أنقرة- أعلن حزب العمال الكردستاني -المصنّف في تركيا منظمة إرهابية- اليوم الأحد سحب جميع مقاتليه من الأراضي التركية إلى شمال العراق، ضمن مسار "تركيا خالية من الإرهاب".

وجاء الإعلان عبر بيان رسمي تلاه قادة من الحزب خلال مؤتمر صحفي عُقد في منطقة جبال قنديل بشمال العراق، وهي المعقل الرئيسي للحزب، موضحا أن قرار الانسحاب جاء لتجنُّب خطر التصعيد أو وقوع اشتباكات غير مرغوبة داخل تركيا.

ويُمثِّل هذا التطور نقطة تحول غير مسبوقة في مسار الصراع الممتد منذ 4 عقود بين أنقرة والحزب، إذ يُنهي فعليا وجوده العسكري داخل الحدود التركية، وينقل عناصره إلى ما يُعرف بـ"مناطق الدفاع المشروع" في إقليم كردستان العراق، وهي مناطق جبلية وعرة تتخذها قيادة الحزب قواعد خلفية منذ سنوات، أبرزها سلسلة جبال قنديل الممتدة على الحدود العراقية التركية الإيرانية.

ترحيب حذر

وأحدث إعلان الحزب الانسحاب من الأراضي التركية تفاعلا واسعا في الأوساط السياسية بأنقرة، إذ قوبلت الخطوة بترحيب رسمي مشوب بالحذر، واعتبرتها الحكومة مؤشرا إيجابيا على طريق تحقيق هدفها المعلن "تركيا خالية من الإرهاب".

وأوضح المتحدث باسم حزب العدالة والتنمية الحاكم، عمر جليك، أن خروج العناصر المسلحة من داخل البلاد ترافق مع "إشارات عملية نحو نزع السلاح"، مؤكدا أن أنقرة تراقب تنفيذ العملية ميدانيا لضمان جديتها واستمراريتها.

وفي المقابل، دعا الحزب الكردي الحكومة إلى اتخاذ إجراءات قانونية عاجلة تصون مسار السلام وتمنع أي انتكاسة محتملة.

وحذّر من محاولات الاستفزاز والتخريب السياسي والاستخباراتي من قبل "القوى التي تقف وراء السياسات الفوضوية في المناطق المجاورة"، مؤكدا أن الحكومة التركية تنفذ خارطة الطريق بثبات رغم تلك المحاولات.

مقاتلو الحزب خلال استعراض لهم في جبال قنديل حيث أعلنوا انسحابهم من تركيا (وكالات)خطوة الزعيم

ويعتبر الإعلان محطة مفصلية في مسار تفكيك التنظيم المسلح، إذ توجت بها سلسلة خطوات متدرجة قادها زعيم الحزب عبد الله أوجلان من داخل محبسه، تمهيدا لإغلاق أحد أكثر ملفات العنف تعقيدا في تاريخ الجمهورية التركية.

إعلان

وتعود جذور هذا التحول إلى أواخر 2024، حين فاجأ دولت بهتشلي، زعيم حزب الحركة القومية وشريك الرئيس رجب طيب أردوغان في الائتلاف الحاكم، الرأي العام بدعوة صريحة إلى أوجلان لإنهاء التمرد، وربط بهتشلي آنذاك بين حل الحزب كليا وإمكانية تخفيف العقوبة المفروضة على مؤسسه المسجون منذ عام 1999.

وبعد أسابيع من تلك الإشارة السياسية غير المسبوقة، بعث أوجلان في 27 فبراير/شباط 2025 برسالة تاريخية دعا فيها إلى "إلقاء السلاح والانتقال إلى النضال الديمقراطي"، مؤكدا أن المرحلة المقبلة يجب أن تقوم على الحوار السياسي ضمن الدولة التركية، لا على الكفاح المسلح.

استجابة لهذا النداء، أعلن حزب العمال الكردستاني في الأول من مارس/آذار الماضي، وقفا فوريا لإطلاق النار من جانب واحد، إيذانا ببدء هدنة هي الأطول منذ اندلاع النزاع.

