الأسبوع:
2026-07-24@13:44:23 GMT

الوطنية بين الجغرافيا والضمير

تاريخ النشر: 16th, October 2025 GMT

الوطنية بين الجغرافيا والضمير

يقودنا هذا العنوان إلى سؤالٍ فلسفيٍّ عميق: ما هي الوطنية في زمننا هذا؟

أهي مجرد انتماءٍ عاطفيٍّ إلى رقعةٍ جغرافيةٍ تُرسَم حدودُها بالخرائط وتُدافِع عنها الجيوش؟ أم هي التزامٌ أخلاقيٌّ وفكريٌّ ببناء الإنسان والمكان معًا، دون أن تكون الوطنِيّة شعارًا يُرفَع في المناسبات الانتخابية أو صدى يُكرَّر في الخُطب المكرورة منذ ثورة 1919 حتى يومنا هذا؟

لقد تحوّلت الوطنية في وعينا الجمعي إلى كلمةٍ ثقيلةٍ من فرط الاستخدام، كلمةٍ فقدت بريقها الأصلي حين كانت تخرج من أفواه الثوّار والفلاحين والطلبة في الشوارع والميادين، لا من أفواه المترشّحين على المنصّات.

في زمن سعد زغلول، كانت الوطنية موقفًا وجوديًا قبل أن تكون شعارًا سياسيًا، كانت فعل مقاومةٍ ضدّ الاحتلال، وصوت الضمير الجمعي الذي قال: تحيا الأمة، أمّا اليوم، فصارت الوطنية ورقةً يُلوَّح بها كل من أراد مجدًا أو مقعدًا أو حصانة.

لكن الوطن، في جوهره، ليس ورقةَ اقتراعٍ ولا نشيدًا في الطابور الصباحي، بل هو حالة وعيٍ متجذّرة في القلب والعقل معًا.

الوطنية هي أن تُدرِك معنى التراب الذي تمشي عليه، والعرق الذي سقاه أجدادُك، وأن تُكمِل البناء لا أن تهدمه بشعاراتٍ زائفة. إنها ليست حنينًا إلى الماضي، بل مسؤوليةٌ تجاه المستقبل.

في الجغرافيا يُقال: إن الوطن هو المكان الذي تلتقي فيه حدود الأرض بحدود الذاكرة.

وفي السياسة، هو الكيان الذي يضمن الحقوق ويصون الكرامة.

أمّا في الفلسفة، فالوطن هو المعنى الذي يمنح الإنسان سببًا ليبقى.

هذه الثلاثية - الأرض، الدولة، المعنى إن اختلّ أحد أضلاعها، سقطت الوطنية في فخّ التبعية أو الاغتراب.

لقد تغيّر مفهوم الوطنية بتغيّر الأزمنة، كانت في الماضي صراعًا بين المستعمِر والمستعمَر، بين السلاح والكلمة. واليوم، أصبحت صراعًا من نوعٍ آخر: بين الوعي والفراغ، بين من يبني الوطن ومن يبيعه.

فالعدوّ لم يعُد دائمًا يأتي من وراء الحدود، بل من داخل النفوس التي فرّغت الانتماء من معناه.

حين نتأمل خريطة العالم العربي بعد قرنٍ من ثورة 1919، نجد أن الجغرافيا ثابتة، لكن الوعي الوطني أصبح متشظّيًا.

هناك من يرى الوطن في الزعيم، ومن يراه في القبيلة، ومن يراه في الدين، ومن لا يراه في شيءٍ على الإطلاق.

وبين هؤلاء جميعًا تضيع الفكرة الأصلية: أن الوطن ليس ملكًا لأحد، بل مسؤولية الجميع.

الوطن ليس هويةً جامدة، بل كائنٌ حيٌّ يتنفّس بقدر ما نمنحه من صدقٍ وعدل.

والوطن الذي يعلو فيه صوت القهر على صوت القانون، لا يمكن أن يُنبت وطنيين.

