اندماج المهاجرين.. الهوية والتنوع الثقافي من زاوية جديدة.. قراءة في كتاب
تاريخ النشر: 23rd, October 2025 GMT
الكتاب: نكران الثقافات
الكاتب: هوغ لاغرانج، ترجمة سليمان رياشي
الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ط 1، الدوحة -قطر 2016
عدد الصفحات: 400 صفحة
ـ 1 ـ
تصادر دراسات علم الاجتماع على أنّ للمعازل (الغيتوهات) التي وضع فيها الأجانب ففصلتهم عن المجتمعات الغربية في عامة القرن العشرين آثارا كارثية.
ولا يرفض هوغ لاغرانج مؤلف كتاب "نكران الثقافات" دور العوامل اقتصادية أو تمييزية في تفسير فشل تعسّر اندماج الأجيال الثانية أو الثالثة من أبناء المهاجرين كما يعتقد أغلب السوسيولوجيون. ولكنه يعتقد أنّ الاقتصار على هذه الزاوية رسّخ ما يصطلح عليه بـ"ـنكران الثقافات" ويقصد بالعبارة رفض المجتمعات الأوروبية وفرنسا خاصّة، الاعتراف بوجود الثقافات متعدّدة داخلها ناشئة عن تعدد الأعراق في نسيجها والتّمسك بالمقابل، بفكرة الثقافة الواحدة التي هي ثقافة البيض من أصول فرنسية. ويرى أنّ زوايا أخرى يمكن تمنحنا فهما أفضل للظاهرة بعيدا عن هذا التبسيط الذي يغذّي أشكالا متعددة من الصدام المجتمعي والصراع الثقافي. ويبدو المفكر واعيا بأنه يسلك مسلكا وعرا وأنّ عليه أن يكون حذرا وهو يعبر طريقه بين متاهتين: العنصرية البيولوجية من ناحية والحتمية الثقافية من ناحية ثانية.
ـ 2 ـ
تَشكل في القرن العشرين أملان انتهى كلّ منهما بخيبة أمل صادمة كانت لها ارتداداتها على العالم الغربي وأثرها على العالم بأسره لاحقا. فنهاية الحربين مثلت حلما بمواصلة ثورة الأنوار وتوسيع هامش الحريات في كثير من البلدان وسريان ضرب من التضامن الاجتماعي عبر الحد من أوجه اللامساواة. وأخذ العالم يسير بسرعة كبيرة نحو التحكم في التكنولوجيا وانفتحت الحياة الاجتماعية وتحررت المرأة واكتسبت شرائح كثيرة حق الاقتراع. وفي ظل تسارع النمو الاقتصادي أخذت أوروبا تستقدم المهاجرين من خارجها للمساعدة في بناء اقتصادها. ثم كانت الانتكاسة التي عصفت بكل تلك الأحلام.
خلق "إنكار الثقافات" فجوة بين الواقع الاجتماعي والتمثلات الأكاديمية. وجعلها غير قادرة على تفسير الظواهر السوسيولوجية. ففي الواقع، تختلف المجتمعات في تمثلاتها للمفاهيم الأساسية مثل منزلة المرأة في المجتمع ودورها فيه والعلاقة بين الفرد والجماعة، أو معنى الرجولة وتصوراتها لمفهوم السلطة وصلتها بالطاعة والهيمنة الأبوية. فمثل هذا السلوك يعدّ علامة على الانضباط الاجتماعي في الشرق أو في دول الغرب الإفريقي، أما في الثقافة الأوروبية فيمثل أمارة على القمع أو التخلف وفقدان الاستقلالية.وفي نهاية الستينات فرضت الحرکات الاحتجاجية الشبابية المناوئة للسلطة نفسها في إيطاليا وألمانيا والولايات المتحدة وفرنسا. ووجدت لها صدى واسعا خارج الدوائر الطلابية، عند المثقفين والسياسيين وعلماء الاجتماع وباحثي الفلسفة. ولكن الصدمات الاقتصادية الكثيرة ومنها خاصّة النفطية تلتها مباشرة. ومع ارتفاع أسعار النفط وتباطؤ النمو وتزايد البطالة والتهرّم السكاني ارتفعت البطالة، وانسدّ الأفق أمام الأجيال الشّابة.