وبعد شهرين، عقد الحزب مؤتمره الـ12 في جبال قنديل بشمال العراق، حيث اتخذ قرارا مصيريا يقضي بحل الحزب نفسه وإنهاء الكفاح المسلح.

وفي 11 يوليو/تموز الماضي، تجسَّدت رمزية هذا التحول في مشهد غير مسبوق، بمراسم علنية لنزع السلاح في أحد كهوف منطقة دوكان بمحافظة السليمانية، حيث ألقى نحو 30 مقاتلا وقياديا أسلحتهم في النيران أمام عدسات الإعلام.

تفاؤل حذر

ويرى الأكاديمي في جامعة بورصة الدكتور محمد يوجا أن قرار حزب العمال الكردستاني يشكل منعطفا تاريخيا في معادلة الأمن والسياسة في تركيا، ويجب قراءته كإغلاق فعلي لمرحلة الكفاح المسلح التي امتدت لعقود، وتحول معلن نحو العمل السياسي.

وأوضح -في حديثه للجزيرة نت- أن الخطوة تعبر عن نية الحزب للتخلي عن السلاح والتموضع على الساحة السياسية، لكنها في الوقت نفسه تفتح الباب أمام سيناريو مقلق يتمثل في نقل الصراع إلى خارج الحدود الجغرافية لتركيا، مما يمنح التطور أبعادا مزدوجة من الناحية الإستراتيجية.

وأضاف أن الانسحاب، إذا ما نظرنا إليه من زاوية إيجابية، يُعد محطة وسطى على طريق تفكيك الحزب بالكامل، ويمنح الدولة التركية أفضلية نفسية وميدانية عبر استعادة زمام المبادرة على الأرض.

لكن السيناريو السلبي -برأيه- يتمثل في أن التنظيم، الذي سبق وأعلن حل نفسه ذاتيا، يعود الآن ليتخذ قرارا بالانسحاب، مما يثير تساؤلات عن جدية قراراته والتزامه الإستراتيجي، ويمنح الانطباع بأن ما يجري قد يكون مجرد مناورة تكتيكية غير مكتملة.

وشدّد يوجا على أن رد أنقرة يجب أن يتسم بالحذر واليقظة، إذ ينبغي للدولة أن تعتمد إستراتيجية قائمة على الحذر القانوني، والحزم الأمني، والانفتاح السياسي المشروط.

وخلص إلى أن الإستراتيجية المثلى التي ينبغي أن تتبناها الدولة التركية في هذه المرحلة هي تحقيق الأمن عبر الردع العسكري، والسلام عبر أدوات القوة الناعمة، أي المزج بين الحضور الأمني الحاسم ومسار تدريجي للديمقراطية وسيادة القانون، يضمن بناء حل مستدام يطوي صفحة 4 عقود من النزاع.

انسحاب مقاتلي حزب العمال الكردستاني سبقه إحراق أسلحة مجموعة منهم في وقت سابق (وكالات)تحول إستراتيجي

من جانبه، يرى المحلل السياسي، علي أسمر، أن انسحاب حزب العمال من الأراضي التركية يمثل تحولا استراتيجيا في لحظة تتقاطع فيها الحسابات السياسية والعسكرية مع مشروع "تركيا بلا إرهاب" الذي تتبناه أنقرة.

إعلان

ويشير أسمر -في حديثه للجزيرة نت- إلى أن القرار ليس تصرفا منفردا من الحزب، بل نتيجة تراكمات داخلية وإقليمية دفعت التنظيم إلى التسليم بواقع جديد فرضته المعادلات الميدانية والسياسية.

فمن الناحية السياسية، يعكس الانسحاب -بحسب أسمر- دخول تركيا مرحلة جديدة في إعادة بناء هويتها الوطنية الجامعة، بعد أن تراجعت مبررات العنف المسلح في ظل اتساع الحريات وتزايد فرص المشاركة السياسية.

