الذائقة الفنية للجيل زد: الصداقة تتفوق على الرومانسية.. ورفض المشاهد الجريئة
تاريخ النشر: 23rd, October 2025 GMT
كشفت دراسة جديدة أجراها مركز العلماء ورواة القصص في جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس (UCLA) أن أبناء الجيل "زد" – من 10 إلى 24 عاما- لم يعودوا ينجذبون إلى المشاهد الجنسية الصريحة أو القصص الرومانسية المبالغ فيها، بل يفضلون القصص الواقعية والصداقات والرسوم المتحركة التي تعبّر عن تجارب حياتية قريبة منهم.
التقرير الصادر بعنوان "كن واقعيا: القابلية للتواصل عند الطلب" (Get Real: Relatability on Demand)، المنشور في أكتوبر/تشرين الأول 2025، تناوله بالتفصيل موقعا "فاراييتي" و"يورونيوز"، واستند إلى استطلاع شمل 1500 شاب وشابة في الولايات المتحدة أُجري بين 13 و25 أغسطس/آب الماضي.
ملامح ذائقة جديدةبحسب "فاراييتي"، شملت العينة مشاركين متنوعين من حيث العرق والجنس والميول والوضع الاقتصادي، ما جعل النتائج معبّرة بدقة عن التكوين الحقيقي للجيل "زد" في الولايات المتحدة.
ويُظهر التقرير أن الشباب يبحثون عن "القابلية للتواصل" والتمثيل الأصيل في القصص التي يشاهدونها، أي عن شخصيات تشبههم وتجارب تشعرهم بأنهم مرئيون على الشاشة.
نتائج الدراسة أوضحت أن 59.7% من المشاركين يرغبون في "رؤية مزيد من المحتوى الذي تكون فيه العلاقات المركزية صداقات"، بينما عبّر 54.1% عن رغبتهم في مشاهدة "شخصيات غير مهتمة بالعلاقات الرومانسية في الوقت الحالي".
كما أبدى 54.9% رغبتهم في رؤية مزيد من "الصداقات بين الجنسين المختلفين"، في حين قال 49% إنهم يفضلون رؤية "الصداقات بين الجنس الواحد"، مع تفضيل واضح لعرض "حلول صحية للنزاعات" ضمن تلك العلاقات.
ووفق ما نقلت "يورونيوز" عن باحثي جامعة كاليفورنيا، أُطلق على هذا الاتجاه اسم "نومانس" (Nomance) -أي رفض الرومانسية- وهو ما يتسق مع دراسات أخرى أظهرت انخفاض النشاط الجنسي لدى الجيل "زد".
الرسوم المتحركة تتقدم المشهدفي مفارقة قد تفاجئ صنّاع المحتوى، قالت "فاراييتي" إن نسبة المراهقين الذين يفضلون المحتوى المتحرك (الرسوم المتحركة) على التمثيل الواقعي ارتفعت من 42% العام الماضي إلى 48.5% هذا العام.
إعلانوليس هذا الميل حكرا على الأصغر سنا؛ إذ إن نحو 48% من الفئة العمرية بين 19 و24 عاما اختاروا الرسوم المتحركة أيضا.
وعند سؤالهم عن النشاط الذي يودون القيام به مع الأصدقاء، تصدّر "الذهاب لمشاهدة فيلم جديد في السينما" القائمة للعام الثاني على التوالي، لو لم تكن التكلفة عائقا.
وأفادت الدراسة بأن 48.4% من الشباب يرون أن "الأفلام والبرامج الحديثة تحتوي على قدر مفرط من المحتوى الجنسي". كما جاءت الرومانسية في المرتبة الثالثة من أسفل قائمة المواضيع التي يريد الشباب مشاهدتها على الشاشة.
وأشار التقرير إلى أن العلاقات السامة ومثلثات الحب تُعد من أكثر الأنماط "مللا أو غير مثيرة للاهتمام" بالنسبة لهؤلاء المشاهدين.
هذا التحول يتسق مع دراسات أخرى استشهدت بها "يورونيوز"؛ كدراسة لمركز السيطرة على الأمراض عام 2021 أظهرت أن 30% فقط من المراهقين الأميركيين مارسوا الجنس، مقارنة بـ38% في 2019 وأكثر من 50% في العقود السابقة.
كما أشار تحليل لمجلة "ذي إيكونوميست" إلى أن المحتوى الجنسي في أفلام هوليود انخفض بنسبة 40% منذ مطلع الألفية، وأن نصف الأفلام تقريبا تخلو من أي مشاهد جنسية.
الشاشة لا تزال تجمعهمورغم تغيّر نوع القصص المفضلة، تُظهر بيانات "فاراييتي" أن الجيل "زد" لا يزال شغوفا بالتجربة السينمائية الجماعية.
فقد قال 57% من المشاركين إنهم يشاهدون الوسائط التقليدية (الأفلام والبرامج التلفزيونية) أكثر مما يظن الجيل الأكبر سنا، لكنهم يفعلون ذلك بطريقة مختلفة: إذ يشاهد 80% منهم المحتوى عبر "يوتيوب" أو "تيك توك" بدلا من التلفزيون أو قاعات السينما.