ـ 3 ـ
لقد تحوّلت نزعة التفاؤل في الحالين إلى تشاؤم اتخذ أشكالا سلوكية مختلفة. ومثلت الشرائح الهشة والطبقات الاجتماعية الدنيا للمجتمعات الغربية الضحية المباشرة لهذا الارتداد. فلم يكن بوسعها أن تواجه فقدان مواقع العمل أو خفض الأجور. وانتشرت أوجه اللامساواة في المداخيل. وتشكلت كتلة من العمال الفقراء الذي يعيشون في أحياء خاصّة بهم من المدن الصناعية. فتقاسمت البؤس على اختلاف الدول التي تنتمي إليها. فقد واجهت الولايات المتحدة في نهاية حركة الحقوق المدنية أزمة تدهور داخلي حاد في معازل السود. فتفككت الأسر وانتشر السطو واستهلاك المخدّرات والاتجار بها. وبلغ عدد السجناء أكثر من 65 سجيناً لكل عشرة آلاف مواطن غالبيتهم من السود الدين كانت جرائم القتل عندهم أرفع بعشر مرّات من البيض وحالات حمل المراهقات أعلى بأربع مرات. فوجد اليمين الأميركي في ذلك حجة ليتهمهم بالانهيار الأخلاقي، وبإسهامهم في تدمير المجتمع الأمريكي. وغيّب بالمقابل الأسباب الحقيقية ذات العلاقة بانعدام العدالة الاجتماعية.
وشهدت بلدان الجنوب الأوروبي كإسبانيا وإيطاليا والبرتغال ارتفاعا ملحوظا في معدلات الأجانب بسبب طلبات اللجوء أو تجميع العائلات أو الهجرة غير الشرعية. ومنها كان تسربهم إلى بلدان الشمال. فساد الشعور لدى الأوروبيين بأنهم يتعرضون لاجتياح من بلدان جنوب المتوسّط. ورُفع في فرنسا شعار ميشال روكار الوزير الأول في نهاية ثمانينات القرن الماضي: " لا تستطيع فرنسا أن تستقبل كل بؤس العالم".
ـ 4 ـ
كان لانتكاسة الحرية وخبوّ الأمل وارتداداتهما شرقا وغربا. ولتفسير تفاعل الغربيين مع هذه الارتدادات المحبطة انطلق هوغ لاغرانج، من مصادرة سارية في علم الاجتماع. فللمجتمعات كافة وسائل تستدعيها آليا عندما تفقد مقومات توازنها وتحاول من خلالها مواجهة تمزقها. فتستنبط جملة من الإجراءات، وتعيد ضبط أولوياتها. فكان أن عادت المجتمعات الغربية إلى حصنها المنيع وهو النزعةُ المحافظة. ففي أمريكا مثّل وصول رونالد ريغان إلى السلطة بداية صعود اليمينيين. ونشطت حركة مناهضة التيارات المطالبة بقدر أكبر في المساواة وفي فرض الحقوق. وشملت الأوساط الإنجيلية والكاثوليكية. وأطلقت حملات من أجل استعادة القيم العائلية الأصيلة، وتقوية سلطة الأهل في مواجهة تمرّد الأبناء، ومنع الإجهاض. وفي أوروبا تراجعت الحربة متأثرة بالأصوات التي ترثي القيم الأصيلة وتعلن تدهور المجتمعات. ولم يسلم خطاب الكنيسة من هذه الانتكاسة، خاصّة زمن بابوية يوحنا بولس الثاني وبندكتوس السادس عشر.
ولم تكن هذه الارتدادات أقل وطأة شرقا وجنوبا. فقد ارتبط تباطؤ النمو العالمي واستمرار الصراع في الشرق الأوسط دون أفق لحلّه وانهيار النظام الشيوعي الذي كان يضمنا قدرا من التوازن في العلاقات الدولية بمرحلة جديدة من التوترات الأيديولوجية. وأثار نشوء نظام عالمي جديد أحادي القطب الغيظ الشرقي الدّفين تجاه الغرب الاستعماري، فظهر في شكل تشنجات هوياتية وردّات فعل أصولية منها التصور الوهابي السلفي في باكستان وأفغانستان ونشاط الأصوليات لدى الترك والفرس. أما في البلدان العربية فقد انبثق هذا الخطاب من حطام التيارات القومية العربية المتهالكة. فازدهر التيار المحافظ المقاوم للمساواة بين الجنسين والمقوي للقيم البطريركية المتشددة. ومالت المجتمعات إلى الاكتفاء بالتحديث السطحي.
ـ 5 ـ
عرضنا في ما سبق من هذه الورقة تشخيص هوغ لاغرانج للانتكاسة التي اتخذت شكل حلقات مترابطة متعاقبة من خلال مفهوم "نكران الثقافات". فعرض الظواهر المرتبطة بالمهاجرين وطرح إشكاليات شائكة على صلة بمفهوم الهوية الذي يتحوّل باستمرار نحو التصلب ويغذي الخطاب اليميني الرافض للهجرة والمهاجرين. وعنى بالمفهوم النزعة الأيديولوجية التي تتجنّب الإقرار بتأثير الخلفيات الثقافية على السلوك الاجتماعي في التعامل مع الأزمات الاجتماعية وفي التعاطي مع ظاهرة الهجرة حذَرَ الاتهام بتبني خطاب تمييزي أو عنصري.