كما أن توقيت الخطوة يرتبط مباشرة بتحولات الإقليم، وعلى رأسها التغير السياسي في سوريا بعد تشكيل الحكومة الجديدة في دمشق، وهو ما يمنح أنقرة فرصة لإعادة التموضع الإقليمي من موقع أكثر استقرارا وثقة بالنفس.

#عاجل | أ ف ب: حزب العمال الكردستاني يعلن سحب جميع قواته من #تركيا إلى شمال #العراق pic.twitter.com/wTBNLRYiZG

— قناة الجزيرة (@AJArabic) October 26, 2025

أما عسكريا، فيرى أسمر أن القرار يشكّل إقرارا ضمنيا بانكسار الحزب ميدانيا أمام عمليات الجيش التركي المتواصلة في شمالي العراق وسوريا، حيث دمّرت الحملات المتتابعة خطوط إمداد التنظيم وشبكاته اللوجيستية.

ويضيف أن الحزب اختار الانسحاب المنظم لتجنُّب الانهيار الكامل، في حين تمكنّت أنقرة من ترسيخ معادلة جديدة قوامها أن الأمن القومي التركي لا يتجزأ، بفضل التنسيق المتنامي مع بغداد وأربيل وتوسيع نطاق العمليات الاستباقية ضد بؤر الحزب.

لكن أسمر يُحذِّر من أن التحدي الحقيقي يبدأ بعد الانسحاب، فنجاح المرحلة المقبلة مرتبط بقدرة أنقرة على ضبط الفصائل المتبقية، خصوصا تلك المرتبطة بقوات سوريا الديمقراطية "قسد"، وبإدارة الخطاب السياسي داخل حزب المساواة والديمقراطية الذي لا يزال بعض قياداته يتبنى مواقف متشددة.

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: غوث حريات دراسات حزب العمال الکردستانی جبال قندیل

إقرأ أيضاً:

العبود: المبادرة الامريكية للسلام كسرت الجمود السياسي

أكد المحلل السياسي، أحمد العبود، أن الجهود الأمريكية المتعلقة بالملف الليبي، وفي مقدمتها المبادرة الامريكية للسلام، أسهمت في تحريك عدد من المسارات السياسية والاقتصادية والأمنية التي كانت تواجه حالة من الجمود خلال الفترة الماضية.

وأوضح العبود، في حديث على قناة “ليبيا الأحرار”، أن تقييم هذه المبادرة ينبغي أن يتم من خلال النظر إلى مجمل المسارات التي تعمل عليها، مبيناً أنها تشمل الجوانب الاقتصادية والعسكرية والأمنية والسياسية، ومعتبراً أن بعض الانتقادات الموجهة إليها تتجاهل حجم التحديات التي تواجه المشهد الليبي وتعقيداته.

وأضاف أن الولايات المتحدة تعمل في إطار إعادة تموضع استراتيجي في المنطقة، وأن اهتمامها بالملف الليبي أصبح أكثر وضوحاً خلال الأشهر الأخيرة، مشيراً إلى أن التحركات الأمريكية ساهمت، وفق تقديره، في دفع بعض المسارات السياسية إلى الأمام بعد فترة من التعثر.

ورأى العبود، أن الزخم الذي تشهده بعض المبادرات السياسية الحالية، ومن بينها اجتماعات لجنة “4+4” المرتقبة في تونس، لا يمكن فصله بالكامل عن الحراك الدولي والأمريكي المتزايد تجاه الأزمة الليبية، معتبراً أن هذا الحراك ساعد على خلق مناخ أكثر ملاءمة لاستئناف الحوار بين الأطراف المختلفة.

كما استشهد العبود، بالاتفاق الذي أُعلن عنه برعاية المصرف المركزي بشأن الميزانية والإطار التنموي، معتبراً أن مجرد التوصل إلى هذا الاتفاق بعد سنوات من الانقسام يمثل خطوة مهمة في اتجاه توحيد المؤسسات الاقتصادية والمالية.

وأوضح أن الاتفاق شمل التفاهم حول الميزانية الموحدة وآليات توزيع مخصصات التنمية، مشيراً إلى أن هذه الخطوات تمثل أساساً يمكن البناء عليه في المراحل المقبلة.

