السودانيون يحيون ذكرى أكتوبر بين أنقاض الحرب وتطلعات السلام
تاريخ النشر: 21st, October 2025 GMT
يستعيد السودانيون ذكرى ثورة 21 أكتوبر 1964 التي أسقطت أول حكم عسكري، بينما يعيشون اليوم حربًا مدمّرة بين الجيش والدعم السريع، أعادت سؤال الحرية والسلام إلى الواجهة..
التغيير: كمبالا
تمرّ على السودانيين اليوم ذكرى ثورة 21 أكتوبر 1964، الثورة الشعبية التي أسقطت أول نظام عسكري في البلاد عبر الهتاف والإرادة الجماهيرية، وأرست مبدأ أن قوة الشعب تفوق سطوة الدبابة.
لكن الذكرى تحلّ هذا العام وسط واقع مختلف تمامًا؛ فالسودان يعيش حربًا مدمّرة بين الجيش وقوات الدعم السريع، تسببت في تشريد الملايين وأغرقت المواطنين في دوامة الخوف واليأس، لتعود ذكرى أكتوبر هذا العام محمّلة بمشاعر الحنين إلى الحرية المفقودة، والتساؤل عن مستقبل وطن أنهكته الصراعات.
تفاعل واسعوعلى الرغم من ذلك لم تغيب روح الثورة عن ذاكرة السودانيين إذ شهدت مواقع التواصل الإجتماعي تفاعلا واسعا في هذه الذكرى التي أعادت إلى الأذهان شعارات الحرية و السلام و العدالة مؤكدة أن الحرب ستتوقف و أن ثورة ديسمبر ما زالت مستمرة بروحها و إن غابت عن الشوارع و الميادين .
وكتب الناشط محمد عوض في تدوينة بمناسبة الذكرى قائلاً إن هذه المناسبة “تاريخية وتمثل نضالاً مستمرًا وتواصلاً لتضحيات أبناء ديسمبر الذين استُشهدوا في الحرب وقبلها”.
وأضاف عوض أن “كل شهيد سال دمه في هذه البلاد كان يحلم برؤية السودان متقدمًا وخاليًا من النظام البائد والانتهازيين”، مؤكدًا أن “ديسمبر هي الصح”، على حد تعبيره.
أما محمد خليل، فكتب في تدوينة أخرى أن “الثورة لا تكتمل إلا حين تتحول إلى مؤسسات تحمي الناس وتضمن العدالة”، موضحًا أن 21 أكتوبر في بعده الرمزي يمثل تذكيرًا بقدرة الشعب على الانتفاض، لكنه في الوقت ذاته “إنذار بأن الانتفاض وحده غير كافٍ”، مضيفًا: “لابد من بناء عقد اجتماعي جديد ينقلنا من لحظة الثورة إلى أفق الدولة، من الهتاف الجماهيري إلى مؤسسات تحصّن العدالة وتضمن الحرية، ومن دون ذلك ستظل أكتوبر وأخواتها علامات مضيئة في الذاكرة، لكنها عاجزة عن كسر ليل العنف الطويل.”
ومن جانبه، عبّر محمد أبو البشير عن غضبه من سيطرة العسكر، قائلاً إن ذكرى 21 أكتوبر تعيد إلى الأذهان «انقلاب من أسماهم بعسكر اللجنة الأمنية لنظام البشير على الثورة»، في إشارة إلى تقويض الانتقال المدني واستمرار قبضة العسكريين على السلطة.
في ذكرى أكتوبر.. دعوات لنبذ العنف واعتماد الحوار سبيلاً للسلام
وفي المقابل، دعا يوسف داؤود إلى نبذ العنف واعتماد الحوار سبيلاً للسلام، مؤكداً أن «السلام لا يولد من فوهات البنادق، بل من الحوار، ومن شجاعة العفو، ومن الإيمان بأن المستقبل لا يُبنى على الكراهية». وأضاف أن «السلام ليس ضعفاً، بل هو قوة العقل والحكمة، وانتصار للإنسانية على العنف».