وهذا الموضوع معهود متداول بلا شك، غير أنّ عالم الاجتماع الفرنسي تناوله من زاوية مغايرة هي دور الثقافة في تفسير السلوك الاجتماعي ووصله بقضايا الهجرة، وبالتمثل الغربي، والفرنسي أساسا، لفكرة التّعدد الثقافي وكيفية تعاطيه معها. فانتقد بشدة الرؤى الليبرالية الحديثة. فقد سقط، الخطاب السوسيولوجي والسياسي الفرنسي منذ الثمانينات من وجهة نظره، في نوع من الطهرية الفكرية، بحيث جعل الثقافة "موضوعًا محرّمًا" في التحليل. وأضحى التفسير السائد لأي ظاهرة اجتماعية (كالعنف المدرسي أو فشل الاندماج أو الفقر المزمن) يعتمد حصريًا على العوامل الاقتصادية أو البنيوية، متجاهلًا الأبعاد الثقافية العميقة.
ـ 6 ـ
خلق "إنكار الثقافات" فجوة بين الواقع الاجتماعي والتمثلات الأكاديمية. وجعلها غير قادرة على تفسير الظواهر السوسيولوجية. ففي الواقع، تختلف المجتمعات في تمثلاتها للمفاهيم الأساسية مثل منزلة المرأة في المجتمع ودورها فيه والعلاقة بين الفرد والجماعة، أو معنى الرجولة وتصوراتها لمفهوم السلطة وصلتها بالطاعة والهيمنة الأبوية. فمثل هذا السلوك يعدّ علامة على الانضباط الاجتماعي في الشرق أو في دول الغرب الإفريقي، أما في الثقافة الأوروبية فيمثل أمارة على القمع أو التخلف وفقدان الاستقلالية.
وللوصل بين اختلاف التمثلات وقضايا الاندماج، استند هوغ لاغرانج إلى بحوث ميدانية أجراها في الضواحي الفرنسية، ذات التفاوت الحاد في نسب الهدر المدرسي والعنف العائلي بين فئات مهاجرة مختلفة ليرّد هذا التفاوت إلى الثقافي، أكثر من العوامل الاقتصادية. فحين تهاجر عائلات مشرقية أو إفريقية إلى أوروبا، تحدث صدامات شديدة بين هذه المرجعيات الثقافية غير منسجمة. أما الطفل فيجد نفسه ممزقا بين مرجعين متناقضين: الأسرة التقليدية والمدرسة الحديثة. ولأنّ فرص الذكور للاحتكاك بالعالم الخارجي دون رعاية الأسرة أكبر، كانت نسبة الهدر المدرسي بين الذكور من أصول إفريقية مثلا أعلى بثلاثة أضعاف من مثيلاتها لدى الفرنسيين الأصليين أو الأوروبيين الشرقيين.
في نهاية الستينات فرضت الحرکات الاحتجاجية الشبابية المناوئة للسلطة نفسها في إيطاليا وألمانيا والولايات المتحدة وفرنسا. ووجدت لها صدى واسعا خارج الدوائر الطلابية، عند المثقفين والسياسيين وعلماء الاجتماع وباحثي الفلسفة. ولكن الصدمات الاقتصادية الكثيرة ومنها خاصّة النفطية تلتها مباشرة. ومع ارتفاع أسعار النفط وتباطؤ النمو وتزايد البطالة والتهرّم السكاني ارتفعت البطالة، وانسدّ الأفق أمام الأجيال الشّابة.إذن ما يميّز طرح لاغرانج هو إصراره على أن الثقافة تتفاعل مع الاقتصاد والسياسة وطرحه لما يسميه بـ"النموذج الوسيط" بين البنيوية الاقتصادية والأنثروبولوجيا الثقافية. ويجد في ما يسميه بالنموذج الجمهوري المجرّد الذي يفترض المساواة المطلقة بين الأفراد دون مراعاة فروقاتهم الثقافية ويتجاهل خصوصياتهم الرمزية والثقافية مثالا على العجر عن تشخيص مثل هذه الظواهر الاجتماعية.
ـ 7 ـ
نفهم عندئذ المراد بعبارة "نكران الثقافة" الواردة في عنوان الكتاب. فالمقاربات السوسبولوجية الغربية عامة والفرنسية خاصّة تسرع إلى إنكار ثقافة الوافدين الخاصّة المشكلة لهوياتهم وتتعمّد تجاهل التاريخ المشترك بين المستعمِر والمستعمَر سابقًا. ويجد لاغرانج في ذلك امتدادا للإرث الاستعماري، الذي لم تُعالج بعد، فهذه المقاربات تسعى إلى طمره تحت شعارات المساواة الشكلية بدل مواجهته.
