ليست كلُّ معركةٍ تُروى، فبعضُ المعارك تُكتَبُ بدماءِ قادتها قبلَ أن تُكتبَ بحبرِ التاريخ. هناك معاركُ تتوهّجُ فيها البطولة حتى يصير القائدُ شهيدًا، وتتحوّل الشهادةُ إلى ختم القيادة الحقيقي.
وهكذا كان القائد الجهادي الكبير الفريق الركن محمد عبدالكريم الغماري – رئيس هيئة الأركان العامة – واحدًا من أولئك القادة الذين لا يكتفون بإصدار الأوامر من خلف المكاتب، بل يصنعون الميدان بصلابتهم وإيمانهم.


لقد حقق الغماري ما لم يحققه أيُّ رئيس أركانٍ عربي أو مسلم؛ إذ نجح في استهداف عمق الكيان الصهيوني بأكثر من (205) عمليات نوعيّة، فدوّى صوته وصدى صواريخه في أم الرشراش، والقدس والنقب، ويافا، وجعل العدو يعيش رعبًا دائمًا من قدرات اليمن المتنامية.
وهو القائد الوحيد الذي استطاع أن يوقف البوارج وحاملات الطائرات الأمريكية في البحر الأحمر وباب المندب، ويُرغمها على الانسحاب، حتى اضطرّ ترامب إلى طلب وقف استهداف السفن الأمريكية، بعد أن أدرك أنّ في البحر الأحمر قائدًا لا يُخضعه التهديد ولا تُرعبه الجيوش.
وفي عهده، كانت غزة في قلب العقيدة القتالية للجيش اليمني، فساندها الجيش اليمني بقيادة الغماري بأكثر من (1835) عملية إسناد، ما بين صواريخ باليستية ومجنحة وفرط صوتية، وطائرات مسيّرة، وزوارق حربية، لتتحول اليمن إلى عمقٍ استراتيجي للمقاومة، وليثبت أن معركة الأمة واحدة مهما ابتعدت الجغرافيا.
لكنّ الأعظم من ذلك، أن الغماري لم يكن خريجًا من كلية ساندهيرست الملكية البريطانية، ولا من الأكاديمية العسكرية الفرنسية “سان سير”، ولا من أكاديمية ويست بوينت الأمريكية، ولا من أكاديمية فرونزي العسكرية الروسية…
بل تخرّج من كلية المسيرة القرآنية، من مدرسة القرآن والإيمان، من مدرسة القيادة الربانية التي تصنع رجالًا يواجهون العدو بإيمانٍ قبل السلاح.
في عهده، تحوّل اليمن من بلدٍ محاصرٍ إلى قوةٍ عسكريةٍ إقليمية يمتلك منظومات صاروخية متطورة وطائرات مسيّرة تضاهي ما تمتلكه كبرى الدول.
استطاع الغماري أن يهزم جيوش تحالف العدوان، وأن يفرض معادلات الردع في البحر والجو والبر، لتصبح كلمة اليمن مسموعةً في سماء الصراع العالمي.
ولأكثر من عشر سنوات، ظلّ العدو يبحث عن هذا القائد الذي أربك حساباته، ووضع اسمه في مقدّمة قوائم الاستهداف، لكنه ظلّ عصيًّا على الرادار والاغتيال، حتى نال ما تمناه، وسقط شهيدًا في ميدان الشرف، بعد أن كتب بدمه فصلاً من فصول ملحمة الصمود اليمني.
إنّ الأمة التي يسقط فيها قادتها العظماء شهداء لا تُهزم، لأنها تُنجب ألف قائدٍ من دمائهم، وتزرع في الأمة جذوة العزّة التي لا تنطفئ.
وحين يسقط القائد شهيدًا، لا تُطوى رايته، بل تُرفع عالياً فوق جبين الوطن.
لقد رحل الغماري جسدًا، لكنه بقي روح الانتصار، ورمز القيادة التي جمعت بين الإيمان والذكاء العسكري، والإرادة التي صنعت المستحيل من بين الركام والحصار.
وهكذا، ختم الغماري رحلته كما عاشها.. قائدًا في الميدان، وشهيدًا في سبيل الله، وبطلًا في ضمير الأمة.
سلامٌ على القائد الذي هزم الأساطيل، وأربك العروش، وانتصر للكرامة من قلب صنعاء إلى عمق فلسطين..

المصدر

المصدر: الثورة نت

إقرأ أيضاً:

لغز الفيوم العظيم.. الملك المفقود الذي يروي مجد الدولة الوسطى وصراعاتها

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

في عمق تاريخ مصر القديمة، وتحديدًا خلال عصر الدولة الوسطى في الأسرة الثانية عشرة (نحو 1985–1773 ق.م)، خرجت إلى الوجود واحدة من أكثر القطع النحتية غموضًا وإثارة في تاريخ الفن المصري القديم: تمثال ضخم لملك مجهول الهوية بدقة، يُعتقد أنه أحد ملوك هذه المرحلة العظيمة مثل سنوسرت الثالث أو سنوسرت الثاني، وربما امتدت احتمالاته إلى أمنمحات الرابع.