وكتب عبدالرحمن محمد محتفيًا بذكرى أكتوبر رغم أجواء الحرب، قائلاً: «في ذكرى أكتوبر المجيدة نستعيد الثورة التي علّمت العالم أن الشعب السوداني لا يُهزم مهما اشتدت عليه الخطوب، واليوم، في زمن الحرب والدمار، نجدد العهد على قيم الحرية والسلام والعدالة، ونؤكد أن صوت الشعب سيظل هو البوصلة التي تهدي طريق الخلاص. رغم الحرب، ينهض السودانيون من تحت الركام حاملين راية السلام، مؤمنين أن لا خلاص إلا بإنهاء الحرب وعودة الوطن إلى أبنائه».
أما محمد عبدالمجيد فكتب مؤكدًا على استمرارية النضال، قائلاً إن «الذكرى الحادية والستين لأول ثورة خرجت فيها جموع السودانيين رفضًا لتسلّط العسكر والحكم الدكتاتوري، نجدد فيها الولاء لاستمرار ثورة ديسمبر المجيدة حتى تتحقق أهدافها: حرية، سلام، وعدالة».
شمس الحريةوفي السياق نفسه، دوّن محمد حسين قائلاً: «في هذه الذكرى، الثورة مستمرة حتى نراها شمس الحرية تشرق في ربوع الوطن السودان».
وكتب باسل الأمين قائلاً: «نستعيد اليوم ذكرى انتفاضة الشعب السوداني الخالدة في 21 أكتوبر 1964، حين خرجت الجماهير تهتف من أجل الحرية والكرامة والديمقراطية، لتسطر أول ثورة شعبية تُسقط نظاماً عسكرياً بالهتاف والإرادة السلمية. في هذا اليوم نتذكر تضحيات الطلاب والعمال والمزارعين والنساء والشباب الذين تقدموا الصفوف دفاعاً عن الوطن، ونجدد العهد على المضي في دربهم حتى يتحقق حلم السودان الحرّ العادل، دولة القانون والسلام والمواطنة المتساوية».
أما الشاب دربكة، فقد استعاد الأغاني الخالدة التي وثّقت لروح أكتوبر، قائلاً: «تأتينا ذكرى 21 أكتوبر المجيد، فنادى له وردي: باسمك الأخضر يا أكتوبر الأرض تغني، وردّ عليه ود الأمين: أكتوبر 21 يا صحو الشعب الجبّار يا لهب الثورة العملاقة، ثم لبّى النداء الشاعر حميد قائلاً: ما جف ساق أبريل.. أكتوبر الأخضر يا شيمة ليهو تشيل، كل ما الرياح تكتر.. فرعو الهطيط بيميل.
ونرددها نحن الآن: الشعب يفعل ما يريد.. تسقط “كتائب الجنجويد”. هكذا كنا، وعلى العهد باقون، نروي للأحفاد تاريخ الأجداد، وسنظل منارة إشعاعٍ للحرية والديمقراطية».
جذوة لا تنطفئكما كتب حسن الحسين قائلاً: «يصادف اليوم 21 أكتوبر ذكرى ثورة أكتوبر 1964، التي تُعدّ أمَّ ثورات الانعتاق في السودان من أجل الحرية والديمقراطية والسلام. التحية لكل الشهداء، ولكل من أعطى بغير حساب من أجل وطنٍ مستقلٍّ، مستقرٍّ، ديمقراطيٍّ وآمن».
وهكذا تحولت مواقع التواصل الاجتماعي السودانية إلى ساحات رقمية لإحياء ذكرى أكتوبر، حيث تلاقى الغضب بالأمل، والحزن بالعزيمة، وبين أصوات الحرب والسلام يؤكد السودانيون أن أكتوبر لم يكن يوماً حدثاً عابراً، بل جذوة متقدة لا تنطفئ، وأن الحرية ستظل الكلمة التي توحّدهم.