وبالمقابل يرفض القول بتكافؤ جميع الثقافات أخلاقيًا التي تقول بها بعض الاتجاهات الأنتروبولوجية. فذلك يلغي إمكان النقد والإصلاح. ويرفض من جهة ثانية اختزال الفوارق في جوهر عرقي أو بيولوجي. ويجد الحل في الإقرار بالاختلاف دون الوقوع في الحتمية. فبدون مشروع بجمع بين الكونية والعقلانية والتعدد الثقافي وستمنح أوروبا المعاصرة اليمين المتطرف مبررات صعوده وستواجه أزمة هووية عميقة. فيخاف المواطن الأصلي من "فقدان هويته" ويخاف المهاجر من "ضياع ذاته".
ـ 8 ـ
ينزل كتاب "نكران الثقافات" التوترات التي تعيشها البلدان الغربية ضمن تنافسها المحموم على الموارد النادرة. فيعيدنا على نحو ما، إلى حمى الاستعمار بحثا عن المواد الأولية للدول الأوربية المتنافسة صناعيا. وكما هو الأمر في القرن التاسع عشر يدفع فقراء الجنوب الضريبة.
من نتائج هذه الحمى الجديدة الاختلال الكبير بين الفقراء والأغنياء أفرادا ودولا. وهذا ما فرض حركات سكانية نحو الشمال الذي يظل، رغم كل أزماته، مرفّها مقارنة بالجنوب البائس والمفقّر والمتحمل لتبعات التقدم الصناعي على مستوى تفاقم مشاكل البيئة والاحتباس الحراري والتصحر.
وضمن رؤيته العميقة ينقد الباحث الفرنسي حصر العقل الغربي لمسألة المساواة في الإطار الأوروبي وداخل بلدان الاتحاد. فالأسباب قائمة خارجهما. ويعسُر البحث عن حلول لها ما لم يتجاوز هذا العقل مركزيته وما لم يُعِد مأسسة الحياة الاجتماعية والتفكير في العقد الاجتماعي وما لم يلتفت إلى السياق العالمي المفتوح والمتباين ثقافيا ليأخذ هذا التنوع بعين الاعتبار. أما الحلول الحالية القائمة على الإلقاء بالأجانب خارج الحدود عبر وزارة الهوية الوطنية والاكتفاء بخطاب سياسي منافق يتحدّث كذبا عن تعددية لا يؤمن بها، فغير قادر على محو التمييز والتصدي لكره الأجانب.
انطلاقا من هذا الطرح يمثل "إنكار الثقافات" نقدًا أخلاقيًا للحداثة الغربية التي نزعت الطابع الثقافي عن الإنسان، وحوّلته إلى كائن اقتصادي أو قانوني. فيفيد كاتبه من منجز بيير بورديو، الذي يهتم بآليات إعادة الإنتاج الاجتماعي عبر التعليم والذوق والرموز وعبر التركيز على الحقل الاجتماعي والرأسمال الرمزي ويضيف إليه البعد الثقافي الخاص الذي يتجاوز البنية الطبقية. فيصادر على أنّ نجاح الأفراد عند انتقالهم إلى فضاء جديد أو فشلهم رهين احترام رأسمالهم الثقافيّ النوعيّ الذي يختلف عن رأسمال المجتمعات الأصلية.
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي أفكار كتب الذاكرة السياسية تقارير كتب الكتاب قطر قطر كتاب عرض نشر كتب كتب كتب كتب كتب كتب أفكار أفكار أفكار سياسة سياسة أفكار أفكار أفكار أفكار أفكار أفكار أفكار سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة فی نهایة
إقرأ أيضاً:
المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
حين يكون الفشل مُقيما لا عابراهناك فارق جوهري بين المعارضة التي تخسر وتلك التي لا تُحارب أصلا؛ الأولى تستحق الاحترام حتى في هزيمتها، والثانية لا تستحق إلا التشريح.
والمعارضة المصرية في الخارج، بكل أطيافها وبكل ما أُنفق في سبيلها من مال وجهد ووقت، تقع في خانة الثانية بامتياز مُحزن. ليس هذا حكما صادرا عن خصومها، بل هو ما تكشفه وقائع السنوات الأخيرة بلا رحمة ولا مجاملة.
فبينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد.
ويأتي الاعتداء الوحشي على الناشط أنس حبيب ليكشف أن هذه المعارضة لم تفشل فقط في بناء نفسها، بل باتت تواجه بيئة عدوانية مُنظّمة على أرض المهجر ذاته، في الوقت الذي تتفرج فيه العواصم الأوروبية التي تؤوي هؤلاء المعارضين.