كما أكد 53% من المشاركين أنهم يناقشون الأفلام والبرامج أكثر من المحتوى المنشور على وسائل التواصل الاجتماعي.
عندما سُئل المشاركون عن أعمالهم المفضلة، تصدرت القائمة، "أشياء غريبة" (Stranger Things) و"وينزداي" (Wednesday) و"سبونج بوب سكويربانتس" (Spongebob Squarepants) و"سبايدرمان" (Spider Man).
وأشارت "فاراييتي" إلى أن هذه الأعمال -رغم اختلاف أنواعها- تشترك في محور أساسي يتمثل في الصداقات، والتجارب الجماعية، والهوية، وهي عناصر يجد فيها الجيل "زد" نفسه أكثر من القصص الرومانسية أو العاطفية المبالغ فيها.
ويرى تقرير "يورونيوز" أن هذا التوجه لا يعني رفض السينما أو التلفزيون، بل يمثل إعادة تعريف للمتعة البصرية لدى جيل نشأ في بيئة رقمية مشبعة بالمحتوى، ويبحث اليوم عن الصدق والواقعية بدل المبالغة والإغراء.
وتؤكد "فاراييتي" أن الشباب لا يزالون "يريدون الذهاب إلى السينما، والتحدث عمّا شاهدوه مع أصدقائهم، لكنهم ببساطة يريدون محتوى يعكس حياتهم ويعبّر عن قيمهم".
ماذا بعد صدور نتائج الدراسة؟توازيا مع صدور التقرير، أعلن مركز العلماء ورواة القصص في جامعة كاليفورنيا عن قمة "المراهقون والشاشات" التي ستُعقد في لوس أنجلوس لتوسيع النقاش حول علاقة الشباب بالشاشة، حيث سيُكرم المنتج والمخرج غريغ برلانتي بجائزة التأثير الاجتماعي الأولى.
على مدى عقود، كانت هوليود تراهن على القصص المليئة بالإغراء والعلاقات الساخنة لاستمالة المراهقين. لكن يبدو أن الجيل "زد" اليوم يقلب المعادلة، إذ لا يرفض الترفيه، بل يعيد تعريفه: فيبحث عن محتوى أصيل، وشخصيات واقعية، وصداقات صادقة تعكس قيمه اليومية.
إعلان
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: غوث حريات دراسات
إقرأ أيضاً:
تحولات الشهرة في العصر الرقمي
د. هبة العطار
مُنذُ أن تحوَّل العالم إلى شاشاتٍ صغيرة نحملها بين أيدينا، لم تعد وسائل التواصل مجرد أدوات للاتصال أو الترفيه؛ بل أصبحت مساحات لإعادة تشكيل الوعي الإنساني وأنماط الحضور الاجتماعي، وتغيَّرت معها علاقة الإنسان بالصورة وبنفسه داخل الفضاء العام الرقمي، حتى أصبح الظهور جزءًا من الحياة اليومية لا حدثا استثنائيا مرتبطا بالمشاهير وحدهم.
في ظل هذا التدفق الرقمي المتسارع، لا تكتفي المنصات بنقل المحتوى وحسب، وإنما تشارك في إنتاجه وتوجيه انتشاره، وتحديد ما يظهر وما يختفي داخل بيئة تعتمد على السرعة والتكثيف، ومع هذا التحول أضحى النظر إليها بوصفها أدوات ترفيه وفضاءات ثقافية تُعيد صياغة الذوق العام وأنماط التأثير داخل المجتمع الحديث.
منصة TikTok الشهيرة تحولت من مجرد مساحة رقمية عابرة إلى ظاهرة إعلامية وثقافية أعادت تعريف مفهوم الشهرة وصناعة المحتوى، ومن هنا بات السؤال الحقيقي كيف أعاد هذا الفضاء الرقمي تشكيل علاقتنا بالشهرة والانتباه والتأثير والهوية الإنسانية ذاتها، بغض النظر عن مدى إيجابيات أو سلبيات هذه المنصة؟!
لقد أحدثت منصة TikTok تحولًا عميقًا في فكرة "النجم" كما عرفته الأجيال السابقة؛ ففي الماضي كانت النجومية تمُر عبر أبواب مغلقة تتحكم فيها المؤسسات الإعلامية وشركات الإنتاج والقنوات التلفزيونية، أما اليوم فقد أصبح الظهور أكثر انفتاحًا؛ حيث يستطيع شاب يُغني من غرفته الصغيرة، أو فتاة تقدم محتوى معرفيًا عبر هاتف بسيط، أن تصل إلى جمهور واسع في غضون ساعات قليلة. وهكذا ظهرت نماذج جديدة من المؤثِّرين وصُنَّاع المحتوى الذين لم تمنحهم المؤسسات التقليدية فرصة حقيقية للظهور، لكن الجمهور والخوارزمية معًا أعادا اكتشافهم، ولم تعد الشهرة مرتبطة فقط بالإمكانات المادية أو النفوذ الإعلامي؛ بل أصبحت مرتبطة بقدرة الشخص على جذب الانتباه وصناعة القرب الإنساني وتقديم محتوى يلامس اهتمامات الناس ومشاعرهم اليومية.