هذا التمثال، الذي اكتُشف في منطقة هيراكليوبوليس ماغنا قرب الفيوم، لا يمثل مجرد عمل فني، بل هو وثيقة سياسية ودينية تعكس تحولات كبرى في مفهوم الحكم والسلطة والخلود في الحضارة المصرية.

ملوك الدولة الوسطى.. بناء دولة مركزية قوية

شهدت الدولة الوسطى واحدة من أكثر مراحل مصر استقرارًا وازدهارًا، حيث أعاد ملوك الأسرة الثانية عشرة توحيد البلاد بعد فترات من الاضطراب، ونجحوا في بناء جهاز إداري قوي ودولة مركزية متماسكة.

برز من بين هؤلاء الملوك سنوسرت الثالث، المعروف بحملاته العسكرية في النوبة وإصلاحاته الإدارية الصارمة، إلى جانب ملوك آخرين مثل سنوسرت الثاني وأمنمحات الرابع، الذين أسهموا في ترسيخ قوة الدولة وتوسيع نفوذها.

وفي هذا السياق، جاءت التماثيل الضخمة لتكون أداة سياسية بصرية تعكس هيبة الملك وتؤكد طبيعته الإلهية.

فن يعكس التحول نحو الواقعية

يمثل هذا التمثال نموذجًا واضحًا للتحول الفني الذي ميّز عصر الدولة الوسطى، حيث ابتعد الفنانون تدريجيًا عن المثالية المطلقة التي كانت سائدة في العصور السابقة، واتجهوا نحو تصوير أكثر واقعية وصدقًا في ملامح الملوك.

فبدلًا من الوجوه الشابة المثالية، ظهرت تعابير أكثر جدية وصرامة، تعكس شخصية الملك كحاكم مسؤول عن حماية البلاد وإدارة شؤونها في عالم مليء بالتحديات.

ويُعتقد أن هذا الأسلوب بلغ ذروته في تماثيل سنوسرت الثالث، التي أظهرت ملامح تحمل مزيجًا من القوة والتجربة والرهبة، وكأنها تعكس ثقل الحكم ذاته.

لغز الهوية وإعادة الاستخدام الملكي

إحدى أبرز نقاط الغموض في هذا التمثال هي هويته الدقيقة، إذ يرى بعض الباحثين أنه قد يمثل سنوسرت الثالث، بينما يرجح آخرون أنه يعود إلى أمنمحات الرابع، بسبب محدودية المعلومات المتاحة عن فترة حكمه القصيرة.

كما أن التمثال يحمل دليلًا مهمًا على إعادة استخدامه في عصر لاحق، خلال الفترة الرعامسية، وربما في عهد مرنبتاح، ابن رمسيس الثاني. وقد كانت إعادة النقش وإعادة توظيف التماثيل ممارسة شائعة في مصر القديمة، حيث كان الملوك اللاحقون يربطون أنفسهم بإنجازات أسلافهم لتعزيز شرعيتهم السياسية.

الأميرات إلى جانب الملك.. رمزية العائلة والسلطة

ما يجعل هذا التمثال أكثر تميزًا هو وجود شخصيات صغيرة لأميرات بجوار الملك، وهو عنصر نادر في النحت الملكي المصري. هذه الإضافة لا تحمل بعدًا عائليًا فقط، بل تعكس أيضًا فكرة استمرار السلالة الملكية وترسيخ مفهوم الوراثة الإلهية للحكم.

كما تُظهر هذه التفاصيل كيف كان الفن المصري القديم وسيلة للتعبير عن السلطة بوصفها نظامًا متكاملًا يجمع بين الملك والعائلة الملكية والدين والدولة.

شاهد حجري على تاريخ متغير

اليوم، يقف هذا التمثال في المتحف المصري الكبير كطبقات متراكمة من التاريخ؛ فهو عمل فني من الدولة الوسطى، أعيد استخدامه في عصر لاحق، واكتشف في زمن حديث، ليصبح سجلًا مفتوحًا يروي قصة آلاف السنين من السياسة والدين والفن.

إنه ليس مجرد تمثال لملك مجهول، بل مرآة تعكس كيف كانت مصر القديمة تعيد تشكيل صورتها عبر الزمن، وكيف استطاعت أن تجعل من الحجر وسيلة لحفظ السلطة والهوية والذاكرة.

وهكذا، يبقى هذا التمثال الضخم شاهدًا على حقيقة واحدة: أن الملوك قد يرحلون، لكن الحجر الذي نُقشت عليه أسماؤهم يواصل الحديث عنهم إلى الأبد.

الملك المفقود 

مقالات مشابهة

  • القيادة الأمريكية: الناقلة التي عطلتها قواتنا كانت ترفع علم بوتسوانا
  • إقالة مسؤول أمني وإحالته للتحقيق إثر وفاة مواطن تحت التعذيب في أبين جنوبي اليمن
  • د. أمل منصور تكتب : الأمان والونس والعفوية .. الثالوث الذي يحفظ الحب حيًا
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
  • لغز الفيوم العظيم.. الملك المفقود الذي يروي مجد الدولة الوسطى وصراعاتها
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