أولا: الفن غائب والقضية تنزف
عندما تبحث في تاريخ السياسة الحديثة لن حركة مقاومة حقيقية خلت من الفن؛ الفن ليس ترفا يُلحق بالنضال، بل هو عصبه الناقل الذي يحوّل الفكرة إلى مشاعر، والمشاعر إلى حشود، والحشود إلى تغيير.
بينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد
من غيفارا الذي جعل منه الفن أيقونة لا تموت حتى بعد موته، إلى باتريس لومومبا الذي حوّلته أغاني أفريقيا إلى رمز حيّ، إلى الأغاني الفلسطينية التي حملت هوية شعب عبر عقود من القمع والاحتلال.
الفن هو ما يُبقي القضايا حية حين تنكسر الأجساد وتنهك العقول، وانظر ما فعله الطوفان. فمنذ السابع من أكتوبر 2023 وما قبله وحتى اليوم، تتدفق من غزة ومن حاضنتها الثقافية في المهجر الفلسطيني موجة فنية شبه أسبوعية لا تهدأ؛ أغانٍ تنتزع الدمع في لحظة وتشعل الغضب في اللحظة التالية، أناشيد تُطلق في قلب القصف ثم تجتاح في ساعات ملايين الهواتف في أربع قارات، مقاطع تُوثّق الدم والصمود في آنٍ واحد، يصنعها أطفال بين ركام بيتهم، ومغنّون يقفون على بلاط مدمّر ويُطلقون أصواتهم كأنها آخر ما تبقى من الوجود. هذا الإنتاج لم يكن فائضا عن الحاجة بل كان هو الحاجة بعينها؛ هو ما أبقى العالم مُوصولا بغزة حين كانت القنوات الرسمية تُغلق أبوابها واحدة تلو الأخرى.
والسؤال الذي يجب أن يُحرق كل من تولّى شأنا في المعارضة المصرية: ماذا أنتجتم أنتم؟ الجواب مُرّ كالعلقم: لا شيء يُذكر إلا جهد قليل القليل؛ عمل أو اثنان ولا يتم تذكرهما.
في سنوات من الوجود خارج مصر، بتمويل يُقدَّر بمئات الآلاف من الدولارات -سواء من المنح الدولية أو من مساهمات الأفراد أو من الهيئات الحقوقية- لا تكاد تجد أغنية واحدة تسكن القلوب، ولا مسرحية توثيقية تهز الضمائر، ولا فيلما قصيرا يُعرض في برلمان أوروبي ليُجبر النواب على رؤية وجوه المعتقلين. ثمة ومضات بالطبع، ومحاولات فردية مبعثرة، لكن لا مشروع ثقافي ممنهجا، ولا استراتيجية فنية تتوازى مع المطالبات السياسية.
يصرف المال على مؤتمرات وإفطارات في فنادق باهظة في لندن وإسطنبول، تنتهي بتوصيات تُودَع في أدراج لا يُفتح لها درج. يصُرف على مسميات وظيفية وهمية وشبكات علاقات لا تُولّد ضغطا حقيقيا على أي قرار في أي عاصمة. وأما الفن والثقافة، تلك الأداة التي وحدها قادرة على تحريك الرأي العام الغربي والعربي معا، فقد ظلت طويلا في آخر سلم الأولويات، أو خارج السلم تماما.
ثانيا: لماذا يصنع الطوفان فنا ولا تصنعه المعارضة المصرية؟
السؤال ليس ترفا أكاديميا، إنه يمس جوهر الفارق بين نضال يعيش ونضال يحتضر. تُنتج غزة فنا لأن لديها قضية تعيشها في دمها ولحمها وكل يوم من أيامها. الفن الحقيقي لا يُؤمَر بالخروج، بل يخرج لأنه لا يستطيع أن يظل محبوسا داخل الإنسان.
يكتب الشاعر الغزاوي تحت القصف، لا يفكر في الجمهور ولا في المنصة، بل هو يكتب لأن الصمت سيقتله قبل الصاروخ. وهذا هو مصدر القوة الحقيقية: الفن المُنبثق من الألم المُعاش، لا المُصطنع من أجل الأجندة السياسية.
لكن ثمة عاملا ثانيا لا يجب إغفاله: المقاومة الفلسطينية تعرف تماما أن الرأي العام العالمي ساحة حرب موازية للميدان، وأنها لن تنتصر بالسلاح وحده في مواجهة ترسانة إسرائيل العسكرية والإعلامية معا. لذلك توجد استراتيجية وإن لم تُصغ في وثيقة، فهي راسخة في الوعي الجمعي الفلسطيني: كل أغنية هي رصاصة، وكل مقطع مصوّر هو جبهة.