لقد تحولت الخوارزمية إلى ما يُشبه "حارس بوابة" جديدًا، يُقرِّر من يظهر ومن يختفي، لكنها تختلف عن الحارس التقليدي في أنها لا تسأل عن الشهادات أو المكانة الاجتماعية بقدر ما تسأل عن القدرة على إيقاف الجمهور ولو لثوانٍ قليلة وسط هذا التدفق الهائل للمحتوى.
وقد قدمت المنصة نماذج إيجابية حقيقية تستحق التأمل والدراسة، إذ برز أطباء ومتخصصون نفسيون وصناع معرفة نجحوا في تبسيط المعلومات وتقديم محتوى توعوي سريع يناسب طبيعة العصر الرقمي وإيقاعه المتسارع، كما ظهرت مبادرات إنسانية ومحتويات داعمة للصحة النفسية، وأصبح بعض الشباب يستخدمون المنصة لنشر رسائل اجتماعية وثقافية تعزز قيم التسامح والتطوير الذاتي والتواصل الإنساني.
ومن اللافت أن كثيرًا من هذه النماذج اعتمدت على العفوية والبساطة أكثر من اعتمادها على الإنتاج الضخم أو الإمكانات الاحترافية، وهو ما خلق نوعا جديدا من العلاقة بين الجمهور وصانع المحتوى، علاقة تقوم على الإحساس بالقرب والتشابه والمشاركة اليومية، لا على المسافة التقليدية التي كانت تفصل المشاهير عن الناس.
غير أن الوجه الآخر للمنصة يكشف عن إشكاليات لا يمكن تجاهلها؛ إذ ظهرت أنماط من المحتوى تقوم على الإثارة الرخيصة والاستعراض المُبالَغ فيه والبحث المحموم عن المشاهدات بأي وسيلة مُمكِنة، فبعض الحسابات تبني انتشارها على افتعال الجدل والصراعات الفكرية أو الدينية، أو تغذية التعصب والكراهية، أو تقديم محتوى قائم على الاستفزاز والصدمات السريعة التي تضمن التفاعل ولو على حساب القيم والمعنى.
هنا لا تبدو المشكلة في التكنولوجيا ذاتها؛ بل في طبيعة البيئة الرقمية التي تُكافئ أحيانًا المحتوى الأكثر إثارةً وصخبًا أكثر من المحتوى الأكثر عمقًا واتزانًا، مما يدفع بعض المستخدمين إلى المبالغة والتطرف من أجل البقاء داخل دائرة الضوء.
وفي هذا السياق، برز ما يُعرف بـ"اقتصاد الانتباه"؛ بوصفه أحد أهم ملامح البيئة الرقمية المعاصرة، ففي عالم تتزاحم فيه الرسائل والصور والمقاطع بلا توقف، أصبح الانتباه ذاته موردًا بالغ القيمة تتنافس عليه المنصات وصناع المحتوى والمعلنون، وتُبنى عليه معدلات الانتشار والتأثير والعوائد الاقتصادية، ومع الاعتياد على الانتقال المستمر بين الصور والأصوات والمثيرات البصرية في ثوان معدودة، يُثار تساؤل مهم حول قدرة الإنسان المعاصر على الاحتفاظ بالتركيز العميق والتأمل الطويل في عالم يتسارع إيقاعه بصورة غير مسبوقة.
ومع ذلك قد يكون من الخطأ النظر إلى TikTok باعتبارها السبب الوحيد لهذه التحولات، فهي- أي المنصة- لا تخلق الرغبة في الشهرة أو البحث عن الاعتراف من العدم، بقدر ما تمنحها فضاءً أوسع للظهور والتضخم، ومن ثم تبدو المنصة أقرب إلى مرآة رقمية تعكس ما يفضله المجتمع وما يتفاعل معه، بقدر ما تؤثر فيه وتعيد تشكيله، لتصبح مسؤولية المحتوى مسؤولية مشتركة بين الخوارزمية وصانع المحتوى والجمهور على حد سواء.
إنَّ TikTok أكثر من مجرد منصة للترفيه السريع؛ فهي انعكاس واضح لتحولات الإنسان المعاصر وطريقته المستمرة في البحث عن الحضور والتأثير والاعتراف داخل العالم الرقمي، ورغم ما تُتيحه من فرص واسعة للتعبير والظهور، وما تُثيره من تحديات تتعلق بطبيعة الانتباه وقيمة المحتوى في عصر السرعة، تبقى الحقيقة الأهم أن المنصات قد تمنح الضوء والانتشار، لكنها لا تصنع وحدها المعنى؛ فالقيمة الحقيقية ليست في عدد من يشاهدوننا، وإنما في الأثر الذي يبقى بعد أن ينتهي المشهد ويُغلق الجميع شاشاتهم.
رابط مختصر