وأشار إلى أن بعض الإجراءات والإصلاحات الاقتصادية بدأت بالفعل – من وجهة نظره – إلا أن تنفيذ الاتفاقات الكبرى يحتاج إلى وقت وإجراءات فنية وإدارية قبل أن تنعكس بشكل واضح على الواقع الاقتصادي، مؤكداً أن تقييم أي اتفاق يجب ألا يقتصر على نتائجه الفورية فقط، بل ينبغي النظر أيضاً إلى قدرته على إنهاء الانقسامات المؤسسية ووضع أطر مشتركة للعمل بين الأطراف المختلفة.

وأكد العبود، أن الاتفاق تم توقيعه رسمياً وأُعلن عنه من قبل الجهات المختصة، وأن العمل يتركز حالياً على استكمال الآليات والإجراءات التنفيذية اللازمة لتطبيق بنوده، معتبراً أن هذه المرحلة تمثل جزءاً طبيعياً من مسار تنفيذ أي تفاهمات مؤسسية واسعة.

وشدد على أن الحكم النهائي على نتائج المبادرات الأمريكية والمسارات المرتبطة بها يجب أن يكون بناءً على ما ستسفر عنه الأشهر المقبلة من خطوات عملية، سواء على مستوى الإصلاحات الاقتصادية أو التفاهمات السياسية والأمنية الجارية بين الأطراف الليبية.

وقال العبود، إن الحديث عن شراكة سياسية واسعة بين عدد من الأطراف الليبية لا يتعارض مع هدف الوصول إلى الانتخابات، بل يمثل، من وجهة نظره، خطوة ضرورية لتهيئة الظروف السياسية والمؤسسية اللازمة قبل الذهاب إلى أي استحقاق انتخابي.

وأضاف أن القوانين الانتخابية التي أعدتها لجنة “6+6” حاولت معالجة هذه الإشكالية من خلال الربط بين الانتخابات وبين تشكيل سلطة تنفيذية موحدة تشرف على المرحلة الانتقالية وتقود البلاد نحو الاستحقاق الانتخابي.

وفي رده على الانتقادات الموجهة إلى مبادرة مسعد بولس، رفض العبود، وصف المبادرة بأنها غير موجودة أو أنها تفتقر إلى النتائج، مشيراً إلى أنها تقوم على 3 مسارات متوازية تشمل الجانب الاقتصادي، والمسار الأمني والعسكري، إضافة إلى المسار السياسي.

واعتبر أن جزءاً من الحراك السياسي الحالي، بما في ذلك الاجتماعات المرتقبة في تونس، جاء في سياق الزخم الذي وفرته التحركات الدولية والأمريكية خلال الفترة الماضية، مؤكداً أن حالة الانسداد التي وصلت إليها العملية السياسية دفعت مختلف الأطراف إلى البحث عن مقاربات جديدة للحل.

وفيما يتعلق بمسار الأمم المتحدة، رأى العبود، أن بعثة الأمم المتحدة كان بإمكانها البناء على التوافقات التي تحققت سابقاً بين مجلسي النواب والدولة، وخاصة فيما يتعلق بالقوانين الانتخابية، بدلاً من الانتقال إلى مسارات جديدة قبل استنفاد فرص معالجة النقاط الخلافية العالقة.

واعتبر العبود، أن العودة إلى طرح فكرة إجراء الانتخابات في ظل وجود حكومتين من شأنها أن تعيد الأزمة إلى نقطة البداية، معتبراً أن أي مشروع انتخابي جاد يتطلب أولاً وجود سلطة تنفيذية موحدة قادرة على إدارة العملية السياسية وضمان تنفيذ نتائجها.

وحول المضامين السياسية لمبادرة بولس، أكد العبود، أن التصورات المتداولة بشأنها تتحدث عن إعادة هيكلة السلطة التنفيذية، بما يشمل تعديل تركيبة المجلس الرئاسي، والحفاظ على وجود حكومة موحدة تضم مكونات من الحكومتين القائمتين حالياً، بما يساهم في إنهاء حالة الانقسام المؤسسي.

