ والملال، فينبغي أن يكون مُباحًا، ولكن لا ينبغي أن يستكثر منه، كما لا يستكثر مِن الدواء.
فإذًا اللَّهوُ على هذه النية يَصيرُ قُربَةً، هذا في حق مَن لا يُحرِّكُ السَّمَاعُ مِن قلبه صفةً محمودةً يطلب تحريكها، بل ليس له إلَّا اللَّذَّةَ والاستراحةَ المَحضَةَ، فينبغي أن يُستحَبَّ له ذلك ليتوصل به إلى المقصود الذي ذَكَرناه، نعم هذا يَدُلُّ على نقصانٍ عن ذروة الكَمَال؛ فإنَّ الكاملَ هو الذي لا يحتاج أن يُرَوِّح نفْسَه بغير الحق، ولكن حسنات الأبرار سيئات المقربين، ومَن أحاط بعِلم علاج القلوب ووجوه التلَطُّف بها لسياقتها إلى الحق، عَلِم قطعًا أنَّ ترويحَها بأمثال هذه الأمور دواءٌ نافعٌ لا غِنَى عنه] اهـ.
وكذلك سلطان العلماء العز بن عبد السلام، نُقِل عنه أن الغناء بالآلات وبدونها قد يكون سببًا لصلاح القلوب، فقال: الطريق في صلاح القلوب يكون بأسباب من خارج؛ فيكون بالقرآن، وهؤلاء أفضل أهل السماع، ويكون بالوعظ والتذكير، ويكون بالحداء والنشيد، ويكون بالغناء بالآلات المختلف في سماعها كالشبابات، فإن كان السامع لهذه الآلات مُستَحِلًّا سماعَ ذلك فهو مُحسِنٌ بسماع ما يحصل له مِن الأحوال وتاركٌ لِلوَرَع لِسَمَاعِه ما اختُلف في جوازِ سَمَاعِه اهـ. نقلًا عن "التاج والإكليل" للعبدري المالكي (2/ 363، ط. دار الكتب العلمية).
وقال الشيخُ ابنُ القَمَّاح: سُئِل الشيخ عِزُّ الدِّين بنُ عبد السلام عن الآلات كلها، فقال: مُباح، فقال الشيخُ شرفُ الدِّين التلمساني: يريد أنه لم يَرِد دليلٌ صحيحٌ مِن السُّنة على تحريمه -يُخاطِب بذلك أهل مصر- فسَمِعَه الشيخُ عِزُّ الدِّين، فقال: لا، أَرَدْتُ أنَّ ذلك مُباح. اهـ نقلًا عن "فرح الأسماع برخص السماع" للإمام أبي المواهب الشاذلي (ص: 73، ط. الدار العربية للكتاب). ونقل القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" (14/ 54، ط. دار الكتب المصرية) قول القشيري: [ضُرِب بين يَدَي رسولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم يومَ دَخَل المدينةَ، فَهَمَّ أبو بكرٍ بالزَّجرِ، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم: «دَعْهُنَّ يا أبا بكر؛ حتى تَعلَم اليهودُ أنَّ دِينَنَا فَسِيح»، فَكُنَّ يَضرِبنَ ويَقُلْنَ: نحن بنات النجار، حَبَّذَا محمد مِن جار]، ثم قال القرطبي: [وقد قيل: إنَّ الطَّبل في النكاح كالدُّفّ، وكذلك الآلات المُشهِرة للنكاح يجوز استعمالها فيه بما يَحسُنُ مِن الكلام ولم يَكُن فيه رَفَث] اهـ.