تفتقر المعارضة المصرية في الخارج إلى هذا الوعي الاستراتيجي افتقارا مُقيما. وهذا ليس لأن المصريين أقل موهبة أو أقل ألما، بل لأن الهياكل التنظيمية القائمة تديرها عقليات سياسية ببيروقراطية بيانات وبروتوكولات لا تُغذّي الفن بل تخنقه. الفنان لا يعمل بلجان، والمبدع لا يشتغل بمحاضر اجتماعات.
يُضاف إلى ذلك أن كثيرا ممن يتولّون مقاليد العمل المعارض المصري في الخارج ينتمون إلى خلفيات حزبية أو إسلامية أو ليبرالية أكاديمية تنظر إلى الفن كأداة ثانوية، وليس كبنية أساسية في المعركة. فالبيان السياسي الذي يُوزَّع على وكالات الأنباء يبدو لهم أثقل وزنا من أغنية تُشاهَد مئة مليون مرة، وهذه نظرة قاصرة تعكس انفصالا عميقا عن طبيعة الزمن الذي نعيشه، وآخر هذه البيانات؛ تطالب إحدى الحركات الكبري في مصر القيادات الأوروبية بعدم إدراجها في قوائم الارهاب.
الزمن الذي نعيشه يُقاس بالمشاهدات والمشاعر والانتشار العاطفي، لا بالبيانات التي يُرسلها مكتب صحفي إلى قائمة بريدية لا يفتح معظم أصحابها رسائلها أصلا.
ثالثا: أنس حبيب وأذرع النظام الطويلة
في قلب أوروبا، بعيدا عن سجون مصر وكاميرات مراقبتها، جرى الاعتداء على الناشط أنس حبيب. والحادثة في ظاهرها اعتداء جسدي، لكنها في جوهرها رسالة مفادها: لا يوجد خارج آمن.
ما يُسمى بـ"اتحاد شباب مصر في الخارج" هو اسم يستحق التوقف عنده. اتحاد يفترض فيه أنه مُعبّر عن المصريين المقيمين في المهجر، لكنه في الواقع ليس أكثر من ذراع تنفيذية من أذرع النظام المصري المُمتدة خارج الحدود. هذا ليس اجتهادا أو ظنا، بل هو ما تُوثّقه طبيعة تصريحاتهم وتوقيت تحركاتهم وانسجام خطابهم مع الرواية الرسمية المصرية في كل المحطات. هؤلاء ليسوا شبابا مندفعين خارج السيطرة، بل هم أداة مُبرمجة بعناية لتنفيذ مهمة واضحة: تخويف المعارضين وإسكات الأصوات وإيصال رسالة صريحة: أنتم في متناول أيدينا حتى في عواصمكم ، ولهذا أقرب وصف لهم هم اتحاد بلطجية مصر في الخارج.
هذه المنهجية ليست جديدة ولا مُفاجئة لمن تابع تطور أدوات الاستبداد في المنطقة. السعودية قبلهم أوفدت فرقة الاغتيال إلى قنصليتها في إسطنبول لتُقطّع صحفيا اسمه جمال خاشقجي، الاحتلال يطارد النشطاء الفلسطينيين في عواصم أوروبية وتُنفّذ عمليات اغتيال في برلين وفيينا وباريس. والآن مصر، التي دأب نظامها على اعتقال أقارب المعارضين داخل البلاد كورقة ضغط، تمضي خطوة إلى الأمام وتُطوّر قدراتها في ملاحقة المعارضين على أرض المهجر.
الاعتداء على أنس حبيب ليس حادثة فردية خرجت من عدم، بل هو حلقة في سلسلة ممنهجة؛ هو اختبار للبيئة وقياس لردود الفعل: هل تتحرك الشرطة الأوروبية؟ هل تُحرّك الحكومات الأوروبية ملفات؟ هل يُحدث هذا ضجة تُكلّف أكثر مما تجني؟ إذا كان الجواب لا، فالطريق مفتوح لما هو أشد.
رابعا: الفصل العنصري الإسرائيلي نموذجا.. هل تنسخه القاهرة؟
عندما نقارن بين سلوك نظام السيسي وبين نظام الفصل العنصري الإسرائيلي في التعامل مع المعارضين فهذا ليس مبالغة بلاغية، بل هو وصف دقيق لمنهجية مُتشابهة في جوهرها وإن اختلفت في مستوى التطور والتنظيم.
إسرائيل بنت على مر عقود منظومة متكاملة لملاحقة منتقديها خارج حدودها: المراقبة الإلكترونية، والاختراق المُوثَّق لمنظمات فلسطينية في أوروبا والأمريكتين، والضغط المُمنهج على حكومات لتقييد نشاط الناشطين المؤيدين لفلسطين، فضلا عن العمليات الميدانية التي نفّذها الموساد في ست قارات.