ولفت إلى أن عدم صدور تفاصيل رسمية كاملة حول المبادرة يعود، بحسب تقديره، إلى طبيعة التحركات الدبلوماسية التي تعتمد قدراً من السرية خلال مراحل التفاوض الأولى، بهدف توفير فرص أكبر للتوافق بين الأطراف المختلفة قبل الإعلان عن النتائج النهائية.

وبينّ أن المبادرة لا تزال في طور البناء والتشاور، وأن ما يُتداول بشأنها يمثل تصورات ومناقشات سياسية أكثر من كونه إعلاناً رسمياً نهائياً، مؤكداً أن مخرجاتها السياسية لم تُعلن بصورة كاملة حتى الآن.

ورأى العبود، أن فرص تقدم هذا المسار ما تزال قائمة، متوقعاً أن تتبلور ملامح أوضح خلال الأشهر المقبلة في ظل استمرار الجهود الدولية الرامية إلى إنهاء حالة الانقسام السياسي والمؤسسي في ليبيا. مؤكدا أن الأزمة الليبية وصلت إلى مرحلة لم يعد فيها استمرار الوضع الراهن خياراً مريحاً لجميع الأطراف، ما يجعل البحث عن تسوية سياسية جديدة أمراً مطروحاً بقوة على أجندة الفاعلين المحليين والدوليين خلال الفترة القادمة.

وقال إن الحديث المتداول حول اجتماع تونس المرتقب ضمن صيغة “4+4” يأتي في سياق تطور طبيعي للمسارات السياسية الجارية في ليبيا، مشيراً إلى أن النقاشات الحالية تعكس توجهاً نحو شراكة سياسية حقيقية بين الأطراف الفاعلة بدلاً من الاكتفاء بطرح شخصيات محددة كما كان في السابق.

وأردف العبود، أن أي حديث جاد عن إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية في ليبيا لا يمكن أن يتم في ظل وجود حكومتين متوازيتين، مؤكداً أن العملية الانتخابية تتطلب بالضرورة وجود حكومة موحدة كإطار تنظيمي وإداري لضمان تنفيذ الاستحقاق الانتخابي بشكل صحيح.

وأشار إلى أن محاولات سابقة داخل المسار السياسي، بما في ذلك ما صدر عن مجلس النواب، كانت تهدف إلى معالجة إشكالية غياب الحكومة الموحدة باعتبارها شرطاً أساسياً للانتقال إلى الانتخابات، إلا أن استمرار الانقسام المؤسساتي جعل هذا الهدف غير مكتمل حتى الآن.

وفيما يتعلق بالمبادرات الدولية، اعتبر العبود، أن ما يُعرف بمبادرة مسعد بولس يجري العمل عليها عبر ثلاثة مسارات رئيسية: اقتصادي ومالي، وعسكري وأمني، وسياسي. موضحا أن المسار الاقتصادي ارتبط بإصلاحات في المصرف المركزي وتعاون مع مؤسسات مالية دولية، بينما يركز المسار العسكري على لجان مختصة بملف الحدود والأمن، في حين يتناول المسار السياسي إعادة تشكيل السلطة التنفيذية وبحث ترتيبات انتقالية جديدة.

وأكد أن الاتفاقات الاقتصادية، وعلى رأسها ما يتعلق بتوحيد السياسة النقدية وإقرار ميزانية موحدة، تم توقيعها بالفعل، إلا أن تنفيذها لا يزال في مرحلة البحث عن آليات تطبيقية، مشيراً إلى أن غياب بيانات تنفيذية واضحة حتى الآن يعكس أن هذه التفاهمات لم تصل بعد إلى مرحلة التطبيق الكامل.

وفي المقابل، شدد العبود، على أن النقاش حول الشراكة السياسية، لا يجب أن يُفهم فقط كصيغة لتقاسم السلطة، بل كمرحلة انتقالية تهدف إلى توحيد المؤسسات وتهيئة بيئة سياسية مستقرة يمكن أن تقود لاحقاً إلى انتخابات شاملة.