ونقل الشوكاني في "نيل الأوطار" (8/ 118) في باب: (ما جاء في آلة اللَّهو أقوالَ المُحرِّمين والمُبِيحِين)، وأشار إلى أدلة كُلٍّ مِن الفريقين، ثم عَقَّب على حديث: «كُلُّ لَهْوٍ يَلْهُو بِهِ الْمُؤْمِنُ فَهُوَ بَاطِلٌ إلَّا ثَلاثَةٌ: مُلَاعَبَةُ الرَّجُلِ أَهْلَهُ، وَتَأْدِيبُهُ فَرَسَهُ، وَرَمْيُهُ عَنْ قَوْسِهِ» بقول حُجَّةِ الإسلام الغزاليّ: [قلنا: قولُه صلى الله عليه وآله وسلم: ((فهو باطل)) لا يَدُلُّ على التحريم، بل يَدُلُّ على عَدَمِ فائدة] اهـ، ثم قال الشوكاني: [وهو جوابٌ صحيحٌ؛ لأنَّ ما لا فائدةَ فيه مِن قِسمِ المُباح] اهـ، وساق أدلةً أخرى في هذا الصدد، مِن بينها حديثُ مَن نذَرَت أن تَضربَ بالدُّفِّ بين يَدَي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم- إن رَدَّه اللهُ سالمًا مِن إحدى الغزوات، وقد أَذِن لها رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم بالوفاء بالنذر والضربِ بالدُّفّ. رواه الترمذيُّ وصحَّحَه مِن حديث بريدة رضي الله عنه، فالإذن منه يَدُلُّ على أنَّ ما فَعَلَتْهُ ليس بمعصيةٍ في مثل ذلك المَوطن، وأشار الشوكاني إلى رسالة عنوانها "إبطال دعوى الإجماع على تحريم مُطلَق السماع".
وقال الإمام ابنُ حزمٍ في "المحلَّى" (7/ 567، ط. دار الفكر): [إنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى». فمَن نوى باستماع الغناء عونًا على معصية الله تعالى فهو فاسق، وكذلك كُلُّ شيءٍ غير الغناء، ومَن نوى به ترويحَ نفْسِه ليَقوَى بذلك على طاعة الله عز وجل ويُنَشِّطَ نفْسَه بذلك على البِرِّ فهو مُطيعٌ مُحسِن، وفِعلُه هذا مِن الحق، ومَن لم يَنْوِ طاعةً ولا معصيةً، فهو لَغْوٌ مَعْفُوٌّ عنه؛ كخروجِ الإنسان إلى بُستانه مُتَنَزِّهًا، وقُعُودِه على بابِ دارِه مُتَفَرِّجًا، وصباغِه ثوبَه لازُورْدِيًّا أو أخضر أو غير ذلك، ومَدِّ ساقِه وقَبضِها وسائر أفعاله] اهـ.
المصدر
المصدر: صدى البلد
كلمات دلالية: أقوال العلماء في حكم سماع الموسيقى الموسيقى سماع الموسيقى الله صلى الله علیه وآله وسلم ه صلى الله علیه وآله وسلم سماع الموسیقى رضی الله عنه الله بن م ن الم
إقرأ أيضاً:
الخرف الرقمي.. هل تضعف الهواتف الذكية ذاكرتنا؟
هل أصبحت ذاكرتنا أقل كفاءة لأن الهواتف الذكية تتذكر كل شيء نيابة عنا؟ كشفت دراسة أُجريت عام 2007 في كلية ترينيتي بدبلن أن ربع المشاركين الذين تقل أعمارهم عن 30 عاما لم يتمكنوا من تذكر رقم هاتفهم الأرضي دون الرجوع إلى أجهزتهم المحمولة، بينما عجز ثلثاهم عن تذكر تواريخ ميلاد أفراد عائلاتهم.
وفي المقابل، استطاع 87% من المشاركين الذين تجاوزت أعمارهم 50 عاما تذكر أرقام الهواتف وأعياد الميلاد بسهولة. ويشير الباحث الرئيسي للدراسة، إيان روبرتسون، إلى أن هذه النتائج قد تعكس تراجع اعتماد الأجيال الأصغر سنا على ذاكرتها، مع تزايد اعتمادها على التكنولوجيا.