هذا نموذج لدولة ترى أن حدودها الأمنية لا تنتهي عند حدودها الجغرافية؛ مصر المُتعثّرة اقتصاديا، المُثقَلة بديونها، لا تمتلك اليوم الإمكانات الكاملة لتطبيق هذا النموذج بالكامل، لكنها تمتلك الإرادة، وتمتلك الدافع، وتمتلك النمط الذهني للنظام الذي يرى في كل منتقد عدوا وجوديا يجب تحييده. وتمتلك أيضا ما هو أخطر من الميزانيات: شبكات من المنتفعين والمرتزقة الذين يعملون دون أجر رسمي لأن ارتباطهم بالنظام يُمنحهم امتيازات من نوع آخر داخل مصر والآن أصبح خارج مصر.
وإذا لم تُوقَف هذه المسيرة مبكرا، فإن المنطق الداخلي للنظام -الذي يُعامل المعارضة بوصفها تهديدا للأمن القومي لا رأيا مختلفا- سيقوده حتما إلى رفع منسوب العنف خارج الحدود؛ من الاعتداء الجسدي إلى التخريب الممنهج إلى ما هو أبعد وأخطر. هذه ليست نبوءة بل هي قراءة في منطق الأنظمة الشمولية حين تشعر أن بقاءها مهدد ومحاصر. والسؤال الذي يجب أن تُجيب عنه العواصم الأوروبية هو: حتى متى؟
خامسا: أوروبا الصامتة.. شريك في الجريمة أم شاهد مُتواطئ؟
تُؤوي الدول الأوروبية الكثير من المعارضين المصريين، لكنها تقف في موقف يستوجب المحاسبة الصريحة. ألمانيا وهولندا والمملكة المتحدة وسواها منحت حق اللجوء لمئات المعارضين المصريين استنادا إلى منظومة حقوقية تُعلن أنها تُقدّس الحرية والحماية، لكن حين تمتد يد النظام المصري لتضرب ناشطا على أرضها، تتحوّل هذه الدول إلى مراقبين يُسجّلون البلاغات في ملفات وينتظرون.
هذا التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها؛ فرنسا تبيع السلاح لمصر، ألمانيا تُصدّر التكنولوجيا، بريطانيا تُدير علاقات أمنية. وكل هذه المصالح تجعل المطالبة الرسمية بحماية المعارضين ورقة لا يُبادر أحد باستخدامها.
التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها
لكن الصمت له ثمن مُؤجَّل؛ حين تنجح الأنظمة الاستبدادية في جعل المهجر غير آمن لمعارضيها، فإنها ترسل رسالة مزدوجة: إلى الداخل، أن لا هروب، وإلى الخارج، أن الديمقراطية الغربية مجرد شعار أجوف لا يُترجَم في الممارسة. وهذا بالضبط ما تحتاجه الأنظمة الاستبدادية: إثبات أن المنظومة الدولية لحقوق الإنسان مزيفة، لأن ذلك يُفقد المعارضين الأساس الأخلاقي الذي يقفون عليه حين يستمدون شرعيتهم من القيم الغربية.
على أوروبا أن تختار: إما أنها تحمي من آوتهم، وإما أنها تعترف بأن مبادئها تتوقف عند مصالحها التجارية؛ لا يوجد موقف ثالث.
وعلى المستوى القانوني، الاعتداء على ناشط سياسي على أرض أوروبية يُشكّل -إن ثبتت الصلة التنظيمية بالنظام المصري- عملا عدوانيا من قِبَل دولة أجنبية على أراضي دولة ذات سيادة. هذا ليس شأنا أمنيا بوليسيا داخليا، بل هو مسألة دبلوماسية وقانونية دولية تستوجب ردودا على المستوى ذاته. السفير المصري يُستدعى في أقل من ذلك حين تتعلق المسألة بدول أقوى وأجدر بالمراعاة.
سادسا: ما العمل؟ قبل أن يصبح السؤال عبثا
انتقاد المعارضة ليس هدفا في ذاته، والمقال الذي يُشخّص دون أن يُشير إلى الطريق يظل منقوصا، لذلك لا بد من قول ما هو مطلوب بوضوح لا مُدارة فيه.
أولا: إعادة هيكلة جذرية لأولويات الإنفاق في المنظمات المعارضة. جزء لا يقل عن ثلث الميزانيات يجب أن يذهب لإنتاج ثقافي وفني ممنهج: أفلام وثائقية قصيرة تروي قصص المعتقلين، موسيقى تحمل الوجع المصري إلى الأذن العالمية، منصات رقمية تضخ المحتوى بانتظام لا بموجات متقطعة. المعركة الإعلامية خُسرت لأنها لم تُخَض بجدية، وإعادة خوضها ممكنة ولكنها تحتاج إرادة وإعادة ترتيب للأولويات.