الوسومحرب الجيش والدعم السريع ذكرى ثورة أكتوبر سلام السودان
المصدر
المصدر: صحيفة التغيير السودانية
كلمات دلالية: حرب الجيش والدعم السريع ذكرى ثورة أكتوبر سلام السودان ذکرى أکتوبر أکتوبر 1964 ذکرى ثورة
إقرأ أيضاً:
الحاجة إلى ثورة على روح الهزيمة
استلهمت هذا العنوان من كتاب المفكر البحريني محمد جابر الأنصاري، الصادر عام 2001، وحمل العنوان نفسه، وقبله بسنوات قرأت كتابَ الراحل ياسين الحافظ "الهزيمة والأيديولوجيا المهزومة" (1978)، ولعل قصدي من العودة إلى هذا الموضوع ما يشعر به كل منا، أو يشاهد في حياته من إحباط لدى الناس، وتبرم مما يحيط بهم إقليميا ووطنيا. فعلى مدار أكثر من نصف قرن، وتحديدا منذ نكبة فلسطين (1948)، ونحن ننام ونستفيق على نغمة الهزيمة، بل إن متون الفكر العربي حبلى بعشرات العناوين التي اتخذت من مقولة الهزيمة مفهوما إرشاديا (Paradigme) للحديث عن الواقع العربي وتحليل إمكانيات تغييره.. فهل يحتاج خطابُنا حول الهزيمة إلى مساءلة نقدية تُسعفه في الانطلاق إلى آفاق نظرية وفكرية أكثر عقلانية، والأهم تساعده على الـتأثير الفعلي والفعال في الواقع العربي العليل بوباء الهزيمة؟
رُب معترض يقول لقد قُتِلت مقولةُ الهزيمة بحثا، ونحتاج إلى قوة الفعل التي ظلت غائبة طيلة هذه العقود، فنخبنا الفكرية، أو على الأقل ثُلة منها، أضاءت الطريق، وعلى الأمة أن تستنهض هُمتها، فتضغط في اتجاه استرجاع العرب لعقلهم، والتصالح مع ذاتهم وتاريخهم، أسوة بما حصل في أكثر من منطقة في العالم. إن وجاهة هذا الاعتراض لا تعفينا من الإقرار بحاجة الفكر العربي إلى مزيد من الحفر لتفكيك الغموض الذي يكتنف أذهان الناس، ويحول بينهم وبين فهم مصادر الهزيمة فهما تاريخيا عقلانيا.
ومن قلب هذه الثلة من المفكرين العرب مَن وضع إصبعه مبكرا على داء الهزيمة، وكما حصل للمؤرخ المغربي عبد الله العروي ("العرب والفكر التاريخي"، 1973)، والسوري ياسين الحافظ ("الهزيمة والأيديولوجيا المهزومة"، 1978)، وإحسان مراش ("مدخل إلى تطبيق الماركسية في الواقع العربي"، 1975)، وهناك من استكمل المسيرة لاحقا، من قبيل برهان غليون ("العرب ومعركة السلام"، 1999)، ومحمد عابد الجابري في رباعيته حول "نقد العقل العربي"، ومحمد جابر الأنصاري في مجمل ما كتب، وتحديدا كتاب "مساءلة الهزيمة".
تكمن قيمة المطالبة بمساءلة الهزيمة نقديا في السعي إلى تعرية (Démystification) أيديولوجيا الهزيمة وإزالة الأوهام التي تلف مَضانّ تكوينها. فمنذ حصول النكبة ونحن نرثي مصائبنا دون التقدم على طريق التجاوز التاريخي لأعطابنا، بل إن قدرا كبيرا من التكلس ألمّ بمجمل تيارات الفكر في مجالنا العربي. فسواء كنا قوميين، أو ليبراليين ديمقراطيين، أو نهضويين، نشعر جميعا بالهزيمة جاثمة على صدورنا، بل إن وتيرة تطور الأحداث في منطقتنا تمنحنا الدليل غير القابل للاعتراض على أن زمن الهزيمة هو السائد في أوطاننا.
إن المساءلة، بحسبها عملية ذهنية نقدية بامتياز، تُرغمنا على التمييز بين الهزيمة كمعطى سوسيولوجي وتاريخي، وبين التفكير فيها، أي في تجاوزها بالإيجاب. ثم إن التفكير وحده لا يكفي لصنع الانتصار ودَحر الهزيمة، بل يحتاج إلى رافعة تُنزله منزلةَ التطبيق والإعمال، وإلا يبقى مجرد تفكير ليس إلا. إن الرافعة الضرورية لهذا التنزيل تتجسد في القوة الكامنة في التفاف الدولة والمجتمع حول مشروع نزع روح الهزيمة من حياتنا، وهو ما نراه، مع الأسف، فاترا وغير واضح بما فيه الكفاية.