وأضاف أن طرح توسيع دائرة الفاعلين السياسيين عبر إدماج أطراف متعددة يعكس محاولة لمعالجة الانسداد السياسي القائم، في ظل تعثر المسارات التقليدية للحل، سواء الأممية أو المحلية.

وحسب العبود، فإن المسارات الجارية، بما فيها اجتماع تونس، لا يمكن فصلها عن الحراك الدولي والإقليمي الداعم لإعادة ترتيب المشهد السياسي الليبي، مشيراً إلى أن نجاح هذه الجهود يبقى مرهوناً بقدرتها على الانتقال من التفاهمات العامة إلى خطوات تنفيذية واضحة وملزمة لجميع الأطراف.

وقال إن النقاش الدائر حول ما يُعرف بـ “الشراكة السياسية الحقيقية” المطروحة ضمن المبادرات الدولية يثير مخاوف مشروعة من أن تتحول إلى صيغة لتقاسم السلطة والبقاء في الحكم بدلاً من أن تكون مرحلة انتقالية تقود إلى انتخابات شاملة. موضحا أن ضمان تحول هذه الشراكة إلى مسار انتخابي فعلي لا يقوم على عامل واحد، بل يرتكز على ثلاثة مستويات رئيسية من الضمانات.

وتابع: الضمانة الأولى تتمثل في قوة الدفع الأمريكية والانخراط الدولي في المسار السياسي، معتبراً أن هذا العامل قد يشكل مظلة ضغط وضمان نسبي لتوجيه العملية نحو الانتخابات، مقارنة بالبعثة الأممية التي وصفها بأنها ضعيفة وهشة وغير قادرة على فرض تنفيذ الاتفاقات.

وأضاف أن التجارب السابقة، مثل اتفاق الصخيرات، أظهرت، بحسب تعبيره، غياب آليات فعالة لضمان الالتزام بالمدد الزمنية والالتزامات السياسية، حيث استمرت بعض الحكومات لفترات أطول بكثير من المدد المحددة في الاتفاقات الأصلية.

أما الضمانة الثانية، حسب العبود، فتتمثل في دور البعثة الأممية عبر ما وصفه بـ “الدعم الجماعي” من أعضاء مجلس الأمن، مشيراً إلى أن فاعلية هذا الدور تبقى محدودة في ظل غياب أدوات تنفيذ مباشرة.

وأكد أن الضمانة الثالثة والأهم تتمثل في الأطراف الليبية نفسها، من خلال التزامها الفعلي بمبدأ التداول السلمي على السلطة وحماية مسار التوحيد السياسي والمؤسساتي، مشيراً إلى أن الواقع السياسي الليبي أظهر خلال مراحل سابقة تراجعاً في الالتزام بهذا المبدأ، سواء بعد انتخابات 2012 أو خلال مسارات الحوار اللاحقة.

واعتبر العبود، أن التجربة الليبية خلال السنوات الماضية لم تُظهر مؤشرات قوية على وجود التزام راسخ بمبدأ التداول السلمي للسلطة، مشيراً إلى أن نتائج الاستحقاقات الانتخابية السابقة كثيراً ما أعقبها انقسام سياسي وصراعات مؤسسية.

واستطرد: مخرجات بعض الحوارات السياسية، بما فيها الأطر الأممية، لم تكن ملزمة بما يكفي لضمان استقرار سياسي طويل الأمد أو منع إعادة إنتاج الانقسام.

وأكد العبود، أن غياب ضمانات حقيقية وملزمة على المستويات الدولية والمحلية يجعل من الصعب الجزم بأن الشراكة السياسية المطروحة حالياً ستقود بالضرورة إلى انتخابات، محذراً من إمكانية تحولها إلى صيغة دائمة لإدارة السلطة وتقاسم النفوذ بدلاً من إنهاء المرحلة الانتقالية.