ثانيا: بناء تحالفات مع المجتمعات المصرية في المهجر خارج الدوائر السياسية المعتادة. يشكل المصريون في أوروبا وأمريكا مجتمعات حيّة لها قدرة على الضغط حين تُوظَّف توظيفا ذكيا، لكن المعارضة دأبت على العمل في فقاعة مغلقة مكوّنة من وجوه تُعيد إنتاج نفسها في كل اجتماع. الانفتاح على الجيل الثاني من المصريين في المهجر، الذين يحملون جوازات أوروبية ويتحدثون اللغات ويعرفون ثقافة الضغط السياسي في بلدانهم، هو ما تفتقره المعارضة افتقارا فاضحا.
ثالثا: ملف أنس حبيب والاعتداء عليه يجب ألا يُطوى بـ"بيان إدانة" يُصدَر وينتهي الأمر. يجب أن يتحوّل إلى قضية قانونية مُتابَعة أمام القضاء الأوروبي، وأن تُوثَّق الصلات التنظيمية لهؤلاء المعتدين بالنظام المصري بالأدلة التي يعرفها الجميع؛ لكن لا أحد يُكلّف نفسه جمعها وتقديمها بصورة قانونية مُحكمة. القانون الأوروبي يتيح ملاحقة ممثلي الدول الأجنبية الذين يمارسون عمليات تخريبية على الأراضي الأوروبية، والسؤال: لماذا لم يُفعَّل هذا المسار حتى الآن؟
رابعا: على الدول الأوروبية المعنية -وهولندا على رأسها نظرا للجاليات المصرية الكبيرة فيها- أن تُنشئ آليات رسمية لرصد ومتابعة نشاط الأذرع الخارجية للأنظمة الاستبدادية على أراضيها. هذه الآليات موجودة في التعامل مع ملفات أخرى كالإرهاب وتمويل الجريمة المُنظّمة، ولا يوجد سبب منطقي يمنع تطبيقها على من يُنفّذون عمليات ترهيب وعنف بتوجيه من أجهزة استخبارات أجنبية.
ختاما: النار التي لا تبدأ بالأصابع
في النهاية، الفشل الذريع للمعارضة المصرية في الخارج ليس قضاء مبرما ولا حكما أبديا على شعب بعينه، لكنه فشل حقيقي يجب أن يُسمّى بالاسم لأن التجميل الكاذب يُطيل عمره ولا يعالجه.
المطلوب ليس ثورة ولا معجزة، المطلوب أن يُدرك من يتصدّر المشهد المعارض أن الجمهور ليس بحاجة إلى مؤتمرات يحضرها الجمهور نفسه ويُصفّق فيها كل واحد للآخر.. المطلوب أغنية واحدة تعبر الحدود، فيلم قصير يُبكي محاميا أوروبيا يلمس قضية معتقل مجهول، قصيدة تُردّد في بيوت المصريين في المهجر فيشعرون أن ثمة من يحمل همّهم ويعرف كيف يُعبّر عنه.
أما أنس حبيب، فاسمه يجب أن يبقى حاضرا في كل اجتماع ومنبر ومحفل، لا كمظلوم يُستعطف به، بل كدليل على أن النظام المصري يخاف. الأنظمة لا تضرب من لا تخشاه؛ الضربة التي تُوجَّه إلى ناشط ما هي اعتراف ضمني بأن صوته يُقلق ويُزعزع.
المعارضة التي تُدرك هذه المعادلة ستتعامل مع كل اعتداء ليس كجرح بل كوسام، والدول الأوروبية التي تُدير وجهها عن هذه الاعتداءات تتذكّر -أو يجب أن تتذكّر- أن الصمت أمام توحّش الأنظمة المستبدة خارج حدودها لم يُنتج يوما استقرارا، بل أنتج أنظمة أشد استبدادا بسبب غياب الكلفة.
النار لا تبدأ بإشعال كل شيء دفعة واحدة إنما تبدأ بعود ثقاب واحد، يوقد شمعة، تُضيء غرفة، تخرج منها شعلة. المعارضة المصرية تملك الأعواد، تملك العقول والأقلام والأصوات والوجوه الكريمة، وما تفتقره هو الشجاعة على إيقاد أول عود ثقاب، دون انتظار الإذن، ودون استئذان لجنة، ودون بحث عن ميزانية. الشعوب التي تريد الحرية تُنتجها أولا في خيالها وفنها قبل أن تصل إلى ميادينها.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.