وقد دفع هذا التحول في أسلوب حياتنا الرقمية الباحثين إلى دراسة تأثير استخدام التكنولوجيا في القدرات الإدراكية، ليظهر مصطلح "الخرف الرقمي" في بعض الدراسات لوصف التراجع المحتمل في بعض الوظائف الذهنية المرتبط بالإفراط في استخدام الأجهزة الرقمية.
ما المقصود بالخرف الرقمي؟يشير الخرف إلى تراجع القدرات العقلية، مثل الذاكرة والتفكير واللغة، نتيجة تغيرات تصيب الدماغ، ويعد من أكثر الأمراض شيوعا بين كبار السن.
أما مصطلح "الخرف الرقمي" (Digital Dementia)، فيستخدم لوصف التراجع المحتمل في بعض الوظائف الإدراكية نتيجة الاعتماد المفرط على الهواتف الذكية، والأجهزة اللوحية، والساعات الذكية، وأجهزة الكمبيوتر، وغيرها من الوسائل الرقمية. وقد صاغ هذا المصطلح لأول مرة عالم الأعصاب الألماني مانفريد سبيتزر في كتابه "الخرف الرقمي" الصادر عام 2012، والذي حذر فيه من مخاطر الاعتماد المفرط على التكنولوجيا وتأثيره في كفاءة الدماغ.
ورغم أن "الخرف الرقمي" ليس تشخيصا طبيا معترفا به، فإن خبراء الأعصاب يحذرون من الإفراط في الاعتماد على الأجهزة الرقمية. وفي هذا السياق، شبّه آدم غرين، أستاذ علم الأعصاب بجامعة جورج تاون، في تصريح لـ"بي بي سي"، الاعتماد على ذاكرة الهاتف الذكي بقوله: "الأمر أشبه بوجودك في صالة الألعاب الرياضية بينما يقوم روبوت برفع الأثقال نيابة عنك"، في إشارة إلى أن الدماغ، شأنه شأن العضلات، يحتاج إلى التدريب المستمر للحفاظ على كفاءته.
يرى خبراء الأعصاب أن التكنولوجيا غيّرت طريقة تعاملنا مع المعلومات، فبدلا من محاولة تذكر الأسماء أو الاتجاهات أو غيرها من التفاصيل، أصبحنا نعتمد بصورة متزايدة على الهواتف الذكية، ومحركات البحث، ونظام تحديد المواقع العالمي (GPS).
إعلانويحذر الخبراء من أن هذه التسهيلات، رغم ما توفره من سرعة وسهولة، قد تقلل من الفرص التي يحصل عليها الدماغ لممارسة وظائفه الإدراكية، مثل التذكر، والتركيز، واسترجاع المعلومات. ويرون أن انخفاض النشاط الذهني المرتبط بالإفراط في استخدام التكنولوجيا قد يضعف كفاءة بعض المسارات العصبية، وهو ما قد يزيد من احتمالات التدهور المعرفي بمرور الوقت.
وتدعم بعض الأبحاث الحديثة هذه المخاوف، فقد أشارت دراسة نشرت عام 2022 في مجلة علم الأعصاب التكاملي إلى أن الإفراط في استخدام الشاشات خلال مراحل نمو الدماغ قد يزيد من خطر الإصابة بمرض ألزهايمر وأنواع أخرى من الخرف في مراحل لاحقة من الحياة.
كما لاحظ الباحثون أن بعض التأثيرات المرتبطة بالاستخدام المفرط للشاشات تشبه أعراض المراحل المبكرة من الخرف والضعف الإدراكي لدى كبار السن مثل تراجع التركيز وضعف تكوين الذكريات الجديدة أو استرجاع المعلومات.
وتشير تقديرات الدراسة إلى أن معدلات الإصابة بالخرف قد ترتفع من 4 إلى 6 أضعاف بحلول عام 2060 بين مواليد ما بعد عام 1980 من جيل الألفية وجيل زد، وهو ما قد يفرض تحديات صحية واقتصادية متزايدة مع تقدم هذه الأجيال في العمر.