والوطن الذي تُختزَل فيه المواطنة إلى بطاقة رقم قومي أو نشيدٍ يُذاع قبل الأخبار، لا يصنع إلا جموعًا بلا وعي.

الوطنية ليست كلماتٍ تُقال، بل فعلٌ مستمرٌّ ضدّ القبح والظلم والتهميش.

الانتخابات الحالية - مثل كل استحقاقٍ سياسي - تُعيد طرح السؤال من جديد:

هل نحن ننتخب من أجل الوطن، أم نستخدم الوطن لتبرير الانتخاب؟

كثيرون يرفعون اللافتات ويتحدثون باسم “المصلحة الوطنية”، بينما الواقع يشهد أن الوطنية أصبحت سلعةً انتخابية تُباع على الأرصفة الإعلامية.

لا نحتاج إلى من “يدّعي حبّ الوطن”، بل إلى من “يُتقن خدمته”.

فالوطنية ليست في الصور والابتسامات أمام الكاميرات، بل في العمل الصامت، في إنقاذ قريةٍ من العطش، أو طفلٍ من الجهل، أو عاملٍ من الفقر.

الوطن ليس في الخرائط وحدها، بل في العيون التي تلمع حين يُذكَر اسمه، في المزارع الذي يصحو قبل الفجر، في المعلمة التي تزرع الأمل في عقل طفلٍ صغير، في الطبيب الذي يسهر في المستشفى الحكومي دون انتظار مكافأة.

هؤلاء هم من يصنعون الوطنية الحقيقية، لا من يتحدثون عنها في البرامج الانتخابية.

وفي المقابل، لا ينبغي أن تتحوّل الوطنية إلى عصا تُهشّ بها السلطة على المعارضين، ولا إلى بطاقة “حسن سلوك” يمنحها الإعلام لمن يرضى.

الوطنية لا تُقاس بالولاء للحاكم، بل بالولاء للحقّ والعدل.

ومن يعارض الظلم حبًّا في وطنه، أكثر وطنيةً ممن يصمت خوفًا أو طمعًا.

إننا بحاجة إلى إعادة تعريف الوطن، لا في كتب الجغرافيا، بل في ضمائرنا.

فالوطن ليس فقط مساحة الأرض، بل مساحة الأخلاق المشتركة التي تجمعنا.

وحين تتآكل القيم، تتفتت الجغرافيا من داخلها، وحين نكذب باسم الوطنية، نفقد القدرة على بنائها من جديد.

فليكن الانتماء إذن فعلًا لا قولًا، ولتكن الوطنية عهدًا لا شعارًا.

نحن لا نحتاج إلى وطنٍ أكبر، بل إلى وطنيين أنقى.

فالوطن لا يُبنى بالأغاني والخُطب، بل بعرقٍ نزيهٍ وضميرٍ حيٍّ، وبإيمانٍ بأن كل لبنةٍ في هذا التراب هي من نصيبنا جميعًا.

وربما آن الأوان أن نسأل أنفسنا بصراحة:

هل نحب الوطن حقًّا، أم نحب ما يمنحنا إياه من امتيازات؟

هل نحافظ عليه لأننا نخاف عليه، أم لأننا نخاف من فقدانه؟

الوطن ليس ما نقوله في العلن، بل ما نفعله في الخفاء حين لا يرانا أحد.

تلك هي الوطنية الحقيقية، وتلك هي الجغرافيا التي لا تُرسَم بالخرائط، بل تُكتَب في القلب.. .!! (كاتب وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية)

اقرأ أيضاًرئيس جامعة حلوان: نصر أكتوبر ليس فقط حدث تاريخي بل درس خالد فى الإرادة والعزة الوطنية

محمد العدل ينتقد تغيير لحن «اسلمي يا مصر»: تشويه لذاكرتنا الوطنية

المصدر

المصدر: الأسبوع

كلمات دلالية: الوطنية الجغرافيا الرقعة الجغرافية ثورة 1919 الوطن لیس

إقرأ أيضاً:

فرقة الشرقية للفنون الشعبية تشارك في الدورة الـ 40 من مهرجان جرش بالأردن

تحت شعار «أرث يمتد.. أجيال تلتقي» تشارك فرقة الشرقية للفنون الشعبية في فعاليات الدورة الـ 40 من مهرجان جرش في دورته الـ 40 للثقافة والفنون في الأردن، احتفاء بالإبداع الفني وصون التراث وتعزيز التبادل الثقافي، وذلك برعاية الدكتور عبد العزيز قنصوة وزير التعليم العالي والبحث العلمي والقائم بأعمال وزير الثقافة.

وتأتي مشاركة فرقة الشرقية للفنون الشعبية في إطار التعاون بين الهيئة العامة لقصور الثقافة والإدارة المركزية للعلاقات الثقافية الدولية، وتنفذ من خلال الإدارة المركزية للشئون الفنية برئاسة الفنان أحمد الشافعي.

وتقدم فرقة الشرقية للفنون الشعبية بقيادة المدرب أحمد واصف، مجموعة من الفقرات الفلكلورية المستلهمة من التراث الشعبي المصري، والأخرى المعبرة عن البيئة الشرقاوية، بالمسرح الشمالي لمدينة جرش الأثرية، وتستمر حتى بعد غد الأحد 26 يوليو.

وتعد فرقة الشرقية للفنون الشعبية واحدة من أعرق الفرق الفنية التابعة لهيئة قصور الثقافة، إذ تأسست عام 1968، وتقدم التراث الشرقاوي من خلال عدة رقصات تجسد العادات والتقاليد بالمحافظة، منها: الفرح الشرقاوي، الحصان، الشمعدان، العصا، عرب الشرقية، السقايين، السبوع.

وشاركت الفرقة في العديد من المهرجانات الدولية، وحصدت العديد من الجوائز، من بينها الميدالية الفضية في مهرجان ديجون بفرنسا، والمركز الأول في مهرجان بورجاس ببلغاريا، والميدالية الذهبية في كوريا الجنوبية، إلى جانب دروع التميز في بلغاريا، وبلجيكا، واليابان، وغيرها.

ويعتبر مهرجان جرش للثقافة والفنون أحد أبرز الفعاليات الثقافية في الوطن العربي، ويقام سنويا في المدينة الأثرية بجرش، منذ عام 1981.

ويشهد المهرجان هذا العام أكثر من 220 فعالية ثقافية وفنية تستمر حتى 2 أغسطس المقبل، وتتنوع بين الحفلات الغنائية والموسيقية، والمعارض الفنية، وأنشطة الأطفال، والعروض المسرحية، والألعاب الضوئية، إلى جانب مشاركة عدد من الفرق الفنية، ونجوم من مختلف أنحاء الوطن العربي.

مقالات مشابهة

  • فرقة الشرقية للفنون الشعبية تشارك في الدورة الـ 40 من مهرجان جرش بالأردن
  • ما الذي نعرفه عن أحداث بلدة تل في نابلس بالضفة الغربية؟
  • مفاجأة جديدة في صفقة محمد صلاح.. ما الذي حدث داخل مفاوضات بشكتاش؟
  • إيران تحيّد حزب الله الذي لم يعد مخيفاً!
  • محمد صالح: ثورة 30 يونيو امتداد للإرادة الوطنية التي عبرت عنها ثورة يوليو
  • البابا تواضروس: أطفال مصر بذور المستقبل.. وغرس الانتماء يبدأ من الصغر
  • شمس البارودي: عمر الوحيد من أبنائي الذي أحب مهنة والده حسن يوسف
  • الجيش الأوكراني يحصل على قائد جديد.. من هو الجنرال الذي يراهن عليه زيلينسكي؟
  • ذكرى النهضة.. ووجع الغياب
  • الجار الذي لا يخالط جيرانه