وقال إن تقييم نجاح مسار “4+4” المرتبط بالحوار السياسي في تونس لا يمكن أن يتم بناءً على الإعلان أو التوقعات، وإنما عبر المخرجات الفعلية والتنفيذ على الأرض، مشدداً على أن الإنجاز الحقيقي لا يُقاس إلا بما يتحقق فعلياً وليس بما يُعلن.

وأوضح العبود، أن الحديث عن نجاح أي مسار سياسي في ليبيا يجب أن يستند إلى نتائج ملموسة، مستشهداً بعمل لجنة “6+6” التي أنتجت مخرجات محددة، موضحاً أنه في حال عدم تحقق نتائج مماثلة فإن الحديث عن نجاح أي لجنة يظل غير دقيق.

وأضاف أن مسار استكمال المفوضية العليا للانتخابات يُعد مثالاً واضحاً على التحديات القائمة، مشيراً إلى أن الخلاف الحقيقي لا يتعلق بأعضاء المفوضية، بل يتركز أساساً حول منصب الرئيس، في حين أن كل طرف يقوم بتسمية ثلاثة أعضاء وفق التوافقات السابقة.

وأوضح العبود، أن هذا الترتيب، رغم التفاهمات الأولية، لم ينعكس بعد على الواقع العملي، ولم يحقق أي تغيير جوهري في سير العملية الانتخابية، ما يجعل وصفه بالإنجاز محل نقاش، وفق تعبيره. متسائلا عن جدوى اعتبار هذا التقدم إنجازاً في ظل عدم استكمال البنية المؤسسية للمفوضية، وعدم حسم ملف رئاستها، وعدم صدور أي قرارات تنفيذية نهائية من الجهات القضائية ذات الصلة.

وأشار العبود، إلى أن الإشكالية القانونية والتنظيمية ما زالت قائمة، خصوصاً فيما يتعلق بآليات ترشيح واختيار رئيس المفوضية عبر السلطة القضائية، في ظل ما وصفه بتعقيدات تتعلق بالقانون واللوائح وآليات عمل المجلس الأعلى للقضاء.

وشدد العبود على أن الإشكال القائم يتمثل في بقاء ملف رئاسة المفوضية معلقاً دون حسم، وهو ما يجعل أي توصيف للمسار بأنه “ناجح” أو “مكتمل” أمراً غير دقيق، بحسب قوله.

واختتم العبود، بالإشارة إلى أن ما يجري حالياً يمكن وصفه بأنه حالة “انتظار وترقب”، حيث يبقى الحكم على هذه المسارات مرهوناً بالمخرجات النهائية وليس بالمقدمات أو الاتفاقات الجزئية، مؤكداً أن أي إنجاز سياسي أو انتخابي سيظل “برسم المجهول” ما لم يتحول إلى خطوات تنفيذية واضحة وملزمة.

مقالات مشابهة

  • هجوم صاروخي يستهدف مقرات أحزاب إيرانية معارضة شمالي العراق
  • العبود: المبادرة الامريكية للسلام كسرت الجمود السياسي
  • مبعوث ترمب: إعادة السلاح إلى الدولة بداية عهد جديد في العراق
  • خطوط كوردستانية وتركية تعزز الكهرباء: 1200 ميغاواط جديدة تدخل العراق
  • وفد من حماس يبحث مع رئيس المخابرات التركية تصاعد العدوان على غزة
  • البرهان يصل تركيا في زيارة غير معلنة وأردوغان يتحدث اللغة العربية في إستقباله بالمجمع الرئاسي “فيديو”
  • بعد تدخل مستقبل وطن.. وزير النقل يوجه ببدء أعمال تركيب حواجز حماية على جانبي ترعة المريوطية بداية من صباح الغد
  • العودات يطلق برنامج التمكين السياسي لدى الشباب في الأحزاب السياسية “سيادة القانون وقيم المواطنة الفاعلة”
  • تركيا.. تهمة جديدة تلاحق أوزجور أوزال
  • تركيا: إصابة مواطنين اثنين في استهداف سفينة شحن بالبحر الأسود