أعراض الخرف الرقميوفقا لموقع "هيلث لاين" ومصادر طبية أخرى، لا يشير الخرف الرقمي إلى مرض محدد، بل إلى مجموعة من التغيرات الإدراكية التي قد ترتبط بالإفراط في استخدام الأجهزة الرقمية، ومن أبرزها:
مشكلات الذاكرة: مثل صعوبة الاحتفاظ بالمعلومات الجديدة، أو نسيان مكان الأغراض، أو سبب دخول غرفة، أو حتى فتح تطبيق على الهاتف ثم نسيان سبب فتحه.
نقص الانتباه: نتيجة التعرض المستمر للإشعارات والتدفق المتواصل للمحتوى الرقمي، ما يجعل التركيز على مهمة واحدة لفترة طويلة أكثر صعوبة.
تراجع مهارات حل المشكلات: فمع سهولة الوصول إلى الإجابات عبر الإنترنت، قد يقل اعتماد الدماغ على التحليل والاستنتاج. وفي مراجعة علمية نُشرت عام 2023، وجد الباحثون أن الإفراط في استخدام الشاشات قد يرتبط بتراجع بعض الوظائف التنفيذية والذاكرة العاملة، خاصة لدى الأطفال والمراهقين.
ضعف الذاكرة المكانية: فقد يؤدي الاعتماد المستمر على تطبيقات الخرائط ونظام تحديد المواقع العالمي (GPS) إلى تراجع القدرة على تذكر الطرق والاتجاهات، حتى عند تكرار زيارة المكان نفسه
هل كل وقت الشاشة سيء؟الإجابة: لا. فليست جميع ساعات استخدام الشاشات متشابهة في تأثيرها على الدماغ، إذ يميّز الباحثون بين نوعين من الاستخدام:
الاستخدام النشط: كالتعلم، والإبداع، وألعاب حل المشكلات، والتواصل الهادف مع الآخرين.
الاستخدام السلبي: كالتصفح العشوائي بلا هدف، ومشاهدة المحتوى لفترات طويلة دون أي تفاعل ذهني حقيقي.
وتؤكد هذه الفكرة دراسة نُشرت عام 2022، توصلت إلى أن قضاء وقت أطول في أنشطة "خاملة معرفيا" (لا تستدعي مجهودا ذهنيا) ارتبط بارتفاع خطر الإصابة بالخرف، بينما ارتبطت الأنشطة التي تتطلب تفاعلا ذهنيا، مثل استخدام الحاسوب لأغراض التعلّم، بانخفاض هذا الخطر.
مما يشير إلى أن المشكلة ليست في الشاشة نفسها، بل في كيفية استخدامها.
يوصي الخبراء باتباع عادات صحية تحافظ على نشاط الدماغ، من بينها:
إعلانامنح عقلك فرصة للتذكر: قبل اللجوء إلى محرك البحث أو هاتفك، حاول تذكر المعلومة بنفسك.
قلل وقت الشاشات: خصص أوقاتا محددة لاستخدام الهاتف والتطبيقات، وخذ فترات راحة منتظمة بعيدا عن الشاشات، مع تجنب التصفح العشوائي والمستمر لوسائل التواصل الاجتماعي.
قلل مصادر التشتيت: أوقف الاشعارات غير الضرورية وركز على أداء مهمة واحدة في كل مرة بدلا من التنقل المستمر بين التطبيقات.
مارس أنشطة تحفز الدماغ: مثل قراءة الكتب الورقية أو العزف على آلة موسيقية ولعب الشطرنج وألعاب الطاولة وحل الألغاز.
حافظ على نمط حياة صحي: انتظم في ممارسة الرياضة وتناول غذاء متوازنا واحصل يوميا على قسط كاف من النوم.
استخدم التكنولوجيا بوعي: اجعل الأجهزة وسيلة للتعلم أو العمل والإنتاج، وليس وسيلة للاستهلاك السلبي للمحتوى.