تجدُ أيديولوجيا الهزيمة عَضُدَها في التصورات التي تخترق أذهانَ الناس في التعاطي مع حال هزيمتهم، وفي صدارتها رأي يرى أن بالنكبات والهزائم تستعيد الأمم حيويتَها وقدرتَها على الفعل الحضاري، وقد جاراه في هذا المنحى بعض المثقفين فشرعوا ينقبون في بطون التاريخ ليستخرجوا أمثلة يستدلون بها على رجاحة هذا الاعتقاد. فمن ذلك قولهم: لولا هزيمة بروسيا أمام حملة نابليون لما دبت الحيوية من جديد في الجسم الألماني، ولما أينعت قُطوف الفكر والفلسفة، وازدهرت المعرفة النقدية، ولما تحققت الوحدة الألمانية أصلا. والمثال نفسه ينسحب على اليابان، التي كادت المغامرات العسكرية تعصف بحركة الحداثة في مجتمعها، وهو ما وقع في الصين، حين أعاد الاستعمار البريطاني، من حيث لا يدري، المناعةَ إلى الأمة الصينية، الي نخرها الفساد.
فالخلاصة إذن، أن ثمة علاقة طردية بين النكبة أو الهزيمة واليقظة أو النهضة، ولعلي بهؤلاء يعيدون دروس علم النفس، أي العلاج بالصدمات.. فيكفي أن تتزايد نكبات العالم العربي، أي صدماته، لتستعيد مجتمعاته حيويتَها، وتدِب النهضة في مفاصل جسمه ككل.. بيد أن هذا التصور الذي لفﱠ بذهن الإنسان العربي واستحكمَ في فهمه للهزيمة وسبل الخروج منها، لم تثبُت صدقيتَه في وقائعُ الحال، إذ منذ نكبة فلسطين والهزائم تتوالى على أوطاننا، والأخطر كنا مع بداية الألفية الجديدة، وما زلنا، أكثر المناطق في العالم مختبرا للهزائم، ومع ذلك لم يكن دواء الحكيم، أي العلاج بالصدمات، شافيا لوباء الهزيمة في حياتنا.
إلى جانب هذا الرأي هناك تصورات أخرى للهزيمة، أهمها تلك التي توعِز مصادر ما يحصل في حياتنا إلى نوع من القدَر التاريخي، الذي ليس للعرب القوة على تجنبه، والحال أن "القدَرية"، تجد سندها في روح الإحباط، وانسداد التفكير العقلاني، وارتباك الرؤية إلى المستقبل، وهي سمات ذات قيمة منهجية كبيرة في تفسير استمرار روح الهزيمة في أوطاننا. إن مكمن الخطر في مثل هذا الإدراك، يتجسد في تنحيته إرادة الإنسان وقدرته على التغيير، ويتجلى في إلغائه العقل ودوره في تأطير سيرورة التقدم نحو الأفضل.. الحاجة إذن إلى ثورة ذهنية تفكك أيديولوجيا الهزيمة، وتعيد بناء مُدركات الإنسان العربي لواقع حاله على أسس يتنزل العقل فيها منزلة المرشِد والمخطط والموجه، وهذا ليس بمستحيل أو بعيد إن توفرت له شروط الاكتمال والكفاية.
إن أهم خطوة في نقد الذهنيات وفتح باب الحداثة أن نتجنب الأسئلة الزائفة عن أوضاعنا، وأن نمتلك جرأة السؤال، وإرادة الإقدام على الإجابة عنه، فحين نكسب هذه الخطوة، وهي ضرورة واستراتيجية، نكون قد عبّدنا الطريق إلى مساءلة الهزيمة، ووفرنا العدة المنهجية والمعرفية لمقاربة مصادر وقوعها بانتظام في أوطاننا، وإذ ذاك فقط نكون حققنا الانتصار، ليس على الهزيمة، ولكن على الأيديولوجيا المهزومة، تكمن في الهزيمة في حد ذاتها، ولكن في التفكير بعقل الهزيمة.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.